Indexed OCR Text
Pages 501-520
الجزء الأول
٤٨٥
نواقض الوضوء
ثم قهقَهَ المؤتَمُّ ولو مسبوقاً فلا نقضَ بخلافها بعدَ كلامه عمداً في الأصحِّ، ومن مسائلٍ ...
[١١٩٣] (قولُهُ: ثم قهقَهَ المؤتَمُّ) أمَّا لو قهقَهَ قبل إمامه أو معه بطَلَ وضوءُه دون صلاته
لوجودها في حرمة الصلاة، "سراج"(١).
[١١٩٤] (قولُهُ: ولو مسبوقاً) ردٌّ على "الدُّرر"(٢).
[١١٩٥] (قولُهُ: فلا نقضَ) أي: لوضوء المؤتَمِّ؛ لأنَّ قهقهته وقعتْ بعد بطلان صلاته بقهقهةِ
إمامه خلافاً لهما في المسبوق، حيث قالا: لا تفسد صلاته، ويقوم إلى قضاء ما فاته، وفي فساد
صلاة اللاحق روايتان عن "أبي حنيفة"، "سراج"(٣).
٩٨/١
[١١٩٦] (قولُهُ: بخلافها) أي: بخلاف قهقهةِ المأموم بعد كلام الإمام عمداً، وكذا بعد سلامه
عمدً؛ لأَنّهما قاطعان للصلاة لا مفسدان؛ إذ لم يفوِّنًا شرطَها - وهو الطهارة - فلم يفسدْ بهما
شيءٌ من صلاة المأموم، فينتقضُ وضوءه بقهقهته، أمَّا حدتُه عمداً - وكذا قهقهتُه عمداً - فمفوِّنان
للطهارة، فيفسدُ جزءٌ يلاقيانه، فيفسد من صلاة المأموم كذلك، فتكون قهقهةُ المأموم بعد الخروج
من الصلاة، فلا تنقض، وتمامُهُ في "حاشية نوح أفندي".
[١١٩٧) (قولُهُ: في الأصحِّ) مقابلُه ما في "الخلاصة"(٤)، حيث صحَّحَ عدم فساد الطهارة
[١/ق ١١٠/ب] بقهقهةِ المأموم بعد كلام الإمام أو سلامه عمداً، قال في "الفتح"(٥): ((ولو قهقَهَ
بعد كلام الإمام عمداً فسدت كسلامه على الأصحِّ، على خلافِ ما في "الخلاصة")) اهـ.
(قولُهُ: خلافاً لهما في المسبوق حيث قالا: لا تفسُدُ صلاته) أي: إذا قهقَهَ إمامُهُ بعد قعوده قدرَ التشهُّد ولم
يُقهِهْ، ووجهُ عدم فساد صلاتِهِ أنَّ متابعته له انتهت بالقعود وصار منفرداً، فلا يتعدَّى الفساد لصلاته.
(١) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة ١/ق١٩/أبتصرف.
(٢) "الدرر": كتاب الطهارة - نواقض الوضوء ١٦/١.
(٣) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة ١/ق١٩/أبتصرف.
(٤) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الثالث في الوضوء ومسائل النوم والقهقهة ق٧/ب.
(٥) "الفتح": كتاب الطهارات - فصل في نواقض الوضوء ٤٧/١.
قسم العبادات
٤٨٦
حاشية ابن عابدين
الامتحان: ولو نسِيَ الباني المسحَ، فقهقَهَ قبل قيامِهِ للصلاة انتقَضَ لا بعدَهُ لبطلانها بالقيام
إليها (ومباشرةٌ فاحشةٌ) بتماسِّ الفرجين ولو بين المرأتين والرَّجُلين.
أقولُ: وما في "الفتح" صحَّحَهُ في "الخالنَّةِ"(١) أيضاً.
[١١٩٨] (قولُهُ: الامتحانِ) أي: اختبارِ ذهن الطالب.
[١١٩٩) (قولُهُ: المسحَ) أي: مسحَ الخفِّ أو الرأس أو الجبيرة، قال "ط"(٢): ((وكذا لو نسيَ
غسلَ بعض أعضائه؛ إذ المسحُ ليس قيداً على ما يظهرُ)).
[١٢٠٠] (قولُهُ: قبل قيامِه للصلاة) أي: قبل شروعه فيها كأنْ قهقَهَ حالَ رجوعه.
[١٢٠١) (قولُهُ: انتقَضَ) لأَنَّه في الصلاة حكماً، وهذا على ما جزَمَ به "الزيلعيُّ)(٣) من إحدى
الروايتين من انتقاض طهارة الباني لو قهقَهَ في الطريق كما قدّمناه(٤).
[١٢٠٢] (قولُهُ: لا بعده) أي: لا ينتقض لو قهقَهَ بعد قيامه لها، أي: شروعِه فيها؛ لأَنَّه لَمَّا شرَعَ
فيها وهو ذاكرٌ أَنَّ لم يمسحْ فقد بطلت صلاته، فتكونُ قهقهته بعده خارج الصلاة، فلا تنقض.
ووجهُ الامتحان فيها أنَّه يقال: أيُّ قهقهةٍ تنقضُ الوضوءَ قبل الشُّروع في الصلاة حقيقةً لا بعده ؟
[١٢٠٣) (قولُهُ: ومباشرةٌ) مأخوذةٌ من البشرة، وهي ظاهرُ الجلد.
[١٢٠٤] (قولُهُ: فاحشةٌ) المرادُ بالفحش الظهورُ، لا الذي نهى عنه الشارع؛ إذ قد تكونُ بين
الرَّجُل وامرأته، أو المعنى: فاحشةٌ أنْ لو كانت مع الأجنبيّة، أو باعتبار أغلبٍ صورها؛ لأنَّها تكون
بين المرأتين والرَّجُلين، والرَّجُل والغلام، ثم هي من الناقض الحكميِّ، "ط " (٥).
[١٢٠٥] (قولُهُ: بتماسِ الفَرْجين) أي: من غيرِ حائلٍ من جهة القُبل أو الدُّبر، "شرح المنية)"(٦).
(١) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل فيما ينقض الوضوء ٣٩/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "ط": كتاب الطهارة ٨٤/١.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة ١١/١.
(٤) المقولة [١١٨٢] قوله: ((كالباني)).
(٥) "ط": كتاب الطهارة ٨٤/١.
(٦) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في نواقض الوضوء صـ١٤٣ -.
الجزء الأول
٤٨٧
نواقض الوضوء
مع الانتشار ..
ثُمَّ المنقولُ أنَّ ظاهر الرِّواية عدمُ اشتراطه، وفي "الينابيع": ((روى "الحسنُ" اشتراطَ التَّماسِّ،
وهو أظهرُ، وصحَّحَهُ "الإسبيجابيُّ"(١)، وفي "الزيلعيّ))(٢): أَنَّه الظاهرُ)) اهـ. أي: من جهة الدِّراية
لا الرِّواية، أفاده في "البحر"(٣).
ويشترطُ أنْ يكون تماسُّ الفَرْجين من شخصين مشتهَبين بدليلٍ ما سيذكره(٤) "الشارح" في
الغُسل: ((أَنَّه لا يجبُ الغُسل بوطء صغيرةٍ غيرِ مشتهاةٍ، ولا ينتقضُ الوضوء إلخ))، تأمَّل.
[١٢٠٦] (قولُهُ: مع الانتشار) هذا في حقِّ نقض وضوئه لا وضوئها، فإنَّه لا يشترطُ في نقضه
انتشارُ آلة الرَّجُل، "قنية"(٥).
(١) "الإِسْبِيجَابي": نسبةٌ لعدة أعلام في المذهب، أشهرهم ثلاثة:
١ - أبو نصر أحمد بن منصور القاضي الإسبيجابي المتوفى في حدود سـ٤٨٠ سنة هـ ("الجواهر المضية "٣٣٥/١، "الفوائد البهية" صـ٤٢-).
٢°- أبو المعالي محمد بن أحمد بن يوسف المرغيناني الإسبيجابي المتوفى في أواخر القرن السادس الهجري. ("تاج التراجم" صـ٢١٠-،
"الفوائد البهية" ص١٥٨-).
٣°- علي بن محمد بن إسماعيل، بهاء الدين شيخ الإسلام الإسبيجاني السمر قندي المتوفى سـ٣٥ منةهـ. ("الجواهر المضية" ٥٩١/٢،
"الفوائد البهية" صـ ١٢٤-).
ونُقُول ابن عابدين عن الإسبيجابي - بعد الاستقراء والتتبع - هي من "شرح مختصر الطحاوي"، ولهؤلاء الثلاثة شرح على
"مختصر الطحاوي"، والذي يترجح لدينا أنّ المقصود من الإسبيجابي عند الإطلاق هو القاضي أبو النصر، لما ورد في "الحاشية"
٤٥٠/٣: ((أنّ الذي مشى عليه الإسبيجابي في "الجامع الصغير" و"شرح الطحاوي"٠٠٠))، والإسبيجابي الذي شَرَّح "الجامعَ
الصغير" هو القاضي أبو النصر لا غير.
على أننا رجعنا إلى شرح أبي المعالي الإسبيجابي على "مختصر الطحاوي"(مخطوط) وإلى شرح بهاء الدين شيخ الإسلام على
"مختصر الطحاوي" (مخطوط) في مكتبة الأسد فلم نجد فيهما كثيراً من نُقُول ابن عابدين، وعثرنا على الجزء اليسير منها فقط،
الأمر الذي رجّح لدينا أن المقصود شرح القاضي أبي النصر والله أعلم. ومما يجدر ذكره أنّ بعض النقول التي عثرنا عليها في
الشرحين المذكورين متفق بحرفيته بينهما، ولعله من باب اتفاق عبارات الفقهاء، والله ولي التوفيق.
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة ١٢/١.
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ٤٤/١.
(٤) "در" صـ ٥٥٣ ..
(٥) "القنية": كتاب الطهارة - باب ما ينقض الوضوء ق٣/أ.
قسم العبادات
٤٨٨
حاشية ابن عابدين
(للجانبين) المباشِرِ والمباشَرِ ولو بلا بَلَلٍ على المعتمد.
(لا) ينقضُهُ (مسُّ ذَكَرٍ)
وفي "الشرنبلالية"(١): ((زاد "الكمالُ"(٢) في تفسيرها المعانقةَ، وتبعَهُ صاحب "البرهان"، فقال:
وهي: أنْ يتحرَّدا معاً متعانقين متماسَّى الفرجين)).
[١٢٠٧] (قولُهُ: للجانبين) فينتقضُ وضوء المرأة، وما في "الحلبة"(٣) حيث قال: ((إنّي لم أقفْ
عليه إلاَّ [١/ق ١١١/أ] في "المنية"(٤)، وفيه تأمُّلٌ)) ردَّه في "البحر "(٥) و"النهر "(٦).
[١٢٠٨) (قولُهُ: على المعتمد) وهو قولهما؛ لأنَّها لا تخلو عن خروج مذْىٍ غالباً، وهو
كالمتحقّقِ في مقام وجوب الاحتياط إقامةً للسبب الظاهر مُقَامَ الأمر الباطن، وقال "محمد": لا
تنقضُ مالم يظهرْ شيءٌ، وصحَّحَهُ في "الحقائق)(٧)، وردّه في "البحر "(٨) و"النهر"(٩) بما نقَلَهُ في
"الحلبة"(١٠) عن "التحفة"(١١): ((من أنَّ الصحيح قولُهما، وهو المذكورُ في المتون)).
(قولُهُ: إلاَّ في "المنية") عبارة "البحر" و"الحلبة": ((إلاَّ في "القنية")) بدلَ "المنية".
(١) "الشرنبلالية": كتاب الطهارة - نواقض الوضوء ١٦/١ (هامش"الدرر والغرر").
(٢) "الفتح": كتاب الطهارة - فصل في نواقض الوضوء ٤٨/١.
(٣) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في نواقض الوضوء ١/ق٢٤٩/ب.
(٤) كذا في النسخ جميعها، والذي في "الحلبة" و"البحر" و"النهر": (("القنية")). والمسألة في "القنية": كتاب الطهارة -
باب ما ينقض الوضوء ق٣/أ، ولم نجدها في "المنية".
(٥) "البحر": كتاب الطهارة ٤٥/١.
(٦) "النهر": كتاب الطهارة ق ٩/ب.
(٧) "حقائق المنظومة": باب فتاوى العالم الرباني محمد بن الحسن الشيباني ق١٥٧/ب، وهو لأبي المحامد محمود بن
محمد بن داود اللؤلؤي البخاري الأَفْشَنَجي، وقيل: الإِفْسِنْجي(ت ٦٧١هـ) شرح" منظومة الخلافيات" لأبي حفص
عمر بن محمد، نجم الدين النّسَفي(ت٥٣٧هـ). ("كشف الظنون" ١٨٦٧/٢-١٨٦٨، "الجواهر المضية"٦٥٧/٢،
٤٤٩/٣، "الأعلام ١٨٢/٧).
(٨) "البحر": كتاب الطهارة ٤٥/١.
(٩) "النهر": كتاب الطهارة ق٩/ب.
(١٠) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في نواقض الوضوء ١/ق٢٤٩/ب.
(١١) "تحفة الفقهاء": كتاب الطهارة ٢٢/١.
الجزء الأول
٤٨٩
ما لا ينقض الوضوء
لكنْ يَغْسِلُ يدَهُ ندباً (وامرأةٍ) وأمردَ،
١٠
قلت: لكنْ في "الحلبة"(١) قال بعدَما نقَلَ تصحيح قولهما: ((ولقائل أن يقول: الأظهرُ
وجهُ "محمَّدٍ"، فقولُهُ أوجهُ ما لم يثبتْ دليلٌ سمعيٌّ يفيدُ ما قالاه)) اهـ.
وفي "شرح الشيخ إسماعيل"(٢) عن "شرح البِرْجَندي": ((وأكثرُ الكتب متظافرةٌ على أنَّ الصحيحَ
المفتى به قولُ "محمَّدٍ"، وعدمُ ذكرِ صاحب "الهداية" لها في النواقض يُشعِرُ باختياره)) اهـ تأمَّل.
[١٢٠٩] (قولُهُ: لكنَّ يَغْسِلُ يدَهُ ندباً) لحديث: (مَن مسَّ ذكَرَهُ فليتوضَّأُ)(٣)، أي: لِيغسلْ يدَه
جمعاً بينه وبين قوله:﴿: ((هل هو إلاَّ بضعةٌ منك) حين سُئِلَ عن الرَّجُل يمَسُّ ذكَرَه بعدما يتوضَّأ،
وفي روايةٍ: ((في الصلاة))، أخرجَهُ "الطحاويُّ" و"أصحابُ السنن" إلَّ "ابن ماجه"، وصحَّحَهُ "ابن
حبان"، وقال "الترمذيُّ"(٤): ((إنَّه أحسنُ شيءٍ يُروى في هذا الباب وأصحٌّ)).
ويشهدُ له ما أخرجَهُ "الطحاويُّ(٥) عن "مصعبِ بن سعدٍ" قال: ((كنتُ آخذاً على أبي
المصحفَ، فاحتككتُ فأصبتُ فرجي، فقال: أصبتَ فرجك؟ فقلت: نعم، فقال: قمْ فاغسلْ يدَك))،
وقد ورَدَ تفسيرُ الوضوء بمثله في الوضوء مما مسَّتْه النار، وتمامُهُ في "الحلبة"(٦) و"البحر)"(٧).
(قولُهُ: في الوضوءِ مما مسَّتْهُ النارُ) أي: الوضوءِ من أكلِ ما مسَّته النار، والمراد غَسلُ اليدين.
(١) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في نواقض الوضوء ١/ق٢٤٩/ب.
(٢) "الإحكام": كتاب الطهارة ١/ق٩٣/ب.
(٣) أخرجه أبو داود (١٨١) كتاب الطهارة - باب الوضوء من مس الذكر، والترمذي (٨٢) كتاب الطهارة - باب الوضوء من مس
الذكر، وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي ٢١٦/١ كتاب الغسل - باب الوضوء من مس الذكر، وابن ماجه (٤٧٩)
كتاب الطهارة - بأب الوضوء من مس الذكر، عن بُسرة بنت صفوان مرفوعاً.
(٤) أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار": ٧٦/١ كتاب الطهارة - باب مس الفرج هل يجب فيه الوضوء، وأخرجه
أبو داود (١٨٢) كتاب الطهارة - باب الرخصة في ذلك (عدم الوضوء من مس الذكر)، والترمذي (٨٥) كتاب الطهارة -
باب ما جاء في ترك الوضوء من مس الذكر، والنسائي ١٠١/١ كتاب الطهارة - باب ترك الوضوء من ذلك (مس الذكر)،
وابن حبان في "صحيحه": (١١١٩) و(١١٢٠) كتاب الطهارة - باب نواقض الوضوء.
(٥) "شرح معاني الآثار": ٧٧/١ كتاب الطهارة - باب مس الفرج هل يجب فيه الوضوء أم لا؟
(٦) انظر "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في نواقض الوضوء ١/ق ٢٥٠/أ.
(٧) انظر "البحر": كتاب الطهارة ٤٥/١ - ٤٦.
قسم العبادات
٤٩٠
حاشية ابن عابدين
لكنْ يُنْدَبُ للخروج من الخلاف لا سيَّما للإمام، لكنْ بشرطِ عدمٍ لزومِ ارتكابِ مكروهٍ
.......
مذهبه، (كما) لا ينقُضُ (لو خرَجَ من أذنه) ونحوِها كعينه وثديه (قيحٌ) ونحوُهُ ...
أقولُ: ومُعادُه استحبابُ غسلِ اليدِ مطلقاً كما هو مُعَاد إطلاق "المبسوط)"(١) خلافاً لِما استفادَهُ في
"البحر"(٢) من عبارة "البدائع"(٢) من تقييده: ((ما إذا كان مستنجياً بالحجر)) كما أوضحَهُ في "النهر (٤).
[١٢١٠] (قولُهُ: لكنْ يُنْدَبُ إلخ) قال في "النهر"(٥): ((إلاَّ أنَّ مراتب الندب تختلفُ بحسب قوَّةٍ
دلیل امخالف وضعفه)).
مطلبٌ في ندب مراعاة الخلاف إذا لم يرتكِبْ مكروه مذهبهِ
[١٢١١) (قولُهُ: لكنْ بشرطٍ) استدراكٌ على مافُهِمَ من الكلام من أنَّ الإمام يراعي مذهبَ مَن
يقتدي به سواءٌ كان في هذه المسألة أو في غيرها، وإلاَّ فالمراعاةُ في المذكور هنا ليس فيها ارتكابُ
مكروهِ مذهبه. اهـ "ح"(٦).
بقيَ: هل المرادُ بالكراهة هنا ما يعمُّ التنزيهَّةَ؟ توقّفَ فيه "ط)(٧)، والظاهرُ نعم كالتغليس في
[١/ق ١١١/ب] صلاة الفجر، فإنَّه السنّةُ عند "الشافعيّ" مع أنَّ الأفضل عندنا الإسفارُ، فلا يندبُ
٩٩/١ مراعاة الخلاف فيه، وكصوم يوم الشكِّ، فإنّه الأفضلُ عندنا، وعند "الشافعيِّ" حرامٌ، ولم أرَ مَن قال:
يندبُ عدم صومه مراعاةً للخلاف، وكالاعتماد وجلسةِ الاستراحة، السنَّةُ عندنا تركُهما، ولو فعلَهما
لا بأس كما سيأتي في محلّه(٨)، فيكرهُ فعلُهما تنزيهاً مع أنَّهما سنتان عند "الشافعيّ".
(١) "المبسوط": كتاب الصلاة - باب الوضوء والغسل ٦٧/١.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ٤٧/١.
(٣) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في آداب الوضوء ٣٠/١.
(٤) "النهر": كتاب الطهارة ق٩/ب.
(٥) "النهر": كتاب الطهارة ق٩/ب.
(٦) "ح": كتاب الطهارة ق ١٠/ب.
(٧) "ط": كتاب الطهارة ٨٥/١.
(٨) المقولة [٤٣٢٧] قوله: ((بلا اعتماد)).
الجزء الأول
٤٩١
ما لا ينقض الوضوء
كصديدٍ وماءِ سرَّةٍ وعينٍ (١) (لا بوجعٍ، وإِنْ) خرَجَ (به) أي: بوجعٍ (نقَضَ) لأَنَّه دليلُ
الجرح، فدمعُ مَنْ بِعِينِهِ رمدٌ ..
[١٢١٢] (قولُهُ: وصديدٍ)(٢) في "المغرب"(٣): ((صديدُ الجرح: ماؤه الرقيق المختلِط بالدَّم)).
(١٢١٣) (قولُهُ: وعينٍ) أي: وماءِ عينٍ، وهو الدَّمع وقتَ الرَّمَد، وفي بعض النسخ: ((وغيرِهِ))
بدل ((وعينٍ))، أي: غيرِ ماء السُّرَّةِ كماء نقطةٍ وجرحٍ.
(١٢١٤) (قولُهُ: لا بوجعٍ) تقييدٌ لعدم النقض بخروج ذلك، وعدمُ النقض هو ما مشى عليه في
"الدرر"(٤) و"الجوهرة"(٥) و"الزيلعيّ"(٦) معزيًّاً لـ "الحَلْواني"، قال في "البحر)"(٧): ((وفيه نظرٌ، بل الظاهرُ
إذا كان الخارجُ قيحاً أو صديداً النقضُ، سواءٌ كان مع وجعٍ أو بدونه؛ لأَنَّهما لا يخرجان إلاَّ عن علّةٍ،
(قولُهُ: كماءِ نَفْطةٍ) في "القاموس": (( النَّفْطَةُ - ويُكسَرُ وكَفَرِحةٍ - الْجُدَرِيُّ والبَثْرَةُ، والبَثْرُ: الكثيرُ،
والقليلُ، وخُراجٌ صغيرٌ )) اهـ.
(قولُهُ: وفيه نظرّ، بل الظَّاهرُ إلخ) هذا بحثٌ لا يُعارِض النصَّ، فاللازمُ التعويلُ عليه وإنْ لم يظهر وجهُهُ،
ويمكن أنْ يُوجَّهَ بأنَّ القيح مثلاً وإنْ كان خروجُهُ لا يكون إلاَّ عن علَّةٍ إلاَّ أنّه لا يدلُّ على وجودها حالَ بُروزِهِ
خارجَ الأذن، بل يُحتمَلُ أنَّها وُجدت ثُمَّ بَرِئَتْ بعدَما انفصَلَ الدمُ عنها داخل الأذن، ثمَّ خرَجَ لظاهرها، وهذا
غيرُ كافٍ للنقض، فلا يُحكَمُ به مع الشكِّ، بخلاف ما إذا كان مع الوجَعِ، فإنّه دليلٌ على تحقَّقِ العَلَّةِ حال
خروجه لظاهر الأذن، فالمدارُ في النقض على العلَّةِ المشاهَدِ أو على ما يدلُّ عليها من الوجع، وما هنا يصلُحُ
مقيِّداً لإطلاق ما في المتون والشَّروح، تأمَّل.
(١) في "و": ((وغيره)) بدل ((وعين)).
(٢) قوله: ((وصديد)) هكذا بخطه، والذي في نسخ الشارح: ((كصديد)) بكاف التشبيه. اهـ مصححه
(٣) "المغرب": مادة((صدد)).
(٤) "الدرر": كتاب الطهارة - نواقض الوضوء ١٦/١.
(٥) "الجوهرة النيرة": كتاب الطهارة - نواقض الوضوء ٩/١.
(٦) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة ٨/١.
(٧) "البحر": كتاب الطهارة ٣٤/١.
قسم العبادات
٤٩٢
حاشية ابن عابدين
أو عمشٌ ناقضٌ، فإن استمَرَّ صار ذا عذرٍ، ..
نعم هذا التفصيلُ حسنٌ فيما إذا كان الخارجُ ماءً ليس غير)) اهـ.
وأقرَّهُ في "الشرنبلالية"(١)، وأَيَدَهُ بعبارة "الفتح"(٢): ((الجرحُ والنفطة وماءُ الثدي والسُّرَّةِ
والأذن إذا كان لعلَّةٍ سواءٌ على الأصحِ)) اهـ.
فالضمير في ((كان)) للماء فقط، فهو مؤيّدٌ لكلام "البحر"، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الوجع غيرُ قيدٍ،
بل وجودُ العَلَّةِ كافٍ.
وما بحثَّهُ في "البحر" مأخوذٌ من "الحلبة"(٣)، واعترضَهُ في "النهر "(٤) بقوله: ((لِمَ لا يجوز أنْ يكون
القيحُ الخارج من الأذن عن ◌ُرِحٍ بَرَأْ، وعلامته عدمُ التَّلَّم؟ فالحصرُ ممنوعٌ)) اهـ.
أي: الحصرُ بقوله: ((لا يخرجان إلاَّ عن عَلَّةٍ))، وأنت خبيرٌ بأنَّ الخروج دليلُ العَّةِ ولو بلا ألمٍ،
وإنما الأَلَمُ شرطٌ للماء فقط، فإِنَّه لا يُعلَمُ كونُ الماءِ الخارج من الأذن أو العين أو نحوهما دماً متغيِّراً إلاَّ
بالعَلَّة، والأَلَمُ دليلها بخلاف نحو الدَّم والقيح، ولذا أطلقوا في الخارج من غير السبيلين كالدم والقيح
والصديد أنّه ينقضُ الوضوء، ولم يشترطوا سوى التجاوزِ إلى موضعٍ يلحقُه حكمُ التطهير، ولم يقيِّدوه في
المتون ولا في الشروح بالألم ولا بالعلَّة، فالتقييدُ بذلك في الخارج من الأذن مُشكِلٌ لمخالفته لإطلاقهم.
[١٢١٥] (قولُهُ: وعمشٌ) هو ضعفُ الرؤية مع سيلان الدمع في أكثر الأوقات،
[١/ق١١٢/ أ] "درر"(٥) و"قاموس"(٦).
[١٢١٦) (قولُهُ: ناقضٌ إلخ) قال في "المنية(٧): ((وعن "محمَّدٍ": إذا كان في عينه رمدٌ، وتسيلُ
(١) "الشرنبلالية": كتاب الطهارة ١٦/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٢) "الفتح": كتاب الطهارة - فصل في نواقض الوضوء ٣٤/١.
(٣) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في نواقض الوضوء ١/ق٢٣٧/أ.
(٤) "النهر": كتاب الطهارة ق٨/أ.
(٥) "الدرر": كتاب الطهارة - نواقض الوضوء ١٦/١.
(٦) "القاموس": مادة ((عمش)).
(٧) انظر"شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في نواقض الوضوء صـ١٣٣ -.
الجزء الأول
٤٩٣
ما لا ينقض الوضوء
الدموع منها آمُرُه بالوضوء لوقت كلِّ صلاةٍ؛ لأَنِّي أخاف أنْ يكون ما يسيلُ منها صديداً، فيكون
صاحبَ العذر)) اهـ.
قال في "الفتح"(١): ((وهذا التعليلُ يقتضي أنَّه أمرُ استحبابٍ، فإنَّ الشكَّ والاحتمال لا
يوجب الحكمَ بالنقض؛ إذ اليقينُ لا يزول بالشكِّ، نعم إذا عُلِمَ بإخبار الأطَّاء أو بعلاماتٍ تغلِبُ
ظنَّ المبتَلَى يجبُ)) اهـ.
قال في "الحلبة"(٢): ((ويشهدُ له قولُ "الزاهديِّ" عقب هذه المسألة: وعن "هشام" في
"جامعه"(٣): إنْ كان قيحاً فكالمستحاضة، وإلاَّ فكالصحيح)) أهـ، ثمَّ قال في "الحلبة"(٤).
((وعلى هذا ينبغي أنْ يُحمَلَ على ما إذا كان الخارجُ من العين متغيّراً)) اهـ.
أقولُ: الظاهرُ أنَّ ما استشهَدَ به روايةٌ أخرى لا يمكنُ حملُ ما مرَّ(٥) عليها بدليل قول "محمَّدٍ":
لأَنّي أخافُ أنْ يكون صديداً؛ لأَنّه إذا كان متغيِّراً يكون صديداً أو قيحاً، فلا يناسبُه التعليلُ
بالخوف، وقد استدرَكَ في "البحر"(٦) على ما في "الفتح"(٧) بقوله: ((لكنْ صرَّحَ في "السِّراج"(٨):
(قولُهُ: قال في "الفتح": وهذا التعليلُ يقتضي أنَّه أمرُ استحبابٍ إلخ) أي: في مسائلِ المعذور، وعبارتُهُ هنا
تفيدُ الجزم بالنقض، ونصُّها: ((قالوا: مَن رَمِدت عيناه وسالَ منهما الماءُ وجَبَ عليه الوضوء، فإنِ استمَرَّ
فلوقتِ كلِّ صلاةٍ)) اهـ. قال في "النهر": ((وهذا الاحتمالُ راجحٌ للمرض)).
(١) "الفتح": كتاب الطهارات - فصل في الاستحاضة ١٦٤/١.
(٢) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في نواقض الوضوء ١/ق٢٣٧/أ.
(٣) هشام بن عبيد الله - وقيل: عبد الله - الرازي(ت ٢٢١هـ، وقيل: ٢٠١) كان تلميذاً لأبي يوسف ومحمد، له كتاب "النوادر"
و"صلاة الأثر". ("الجواهر المضية ٥٦٩/٣١، "الفوائد البهية" ص ٢٢٣-، "الأعلام"٨٧/٨)، ولم تذكر له كتبُ التراجم كتاباً
مسمّى بـ"الجامع"، ولعل المقصود بـ "جامع هشام" كتابه "النوادر"، ويؤيده ما في "الحلبة": ((كذا ذكره بنحوه عنه هشام في
نوادره ... ومما يشهد لهذا ما في شرح الزاهدي عقب هذه المسألة: وعن هشام في جامعه)) اهـ. والله تعالى أعلم.
(٤) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في نواقض الوضوء ١/ق٢٣٧/أ.
(٥) في هذه المقولة.
(٦) "البحر": كتاب الطهارة - باب الحيض ٢٢٧/١.
(٧) "الفتح": كتاب الطهارات - فصل في الاستحاضة ١٦٤/١.
(٨) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة - باب الحيض ١/ق٨٨/ب.
قسم العبادات
٤٩٤
حاشية ابن عابدين
"(مجتبى". والناسُ عنه غافلون.
(كما) ينقُضُ (لو حشا إحليلَهُ بقطنةٍ وابتلَّ الطرفُ الظاهر) هذا لو القطنةُ عاليةً أو محاذِيَةً
لرأسِ الإِحليل، وإنْ متسقّلةً عنه لا ينقُضُ، وكذا الحكمُ في الدُّبر.
بأَنَّه صاحبُ عذر، فكان الأمرُ للإيجاب)) اهـ. ويشهدُ له قول "المجتبى": ((ينتقضُ وضوءه)).
[١٢١٧] (قُولُهُ: "محتبى") عبارته: ((الدَّمُ والقيحُ والصديد وماءُ الجرحِ والنّفْطةِ وماءُ البَثْرة
والثدىٍ والعينِ والأذن لعلَّةٍ سواءٌ على الأصحِّ، وقولُهم: والعينِ والأُذنِ لعَلَّةٍ دليلٌ على أنَّ مَن
رمِدَتْ عينه، فسالَ منها ماءٌ بسبب الرَّمَد ينتقضُ وضوءه، وهذه مسألةٌ الناسُ عنها غافلون)) اهـ.
وظاهرُه: أنَّ المدار على الخروج لعلَّةٍ وإنْ لم يكن معه وجعٌ، تأمَّل.
وفي "الخانيّة"(١): ((الغرَبُ في العين بمنزلة الجرح فيما يسيلُ منه، فهو نجسٌ))، قال في
"المغرب"(٢): ((والغَرَبُ: عرقٌ في مجرى الدمع، يُسقى فلا ينقطعُ مثل الباسور، وعن "الأصمعيّ":
بعينه غرَبٌ: إذا كانت تسيلُ ولا تنقطعُ دموعها، والغَرَبُ بالتحريك: ورَمٌ في المآقي، وعلى ذلك
صحَّ التحريكُ والتسكين في الغرب)) اهـ.
أقولُ: وقد سُئلتُ عمَّن رمِدَ وسال دمعه، ثم استمرَّ سائلاً بعد زوال الرَّمَد، وصار يخرجُ بلا
وجعٍ. فأجبتُ بالنقض أخذاً مما مرَّ(٣)؛ لأنَّ عُروضه مع الرَّمَد دليلٌ على أَنَّه لعَلَّةٍ وإِنْ
[١/ق ١١٢/ب] كان الآنَ بلا رَمَدٍ ولا وجعٍ خلافاً لظاهرِ كلام "الشارح"، فتدبَّر.
[١٢١٨] (قولُهُ: إحليلَهُ) بكسر الهمزة: مجرى البولِ من الذَّكَرِ، "بحر "(٤).
[١٢١٩] (قولُهُ: هذا) أي: النقضُ بما ذكر، ومرادُه بيانُ المراد من الطَّرَف الظاهر بأنَّه ما كان
عالياً عن رأس الإحليل أو مساوياً له، أي: ما كان خارجاً من رأسه زائدً عليه أو محاذياً لرأسه لتحقُّقِ
خروج النَّجس بابتلاله، بخلاف ما إذا ابتلَّ الطَّرَف وكان مُتَسفّلاً عن رأس الإحليل -أي: غائباً فيه
(١) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل فيما ينقض الوضوء ٣٧/١ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "المغرب": مادة ((غرب)) بتصرف.
(٣) في هذه المقولة.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة ٣١/١.
الجزء الأول
٤٩٥
ما لا ينقض الوضوء
والفرج الداخل (وإن ابتَلَّ) الطرفُ (الداخلُ لا) ينقُضُ، ولو سقطتْ فإنْ رطبةً انتقَضَ،
وإلاَّ لا، وكذا لو أدخَلَ إصبعَهُ في دبره ولم يغيِّبْها،.
لم يحاذِهِ، ولم يعْلُ فوقه - فإِنَّ ابتلاله غيرُ ناقضٍ؛ إذْ لم يوجد خروجٌ، فهو كابتلالِ الطَّرَف الآخرِ
الذي في داخل القصبة.
[١٢٢٠] (قولُهُ: والفرجِ الدَّاخلِ) أمَّا لو احتشتْ في الفرج الخارج، فابتلَّ داخلُ الحشو انتقَضَ،
سواءٌ نفَذَ البلل إلى خارجِ الحشو أوْ لا للتيقَنِ بالخروج من الفرج الداخل، وهو المعتبرُ في الانتقاض؛
لأنَّ الفرج الخارج بمنزلة القُلْفة، فكما ينتقضُ بما يخرجُ من قصبة الذِّكَر إليها وإنْ لم يخرجْ منها
كذلك بما يخرجُ من الفرج الداخل إلى الفرج الخارج وإنْ لم يخرجْ من الخارج. اهـ "شرح المنية"(١).
[١٢٢١) (قولُهُ: لا ينقضُ) لعدم الخروج.
١٠٠/١
[١٢٢٢] (قولُهُ: ولو سقطتْ إلخ) أي: لو خرجت القطنةُ من الإحليل رطبةً انتقَضَ لخروج
النجاسة وإِنْ قَلَّتْ، وإنْ لم تكن رطبةً - أي: ليس بها أثرُ النجاسة أصلاً . - فلا نقضَ كما لو أقطَرَ
الدُّهنَ في إحليله فعاد بخلاف ما يغيبُ في الدبر، فإنَّ خروجه ينقضُ وإنْ لم يكن عليه رطوبةٌ؛ لأَنَّه
التحَقَ بما في الأمعاء، وهي محلُّ القذر بخلاف قصبة الذكر، وكذا لو خرَجَ الدُّهن من الدبر بعدَما
احتقَنَ به ينقضُ بلا خلافٍ كما يُفسِدُ الصومَ كما في "شرح المنية"(٢).
قلت: لكنَّ فساد الصوم بالاحتقان بالدُّهن لا بخروجه كما لا يخفى وإِنْ أوهَمَ كلامُه خلافَه.
(١٢٢٣] (قولُهُ: ولم يغيِّيْها) لكنَّ الصحيح أَنَّ تعتبرُ البَّةُ أو الرائحة - ذكَرَهُ في "المنتقى" - لأَنَّه
ليس بداخلٍ من كلِّ وجهٍ، ولهذا لا يفسد صومه، فلا ينتقض وضوءه. اهـ "حلبة"(٣) عن "شرح(٤)
الجامع" لـ "قاضي خان"(٥). فإذا وُجدَت البلَّةُ أو الرائحة ينقض، وفي "المنية"(٦): ((وإنْ أدخَلَ
(١) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في نواقض الوضوء صـ١٢٧ -.
(٢) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في نواقض الوضوء صـ١٢٧ -.
(٣) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في نواقض الوضوء ١/ق٢٢٩/أ.
(٤) في "ب" و"م": ((شارح)) بدل ((شرح)) وهو خطأ.
(٥) "شرح الجامع الصغير": كتاب الطهارة - باب ما ينقض الوضوء ١/ق٢/أ.
(٦) انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في نواقض الوضوء صـ١٢٦ -.
قسم العبادات
٤٩٦
حاشية ابن عابدين
فإنْ غيَُّها، أو أدخَلَها عند الاستنجاء بطَلَ وضوءُه وصومُه.
(فروعٌ) يُستحَبُّ الرَّجُلِ أنْ يحتشيَ إِنْ رابَهُ الشيطانُ، ويجبُ إنْ كان لا ينقطعُ
إلاَّ به قدْرَ ما يصلِّي باسوريٌّ خرَجَ دبرُهُ إِنْ أدخَلَهُ.
المحقنة، ثمَّ أخرَجَها إنْ لم يكن عليها بلّةٌ [١/ق١١٣/ أ] لم ينقض، والأحوطُ أنْ يتوضَّأ)) اهـ
وفي "شرحها"(١): ((وكذا كلُّ شيءٍ يُدخِلُه وطرفُه خارجٌ غيرَ الذَّكَر)).
[١٢٢٤] (قولُهُ: فإنْ غيَّها) قال في "شرح المنية"(٢): ((وكلُّ شيءٍ غَّهُ، ثم خرج ينقض وإنْ لم
يكن عليه بلَّةٌ؛ لأَنَّه التحَقَ بما في البطن، ولذا يُفسِدُ الصوم بخلاف ما إذا كان طرفُه خارجاً)) اهـ
وفي "شرح الشيخ إسماعيل(٣) عن "الينابيع": ((وكلُّ شيءٍ غَيَّهُ في دبره، ثم أخرجَهُ أو خرَجَ
بنفسه ينقض الوضوءَ والصومَ، وكلُّ شيءٍ أَدخَلَ بعضَه وطرفُه خارجٌ لا ينقضُهما)) انتهى.
أقولُ: على هذا ينبغي أنْ تكون الأصبعُ كالمحقنة، فيعتبرُ فيها البلَّةُ؛ لأنَّ طرفها يبقى خارجاً
لاَّصالها باليد، إلاَّ أنْ يقال: لَمَّا كانتْ عضواً مستقلاً فإذا غابتِ اعتُبرت كالمنفصل، لكنَّ ما
سيأتي(٤) في الصوم مطلقٌ، فإِنَّه سيأتي أَنَّه لو أدخَلَ عُودً في مقعدته، وغاب فسَدَ صومه، وإلاَّ فلا،
وإِنْ أدخَلَ أصبعَه فالمختار أَنَّها لو مبتلَّةً فسَدَ، وإلاَّ فلا، تأمَّل.
ولذا قال في "البدائع"(٥): ((هذا يدلُّ على أنَّ استقرار الداخل في الجوف شرطُ فسادِ الصوم)).
[١٢٢٥] (قولُهُ: بِطَلَ وضوءُه وصومُهُ) أي: في المسألتين، لكنَّ بطلان الصوم في الأُولى خلافُ
(قولُهُ: أقول: على هذا ينبغي أنْ تكون إلخ) ما ذكرَهُ "الشارحُ" مأخوذٌ من "البحر"، فإنَّه ذكَرَ عن
"قاضيخان": ((أَنَّه لو أدخَلَ إصبعَهُ في دبره، ولم يغيِّيْها أَنَّه تُعتبَرُ الِلَّةُ والرَّائحة))، وهو الصحيحُ،
قال: ((واستُفيد منه أنَّه إذا غيُّها نقَضَ مطلقاً)) اهـ. ومعلومٌ أنَّ مفاهيم الكتب حجّةٌ.
(١) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في نواقض الوضوء صـ١٢٦ -.
(٢) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في نواقض الوضوء صـ١٢٦ -.
(٣) "الإحكام": كتاب الطهارة ١/ق:٧،٩/أ.
(٤) انظر المقولة [٩٠٠٣] قوله: ((وإن غيبه)).
(٥) "البدائع": كتاب الصوم - فصل في شرائط الصوم ٩٣/٢.
الجزء الأول
٤٩٧
ما لا ينقض الوضوء
بيده . . . . . ..
المختار، إلاَّ أنْ يفرَّقَ بين مجرَّدٍ إدخال الأصبع وتغييِها، ويحتاجُ إلى نقلٍ صريحٍ، فإنَّ ما ذكروه في
الصوم مطلقٌ كما علمتَ، ولهذا قال "ط"(١): ((إنَّ في كلامه لفّاً ونشراً مرتَّباً، فبطلانُ الوضوء
يرجعُ إلى قوله: ولو غيَّها، وقولُهُ: وصومُهُ يرجعُ إلى قوله: أو أدخَلَها عند الاستنجاء)).
قلت: لكنْ لو أدخَلَها عند الاستنجاء ينتقضُ وضوءُه أيضاً؛ لأنّها لا تخلو من البلَّة إذا
خرجت كما في "شرح الشيخ إسماعيل(٢) عن "الواقعات"(٣)، وكذا في "التاتر خانَّة"(٤)، لكنْ
نقَلَ فيها (٥) أيضاً عن "الذخيرة" عدمَ النقض، والذي يظهرُ هو النقضُ لخروجِ البَّةِ معها.
والحاصل: أنَّ الصوم يَبطُل بالدخول والوضوءَ بالخروج، فإذا أدخَلَ عوداً جافّاً، ولم يغيِّيْه لا
يفسُدُ الصوم؛ لأَنَّه ليس بداخلٍ من كلِّ وجهٍ، ومثلُهُ الأصبعُ، وإِنْ غَيَّبَ العودَ فسد لتحقُّقِ الدخول،
وكذا لو كان هو أو الأصبعُ مبتلاً لاستقرارِ البَّةِ في الجوف، وإذا أخرَجَ العودَ بعدَما غاب فسَدَ
وضوءه مطلقاً، وإنْ لم يغِبْ فإنْ عليه بلّةٌ أو فيه رائحةٌ فسد الوضوء، [١/ق١١٣/ب] وإلاّ فلا.
[١٢٢٦] (قولُهُ: بيده) أو بخرقةٍ، "بحر "(٦).
ولا ينافي هذا ما نقلَهُ "المحشِّي"، فإِنَّه يإدخالها بتمامها تحقَّقَ التغييبُ وإنْ كانت متَّصلةً بالكفِّ، فمجرَّدُ اتصالها به لا
ينفي تغيَها، فإذا أخرَجَها ينتقضُ وإنْ لم يكن عليها بلّةٌ؛ لأنّها التحقت بما في البطن في حقِّ فساد الوضوء لا الصوم
لِما سيذكرُ فيه: (( أَنَّ لو ابتَلَعَ خشبةً أو خيطً - ولو فيه لقمةٌ مربوطةٌ - أفطَرَ إِنْ غاب في حلْقِهِ، وإنْ لم يغِبْ بل بقي
منه طرفٌ في الخارج، أو كان متَّصلاً بشيءٍ خارجٍ لا يَفْسُدُ لعدم التغيُّب ))، وهو المرادُ بالاستقرار فيه، تأمَّل.
(١) "ط": كتاب الطهارة ٨٥/١.
(٢) "الإحكام": كتاب الطهارة ١/ق ٧٩/أ معزياً إلى "الخلاصة" لا "الواقعات".
(٣) وتقدم كلام ابن عابدين على "الواقعات" في المقولة [٤٦٧].
(٤) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل الأول في الوضوء ١٠٢/١.
(٥) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل الأول في الوضوء ١٠٢/١.
(٦) "البحر": كتاب الطهارة ٣٢/١.
قسم العبادات
٤٩٨
حاشية ابن عابدين
انتقَضَ وضوءُه، وإنْ دخَلَ بنفسه لا، وكذا لو خرَجَ بعضُ الدودة فدخلتْ. مَنْ
لذكَرِهِ رأسانِ فالذي لا يخرُجُ منه البولُ المعتادُ بمنزلة الجرحِ الخنثى غيرُ المشكلِ فرجُهُ
الآخرُ كالجرح، والمشكلُ ينتقِضُ وضوءُه.
[١٢٢٧] (قولُهُ: انتقَضَ) لأَنّ يلتزقُ بيده شيءٌ من النجاسة، "بحر "(١). أي: فيتحقَّقُ خروجُها.
[١٢٢٨) (قولُهُ: لا) أي: لا ينتقضُ لعدم تحقَّقِ الخروج، لكنْ ذكَرَ بعده في "البحر"(٢) عن
"الحَلْوانِيِّ": ((أَنّ إنْ تيقْنَ خروجَ الدبر تنتقضُ طهارته بخروج النجاسة من الباطن إلى الظاهر))
اهـ. وبه جزَمَ في "الإِمداد"(٣).
[١٢٢٩] (قولُهُ: وكذا) أي: في عدم النقض، وهذا ذكَرَهُ في "البحر "(٤) عن "التوشيح" تخريجاً
على مسألة الباسوريِّ.
[١٢٣٠] (قولُهُ: فدخلتْ) الأَولى حذفُهُ ليكون التشبيهُ في طرفي الإدخال والدخول، "ط "(٥).
[١٢٣١) (قولُهُ: مَن لذكَرِهِ إلخ) فيه إيجازٌ، وأصلُ العبارة - كما في "الخانيّة"(٦) -: ((لو كان بذَكَرِ
الرَّجُل جرحٌ له رأسان، أحدُهما يخرجُ منه الذي يسيلُ في مجرى البول، والثاني ما لا يسيلُ فيه فالأوَّلُ
بمنزلة الإحليل، إذا ظهر البولُ على رأسه ينقضُ وإنْ لم يسِلْ، ولا وضوءَ في الثاني مالم يسِلْ)).
[١٢٣٢) (قولُهُ: فرجُه الآخرُ) أي: المحكومُ بزيادته على أصلٍ خلقته.
[١٢٣٣] (قولُهُ: كالجرح) أي: لا ينقضُ الوضوءَ ما يخرجُ منه ما لم يسِلْ، "خانَّة"(٧). وبه جزَمَ
(قولُهُ: فيه إيجازٌ، وأصلُ العبارة إلخ) لا يظهرُ دعوى الإيجازِ إلاّ إذا كان قصدُ "الشارح" ما في "الخانَّة"،
وإلاَّ فعبارتُهُ مستقيمةٌ لا إيجازَ فيها، تأمَّل.
(١) "البحر": كتاب الطهارة ٣٢/١.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ٣٢/١.
(٣) "الإمداد": كتاب الطهارة - فصل في نواقض الوضوء ق ٣٤/ب.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة ٣٢/١.
(٥) "ط": كتاب الطهارة ٨٦/١.
(٦) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل فيما ينقض الوضوء ٣٧/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل فيما ينقض الوضوء ٣٧/١ (هامش"الفتاوى الهندية").
الجزء الأول
٤٩٩
ما لا ينقض الوضوء
بكلِّ. مُنكِرُ الوضوءِ هل يُكفَرُ إنْ أنكَرَ الوضوءَ للصلاة؟ نعم، ولغيرِها لا
في "الفتح"(١) وغيره، لكنْ قال "الزيلعيُّ)"(٢): ((وأكثرُهم على إيجاب الوضوء عليه))، قال في
"النهر"(٣): ((إلاَّ أنَّ الذي ينبغي التعويلُ عليه هو الأوَّلُ)).
[١٢٣٤) (قولُهُ: بكلٌٍّ) أي: بالخارج من كلٍّ بمجرَّد الظهور عملاً بالأحوط كما في
"التوضيح"(٤)، "ط " (٥).
[١٢٣٥] (قولُهُ: منكِرُ الوضوء) أي: وجوبِهِ.
[١٢٣٦] (قولُهُ: نعم) لإنكارِه النصَّ القطعيَّ - وهو آيَهُ ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ [المائدة- ٦] - والإجماعَ.
[١٢٣٧] (قولُهُ: ولغيرها لا) ظاهرُه: ولو لمسِّ المصحف لوقوع الخلاف في تفسير آيتِهِ كما
مرَّ، "ط" (٦).
(قولُهُ: إلاَّ أنَّ الذي ينبغي التعويلُ عليه هو الأوَّلُ) الظاهرُ اعتمادُ ما عليه الأكثرُ خصوصاً مع ظهورِ وجهه،
وذلك لأنَّ عدم اشتراط السَّيّلان فيما خرَجَ من السبيلين لتحقُّقِ خروج النجاسة من معدنها، وهو كافٍ في
تحقَّقِ النقض لوجود خروجها إلى الظاهر بخلاف غيرهما، فإِنَّه لا يتحقَّقُ خروجُها إلاَّ بالسَّيلان إلى موضعٍ يلحقُهُ
حكمُ التطهير؛ إذ بزوال القشرة تظهَرُ النجاسة في محلّها، فتكونُ باديةً لا خارجةً، وبظهورِ النجاسة في الفرجِ
الآخرِ وُجِدَ خروجها من الباطن إلى الظاهر؛ إذ ليس هو محلّها، فكان كالفرج الآخرِ في أَنَّه ليس محلّها، فاكتُفِيَ
فيه أيضاً بمجرَّد الظهور، ولا يظهرُ الفرق بينهما.
(قولُهُ: ظاهرُهُ ولو لمسِّ المصحفِ) انظر ما يأتي في الوتر عند قول "المصنّف": (( ولا يُكَفَرُ جاحده)).
(١) "الفتح": كتاب الطهارات - فصل في النواقض ٣٤/١.
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة ٨/١.
(٣) "النهر": كتاب الطهارة ق ٨/أ.
(٤) لعله "التوضيح" لمصطفى بن زكريا بن أيدُغمش - وقيل: آي طوغمش - مصلح الدين القَرَّمانيّ(ت ٨٠٩هـ) شرح
"مقدمة الصلاة" لأبي الليث السمر قندي. ("كشف الظنون" ١٧٩٥/٢، "الضوء اللامع" ١٦٠/١٠)؛ إذ لم نجد
المسألة في "توضيح صدر الشريعة"، وهي مسألة في الفروع، ولم نجد على حدٍّ بحثنا كتاباً عند الأحناف مسمى
بالتوضيح إلا المذكور، والله تعالى أعلم.
(٥) "ط": كتاب الطهارة ٨٦/١.
(٦) "ط": كتاب الطهارة ٨٦/١.
قسم العبادات
٥٠٠٠
حاشية ابن عابدين
شكَّ في بعض وضوئه أعادَ ما شكَّ فيه لو في خلاله ولم يكن الشكُّ عادةً له، وإلاَّ لا،
ولو عِلِمَ أَنَّه لم يغسلْ عضواً، وشكَّ في تعيينه غسَلَ رِجْلَهُ اليسرى؛ لأَنَّه آخرُ العمل، ولو
أَيْقَنَ بالطهارة وشكَّ بالحدث أو بالعكس أخَذَ باليقين، ولو تيقّنَهما وشكَّ في السابق ...
[١٢٣٨] (قولُهُ: شكَّ في بعض وضوئه) أي: شكَّ في تركِ عضو من أعضائه.
[١٢٣٩) (قولُهُ: وإلاَّ لا) أي: وإنْ لم يكن في خلاله، بل كان بعد الفراغ منه وإنْ كان أوَّلَ ما
عَرَضَ له الشكُّ، أو كان الشكُّ عادةً له، وإنْ كان في خلاله فلا يعيدُ شيئاً قطعاً للوسوسة عنه كما في
"التاتر خانَّة"(١) وغيرها.
[١٢٤٠) (قولُهُ: غسَلَ رِجَلَه اليسرى) قال في "الفتح"(٢): ((ولا يخفى أنَّ المراد إذا كان الشكُّ
بعد الفراغ، وقياسُه: أنَّه لو كان في أثناء الوضوء يغسلُ الأخير كما إذا عِلِمَ أَنَّه لم يغسلْ رِحْليه
عيناً، وعلِمَ أَنَّه تركَ فرضاً مما قبلهما، وشكّ في أنَّه ما هو؟ يمسحُ رأسَه، والفرق بين هذه والمسألةِ
١٠١/١ التي قبلها أَنَّه لا تيقُّنَ بتركِ شيءٍ هناك أصلاً)) اهـ.
[١٢٤١] (قولُهُ: ولو أيقَنَ بالطهارة إلخ) حاصلُه: أَنَّه إذا عِلِمَ سَبْقَ الطهارة، [١/ق١١٤/أ]
وشكَّ في عروض الحدث بعدها أو بالعكس أخَذَ باليقين، وهو السابقُ، قال في "الفتح"(٣): ((إلاَّ
إِنْ تأَيَّدَ اللاحقُ، فعن "محمَّدٍ": عِلِمَ المتوضِّي دخولَ الخلاء للحاجة، وشكَّ في قضائها قبل خروجه
عليه الوضوء، أو علِمَ جلوسَه للوضوء بإناءٍ، وشكَّ في إقامته قبل قيامه لا وضوءً)) اهـ.
(١٢٤٢) (قولُهُ: وشكَّ بالحدث) أي: الحقيقيِّ أو الحكميِّ ليشملَ ما لو شكَّ هل نام، وهل نام
متمكّنً(٤) أوْ لا، أو زالتْ إحدى ألْيتيه؟ وشكَّ هل كان ذلك قبل اليقظة أو بعدها؟ اهـ "حموي"(٥).
(١) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل الثاني فيما يوجب الوضوء ١٤٤/١.
(٢) "الفتح": كتاب الطهارات - فصل في نواقض الوضوء ٤٨/١ بتصرف يسير.
(٣) "الفتح": كتاب الطهارات - فصل في نواقض الوضوء ٤٨/١.
(٤) عبارة الحموي: ((متكياً))، وهو خطأ.
(٥) "غمز عيون البصائر": الفن الأول - القاعدة الثالثة ١٩٨/١.
الجزء الأول
٥٠١
ما لا ينقض الوضوء
فهو متطهِّرٌ، ومثلُهُ المتيمِّمُ، ولو شكَّ في نجاسةِ ماءٍ أو ثوبٍ أو طلاقٍ أو عتقٍ لم يُعتبَرْ،
."(١)
وتمامُهُ في "الأشباه
[٤٣ ١٢] (قولُهُ: فهو متطهِّرٌ) لأنَّ الغالب أنَّ الطهارة بعد الحدث، "ط"(٢). لكنْ في "حاشية
الحمويّ"(٣) عن "فتح المدِّر "(٤) للعلاّمة "محمَّدٍ السَّمَديسيِّ": ((مَنْ تَيقَّنَ بالطهارة والحدث، وشكَّ
في السابق يُؤْمَرُ بالتذكُّر فيما قبلهما، فإنْ كان مُحدِثً فهو الآنَ متطهٌّ؛ لأَنَّه تَيقَّنَ الطهارةَ بعد ذلك
الحدثِ، وشكَّ في انتقاضها؛ لأَنَّه لا يدري هل الحدثُ الثاني قبلها أو بعدها؟ وإنْ كان متطهِّراً
فإنْ كان يعتادُ التجديدَ فهو الآنَ مُحدِثٌ؛ لأنّه متيقٌنٌ حدثاً بعدَ تلك الطهارةِ، وشكَّ في زواله؛
لأَنَّه لا يدري هل الطهارةُ الثانية متأخّرة عنه أم لا؟ بأن يكون والى بين الطهارتين)) اهـ.
قال "الحمويُّ" (٥): ((ومنه يُعلَمُ ما في كلام "المصنّف" - يعني: صاحبَ "الأشباه" - من
القصور)).
(١٢٤٤) (قولُهُ: ولو شكَّ إلخ) في "التاتر خانَّةُ"(٦): ((مَن شكَّ في إنائه أو ثوبِه أو بدِنِه -
أصابته نجاسةٌ أوْ لا - فهو طاهرٌ مالم يستيقنْ، وكذا الآبارُ والحِياضُ والحِبابُ الموضوعة في
الطرقات، ويستقي منها الصغار والكبار والمسلمون والكفَّار، وكذا ما يَتَّخذُه أهلُ الشِّرك أو
الجهلةُ من المسلمين كالسَّمن والخبز والأطعمة والثياب)). اهـ ملخّصاً.
(١) "الأشباه والنظائر": القاعدة الثالثة: اليقين لا يزول بالشّكّ صـ٦٢ -.
(٢) "ط": كتاب الطهارة ٨٦/١.
(٣) "غمز عيون البصائر": الفن الأول - القاعدة الثالثة ١٩٨/١.
(٤) الذي في "غمز عيون البصائر": ((عن "فتح القدير")) وهو تحريف، وإنما هو "فتح المدبّر للعاجز المقصرّ" لمحمد بن
إبراهيم بن أحمد، شمس الدين السَّمَديسي الحنفي (ت ٩٣٢هـ). ("كشف الظنون" ١٢٣٥/٢، "الكواكب السائرة"
٩٨/١، "شذرات الذهب" ٢٦٦/١٠، "الأعلام ٣٠٢/٥).
(٥) "غمز عيون البصائر": الفن الأول - القاعدة الثالثة ١٩٩/١.
(٦) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل الثاني فيما يوجب الوضوء ١٤٦/١، نقلاً عن "فتاوى الحجة" معزياً إلى أبي
حفص البخاري.
قسم العبادات
٥٠٢
حاشية ابن عابدين
(وفرضُ الغُسلِ) أرادَ به ما يعمُّ العمليَّ.
(فرعٌ)
لو شكَّ في السائلِ من ذَكَرِه - أماءٌ هو أم بولٌ؟ - إنْ قرُبَ عهدُه بالماء، أو تكرَّرَ مضى، وإلاّ
أعاده بخلاف ما لو غَلَبَ على ظنّه أنّه أحدُهما، "فتح"(١).
أبحاثُ الغُسل
[١٢٤٥) (قولُهُ: وفَرْضُ الغُسلِ) الواو للاستئناف، أو للعطف على قوله: ((أركانُ الوضوء)).
والفرضُ بمعنى المفروض، والغُسل بالضمِّ: اسمٌ من الاغتسال، وهو تمامُ غَسل الجسد، واسمٌ
لِما يُغْتَسَلُ به أيضاً، ومنه في حديث "ميمونة": ((فوضعتُ له غُسلاً)(٢)، "مغرب"(٣). لكنْ قال
"النوويُّ" (٤): ((إِّه بالفتح أفصحُ وأشهرُ لغةً، والضمُّ هو الذي [١/ق١١٤/ب] تستعملُه
الفقهاء))، "بحر "(٥).
[١٢٤٦] (قولُهُ: ما يعمُّ العمليَّ) أي: ليشملَ المضمضة والاستنشاق، فإنهما ليسا قطعيّين لقول
"الشافعيِّ" بسنَتهما. اهـ "ح"(٦).
(١) "الفتح": كتاب الطهارات - فصل في نواقض الوضوء ٤٨/١.
(٢) أخرجه أحمد ٣٣٥/٦، والبخاري (٢٦٦) كتاب الغسل - باب من أفرغ بيمينه على شماله في الغسل، ومسلم (٣٣٧) كتاب
الحيض - باب تستر المغتسل بثوب ونحوه، و(٣١٧) باب صفة غسل الجنابة، أبو داود (٢٤٥) كتاب الطهارة - باب الغسل من
الجنابة، والترمذي (١٠٣) كتاب الطهارة - باب ما جاء في الغسل من الجنابة، وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي٢٠٠/١
كتاب الطهارة - باب الاستتار عند الغسل و٣٧/١ باب غسل الرجلين في غير المكان الذي يغتسل فيه، وابن
ماجه (٥٧٣) كتاب الطهارة - باب ما جاء في الغسل من الجنابة، والدار قطني ١١٤/١ كتاب الطهارة - باب وجوب الغسل
بالتقاء الختانين، والبيهقي في "السنن الكبرى" ١٧٧/١ كتاب الطهارة - باب إفاضة الماء على سائر جسده، وفي الباب عن أم
سلمة، وجابر، وأبي سعيد، وجبير بن مطعم، وأبي هريرة رضيمه.
(٣) "المغرب": مادة((غسل)).
(٤) "المجموع": ١٣٠/٢ باب ما يوجب الغسل.
(٥) "البحر": كتاب الطهارة ٤٨/١.
(٦) "ح": كتاب الطهارة ق ١١/أ.
الجزء الأول
٥٠٣
فرض الغسل
كما مرَّ، وبالغُسلِ المفروضَ كما في "الجوهرة"(١)، وظاهرُهُ عدمُ شرطيَّةٍ غَسل فمِهِ
وأنفه في المسنون، كذا في "البحر"(٢) ، يعني: عدمَ فرضَّتِهما فيه، وإلاّ فهما شرطان في
تحصيل السنّةِ.
[١٢٤٧] (قولُهُ: كما مرَّ أي: في الوضوء، وقدَّمنا هناك(٣) بيانَه.
[١٢٤٨] (قولُهُ: وبالغُسل المفروض) أي: غُسلِ الجنابة والحيض والنّفاس، "سراج"(٤
.
فـ ((أل)) للعهد.
[١٢٤٩] (قولُهُ: يعني إلخ) مأخوذٌ من "المنح"(٥)، قال "ط"(٦): ((والمرادُ بعدم الفرضيَّة أنَّ
صحَّة الغُسلِ المسنون لا تتوقّفُ عليهما، وأَنَّه لا يحرُمُ عليه تركُهما، وظاهرُ كلامه أَنَّهما إذا تُرِكا
لا يكون آتياً بالغسل المسنون، وفيه نظرّ؛ لأَنَّه من الجائز أنْ يقال: إنَّه أتى بسنَّةٍ، وتَرَكَ سنّةً كما إذا
تمضمضَ وترك الاستنشاق)) اهـ.
أقولُ: فيه أنَّ الغُسل في الاصطلاح غَسلُ البدن، واسمُ البدن يقعُ على الظاهر والباطن إلاَّ ما
يتعذَّرُ إيصالُ الماء إليه أو يتعسَّرُ كما في "البحر"(٧)، فصار كلٌّ من المضمضة والاستنشاق جزءاً من
مفهومه، فلا توجدُ حقيقة الغُسل الشرعيَّةُ بدونهما.
ويدلُّ عليه أَنَّه في "البدائع"(٨) ذكَرَ ركن الغُسل - وهو ((إسالةُ الماءِ على جميع ما يمكن إسالتُه
(قولُهُ: والمرادُ بعدم الفرضيَّة أنَّ صحَّة الغُسل إلخ) كون هذا مراداً مبنيٌّ على تنظيرِ "ط" الآتي،
وإلاَّ فالمرادُ أَنَّه لا يَحرُمُ عليه التركُ فقط، والمناسبُ عدم ذكر قوله: (( والمرادُ إلخ))؛ إذ لا محلَّ له هنا.
(١) "الجوهرة النّرة": كتاب الطهارة ١٠/١.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ٤٧/١.
(٣) المقولة [٧٣٥] قوله: ((وقد يطلق إلخ)).
(٤) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة ١/ق ٢٠/أ.
(٥) "المنح": كتاب الطهارة ١/ق ١٠/أ.
(٦) "ط": كتاب الطهارة ٨٧/١.
(٧) "البحر": كتاب الطهارة ٤٨/١.
(٨) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في الكلام عن الغسل ٣٤/١-٣٥.
قسم العبادات
٥٠٤
حاشية ابن عابدين
(غَسلُ) كلِّ (فمِهِ) ويكفي الشربُ عبَّا؛ لأنَّ المجَّ ليس بشرطٍ في الأصحِّ (وأنفِهِ) حتى ما
تحتَ الدَّرَنِ (و) باقي (بدنه).
عليه من البدن من غير حَرَجٍ)) - ثمَّ قسَّمَ صفةَ الغُسل إلى فرضٍ وسنَّةٍ ومستحبٍّ، فلو كانت
حقيقةُ الغُسل الفرضِ تخالفُ غيرَهُ لَما صحَّ تقسيم الغُسل الذي ركنُه ما ذكرَ إلى الأقسام الثلاثة،
فيتعيّنُ كونُ المراد بعدم الفرضيَّة هنا عدمَ الإثم كما هو المتبادِرُ من تفسير "الشارح"، لا عدمَ
توقُّفِ الصحَّة عليهما، لكنْ في تعبيره بالشرطيّة نظرٌ لِما علمتَ من ركنَّتَهما، فتدبَر.
[١٢٥٠] (قولُهُ: غسلُ كلِّ فمِه إلخ) عبَّرَ عن المضمضة والاستنشاق بالغَسل لإفادة
الاستيعاب أو للاختصار كما قدَّمه في الوضوء، ومرَّ(١) الكلامُ عليه، ولكنْ على الأوَّلِ لا
حاجةً إلى زيادة ((كلِّ)).
[١٢٥١] (قولُهُ: ويكفي الشُّربُ عبَّاً) أي: لا مَصَّاً، "فتح"(٢). وهو بالعين المهملة، والمرادُ به
هنا الشربُ بجميع الفم، وهذا هو المرادُ بما في "الخلاصة"(٣): ((إِنْ شرِبَ على غير وجهِ السنّةِ يخرجُ
عن الجنابة، وإلاَّ فلا))، وبما قيل: إنْ كان جاهلاً جاز، وإنْ كان عالماً فلا، أي: لأنَّ الجاهل يعُبُّ،
والعالم يشربُ مَصَّاً كما هو السنَّةِ.
[١٢٥٢] (قولُهُ: لأنَّ المجَّ) أي: طرحُ الماء من الفم ليس بشرطٍ للمضمضة خلافاً لِما ذَكَرَهُ في
"الخلاصة"(٤)، نعم هو الأحوطُ من حيث الخروجُ عن الخلاف، وبِلْعُه إِيَّاه مكروهٌ كما في
"الحلبة" (٥).
[١٢٥٣] (قولُهُ: حتّى ما تحت الدَّرَن) قال [١/ق ١١٥/أ] في "الفتح"(٦): ((والدَّرَنُ اليابسُ في
(١) المقولة [٩٣٥] قوله: ((ولذا عبر بالغسل)).
(٢) "الفتح": كتاب الطهارات - فصل في الغسل ٥٠/١.
(٣) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الثالث في الوضوء ومسائل النوم والقهقهة ق٦/أ.
(٤) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الثالث في الوضوء ومسائل النوم والقهقهة ق ٦ /أ معزياً إلى "واقعات الناطفي".
(٥) "الحلبة": كتاب الطهارة - فرائض الغسل ١/ق١٠٥/ب.
(٦) "الفتح": كتاب الطهارات - فصل في الغسل ٥٠/١.