Indexed OCR Text

Pages 321-340

الجزء الأول
٣٠٥
الطهارة - صفتها
وكرامتين: تطهير الذنوب وإتمام النعمة، أي: بموته شهيداً لحديث: ((مَنْ داوَمَ على الوضوء
مات شهيداً))(١)، ذكَرَهُ في "الجوهرة)(٢). وإنما قال: ﴿ءَامَنُواْ﴾ بالغيبةِ دون آمنتُم .........
[٧٠٧) (قولُهُ: وكرامتينِ إلخ) أي: نعمتين تفضَّلَ بهما تعالى على عباده بقوله: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ
نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة-٦].
[٧٠٨) (قولُهُ: تطهيرِ الذنوب) لِما رواه "مسلمٌ" و"مالك" مرفوعاً: ((إذا توضأ العبدُ
المسلم أو المؤمن، فغسَلَ وجهَهُ خرَجَ من وجهه كلُّ خطيئةٍ نظَرَ إليها بعينه مع الماء، أو مع
آخرِ قطرِ الماء، فإذا غسَلَ يديه خرجَ من يديه كلُّ خطيئةٍ كان بطشتْها يداه مع الماء، أو مع
آخرِ قطرِ الماءِ (٣)، فإذا غسَلَ رِجْليه خرجَ كلُّ خطيئةٍ مشَتْها رِجْلاه مع الماء، أو مع آخرِ قطرِ
٦٢/١ الماء حتى يخرجَ نقيّاً من الذنوب (٤)))، وفي روايةٍ لـ "مسلمٍ" وغيره مرفوعاً: ((مَن توضأ
فأحسَنَ الوضوءَ خرجت خطاياه من جسده حتى تخرجَ من تحتِ أظفاره »(٥).
[٧٠٩] (قولُهُ: أي: بموتهِ شهيداً) أقولُ: أو بالغرَّةِ والتحجيلِ يوم القيامة لحديث "البخاريِّ" المارّ(٦).
(١) لم تجده بهذا اللفظ، ولكن أخرج ابن حبان في "كتاب المجروحين" ٢٢٣/٢ - ٢٢٤، والعُقيلي في "الضعفاء
الكبير" ١١٩/١، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" ٣٥١/١ - ٣٥٢ عن أنس رضيه مرفوعاً، وفيه: (( يا بنيَّ، إن
استطعت أن تكون أبداً على الوضوء فكن، فإن ملك الموت إذا قبض روح العبد وهو على وضوء كتب له
شهادة ... )) الحديث. قال العُقيلي: ولهذا الحديث عن أنس طرق ليس منها وجه ثابت اهـ.
ويغني عنه ما أخرجه أحمد ٢٨٢/٥، وابن حبان أول كتاب الطهارة ٣١١/٣ رقم (١٠٣٧)، والدارمي في كتاب
الطهارة - باب ما جاء في الطهور ١٧٥/١ رقم (٦٥٦) عن ثوبان قال: قال رسول اللـه حَ لّ: («سدِّدُوا وقاربوا، واعلموا
أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن)).
وتوسع في تخريجه العلامة الشيخ شغيب الأرناؤوط في تعليقه على ابن حبان وانتهى إلى صحة الحديث، وانظر
أحاديث الباب في "الترغيب والترهيب" ١٦٢/١ - ١٦٣.
(٢) "الجوهرة النّرة": كتاب الطهارة ٣/١.
(٣) من ((فإذا غسل)) إلى ((قطر الماء)) ساقطٌ من "الأصل".
(٤) أخرجه مالك ٣٢/١ كتاب الطهارة - باب جامع الوضوء، وأحمد في "المسند" ٣٠٣/٢، ومسلم (٢٤٤) كتاب الطهارة -
باب خروج الخطايا مع ماء الوضوء، والترمذي(٢) كتاب الطهارة - باب ما جاء في فضل الطهور، وقال: هذا حديث حسن
صحيح، وهو حديث مالك عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة ﴾، وفي الباب عن عثمان بن عفان، وثوبان، و الصُّنابحي،
وعمرو بن عبسة، وسلمان، وعبد الله بن عمر و څ۔
(٥) أخرجه مسلم (٢٤٥) كتاب الطهارة - باب خروج الخطايا من ماء الوضوء عن عثمان بن عفان عليه مرفوعاً.
(٦) المقولة [٦٨٩] قوله: ((بدليل إلخ ... )).

قسم العبادات
٣٠٦
حاشية ابن عابدين
ليعُمَّ كلَّ مَنْ آمَنَ إلى يوم القيامة، قاله في "الضياء"، وكأنّه مبنيٌّ على أنَّ في الآية
التفاتاً، والتحقيقُ خلاقُهُ، وأتى في الوضوء بـ﴿ إِذَا﴾
[٧١٠] (قولُهُ: ليعُمَّ إلخ) أي: فإنَّه لو قال: آمنتُمْ لاختصَّ بالحاضرين في عصره ◌ُّه وردَّهُ في
"غاية البيان": ((بأنَّ الموصوفَ بصفةٍ عامَّةٍ يتعمَّمُ )).
[٧١١] (قولُهُ: وكأنَّه مبنيٌّ إلخ) لأنَّ ظاهرهُ أنَّ الأصلَ التعبيرُ بآمنتمْ.
[٧١٢) (قولُهُ: التفاتاً) هو التعبيرُ عن معنىٍّ بطريقٍ من الطُّرقِ الثلاثةِ - أعني: التكلُّمَ أو
الخطابَ أو الغَيبَةَ - بعد التعبير عنه بآخرَ منها بشرطِ أنْ يكون التعبيرُ الثاني على خلافٍ ما
يقتضيه الظاهرُ ويترقّبُهُ السامعُ.
[٧١٣] (قولُهُ: والتحقيقُ خلافُهُ) [١/ق٦٨/أ] لأنَّ المنادى مخاطبٌ، فحقُّ ضميرِهِ أنْ يأتيَ
على طريق الخطابِ فيقالَ: يا فلانُ إذا فعلتَ، ولا يقال: إذا فعلَ، وإنما جيءَ في الصِّلة بضمير
الغائبِ لعَودِه على الموصول، والموصولُ من الأسماء الظاهرةِ، وكلُّها غيبٌ، فإذا تَمَّ الموصولُ
بصلتِهِ العائدِ ضميرُها عليه تمخَّضَ الكلامُ للخطاب الذي اقتضاهُ النداءُ، فليس حينئذٍ في الكلام
عدولٌ عن طريقٍ إلى طريقٍ آخرَ، ولذا كانَ جميعُ ما ورَدَ في القرآن وكلامِ العرب من أمثالِ هذا
النداءِ لم يجِئْ إلاَّ على هذه الطريقةٍ، فدعوى العُدُولِ في جميعِ ذلك لا تُسمَعُ، نعم، العائدُ إلى
الموصولِ قد سُمِعَ فيهِ الخطابُ والتَكُلُّمُ قليلاً في غيرِ النداءِ كما في قول "علي"(١) كرَّمَ الله وجهَهُ:
(قولُهُ: فإنَّه لو قال: آمنتم لاختَصَّ بالحاضرين إلخ) قال في "التحرير": ((الخطابُ الشَّفاهيُّ كـ:
﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ ليس خطاباً لمن بعدَهم، أي: للمعدومين الذين سيوجَدون بعد الموجودين في
زمن الخِطاب، وإنما يثبُتُ حكمُهُ - أي: الخطابِ الشَّفاهيِّ- لهم - أي: لِمَن بعدهم - بخارجٍ من نصٍ" أو
إجماعٍ أو قياسٍ، وقالت الحنابلةُ و "أبو اليسر": هو خطابٌ لهم)) اهـ. وبه عُلِمَ أنَّ الاختصاص إنما يأتي
من الخطاب وإنْ كانت الصفةُ عامَّةً، فسقَطَ ما قاله في "غاية البيان".
(١) تقدم تخريجه صـ٣١ -.

٣٠٧
الجزء الأول
الطهارة - صفتها
التحقيقيَّةِ، وفي الجنابة بـ﴿إِن﴾ التشكيكيَّةِ للإشارة إلى أنَّ الصلاة من الأمور اللازمة،
أنا الذي سَمَّتَنِيْ أمِّي حَيْدَرَهْ
وقولِ "كُثٍِّ"(١): [طويل]
إليَّ وما تَدريْ بذاكَ القَصائرُ
وأنتِ التي حَّيْتِ كلَّ قصيرةٍ
فهوَ من الالتفاتِ كما قدَّمناه (٢) في أوَّلِ الخطبةِ، وقدَّمنا هناك أيضاً عن "المغني": ((أَنَّ القولَ
بالالتفاتِ في الآيةِ سهْوٌ))، ومثلُهُ في "شرح تلخيصِ المعاني"(٣).
[٧١٤] (قولُهُ: التحقيقَّةِ) أي: الدالَّةِ على تحقَّقِ مدخولِها غالباً.
وقولُهُ: ((التشكيكيَّةِ)) أي: الدالّةِ على أنَّهُ مشكوكٌ فيه غالبً، وقد تُستعمَلُ كلٌّ منهما مكانَ
الأخرى كما بُيِّنَ في محلّهِ(٤).
(لطيفةٌ)
((إِنْ)) للشَّكِّ مع أنّها جازمةٌ، و((إذا)) للحزمِ مع أنَّها لا تجزِمُ، وقد ألغَزَ في ذلك الإمامُ
"الزمخشريُّ" فقال: [كامل]
أنا إنْ شَكَكْتُ وَجَدتموني جازِماً وإِذا جَزَمتُ فإنَّني لم أجزِمِ
[٧١٥] (قولُهُ: من الأمورِ اللازمةِ) أي: الغالبةِ الوجودِ بالنظر إلى ديانة المسلم كما في "غاية البيانِ"
للعلامة "الإتقاني".
(١) ديوانه صـ ١٠٠-، وهو أبو صخر كُثير بن عبد الرحمن بن الأسود بن عامر الخزاعي(ت ١٠٥ هـ، وقيل: ١٠٧) يقال له:
كُثَيِّ عَزّة، وابن أبي جُمْعة، والمُلَحي. ("الأغاني ٣/٩، "شذرات الذهب" ٣٦/٢، "الأعلام" ٢١٩/٥).
(٢) المقولة [٤] قوله: ((يا من شَرّحت)).
(٣) المسمى "مختصر المعاني" انظر صـ٥٠-، وهولمسعود بن عمر، سعد الدين التفتازاني (ت٧٩٣هـ)، وهو شرحه
المختصر على "تلخيص المفتاح في المعاني والبيان" لأبي المعالي محمد بن عبد الرحمن، جلال الدين القَزْويني الشافعي (ت٧٣٩هـ).
("كشف الظنون" ٤٧٣/١ - ٤٧٤، "الدرر الكامنة" ٣٥٠،٣/٤)، والمرادُ بالآية قولُهُ تعالى: ﴿يََّأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُوَ أْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوْةِ﴾ [المائدة: ٦].
(٤) أي: من كتب البلاغة.

قسم العبادات
٣٠٨
حاشية ابن عابدين
والجنابةَ من الأمور العارضة، وصرَّحَ بذكرِ الحدثِ في الغُسل والتيمُّم دون الوضوء
لْيُعَلَمَ أنَّ الوضوء سنَّةٌ وفرضٌ، والحدثَ شرطٌ للثاني لا للأوَّلِ، فيكونُ الغُسل على
الغُسل والتيمُّمُ على التيمُّمِ عبثً،.
[٧١٦) (قولُهُ: والجنابةَ إلخ) أي: لأَنَّها يمكنُ أن لا تقعَ أصلاً، "ط)" (١).
[٧١٧) (قولُهُ: في الغُسلِ والتيمُّمِ) أي: قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنْتُمْ جُنُبَّافَ طَّهَرُواْ﴾ [ المائدة-٦]،
وقوله تعالى: ﴿أَوْجَاءَ أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ الْغَابِطِ﴾ [المائدة - ٦].
[٧١٨) (قولُهُ: ليُعِلِمَ أنَّ الوضوءَ سنّةٌ إلخ) وهو الذي لا يكونُ عن حَدَثٍ، وهذا يدُلُّ على أنَّ
قولَهُ تعالى: ﴿فَاغْسِلُواْ﴾ إلخ مستعملٌ في الوجوبِ والنَّدبِ: الوجوبِ في الحدَثِ، والنّدبِ في
غيرِهِ، وهو مخالفٌ لِما ذكرُوه من أنَّ الحدث في الآية مُرادٌ، وَيُؤْخَذُ منهُ أنَّ التيمُّمَ والغُسلَ لايكونان
إلاَّ فرضاً للتصريح بالحدَثِ فيهما.
وفيهِ أنَّ الغُسلَ يُندَبُ في مواضعَ، ويُسَنُّ فِي أُخرَ، وكذا يقومُ التيمُّمُ [١/ق٦٨/ب] مقامَ
الوضوء لنحوِ نومٍ ودخولِ مسجدٍ، فلا يشترطُ فيهما أنْ يكونا فرضاً، "ط)(٢).
لكنْ في "النهاية": (( لايقالُ: إنَّ الغُسلَ سنةٌ للجمعةِ، فيثبتُ التنوُّعُ فيه؛ لأَنَّا نقولُ: المدَّعى
أَنَّه لا يُسَنُّ لكلِّ صلاةٍ، أو نقولُ: إنَّ اختيارَ "البزدويِّ" أَنَّه سنةٌ لليوم لا للصلاة )).
(قولُهُ: لكنْ في "النهاية": لا يقال: إنَّ الغُسل سنّةٌ إلخ) ما قالَهُ من الإيرادِ والجوابِ لا يَدفعُ ما قرَّرَهُ "ط"
من تنوُّعِ الغُسل والتيمُّمِ إلى مندوبٍ وسَّةٍ، لكنَّ تنوُّعَهما إليهما بالنظر لذاتهما لا لخصوصِ ما دلّتْ عليه
الآية وهو القيامُ للصلاة، فلا يُطلَبان فيه إلاّ إذا كان جُنُباً، فلا يُطلَبُ تحديدُ غُسلٍ أو تِيمُّمٍ لها وإنْ كانا يُطلَبان
في مواضعَ أخرَ بخلاف الوضوء، فإنّه يُطلَبُ تجديدُهُ لها كما يُطلَبُ في غيرها، فكلامُ "الشارح" في محلّهِ، ولا
يَرِدُ ما قرَّرَهُ "ط"، تأمَّل.
(١) "ط": كتاب الطهارة ٦٠/١ بتصرف يسير.
(٢) "ط": كتاب الطهارة ٦٠/١.

الجزء الأول
٣٠٩
الوضوء وأحكامه
والوضوءُ على الوضوء نورٌ على نورٍ. (أركانُ الوضوءِ أربعةٌ)
[ مطلبٌ في حديثِ: ((الوضوءُ على الوضوء نورٌ على نورٍ ))]
[٧١٩] (قولُهُ: والوضوءُ على الوضوءِ نورٌ على نورٍ) هذا لفظُ حديثٍ ذَكَرَهُ في "الإحياء"،
وقال الحافظ "العراقيُّ" في تخريجِهِ: ((لم أَقِفْ عليه))(١)، وسبقَهُ لذلك الحافظُ "المنذريُّ"(٢)، وقال
الحافظُ "ابنُ حجرٍ"(٣): ((حديثٌ ضعيفٌ))، ورواهُ "رَزِينٌ" في "مسندِ"(٤). اهـ "جَرَّاحِي" (٥).
نعم رَوَى "أحمدُ" بإسنادٍ حسنٍ مرفوعاً: (لولا أنْ أَشُقَّ على أمَّتَي لأمرتُهم عند كلِّ صلاةٍ
بوضوءٍ)(٦)، يعني: ولو كانوا غيرَ مُحدِثِينَ، وَرَوَى "أبو داود" و"الترمذيُّ" و"ابن ماجه" مرفوعاً:
(مَنْ تَوَضَّأ على طُهرِ كُتِبَ لهُ عشرُ حَسَنَاتٍ)(٧).
ولم يقيِّدِ "الشارحُ" باختلافِ المجلس تبعاً لظاهر الحديث، وسيأتي(٨) الكلامُ عليه إن
شاء الله في سُنَّنِ الوضوء(٩).
(١) انظر "الإحياء": كتاب أسرار الطهارة - فضيلة الوضوء ٢٠٣/١، وفيه: ((لا أصل له)).
(٢) "الترغيب والترهيب" ١٦٣/١، وقال: وأمَّ الحديث الذي يُروَى عن النبي ◌ِ﴿ أَنَّه قال: ((الوضوء على الوضوء نورٌ
على نور)) فلا يحضرُني له أصلٌ من حديث النبي ◌َ﴿، ولعلَّهُ من كلام بعض السلف، والله أعلم. ا.هـ.
(٣) "فتح الباري": ٢٠٦/١، وانظر "المقاصد الحسنة" رقم (١٢٦٤)، و"الأسرار المرفوعة" للقاري ٣٧٧ - ٣٧٨،
و"الدرر المنتثرة" ٣٣٦/٢.
(٤) المسمَّى "تجريد الصحاح الستة": لأبي الحسن رَزِين بن معاوية بن عمار العَبْدَري السَّرَّقُسْطي الأندلسي المالكي (ت٥٣٥هـ) رتِّبَهُ
أبو السعادات مبارك بن محمد، مجد الدين المعروف بابن الأثير الجَزَرِي ثم الموصلي الشافعي (ت٦٠٦هـ)، وسَمَّه "جامع الأصول
في أحاديث الرسول". (كشف الظنون" ٣٤٥/١، "شذرات الذهب" ١٧٥/٦، ٤٢/٧).
(٥) "كشف الخفاء": ٣٣٦/٢.
(٦) أخرجه أحمد في "المسند" ٢٥٩/٢ من حديث أبي هريرة مرفوعاً، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط حفظه الله: إسناده حسن.
(٧) أخرجه أبو داود (٦٢) كتاب الطهارة - باب الرجل يجدِّدُ الوضوء من غيرِ حدثٍ، والترمذي (٥٩) كتاب الطهارة -
باب ما جاء في الوضوء لكلِّ صلاة، وابن ماجه (٥١٢) كتاب الطهارة - باب الوضوء على طهارة، عن عبد الله بن
عمر مرفوعاً ، وقد ضعَّفَ الترمذيُّ إسناده.
(٨) المقولة [٩٧٠] قوله: ((أو لقصد الوضوء على الوضوء)).
(٩) في "د" زيادة: ((قوله: أركان الوضوء أربعة، قال العيني في "شرح الكنز": الوُضوءُ بالضمِّ من الوَضَاءةِ - وهي
الحسنُ والنظافة، تقول: وَضُؤَ الرَّجُلُ، أي: صار وضيئاً، وتوضَّأْتُ للصلاة، ولا يقال: توضَّيْتُ، وبعضُهم يقوله -
وبالفتح: الماءُ الذي يُتوضَّأُ به، وفي "الشرح": غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس. انتهى)).

قسم العبادات
٣١٠
حاشية ابن عابدين
عَبَّرَ بالأركان لأَنَّه أفيدُ مع سلامته عمَّا يقال: إنْ أُرِيدَ بالفرض القطعيُّ يرِدُ تقديرُ الممسوح
بالربع، وإِنْ أُرِيدَ العمليُّ يرِدُ المغسولُ وإِنْ أُجِيبَ عنه بما لَخَّصناهُ في "شرح الملتقى" ..
[٧٢٠) (قولُهُ: عبَّرَ بالأركانِ) أي: ولم يعبِّرْ بالفرائض كما عبَّرَ غيرُه.
[٧٢١) (قولُهُ: لأَنَّه) أي: التعبيرَ المأخوذَ مِن عَبَّرَ، "ط)" (١).
[٧٢٢) (قولُهُ: أَفَيَدُ) أي: أكثرُ فائدةً، قال في "المنح"(٢): ((لأَنَّ الرُّكنَ أخصُّ، ولينبِّهَ على أنَّ
مرادَ مَن عَّرَ بالفروضِ الأركانُ)) اهـ.
(٧٢٣) (قولُهُ: مع سلامتِهِ إلخ) اعتُرِضَ بأنَّ الركن كما اعتُرِفَ به فرضٌ داخِلَ الماهِيَّةِ، فهو
أخصُّ من مطلقِ الفرض، ولازمُ الأَعمِّ لازمٌ للأخصِّ.
وأجيبَ عنه: بأنَّ مفهوم الرُّكنِ ما كان جزءً الماهَّةِ وإِنْ لَزِمَ هنا أنْ يكون فرضاً؛ لأنَّ المعتبَرَ في
الماهَّات الاعتباريَّةِ ما اعتبرَهُ الواضعُ عند وضع الاسم لها، ولم يَعتِرْ في الركن ثبوتَهُ بقطعيٍّ أو ظنيٍ".
[٧٢٤) (قولُهُ: بالرُّبعِ) أي: ربعِ الرأسِ، ومثلُهُ غَسلُ المرفقين والكعبين، فإِنَّه لم يثبتْ شيءٌ
منها بقطعىٍّ، ولذا لم يُكفَرِ المخالِفُ فيها إجماعاً، كذا في "الحلبة"(٣).
(٧٢٥] (قولُهُ: يَرِدُ المغسولُ) أي: مِن الأعضاء الثلاثةِ سوى المرفقين والكعبين، زاد في "الدُّرِّ
المنتقى "(٤): ((وإِنْ أُريدا يلزمُ عمومُ المشتركِ، أو إرادةُ (٥) الحقيقةِ والمجازِ)) اهـ.
مطلبٌ: الفرقُ بين عمومِ المجاز والجمعِ بين الحقيقة والمجاز
[٧٢٦] (قولُهُ: بما لَخَّصناه إلخ) أي: مِن أَنَّه من عمومِ المجاز - والفرقُ بينه وبين الجمعِ بين
الحقيقةِ والمجازِ: أنَّ الحقيقةَ في الأوَّلِ تُجعَلُ فرداً من الأفراد، بأنْ يرادَ معنىً يتحقَّقُ في كلِّ الأفرادِ
[١/ق٦٩/أ] بخلافِ الثاني، فإنَّ الحقيقةَ يرادُ بها الوضعُ الأصليُّ، والمجازُ يرادُ به الوضعُ الثانويُّ،
٦٣/١
(١) "ط": كتاب الطهارة ٦٠/١.
(٢) "المنح": كتاب الطهارة ١/ ق ٦/أ بتصرف.
(٣) "الحلبة": كتاب الطهارة - فرائض الوضوء ١/ ق ٣٠/ب.
(٤) "الدر المنتقى": كتاب الطهارة ١٠/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٥) في "الدر المنتقى": ((وإرادة)) بالواو، وهو خلاف المراد.

الجزء الأول
:
٣١١
الوضوء وأحكامه
ثم الركنُ ما يكون فرضاً داخِلَ الماهِيَّةِ».
فهما استعمالان متباينان = أو مِن أنَّ المرادَ القطعيُّ، ويجابُ عن إيرادِ الممسوح: بأنَّ المرادَ أصلُ
المسحِ فيه، وذلك قطعيٌّ لثبوتِهِ بالكتاب - أو العمليُّ(١)، ويجابُ عن إيرادِ المغسول: بأنَّ المرادَ القدرُ
في الكلِّ، ولا شكَّ أنّه من هذه الحيثيّةِ عمليٌّ لخلافِ "زفرَ" في المرفقين والكعبين، و"أبي يوسف"
فيما بين العِذار والأذن، "ط" (٢). قال بعضُ الفضلاءِ: ((والمخلَصُ من ذلك كلِّه أن نقولَ: إطلاقُ
الفرضِ عليهما حقيقةٌ عُرفيَّةٌ في اصطلاح الفقهاءِ، فيسقُطُ السؤالُ من أصلِهِ)) اهـ
أقولُ: وإلى هذا أشارَ في "النهاية"، حيث أجابَ: ((بأنَّ الفرض على نوعين: قطعىٍّ، وظنيٍّ،
وهو الفرضُ على زعم المجتهدِ كإيجاب الطهارةِ بالفَصدِ والحجامةِ، فإنَّهم يقولون: يُفترَضُ عليه
الطهارةُ عند إرادة الصلاة)) اهـ. ويأتي بيانُهُ قريباً(٣).
[٧٢٧] (قولُهُ: ثمَّ الرُّكنُ) ترتيبٌ إخباريٌّ "ط" (٤).
[٧٢٨] (قولُهُ: ما يكونُ فرضاً) ومعناه لغةً: الجانبُ الأقوى كما قدَّمناه(٥).
[٧٢٩) (قولُهُ: داخِلَ الماهَّةِ) يعني: بأنْ يكون جزءاً منها يتوقَّفُ تقوُّمُها عليهِ، والماهيّةُ: ما به
الشيءُ هو هو، سُمِّيت بها لأَنَّه يُسألُ عنها بما هو ؟
(قولُهُ: والمخلَصُ من ذلك كلّه أنْ نقول: إطلاقُ الفرض عليهما حقيقةٌ إلخ) لا يَتِمُّ ما ذكرَهُ في دفعِ
الإشكال إلاَّ بدعوى أنَّه موضوعٌ لكلٍّ منهما بوضعٍ واحدٍ في الاصطلاح، أمَّا لو كان موضوعاً لكلٍّ منهما
بوضعٍ مستقلٍّ يلزمُ استعمالُ المشترك في معنييه بخلافه على الأوَّلِ، فإنَّه من استعمالِ الكلّيِّ في فردَيه، وهذا لا
مانعَ منه، وكذا يقال في عبارة "النهاية"، تأمَّل.
(١) في "ب": ((العمل))، والصوابُ ما أثبتناه عطفاً على ((القطعي)).
(٢) "ط": كتاب الطهارة ٦٠/١.
(٣) المقولة [٧٣٥] قوله: ((وقد يطلق إلخ)).
(٤) "ط": كتاب الطهارة ٦٠/١.
(٥) المقولة [٦٨٢] قوله: ((ور كنها)).

قسم العبادات
٣١٢
حاشية ابن عابدين
وأمَّا الشرطُ فما يكون خارجَها، فالفرضُ أعمُّ منهما، وهو ما قُطِعَ بلزومِهِ، حتى
يُكفَرُ جاحدُه.
[٧٣٠] (قولُهُ: وأمَّا الشَّرطُ) هو في اللُّغة: العلامَةُ، وفي الاصطلاح: ما يلزمُ من عدمِهِ
العدمُ، ولا يلزمُ من وجودِهِ وجودٌ ولا عدمٌ.
٥
وقولُهُ: ((فما يكونُ خارجَها)) بيانٌ للمراد به هنا، والمرادُ: ما يجبُ تقديمه عليها واستمرارُهُ فيها
حقيقةً أو حكماً، فالشَّرطُ والرُّكنُ متباينان، كذا في "الحلبة"(١).
مطلبٌ: قد يُطلَقُ الفرضُ على ما ليس بركنٍ ولا شرطٍ
[٧٣١] (قولُهُ: فالفرضُ أعمُّ منهما) وقد يُطلَقُ على ما ليس واحداً منهما كترتيبِ ما شُرِعَ غيرَ
مكرَّرِ في ركعةٍ، كترتيب القراءةِ على القيام، والركوعِ على القراءةِ، والسجودِ على الركوعِ، والقعدةِ على
السجودٍ، فإنَّ هذه التراتيبَ كلِّها فروض ليست بأركانٍ ولا شروطٍ، كذا في "شرح المنية" لـ "الحلبي"(٢).
[٧٣٢) (قولُهُ: وهو ما قُطِعَ بلزومِهِ) مأخوذٌ من فَرَضَ بمعنى قَطَعَ، "تحرير"(٣). ويُسمَّى فرضاً
عِلْماً وعملاً لزومِ اعتقادِهِ والعملِ به.
[٧٣٣] (قولُهُ: حتى يُكَفَرُ) بالبناء للمجهول، أي: يُنسَبُ إلى الكفر، مِن أَكَفَرَهُ إذا دَعَاه كافراً،
وأمَّا يُكفِّرُ من التكفيرِ فغيرُ ثابتٍ هنا وإنْ كان جائزاً لغةً كما في "المغربِ"(٤)، والأصلُ: حتى يُكفِّرُ
(قولُهُ: ليستْ بأركانٍ) أي: لعدم كونها داخلَ الماهيَّةِ، ولا شروطَ؛ إذ لو فاتَ الترتيبُ لَزِمَ إعادته،
ولو كان شرطاً لفسدت الصلاة لفوات شرطها، وقد يقال: إنَّها شروطٌ، وعدمُ الفساد لا يدلُّ على عدم
الشرطيَّة؛ لأَنّه قد تدارَكَ ما فعلَهُ من عكس الترتيب، فلم يتحقَّق التركُ بالكليّة حتَّى تفسدَ، غايةُ الأمرِ أنَّه
زاد ما دون الرَّكعة، وهو غيرُ مفسدٍ كمن ترَكَ سجدةً من الرَّكعة الأُولى ثمَّ تدارَكَها، لا تفسُدُ صلاته
مع أنَّها ركنٌ، فبالأَولى أنْ لا تفسد إذا ترَكَ شرطاً ثمَّ تدارَكَهُ.
(١) "الحلبة": كتاب الطهارة ١/ق ٢١/أ.
(٢) "شرح المنية الكبير": المقدِّمة صـ١٢ -.
(٣) "التحرير": المقالة الثانية - الباب الأوَّل - الفصل الثالث - مبحث الرخصة والعزيمة صـ٢٥٩ -.
(٤) "المغرب": مادة((كفر)).

الجزء الأول
٣١٣
الوضوء وأحكامه
كأصلِ مسح الرأس، وقد يُطلَقُ على العمليِّ، وهو ما تفوتُ الصحّةُ بفواتِهِ
کالمقدار الاجتهاديِّ في الفروض،
الشارعُ جاحدَهُ، سواءٌ أنكرَهُ قولاً أو اعتقاداً، كذا في "شرح المنار" لـ "ابن نجيمٍ"(١)، "فتال"(٢).
[٧٣٤) (قولُهُ: كأصلِ مسح الرأسِ) [١/ق٦٩/ب] أي: مجرَّدًاً عن التقدير بربعٍ أو غيره.
مطلبٌ في الفرض القطعيِّ والظنيِّ
[٧٣٥] (قولُهُ: وقد يُطلَقُ إلخ) قال في "البحر"(٣): ((والظاهرُ من كلامِهم في الأصول والفروع
أنَّ الفرضَ على نوعينِ: قطعىٍّ، وظنيٍّ هو في قوَّةِ القطعيِّ في العملِ، بحيث يفوتُ الجوازُ بفواتِهِ،
والمقدارُ في مسح الرأسِ من قبيلِ الثاني، وعند الإطلاق ينصرِفُ إلى الأوَّلِ لكماله، والفارقُ بين
الظنيِّ القويِّ المثِتِ للفرضِ وبين الظنيِّ المثبتِ للواجب اصطلاحاً خصوصُ المقامِ)) اهـ.
أقولُ: بيانُ ذلك أنَّ الأدلَّةَ السمعيَّةَ أربعةٌ:
الأوَّلُّ: قطعيُّ الثبوتِ والدِّلالةِ كنصوصِ القرآن المفسَّرةِ أو المحكمةِ، والسنّةِ المتواترة التي
مفهومُها قطعيٌّ.
الثاني: قطعيُّ الثبوتِ ظنيُّ الدلالةِ كالآيات المؤوَّلَةِ.
الثالثُ: عكسُهُ كأخبار الآحادِ التي مفهومُها قطعيٌّ.
الرابعُ: ظنُّهما كأخبارِ الآحاد التي مفهومُها ظنيٌّ.
فبالأوَّلِ يثبتُ الفرضُ والحرامُ، وبالثاني والثالثِ الواجبُ وكراهةُ التحريمِ، وبالرابعِ السنةَ
والمستحبُّ.
(١) المسمى "فتح الغفار": فصل في بيان الحكم وأقسامه ٦٣/٢ لزين الدين - وقيل: زين العابدين - بن إبراهيم بن محمد
الشهير بابن نجيم المصري(ت٩٧٠هـ)، شرَحَ به "منار الأنوار" لأبي البركات عبد الله بن أحمد، حافظ الدين
النسفي(ت ٧١٠هـ). ("كشف الظنون" ١٨٢٣/٢-١٨٢٤، " الطبقات السنية" ٢٧٥/٣، ١٥٤/٤، "الفوائد البهيّة"
صـ ١٣٤،١٠١ - تعليقاً).
(٢) خليل بن محمد بن إبراهيم بن منصور الشهير بالفتال الدمشقي (ت١١٨٦هـ). ("سلك الدرر" ٩٩/٢، "الأعلام" ٣٢٢/٢)،
والمراد بـ"فتال" حيث أطلق "حاشيته على الدر المختار المسماة "دلائل الأسرار"، والله أعلم.
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ١١/١.

قسم العبادات
٣١٤
حاشية ابن عابدين
فلا يُكفَرُ جاحدُه.
ثُمَّ إِنَّ المجتهِدَ قد يقوَى عنده الدليلُ الظنيُّ حتى يصيرَ قريباً عنده من القطعيِّ، فما ثبَتَ به
يسمِّيهِ فرضاً عملياً؛ لأنّه يعامَلُ معاملةَ الفرضِ في وجوبِ العملِ، ويُسمَّى واجباً نظراً إلى ظِّيَّةٍ
دليلِهِ، فهو أقوى نوعي الواجبِ، وأضعفُ نوعي الفرضِ، بل قد يصِلُ خبرُ الواحدِ عنده إلى حدٍّ
القطعيِّ، ولذا قالوا: إنَّه إذا كان متلقَّىَ بالقبول جازَ إثباتُ الركنِ به، حتى ثبتتْ ركيَّةُ الوقوفِ
بعرفاتٍ بقوله :﴿: (الحجُّ عرفةٌ)(١)، وفي "التلويح"(٢): ((أَنَّ استعمال الفرضِ فيما ثبَتَ بظني
300
والواجبِ فيما ثبَتَ بقطعيٍّ شائعٌ مستفيضٌ، فلفظُ الواجبِ يقعُ على ما هو فرضٌ عِلْماً وعملاً
كصلاة الفجرِ، وعلى ظنيٍّ هو في قوَّةِ الفرض في العمل كالوتر، حتى يمنعُ تذكُّرُهُ صحَّةَ الفحرِ
كتذكُّرِ العشاءِ، وعلى ظنىٍّ هو دون الفرضِ في العمل وفوقَ السنَّةِ كتعيين الفاتحة، حتى لا تفسدُ
الصلاةُ بتركِها، لكنْ تجبُ سجدةُ السَّهو)) اهـ. وتمامُ تحقيقِ هذا المقامٍ في فصل المشروعاتِ من
حواشينا على "شرح المنارِ"(٣)، فراجعهُ فإِنَّكَ لا تجدُهُ في غيرها.
[٧٣٦) (قولُهُ: فلا يُكَفَرُ جاحدُهُ) لِما في "التلويح"(٤): ((من أنَّ الواجب لا يلزمُ اعتقادُ حقَّتَهِ
لثبوته بدليلٍ ظنىٍّ، ومبنى الاعتقادِ على اليقين، لكنْ [١/ق٧٠ / أ] يلزمُ العملُ بموجبه للدلائلِ الدالّةِ
على وجوب اتباع الظنِّ، فجاحدُهُ لا يُكَفَرُ، وتاركُ العملِ به إنْ كان مؤوِّلاً لا يفسَّقُ ولا يضلِّلُ؛
لأنَّ التأويل في مظانِّهِ من سيرة السلفِ، وإلاّ فإنْ كان مستخِفاً يضلّلُ؛ لأنَّ ردَّ خبرِ الواحدِ والقياسِ
بدعةٌ، وإنْ لم يكن مؤوِّلاً ولا مستخِفاً يفسَّقُ لخروجه عن الطاعة بتركِ ما وجَبَ عليه)) اهـ
(١) أخرجه أبو داود (١٩٤٩) كتاب المناسك - باب من لم يدرك عرفة، والترمذي (٨٨٩) كتاب الحج - باب ما جاء:
مَن أدرَكَ الإمام بجمعٍ فقد أدرك الحج، والنسائي ٢٥٦/٥ كتاب مناسك الحج - باب فرض الوقوف بعرفة، وابن
ماجه (٣٠١٥) كتاب المناسك - باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلةَ جَمعٍ، والحاكم في "المستدرك" ٤٦٤/١ كتاب:
المناسك، وصحَّحَهُ الحاكم ووافقه الذهبي، كلهم من حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي ضـ
(٢) "التلويح": بحث الفعل الذي هو فرضٌ واجبٌ ونفلٌ ١٢٤/٢ باختصار.
(٣) انظر "حاشية نسمات الأسحار": صـ١١٣ -.
(٤) "التلويح": بحث الفعل الذي هو فرضٌ وواجبٌ ونفلٌ ١٢٤/٢.

الجزء الأول
٣١٥
الوضوء وأحكامه
(غَسلُ الوجهِ).
أقولُ: وما ذكَرَهُ العلاَّمة "الأكملُ" في "العنايةِ"(١): ((من أَنَّا لا نسلِّمُ عدمَ التكفيرِ لجاحدِ مقدار
٦٤/١ المسح بلا تأويلٍ)) لعلَّهُ مبنيٌّ على ما ذهَبَ هو إليه كصاحب "الهداية"(٢): ((من أنَّ الآيةَ مجملةٌ في
حقِّ المقدارِ، وأنَّ حديث "المغيرةِ"(٣) من مسحِهِ عليه الصلاة والسلام بناصيِ التحَقَ بياناً لها، فيكونُ
ثابتاً بقطعيّ؛ لأنَّ خبر الواحدِ إذا التحَقَ بيانً للمجملِ كان الحكمُ بعده مضافاً للمحملِ لا للبيانِ)).
وما ردَّ به في "البحر"(٤) على صاحب "الهداية" أجبتُ عنه فيما علَّقْتُهُ عليه(٥).
[٧٣٧] (قولُهُ: غَسلُ الوجهِ) الغَسلُ بفتح الغين لغةً: إزالةُ الوسخِ عن الشيءٍ بإجراءِ الماء عليه،
وبضمِّها: اسمٌ لغَسلٍ تمامِ الجسدِ، وللماء الذي يُغسَلُ به، وبكسرِها: ما يُغسَلُ به الرأسُ من خطمىٍّ
وغيرهٍ، "بحر "(٦). والمرادُ الأوَّلُ، وإضافتهُ إلى الوجهِ من إضافة المصدرِ إلى مفعوله، والفاعلُ محذوفٌ،
أي: غَسلُ المتوضِّئِ وجهَهُ، لكنْ بِرِدُ عليه أنَّه يكونُ صفةً للفاعل، وهو غيرُ شرطٍ؛ إذ لو أصابَهُ الماءُ
من غيرِ فعلٍ كفى، فالأَولى جعلُهُ مصدرَ المبنيِّ للمجهول على إرادةِ الحاصلِ بالمصدر، أي: مغسولَيَّةٌ
الوجهِ، قال في "حواشي المطوَّل"(٧): ((المصدرُ يُستعمَلُ في أصلِ النسبة، وفي الهيئةِ الحاصلةِ منها
(١) "العناية": كتاب الطهارات ١٦/١ (هامش "فتح القدير").
(٢) "الهداية": كتاب الطهارات ١٢/١.
(٣) أخرجه أحمد في "المسند" ٢٥٥/٤، ومسلم (٨١) كتاب الطهارة - باب المسح على الناصية والعمامة، وأبو داود
(١٥٠) كتاب الطهارة - باب المسح على الخفّين، والترمذي (١٠٠) كتاب الطهارة - باب ما جاء في المسح على
العمامة، وقال: حديثُ المغيرة بن شعبة حديثٌ حسنٌ صحيح، ذكرَهُ تعليقاً في الحديث نفسه، والنسائي ٧٦/١
كتاب الطهارة - باب المسح على العمامة مع الناصية، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٥٨/١ كتاب الطهارة: باب
مسح بعض الرأس، كلَّهم من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنهما، وفي الباب عن عمرو بن أمية، وسلمان،
وثوبان، وأبي أمامة، وبلالڅ.
(٤) انظر "البحر": كتاب الطهارة ١٤/١-١٥.
(٥) "حاشية منحة الخالق على البحر الرائق": ١٤/١ - ١٥.
(٦) "البحر": كتاب الطهارة ١١/١.
(٧) "حاشية حسن جلبي على المطوَّل": مبحث صيغ المصادر صـ١١٣ - بتصرف.

قسم العبادات
٣١٦
حاشية ابن عابدين
أي: إسالةُ الماءِ مع التقاطر ولو قطرةً، وفي "الغيض": ((أَقُلُّهُ قطرتان في الأصحِّ)) (مرَّةً) ..
للمتعلَّقِ معنويَّةً أو حسيَّةً كهيئةِ المتحركَّةِ الحاصلةِ من الحركة، وتسمَّى الحاصلَ بالمصدر، وتلك
الهيئةُ للفاعلِ فقط في اللازم كالمتحركَيَّةِ والقائمَيَّةِ من الحركةِ والقيامِ، أو للفاعلِ والمفعولِ للمتعدِّي
كالعالميّةِ والمعلومِيَّة من العِلْم، واستعمالُ المصدر بالمعنى الحاصلِ بالمصدر استعمالُ الشيءٍ في لازمِ
معناهُ)) انتهى. أي: فهو مجازٌ مرسَلٌ.
[٧٣٨) (قولُهُ: أي: إسالةُ الماءِ إلخ) قال في "البحر"(١): ((واختُلِفَ في معناه الشرعيِّ، فقال
"أبو حنيفة" و"محمد": هو الإسالةُ مع التقاطُرِ ولو قطرةً، حتى لو لم يسِلِ الماءُ - بأنِ استعملَهُ
استعمالَ الدُّهنِ - لم يجزْ في ظاهر الرواية، وكذا لو توضَّأ بالثلجِ ولم يقطُرْ منه شيءٌ لم يجزْ(٢)،
وعن "أبي يوسف": هو مجرَّدُ بلِّ المحلِّ بالماءِ سالَ [١/ق٧٠/ب] أو لم يسِلْ)) اهـ.
واعلمْ أَنَّه صرَّحَ كغيره بذكر التقاطُرِ مع الإسالة وإنْ كان حدُّ الإسالةِ أنْ يتقاطَرَ الماءُ
للتأكيد وزيادة التنبيه على الاحترازِ عن هذه الروايةِ، على أنَّه ذكَرَ في "الحلبة"(٣) عن "الذخيرة"
وغيرِها: (( أَنَّه قيلَ في تأويلِ هذه الروايةِ: إِنَّه سالَ من العضوِ قطرةٌ أو قطرتان ولم يتداركْ )) اهـ.
والظاهرُ: أنَّ معنى ((لم يتداركْ)) لم يقطُرْ على الفَورِ، بأنْ قطَرَ بعد مُهلةٍ، فعلى هذا
يكونُ ذكرُ السيلانِ المصاحِبِ للتقاطُرِ احترازاً عمَّا لا يتداركْ، فافهم.
ثُمَّ على هذا التأويلِ يندفعُ ما أُورِدَ على هذه الروايةِ من أنَّ البلَّ بلا تقاطرٍ مسحٌ، فيلزمُ
أنْ تكون الأعضاءُ كلُّها ممسوحةً مع أنَّه تعالى أمَرَ بالغَسلِ والمسح.
[٧٣٩)] (قولُهُ: ولو قطرةً) على هذا يكونُ التقاطرُ بمعنى أصلِ الفعلِ. اهـ "ح "(٤).
[٧٤٠) (قولُهُ: أَقُلُّهُ قطرتانٍ) يدلُّ عليه صيغةُ التفاعلِ. اهـ "ح"(٥).
(١) "البحر": كتاب الطهارة ١١/١.
(٢) من قوله: ((حتّى لو لم يسل)) إلى هذا الموضع نقله في "البحر" عن "البدائع".
(٣) "الحلبة": كتاب الطهارة - فرائض الوضوء ١/ق ٣٠/أ.
(٤) "ح": كتاب الطهارة ق ٧/أ.
(٥) "ح": كتاب الطهارة ق ٧/أ.

الجزء الأول
٣١٧
الوضوء وأحكامه
لأنَّ الأمر لا يقتضي التكرارَ (وهو) مشتقٌّ من المواجهة، واشتقاقُ الثلاثيِّ من المزيد
إذا كان أشهرَ في المعنى.
ثُمَّ لا يخفى أنَّ هذا بيانٌ للفرضِ الذي لا يُجزِئ أقلُّ منهُ؛ لأَنَّه في صَدد بيان الغَسل
المفروضِ، وسيأتي(١) أنَّ التقتيرَ مكروهٌ، ولا يمكنُ حملُ التقتيرِ على ما دونَ القطرتينِ؛ لأنَّ الوضوء
حينئذٍ لا يصحُّ لِما علمتَ، فتعَّنَ أَنَّه لا ينتفي التقتيرُ إلَّ بالزيادة على ذلك، بأنْ يكون التقاطرُ
ظاهراً ليكون غَسلاً بيقينٍ، وبدونها يقرُبُ إلى حدِّ الدَّهنِ، وربما لا يُتيقّنُ بسيلانِ الماء على جميع
أجزاءِ العضوِ، فلذا حُرِهَ، فافهم.
[٧٤١] (قولُهُ: لأنَّ الأمرَ) وهو هنا قولُهُ تعالى: ﴿فَاعْسِلُواْ﴾ [ المائدة- ٦].
[٧٤٢) (قولُهُ: لا يقتضي التكرارَ) أي: لا يستلزمُهُ، بل ولا يحتملُهُ في الصحيح عندنا، وإنما
يُستفادُ من دليلٍ خارجيٍّ كتكرُّرِ الصلاةِ لتكوُّرِ أوقاتها.
مطلبٌ في معنى الاشتقاق وتقسيمِه إلى ثلاثة أقسام
[٧٤٣] (قولُهُ: مشتقٌ إلخ) المرادُ بالاشتقاق الأخذُ مجازاً، علاقتُهُ الإطلاقُ والتقييدُ؛ إذ الاشتقاقُ
في الصَّرفِ أخذُ واحدٍ من الأشياءِ العشرة من المصدرِ، وهي: الماضي، والمضارعُ، والأمرُ، واسمُ
الفاعل، واسم المفعول، والصفةُ المشبّهَةُ، وأفعلُ التفضيلِ، واسمُ الزمانِ والمكانِ والآلةِ، والوجهُ ليس
منها. اهـ "ح"(٢).
لكنْ في "تعريفات السيِّد)(٣): ((الاشتقاقُ: نَزْعُ لفظٍ من آخرَ بشرطِ مناسبتِهما معنىٍّ وتركيباً،
ومغايرتِهما في الصيغةِ، فإنْ كان بينهما تناسُبٌ في الحروف والترتيب كضَرَبَ من الضَّربِ فهو اشتقاقٌ
صغيرٌ، أو في اللفظِ والمعنى دون الترتيب كحَبَذَ من الجذبِ فكبيرٌ، أو في المخرَجِ كَنَعَقَ من النَّهْقِ
[١/ق٧١/ أ] فأكبرُ)) اهـ. ونحوُهُ في "شرح التحرير" (٤).
(١) المقولة [١٠٥٥] قوله: ((والتقطير)).
(٢) "ح": كتاب الطهارة ق ٧/أ.
(٣) "التعريفات": صـ ٢١-٢٢ -.
(٤) "التقرير والتحبير": المقالة الأولى - الخلافُ في خطاب الله تعالى للرسول ٨٩/١.

قسم العبادات
٣١٨
حاشية ابن عابدين
شائعٌ كاشتقاق الرَّعدِ من الارتعاد، واليمِّ من التيمُم (من مبدأ سطحِ جبهته) أي: المتوضِّئِ ..
قال: ((وقد تسمَّى أصغرَ وصغيراً وأكبرَ، وقد تسمَّى أصغرَ وأوسطَ وأكبرَ، والأوَّلُ أشهرُ))،
وما نحن فيه من القسم الأوَّلِ، فافهم(١).
[٧٤٤] (قولُهُ: شائعٌ) خبرُ ((اشتقاقٌ))، وذلك لأنَّ معنى الاشتقاق: أنْ يَنتظِمَ الصيغتين فأكثرَ
معنى واحدٌ، وفي هذا لا توقيتَ بأن يكونَ المشتقُّ منه ثلاثياً، فجازَ أن يكونَ المزيدُ أشهرَ وأقربَ
للفهم من الثلاثيِّ لكثرةِ الاستعمالِ، فصحَّ ذكرُ الاشتقاق لإيضاحِ معناهُ وإنْ لم يكن المزيدُ أصلاً
له، أفادَهُ في "النهاية".
[٧٤٥] (قولُهُ: مِن الارتعادِ) أي: الاضطرابِ، أُخِذَ منهُ الرَّعدُ لاضطرابه في السماءِ، أو اضطرابِ
السَّحابِ منه.
[٧٤٦] (قولُهُ: واليَمِّ) وهو البحرُ، من التيمُّمِ وهو القصدُ، قال في "الكشّاف"(٢): ((لأنَّ الناسَ
يقصدونَهُ))، وقال أيضاً(٢): ((واشتقاقُ البرجِ من التبرُّجِ لظهوره)) (٤)، وقال في "الفائق)(٥): ((والجنُّ
من الاجتنانِ لاستتارِهم عن العيونِ)).
[٧٤٧) (قولُهُ: سطحِ جبهتِهِ) أي: أعلاها، "ط" (٦).
(١) في "د" زيادة: ((لَمَّا كان المزيدُ في بعضِ المواضع أشرَكَ في المعنى المشتركِ فيه جُعِلَ أصلاً وجُعِلَ المجرَّدُ فرعاً، وعبّرَ عن
ذلك باشتقاقه منه للإيضاح، وقال السيِّدُ الشريف - قُدِّسَ سرُّهُ - في "حاشيته" على "الكشّاف" في أوَّلِ سورة البقرة
عند قول "الكشَّاف": إنَّ الرَّعد من الارتعادِ، أي: الرعد مشتق من الارتعاد، وكأنّهم قد يردُّون المحرَّدَ إلى المزيد إذا
كان المزيدُ أعرَقَ بالمعنى الذي اعتُبِرَ بالاشتقاق، كالقَدْرِ من التقدير، والوجهِ من المواجهة إلخ، وظاهرُهُ أَنَّه اشتقاقٌ
صغيرٌ. وانظر "حاشيةَ الخفاجيّ")).
(٢) "الكشاف": ١٠٩/٢ سورة الأعراف، آية ١٣٦.
(٣) "الكشاف": ٩٨/٣ سورة الفرقان، آية ٦١.
(٤) ((لظهورِهِ)) ساقطة من "آ".
(٥) لم نعثر على النقلٍ في "الفائق" للإمام الزمخشري.
(٦) "ط": كتاب الطهارة ٦٢/١.

الجزء الأول
٣١٩
الوضوء وأحكامه
بقرينة المقام (إلى أسفلٍ ذقنه) أي: مَنبتِ أسنانِهِ السُّعلى (طولاً) كان عليه شعرٌ أَوْ لا، عدَلَ
عن قولهم: من قُصاصٍ شعره الجاري على الغالب.
[٧٤٨] (قولُهُ: بقرينةِ المقام) وهي كونُ المتوضِّئِ أو المكلَّفِ فاعلَ المصدرِ الذي هو
غَسلٌ. اهـ "ط" (١).
٦٥/١
[٧٤٩] (قولُهُ: أي: مَنْبَتِ أسنانِهِ السُّغلى) تفسيرٌ للذقَنِ بالتحريك، أي: إلى أسفلٍ
العظمِ الذي عليه الأسنانُ السُّعلى، وهو ما تحتَ العَنْفَقَة.
[٧٥٠] (قولُهُ: طولاً) منصوبٌ على التمييز، "ط"(٢).
[٧٥١] (قولُهُ: كانَ عليه) أي: على الوجهِ.
[٧٥٢] (قولُهُ: شَعْرٌ) بالإسكان ويُحرَّكُ، "قاموس"(٣).
[٧٥٣] (قولُهُ: عدَلَ عن قولِهِم) أي: عدَلَ "المصنفُ" عن قول بعض الفقهاء في تعريف
الوجهِ طولاً كـ "الكنز "(٤) و"الملتقى" (٥)، "ط" (٦).
[٧٥٤) (قولُهُ: قُصاصٍ) بتثليث القافِ، والضمّ أعلاها، حيث ينتهي نباتُهُ في الرأس، "نهر "(٧).
[٧٥٥) (قولُهُ: الجاري) صفةٌ لـ ((قولِهم))، "ط "(٨).
[٧٥٦] (قولُهُ: على الغالبِ) أي: في الأشخاصِ؛ إذ الغالبُ فيهم طلوعُ الشعرِ من مبدأ سطح
الجبهةِ، ومن غيرِ الغالب الأعمُّ وأخواهُ، "ط "(٩).
(١) "ط": كتاب الطهارة ٦٢/١.
(٢) "ط": كتاب الطهارة ٦٢/١.
(٣) "القاموس": مادة((شعر)).
(٤) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الطهارة ٧/١، و"كنز الدقائق" لأبي البركات عبد الله بن أحمد بن محمود،
حافظ الدين النسفي (ت٧١٠هـ). ("كشف الظنون" ١٥١٥/٢، "الطبقات السنية" ١٥٤/٤).
(٥) "ملتقى الأبحر": كتاب الطهارة ١١/١ لإبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحلبي القُسْطَنطيني(ت ٩٥٦هـ). ("كشف الظنون"
١٨١٤/٢، " الشقائق النعمانية" صـ٢٩٥-، "الكواكب السائرة" ٧٧/٢، "الطبقات السنية" ٢٢٢/١).
(٦) "ط": كتاب الطهارة ٦٢/١.
(٧) "النهر": كتاب الطهارة ق ٣/ب.
(٨) "ط": كتاب الطهارة ٦٢/١.
(٩) "ط": كتاب الطهارة ٦٢/١.

قسم العبادات
٣٢٠
حاشية ابن عابدين
إلى المطرِّدِ ليُعُمَّ الأعمَّ والأصلعَ والأنزعَ، (وما بينَ شحمتى الأذنين عرضاً) وحينئذٍ (فيحبُ
غَسلُ المياقي).
[٧٥٧] (قولُهُ: إلى المطَّردِ) أي: العامٌّ في جميع الأفرادِ، "ط)" (١).
[٧٥٨] (قولُهُ: ليُعُمَّ الأغمَّ إلخ) هو الذي سالَ شعرُ رأسِهِ حتى ضيَّقَ الجبهةَ، والأصلعُ: هو
الذي انحسَرَ مقدَّمُ شعرِ رأسِهِ، والأنزعُ: هو الذي انحسَرَ شعرُه من جانبي جبهتِه. اه "ح"(٢) عن
"جامع اللغة".
أقولُ: وبقيَ الأقرعُ، وهو مَن ذهَبَ شعرُ رأسه، "قاموس"(٣).
[٧٥٩] (قولُهُ: شحمتي الأذنينِ) أي: ما لانَ منهما، والأذُنُ بضمِّ الذالِ، ولك إسكانُها
تخفيفاً، أفادَهُ في "النهر "(٤). وانظرْ ما وجهُ التحديدِ بالشَّحمتين مع أنَّ الظاهرَ أنْ يقال: ما بين
[١/ق ٧١/ب] الأذنين؟
ولعلَّ وجهَهُ أنَّ الشحمتين لَمَّا أَتَّصلتا ببعض الوجهِ - وهو البياضُ الذي خلفَ العِذار -
صار مظنَّةَ أنْ يجبَ غَسْلُهُما مثلاً، فجعلوا الحدَّ بهما لدفع ذلك، تأمَّلْ.
[٧٦٠] (قولُهُ: وحينئذٍ) أي: حين إذا علمتَ حدَّ الوجهِ طولاً وعرضاً، "ط" (٥).
[٧٦١] (قولُهُ: فيجبُ غَسلُ المياقي) جمعُ موقٍ، وهو - على ما في النَّسَخِ - بالياءِ الممدودةِ
بعد الميم، والصوابُ بالهمزة الممدودة، فقد ذكَرَ في "القاموس"(٦) في باب القاف عشرَ لغاتٍ في
الموق، منها: ((مَأَقٌ بالهمزِ، وموقٌ، ومَأقىٌّ بهمزة قبل القاف وهمزةٍ بعدها، وهو طرفُ العينِ
المتصِلُ بالأنف))، ثم ذكَرَ بعد الكلِّ أربعةَ جموعِ: (( آماق، وأمآق - أي: بهمزةٍ ممدودةٍ في أوَّلِه
أو قبل آخره ــ ومَواق، ومَآق))، ولم يذكر المياقيَ لا في المفردات ولا في الجموع.
(١) "ط": كتاب الطهارة ٦٢/١.
(٢) "ح": كتاب الطهارة ق ٧/أ.
(٣) "القاموس": مادة ((قرع)).
(٤) "النهر": كتاب الطهارة ق ٣/ب.
(٥) "ط": كتاب الطهارة ٦٢/١.
(٦) "القاموس": مادة ((مأق)).

الجزء الأول
٣٢١
الوضوء وأحكامه
وما يظهرُ من الشَّفة عند انضمامها
هذا، وفي "البحر"(١): ((لو رَمِدَتْ عينُهُ فرمصتْ يجبُ إيصالُ الماء تحت الرمَصِ إِنْ بقيَ
خارجاً بتغميض العين، وإلاَّ فلا)) اهـ.
هذا، وفي بعض النِّسَخِ: ((فيجبُ غَسلُ الملاقي))، ويُغني عنه قولُ "المصنف" الآتي(٢).
((وغَسلُ جميع اللحيةِ فرضٌ))؛ لأنَّ المرادَ بالملاقي ما لاَى البشرةَ منها كما في "الدرر"(٣)، وفي
"شرحِها" للشيخ "إسماعيل"(٤): ((والملاقي: هو ما كان غيرَ خارجٍ عن دائرة الوجهِ، وهو
احترازٌ عن المسترسِلِ، وهو ما خرَجَ عن دائرة الوجهِ، فإِنَّه لا يجبُ غَسُهُ ولا مسحُهُ، بل
يُسَنُّ)) اهـ. ويأتي(٥) تمامُ الكلام عليه.
[٧٦٢) (قولُهُ: وما يظهرُ) أي: يُفترَضُ غَسله كما صحَّحَهُ في "الخلاصة"(٦)، وقيل: الشَّفةُ
تبعّ للفم، أفاده في "البحر"(٧).
[٧٦٣] (قولُهُ: عند انضمامِها) أشار بصيغة الانفعال إلى أنَّ المراد ما يظهرُ عند انضمامِها
الطبيعيِّ، لا عند انضمامِها بشدَّةٍ وتكلُّفٍ. اهـ "ح"(٨).
وكذا لو غمَّضَ عينيه شديداً لا يجوزُ، "بحر "(٩). لكنْ نقَلَ العلاَّمة "المقدسيُّ" في "شرحه"
على "نظم الكنز"(١٠): ((أَنَّ ظاهرَ الرِّواية الجوازُ))، وأقرَّهُ في "الشرنبلالية"(١١)، تأمَّلْ.
(١) "البحر": كتاب الطهارة ١٢/١.
(٢) صـ٣٣٢ - "در".
(٣) "الدرر": كتاب الطهارة ٨/١.
(٤) "الإحكام": كتاب الطهارة ١/ق ٣٨/أ بتصرف.
(٥) المقولة [٨٠٥] قوله: ((أن المسترسل)).
(٦) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الثالث في الوضوء ومسائل النوم والقهقهة ق ٨/أ.
(٧) "البحر": كتاب الطهارة ١٢/١.
(٨) "ح": كتاب الطهارة ق ٧ /أ بتصرف يسير.
(٩) "البحر": كتاب الطهارة ١٢/١ معزياً إلى الفقيه أحمد بن إبراهيم.
(١٠) المسمَّى "أوضح رمز على نظم الكنز": لعلي بن محمد بن علي، نور الدين المعروف بابن غانم المّقْدِسي الخَرْرَجي (ت١٠٠٤هـ)،
شرَحَ به نظمَ "كنز الدقائق" المسمَّى "مستحسن الطرائق" لأبي طالب أحمد بن علي، فخر الدين المشهور بابن الفَصِيحِ الهَمَذاني
(ت ٧٥٥هـ). (كشف الظنون"١٥١٥/٢-١٥١٦، "خلاصة الأثر "١٨٠/٣، "الفوائد البهيّة" صـ٢٦-).
(١١) "الشرنبلالية": كتاب الطهارة ٧/١ (هامش "الدرر والغرر"). وهي حاشية لأبي الإخلاص الحسن بن عمار
الوفائي الشرنبلالي المصري (ت ١٠٦٩هـ)، على "درر الحكام شرح غرر الأحكام لمنلا خسرو. ("كشف الظنون"=

قسم العبادات
٣٢٢
حاشية ابن عابدين
(وما بين العِذارِ والأذن) لدخوله في الحدِّ، وبه يفتى (لا غَسلُ باطنِ العينين) والأنفِ
والفمِ وأصولِ شعر الحاجبين واللحيةِ والشارب ..
[٧٦٤] (قولُهُ: وما بين العِذارِ والأذُنِ) أي: ما بينهما من البياضِ.
[٧٦٥) (قولُهُ: وبه يُفتى) وهو ظاهرُ المذهب، وهو الصحيحُ، وعليه أكثرُ المشايخ، قال في
"البدائع"(١): ((وعن "أبي يوسف" عدمُهُ))، وظاهرُهُ أنَّ مذهبه بخلافه، "بحر "(٢). لأنَّ كلمةَ ((عن))
تفيدُ أَنَّه روايةٌ عنه، والخلافُ في الملتحي، أمَّا المرأةُ والأمردُ والكوسجُ(٣) فيفترضُ الغَسلُ اتفاقاً،
[١/ق٧٢/ أ] "در منتقى"(٤).
[٧٦٦] (قولُهُ: لا غسلُ باطنِ العينينِ إلخ) لأَنَّه شحمٌ يضُرُّه الماءُ الحارُّ والباردُ، ولهذا لو
اكتحَلَ بَكحلٍ نجسٍ لا يجبُ غَسْلُهُ، كذا في "مختارات النوازل" (٥) لصاحب "الهداية".
[٧٦٧] (قولُهُ: والأنفِ والفمِ) معطوفان على ((العينينِ))، أي: لا يجبُ غَسلُ باطِنِهما أيضاً.
[٧٦٨] (قولُهُ: وأصولِ شعرِ الحاجبين) يُحمَلُ هذا على ما إذا كانا كثيفين، أمّا إذا بدتِ
البشرةُ فيحبُ كما يأتي (٦) له قريباً عن "البرهان"، وكذا يقالُ في اللِّحيةِ والشاربِ، ونقلَهُ "ح"(٧)
= ١١٩٩/٢ -١٢٠٠، "خلاصة الأثر" ٣٨/٢، "التعليقات السنية على الفوائد البهية" صـ ٥٨-).
(١) "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع": كتاب الطهارة - فصل في بيان أنواع الطهارة ٤/١ بتصرف، لأبي بكر بن
مسعود بن أحمد، مَلِك العلماء، علاء الدين الكاساني أو الكاشاني(ت٥٨٧هـ) شرح "تحفة الفقهاء" لأبي بكر -
وقيل: أبو منصور - محمد بن أحمد، علاء الدين السمر قندي(ت ٤٥٠ هـ). ("كشف الظنون" ٣٧١/١، "الجواهر
المضيّة" ١٨/٣، ٢٥/٤، "الفوائد البهيّة" صـ٥٣، ١٥٨-)، وستأتي ترجمةُ الكاساني والسمرقندي عند ابن عابدين
رحمه الله في المقولة [٨٠٣] قوله: ((كما في "البدائع")).
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ١٢/١، وقوله: ((وهو ظاهر المذهب)) نقله عن الحلواني، وقوله: ((وهو الصحيح، وعليه
أكثر المشايخ)) نقله عن الطحاوي.
(٣) الكَوْسَجُ: مُعرَّب، وهو الذي لحيته على ذقنه لا على العارِضَين. ا.هـ "المغرب": مادَّة ((كسج)).
(٤) "الدر المنتقى": كتاب الطهارة ١٠/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٥) "مختارات النوازل": كتاب الطهارة - فصل في الوضوء ق ٩/أ.
(٦) "در" صـ٣٣٥ -.
(٧) "ح": كتاب الطهارة ق ٧/ب.

الجزء الأول
٣٢٣
الوضوء وأحكامه
وونيمٍ ذبابٍ للحَرَج.
(وغَسُل اليدين) أسقَطَ لفظَ فُرادى لعدم تقُّدِ الفرض بالانفراد (والرِّجْلين) البادِيتين السَّليمتين،
عن "عصام الدين"(١) شارح "الهداية"، "ط" (٢).
[٧٦٩) (قولُهُ: وونيمٍ ذبابٍ) أي: خُرِهِ(٣)، قال في بحث الغُسل(٤): ((ولا يَمنعُ الطهارةَ
ونيمُ ذبابٍ وبرغوثٍ لم يصلِ الماءُ تحته، وحِنَّاءٌ ولو جِرمَهُ، بِهِ يُفتى، ودَرَنٌ، ودُهنٌ، وترابٌ،
وطينٌ إلخ)).
[٧٧٠) (قولُهُ: للحرَجِ) علَّةٌ لقوله: ((لا غَسلُ إلخ))، أي: فإِنَّ هذه المذكوراتِ وإنْ كانت
داخلةً في حدِّ الوجهِ المذكورِ إلَّ أَنّها لا يجبُ غَسلها للحرج، وعلَّلَ في "الدرر"(٥): ((بأنَّ محلّ
الفرض استَرَ بالحائل، وصار بحالٍ لا يواجَهُ الناظرُ إليه، فسقَطَ الفرضُ عنه، وتحوَّلَ إلى الحائل)).
[٧٧١) (قولُهُ: أسقَطَ لفظَ فرادى) تعريضٌ بصاحب "الدُّررِ"، حيث قَّدَ بهِ. اهـ "ح"(٦).
ومعناه: غسلُ كلِّ يدٍ منفردةً عن الأخرى، "ط"(٧).
[٧٧٢) (قولُهُ: لعدمٍ إلخ) أي: لأَنّه في صدَدٍ بيان فرائضِ الوضوء، فُيُشعِرُ كلامُهُ بأنَّ الانفراد
لازمٌّ مع أنَّه لو غسَلَهُما معاً سقَطَ الفرض.
[٧٧٣] (قولُهُ: الباديتينِ) أي: الظاهرتين اللتينِ لا خُفَّ عليهما، "ط)"(٨).
(١) إبراهيمُ بن محمد بن عرب شاه، عصام الدين الأسفرايني الخراساني(ت٩٤٥هـ، وقيل: حدود ٩٥١). وأسفرايين بفتح الهمزة،
وقيل: بكسرها. ("شذرات الذهب" ٤١٧/١٠، "هدية العارفين" ٢٦/١، "الأعلام" ٦٦/١، "بروكلمان" ٦٨٩/٣).
(٢) "ط": كتاب الطهارة ٦٣/١.
(٣) الذي في النسخ جميعها: ((خرؤه))، وما أثبتناه هو الموافق لسياق "الدر".
(٤) صـ ٥١٢- "در".
(٥) "الدرر": كتاب الطهارة ٨/١.
(٦) "ح": كتاب الطهارة ق ٧/ب.
(٧) "ط": كتاب الطهارة ٦٣/١.
(٨) "ط": كتاب الطهارة ٦٣/١.

قسم العبادات
٣٢٤
حاشية ابن عابدين
فإِنَّ المجروحتين والمستورتين بالخفِّ وظيفتُهما المسحُ (مرَّةً) لِما مرَّ (مع المرفقين والكعبين)
على المذهب،
[٧٧٤) (قولُهُ: فإنَّ المجروحتينِ إلخ) علَّةٌ للتقييد بالقيدين السابقين على سبيلِ اللفِّ
والنشرِ المشوَّش، "ط)" (١).
[٧٧٥] (قولُهُ: وظيفتُهُما المسحُ) لكنَّه مختلِفُ الكيفيَّةِ كما يأتي، "ط" (٢).
[٧٧٦) (قولُهُ: لِما مرَّ)(٣) أي: من أنَّ الأمرَ لا يقتضي التكرارَ.
٦٦/١
[٧٧٧) (قولُهُ: مع المرفقينِ) تثنيةُ مِرفَقٍ بكسر الميم وفتح الفاءٍ، وفيه العكس: اسمٌ لملتقى
العظمينِ: عظمِ العضدِ وعظمِ الذّراعِ، وأشارَ "المصنّف" إلى أنَّ ﴿إِلَى﴾ في الآية بمعنى مع، وهو
مردودٌ؛ لأنّهم قالوا: إنَّ اليدَ من رؤوسِ الأصابع للمنكب، فإذا كانت ﴿إِلَى﴾ بمعنى مع وجَبَ
الغَسلُ إلى المنكب؛ لأَنَّه كـ: اغسلِ القميصَ وكمَّهُ.
وغايتهُ: أَنَّه كإفرادِ فردٍ من العامِّ، وذلك لا يُخرِجُ غيرَهُ، "بحر "(٤).
والجوابُ: أنَّ المراد من اليدِ في الآية من الأصابع إلى المرفقِ للإِجماع على سقوطِ ما فوقَ ذلك.
وعدَلَ عن التعبير يإلى المحتمِلةِ لدخول المرفقينِ [١/ق٧٢/ب] والكعبينِ وعدمِه إلى التعبيرِ
بـ ((معَ)) الصريحةِ بالدخول للاحترازِ عن القول بعدمه المشار إليه بقول "الشارح": ((على المذهب))،
أي: خلافاً لـ "زفر" ومَن قال بقوله من أهل الظاهرِ، وهو روايةٌ عن "مالكٍ".
[٧٧٨) (قولُهُ: والكعبينِ) هما العظمان الناشزان من جانبي القدَمِ، أي: المرتفعانِ، كذا في "المغرب(٥)،
وصحَّحَهُ في "الهداية"(٦) وغيرِها، وروى "هشام" عن "محمَّدٍ": ((أَنَّه في ظهرِ القدَمِ عند معقِدِ الشّراكِ))،
(١) "ط": كتاب الطهارة ٦٣/١.
(٢) "ط": كتاب الطهارة ٦٣/١.
(٣) "در" صـ٣١٧ -.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة ١٣/١ بتصرف يسير.
(٥) "المغرب": مادة ((كعب)).
(٦) "الهداية": كتاب الطهارات ١٢/١.