Indexed OCR Text

Pages 241-260

الجزء الأول
٢٢٥
المقدمة
رسمُ المفتي أنَّ ما اتّفَقَ عليه أصحابُنا في الروايات الظاهرة يُفتَى به قطعاً، واختُلِفَ
فيما اختلفوا فيه،.
المصحَّحَيْن، فإنَّ في ذلك رحمةً وتوسعةً، "ط" (١).
مطلبٌ: رسم المفتي
[٤٦٦] (قولُهُ: "رسمُ المفتي") أي: العلامةُ التي تدلُّ المفتيَ على ما يفتي به، وهو مبتدأ،
وقوله: ((أَنَّ إلخ)) خبرُهُ. قال في "فتح القدير"(٢): ((وقد استقرَّ رأيُ الأصوليين على أنَّ المفتيَ
هو المجتهد، فأمَّ غيرُ المجتهد ممن يحفظُ أقوالَ المجتهد فليس بمفتٍ، والواجبُ عليه إذا سُئلَ
أنْ يذكرَ قولَ المجتهد كـ "الإمام" على وجهِ الحكاية، فعُرِفَ أنَّ ما يكون في زماننا من فتوى
الموجودين ليس بفتوى، بل هو نقلُ كلامِ المفتي ليأخذَ به المستفتي. وطريقُ نقِلِهِ لذلك عن
المجتهد أحدُ أمرين: إمَّا أن يكون له سندٌ فيه، أو يأخذَهُ من كتابٍ معروفٍ تداولته الأيدي
نحو كتبِ "محمَّد بن الحسن" ونحوِها؛ لأنَّه بمنزلة الخبر المتواتر أو المشهور)). انتهى "ط" (٢).
مطلبٌ في طبقات المسائل وكتب ظاهر الرواية
[٤٦٧] (قولُهُ: في الرواياتِ الظاهرة) اعلمْ أنَّ مسائل أصحابنا الحنفيَّةِ على ثلاث طبقاتٍ،
أشرتُ إليها سابقاً(٤) ملخَّصةً، ونظمتها :
الأولى: مسائلُ الأصول، وتسمَّى ظاهرَ الرواية أيضاً، وهي مسائلُ مرويَّةٌ عن أصحاب المذهب،
(قولُهُ: وهو مبتدأٌ، وقولُهُ: أنَّ إلخ خبرُهُ) هذا الإعرابُ أحدُ ما قيل في إعرابِ أسماء التراجم، ولا
شكَّ أنَّ قوله: (( رسمُ المفتي)) ترجمةٌ.
(١) "ط": المقدّمة ٤٨/١.
(٢) "فتح القدير": كتاب القاضي ٣٦٠/٦ بتصرُّفٍ يسير.
(٣) "ط": المقدِّمة ٤٩/١ بتصرف.
(٤) المقولة [٣٤٣] قوله: ((والنوادر)).
٠

قسم العبادات
٢٢٦
حاشية ابن عابدين
وهم "أبو حنيفة" و"أبو يوسف" و"محمد"، ويُلْحَق بهم "زفرُ" و"الحسن بن زياد" وغيرُهُما ممن
أخَذَ عن "الإِمام"، لكنَّ الغالب الشائع في ظاهر الرواية أنْ يكون قولَ "الثلاثةِ".
وكتبُ "ظاهر الرِّواية" كتبُ "محمَّدٍ" السنَّةُ: "المبسوط"، و"الزِّيادات"، و"الجامع
الصغير"، و"السِّير الصغير"، و"الجامع الكبير"، [١/ق ٥٠/أ] و"السِّير الكبير"، وإنَّما سُمِّت
بظاهرِ الرِّواية لأَنّها رُوِيَت عن "محمَّدٍ" برواياتِ الثّقاتِ، فهي ثابتةٌ عنه، إمَّا متواترةٌ أو
مشهورةٌ عنه.
الثانيةُ: مسائلُ النَّوادر، وهي المرويَّةُ عن أصحابنا المذكورين، لكنْ لا في الكتب
المذكورة، بل إمَّا في كتبٍ أخرَ لـ "محمدٍ" كـ "الكيسانيّات" و"الهارونَيَّات" و"الجرجانيّات"
و "الرقيَّات"، وإنَّما قيل لها غيرُ "ظاهرِ الرواية" لأَنّها لم تُرْوَ عن "محمدٍ" برواياتٍ ظاهرٍ
ثابتةٍ صحيحةٍ كالكتب الأولى، وإمَّ في كتبٍ غيرِ كتب "محمدٍ" كـ "المجرَّد"(١) لـ"الحسن بن
زياد" وغيرِهِ، ومنها كتبُ "الأمالي" المرويَّةُ عن "أبي يوسف".
[مطلبٌ]
[ في تعريف الأمالي ]
والأمالي: جمعُ إملاءٍ، وهو ما يقولُهُ العالم بما فَتَحَ الله تعالى عليه من ظهرٍ قلبه، ويكتُبُه
التلامذة، وكان ذلك عادةَ السلف.
وإمَّا بروايةٍ مفردةٍ كرواية "ابن سماعةً" و"المعلّى بنِ منصور" وغيرِهما في مسائلَ معيّنةٍ.
الثالثةُ: الواقعات، وهي مسائلُ استنبَطَها المجتهدون المتأخِّرون لَمَّا سُئِلُوا عنها ولم يجدوا
فيها روايةً، وهم أصحاب "أبي يوسف" و"محمدٍ" وأصحابُ أصحابِهما وهلمَّ جرَّاً، وهم
كثيرون، فمن أصحابهما مثل: "عصامٍ بن يوسف"، و"ابنِ رستم"، و"محمدِ بن سماعة"،
(١) في النسخ جميعها: ((المحرر))، والصواب ما أثبتناه؛ إذ ليس للحسن بن زياد "المحرر"، وسيأتي التعريف بـ "المجرد"
صـ ٤٠٣-٠

الجزء الأول
٢٢٧
المقدمة
و"أبي سليمانَ الجرجاني"، و"أبي حفصِ البخاري"، ومَنْ بعدهم مثلُ "محمدٍ بن سلمة"،
و"محمدِ بن مقاتل"، و"نصير بن يحيى"، وأبي النّصر "القاسم بن سلام"(١)، وقد يتّفقُ لهم أنْ
يخالفوا أصحابَ المذهب لدلائلَ وأسبابٍ ظهرَتْ لهم، وأوَّلُ كتابٍ جُمِع في فتواهم فيما
بلَغَنَا كتابُ "النوازل" للفقيهِ "أبي الليث" السمر قنديّ، ثم جَمَع المشايخ بعده كتباً أُخَرَ
كـ "مجموع النوازل" و"الواقعات" لـ "الناطفي"، و"الواقعات" لـ "الصدر الشهيد"، ثمَّ ذكَرَ
المتأخّرون هذه المسائلَ مختلطةً غيرَ متميِّزٍ كما في "فتاوى قاضي خان" و"الخلاصة"
وغيرهما، ومَّزَ بعضهم كما في كتاب "المحيط" لـ "رضيِّ الدين السرخسي"، فإنَّه ذكَرَ أوَّلاً
مسائلَ الأصول ثم النوادر ثم الفتاوى، ونِعْمَ ما فعل.
واعلمْ أنَّ مِنْ كتب مسائلِ الأصول كتابَ "الكافي" لـ "الحاكم الشهيد"، وهو كتابٌ
معتمَدٌ في نقلِ المذهب، شرحَهُ جماعةٌ من المشايخ، منهم الإمامُ شمس الأئمة "السرخسيُّ"،
وهو المشهور [١/ق ٥٠/ب] بـ "مبسوط السرخسي"، قال العلاَّمة "الطرسوسيُّ)(٢):
(("مبسوط السرخسيِّ" لا يُعْمَلُ بما يخالفه، ولا يُركَنُ إلَّ إليه، ولا يفتى ولا يُعوَّلُ إلاَّ
عليه))، ومن كتبِ المذهب أيضاً "المنتقى"، له أيضاً، إلاَّ أنَّه فيه بعضُ النوادر.
واعلمْ أنَّ نُسَخَ "المبسوط" المرويِّ عن "محمدٍ" متعدِّدةٌ، وأظهرُها "مبسوطُ أبي سليمان"
الجوزجانيِّ، وشرَحَ "المبسوطَ" جماعةٌ من المتأخّرِين مثل شيخِ الإسلام "بكرٍ" المعروف
بـ "خواهر زاده"، ويُسَمَّى "المبسوطَ الكبير"، وشمسِ الأئمَّة "الحلوانيّ" وغيرِهما، ومبسوطاتُهم
شروحٌ في الحقيقة، ذكروها مختلطةً بـ "مبسوط محمَّدٍ" كما فعَلَ شُرَّح "الجامع الصغير" مثل
٤٧/١
(١) كذا في النسخ، ولعل الصواب: ((أبو نصر محمد بن سلام))؛ إذ ليس بين أئمّة الأحناف أبو نصر القاسم بن سلام
- فيما نعلم - انظر "الجواهر المضية" ٩٢/٤، و"الفوائد البهية" صـ١٦٨ -.
(٢) أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن أحمد، نجم الدين - وقيل: برهان الدين - الطَّرَسوسي الدمشقي(ت٧٥٨هـ). ("الدرر الكامنة"
٤٣/١، "الطبقات السنية" ٢١٣/١، "الفوائد البهيَّة" صـ١٠-، "معجم المؤلفين" ٤٤/١، وفي "الجواهر المضية" ٢١٣/١ أنّه
أحمد بن علي، وصحّح التَّميمي واللَّكْنوي الأوّل).

قسم العبادات
٢٢٨
حاشية ابن عابدين
"فخر الإسلام" و"قاضي خان" وغيرِهم، فيقال: ذَكَره "قاضي خان" في "الجامع الصغير"،
والمرادُ "شرحُهُ"، وكذا في غيره. اهـ ملخَّصاً من "شرح البيري" على "الأشباه"، و"شرحِ
الشيخ إسماعيل" النابلسيِّ على "شرح الدُّرر"(١)، فاحفظْ ذلك، فإنَّه مهمٌّ كحفظِ طبقات
مشايخِ المذهب، وسنذكرُها قريباً(٢) إن شاء الله تعالى.
وفي كتاب الحجِّ من "البحر"(٣): (( أنَّ "كافيَ الحاكم" هو جمعُ كلامِ "محمَّدٍ" في كتبه
الستَّة التي هي "ظاهرُ الرِّواية" )).
وفسَّرَ في "معراج الدراية" قبيل باب الإحصار الأصلَ بـ "المبسوط"، وفي باب العيدين
من "البحر"(٤) و"النهر" (٥): ((أنَّ "الجامع الصغير" صنّفه "محمدٌ" بعد "الأصل"، فما فيه هو
المعوَّلُ عليه ))، ثمَّ قال في "النهر "(٦): ((سمِّي "الأصلُ" أصلاً لأَنَّ صُنِّفَ أوَّلاً، ثم "الجامعُ
الصغير"، ثم "الكبير"، ثم "الزيادات"، كذا في "غاية البيان"(٧) )) اهـ.
وذكَرَ الإِمام شمس الأئمَّة "السرخسيُّ" في أوَّلِ "شرحه" على "السير الكبير"(٨): ((أنَّ
"السير الكبير" هو آخرُ تصنيفٍ صنّفَهُ "محمدٌ" في الفقهِ )).
(١) "الإحكام": ١/ق ٢٤/ب وما بعدها، للشيخ إسماعيل بن عبد الغني بن إسماعيل النّابُلُسي الأصل الدِّمشقي
(ت ١٠٦٢ هـ) وهو: شرح "درر الحكام في شرح غرر الأحكام" كلاهما للقاضي محمد بن فَرَامُوز الشهير بمنلا
ـسْرُو(ت٨٥هـ). ("كشف الظنون ١١٩٩/٢، "خلاصة الأثر" ٤٠٨/١، "الفوائد البهية" صـ ١٨٤-).
(٢) المقولة [٥١٤] قوله: ((وأمَّا المقيد إلخ))
(٣) "البحر": باب الإحصار ٦٠/٣.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة ١٧٠/٢.
(٥) "النهر": كتاب الصلاة ق ٨٧/ب نقلاً عن "البحر".
(٦) "النهر": كتاب الصلاة - باب العيدين ق ٨٧/ب.
(٧) "غاية البيان ونادرة الأقران": لأمير كاتب بن أمير عمر، قوام الدين المكنى بأبي حنيفة الإتقاني الفارابي العَمِيد(ت٧٥٨هـ)
شرح "هداية المرغيناني". ("كشف الظنون" ٢٠٣٣/٢، "الطبقات السنية" ٢٢١/٢، "الفوائد البهية" صـ ٥٠-).
(٨) "شرح السير الكبير": المقدّمة ١/١.

الجزء الأول
٢٢٩
المقدمة
وفي "شرح المنية" لـ "ابن أمير حاج" الحلبي(١) في بحث التسميع: (( أنَّ "محمَّدًا" قرأ أكثرَ
الكتب على "أبي يوسف"، إلاَّ ما كان فيه اسمُ "الكبير"، فإِنَّه من تصنيفِ "محمدٍ"
كـ "المضاربة الكبير"، و"المزارعة(٢) الكبير"، و"المأذون الكبير"، و"الجامع الكبير"، و"السير
الكبير"))، وتمامُ هذه الأبحاثِ في "منظومتنا" في "رسم المفتي" وفي "شرحها"(٣).
[مطلبٌ]
[ الكتبُ التي لا يعوَّلُ عليها في الإفتاء في المذهب ]
(تتمَّةٌ)
قدَّمنا (٤) عن "فتح القدير" كيفيَّةَ الإفتاء مما في الكتب، فلا يجوزُ الإفتاء مما في الكتب
الغريبة، وفي "شرح الأشباه" لشيخنا المحقّق "هبة الله" البعليِّ: ((قال شيخنا العلاّمة "صالح
الجينيني"(٥): إنَّه لا يجوزُ الإفتاء من الكتب المختصرة كـ "النهر"، و"شرح الكنز" لـ "العيني"،
و"الدر المختار" شرحِ "تنوير الأبصار"، أو لعدم الاطّلاع على حالٍ مؤلّفيها كـ "شرح
الكنز"(٦) لـ "منلا مسكين" و"شرحِ النقاية" لـ "القهستاني"، أو لنقلِ الأقوال الضعيفة فيها
كـ "القنية" لـ "الزاهدي"، فلا يجوزُ الإفتاءُ من هذه [١/ق ٥١/أ] إلاّ إذا عُلم المنقولُ عنه،
وأخذُهُ منه، هكذا سمعتُه منه، وهو علاّمةٌ في الفقهِ مشهورٌ، والعُهدةُ عليه )) اهـ.
أقولُ: وينبغي إلحاقُ "الأشباهِ والنظائر" بها، فإنَّ فيها من الإِيجاز في التعبير ما لا يُفهَمُ
(١) "الحلبة": كتاب الصلاة - صفة الصلاة ٢/ق ١١٠/أ.
(٢) في النسخ كلها: ((والزراعة الكبير))، وما أثبتناه هو الصواب كما في "الحلبة" و"رسائل ابن عابدين" ١٩/١.
(٣) انظر "رسائل ابن عابدين": ١٩/١ وما بعدها.
(٤) المقولة [٤٦٦] قوله: ((رسم المفتي)).
(٥) صالح بن إبراهيم بن سليمان الجِيْنِيْنِي الدمشقي(ت١١٧٠هـ، وقيل: ١١٧١). ("سلك الدرر" ٢٠٨/٢،
"الأعلام" ١٨٨/٣).
(٦) من ((للعينيِّ)) إلى (("الكنز")) ساقط من "آ".

قسم العبادات
٢٣٠
حاشية ابن عابدين
والأصحُّ - كما في "السِّراحيَّة" وغيرها - : (( أَنَّه يُفتَى.
معناه إلاَّ بعد الاطّلاعِ على مأخذه، بل فيها في مواضعَ كثيرةٍ الإيجازُ المخلُّ، يظهرُ ذلك لمن
مارَسَ مطالعتَها مع الحواشي، فلا يأمنُ المفتي من الوقوع في الغلط إذا اقتصَرَ عليها، فلا بدَّ
له من مراجعةٍ ما كُتِبَ عليها من الحواشي أو غيرها.
ورأيتُ في "حاشية أبي السُّعود" الأزهريِّ على "شرح مسكينِ"(١): (( أَنَّه لا يعتمدُ على
"فتاوى ابن نجيمٍ"(٢) ولا على "فتاوى الطوري"(٣))).
[٤٦٨] (قولُهُ: والأصحُّ كما في "السراجيَّة"(٤)) أقولُ: عبارتها: (( ثمَّ الفتوى على الإطلاق
على قول "أبي حنيفة"(٥)، ثمَّ قولِ "أبي يوسف"، ثمَّ قولِ "محمدٍ"، ثمَّ قولِ "زفر" و"الحسن
بن زياد"، وقيل: إذا كان "أبو حنيفة" في جانبٍ وصاحباه في جانبٍ فالمفتي بالخيار، والأوَّلُ
أصحُّ إذا لم يكن المفتي مجتهداً)) اهـ.
(١) "فتح المعين": كتاب الطلاق - باب الكنايات ١٣٦/٢ نقلاً عن والده، وتمامُ العبارة فيه: ((إلا إذا تأَيَّدَتْ بنقلٍ
آخر)). و"فتح المعين" هي حاشية لأبي السعود محمد بن علي بن علي بن إسكندر، السيد الشريف الحسيني المصري
(ت ١١٧٢هـ) على شرح محمد بن عبد الله، مُعين الدين المعروف بملاّ مسكين الفَرَاهي الهَرَوي (ت٩٥٤هـ)
على "كنز الدقائق". ("إيضاح المكنون" ١٧٣/٢، "الأعلام" ٢٩٦/٦، مقدمة "فتح المعين"، "معجم المطبوعات"
لسركيس ٣١٦/١).
(٢) المسماة بـ "الفتاوى الزينية": لزين الدين المعروف بابن نجيم المصري(ت ٩٧٠هـ). ("كشف الظنون" ١٢٢٣/٢،
"الطبقات السنية" ٢٧٥/٣، "التعليقات السنية على الفوائد البهية" صـ ١٣٤-).
(٣) المسمَّة بـ "الفواكه الطُّوْريَّة في الحوادث المصريَّة": لمحمد بن الحسين بن علي الطُّوْرِي القادري الحنفي(كان حيّاً
سـ١٣٨ ١سنة هـ)، جَمَعَ فيه ورتّبَ فتاوى سراج الدين الهندي، وزاد عليها. ("إيضاح المكنون" ٢٠٢/٢، "هديّة
العارفين" ٣١٨/٢، "الأعلام" ١٠٣/٦).
(٤) "الفتاوى السراجيَّة": كتاب أدب المفتي والتنبيه على الجواب ٤٨١/٢ (هامش"الفتاوى الخانية")، وهي لأبي محمد
علي بن عثمان بن محمد، سراج الدين التَّيْمي الأُوْشي الفَرْغاني(ت بعد ٥٦٩هـ). ("كشف الظنون" ١٢٢٤/٢،
"هدية العارفين" ٧٠٠/١، "الأعلام" ٣١٠/٤).
(٥) عبارة "السراجية" ٤٨١/٢: ((على قول أبي حنيفة، ثم بقول صاحبيه، ثم قول أبي يوسف .. )).

الجزء الأول
٢٣١
المقدمة
بقول "الإِمام" على الإطلاق، ثم بقول "الثاني"، ثم بقول "الثالث"، ثم بقول "زفر"
و "الحسن بن زياد" ))،
فمقابلُ الأصحِّ غيرُ مذكورٍ في كلام "الشارح"، فافهم.
[٤٦٩] (قولُهُ: بقولِ "الإِمام") قال "عبد الله بن المبارك": ((لأَنَّه رأى الصحابةَ، وزاحَمَ
التابعين في الفتوى، فقوله أسدُّ وأقوى ما لم يكن اختلافُ عصرٍ وزمانٍ ))، كذا في
"تصحيح" العلاَّمة "قاسمٍ"(١).
[٤٧٠] (قولُهُ: على الإطلاقِ) أي: سواءٌ انفرَدَ وحدَهُ في جانبٍ أوْ لا كما يفيدُهُ كلام
"السراجية" من مقابلته بالقول الثاني المفصَّل، فافهم.
(٤٧١] (قولُهُ: ثمَّ بقولِ "الثاني") أي: ثمَّ إذا لم يوجدْ لـ "الإِمام" روايةٌ يؤخذُ بقول
"الثاني"، وهو "أبو يوسف"، فإنْ لم يوجدْ له روايةٌ أيضاً فيؤخذ بقول "الثالث"، وهو
"محمَّدٌ" إلخ.
(قولُهُ: فمقابلُ الأصحِّ غيرُ مذكورٍ في كلام "الشارح") وجعَلَ "الطحطاويُّ" مقابلَ الأصحِّ ما ذكرَهُ
"الشارحُ" بعده، ولا مانعَ من جعلِ مقابلِهِ ما ذَكَرَهُ "الشارح" وما ذَكَرَهُ في "السِّراجيّة"، وكلٌّ منهما
اقتصَرَ على بعضِ مقابله، تأمَّل. نعم على التوفيقِ الآتي بين ما في "الحاوي" وما في "السِّراجيَّة" لا معنى
لجعلِ ما في "الحاوي" مقابلاً للأصحِّ.
ثُمَّ إِنَّ دعوى أنَّ ما في "السِّراجيّة" يدلُّ على هذا التوفيقِ غيرُ مسلَّمةٍ له، فإنَّ عبارتها دلَّةٌ على
تقييدِ أصحّيَّةِ الأوَّلِ بما إذا لم يكن المفتي مجتهداً، ومُعادُها أنَّه إذا كان مجتهداً لا يكونُ الأوَّلُ هو الأصحَّ
بل غيرُهُ، وهو اعتبارُ قوَّةِ المدرِك، ويدلُّ لهذا ظاهرُ ما نقَلَهُ عن "ابن المبارك"، وليس في كلامِهِ أَنَّه إذا
كان مجتهداً تعيّنَ عليه العملُ بما هو أقوى دليلاً قولاً واحداً، تأمَّل.
(١) "الترجيح والتصحيح": لأبي العَدْل قاسم بن قُطْلُوْبُغا بن عبد الله، زين الدين السُّوْدُوْني المصري(ت ٨٧٩هـ) على
"مختصر القدوري". ("كشف الظنون" ١٦٣٤/٢، "الضوء اللامع" ١٨٤/٦، "التعليقات السنية على الفوائد
البهية" صـ ٩٩-).

قسم العبادات
٢٣٢
حاشية ابن عابدين
وصحَّحَ في "الحاوي القدسيِّ" قوَّةً المدركِ».
[مطلبٌ]
[ المعوَّلُ عليه قوَّةُ الدَّليل في الترجيح بين أقوال أئمَّتنا لمن كان أهلاً للنظر ]
[٤٧٢] (قولُهُ: وصحَّحَ في "الحاوي القدسيِّ"(١) قوَّةَ المدرَكِ) أي: الدليلِ، وبه عبَّرَ في "الحاوي"،
قال "ح"(٢): ((والذي يظهرُ في التوفيق - أي: بين ما في "الحاوي" وما في "السراجية" - أنَّ
مَن كان له قوَّةُ إدراكٍ لقوَّةِ المدرَكِ يفتي بالقولِ القوي المدرَكِ، وإلاّ فالترتيب )) اهـ.
أقولُ: يدلُّ عليه قولُ "السراجَّة": ((والأوَّلُ أصحُّ إذا لم يكن المفتي مجتهداً ))، فهو
صريحٌ في أنَّ المجتهد - يعني: من كان أهلاً للنظر في الدليل - يتبعُ من الأقوال ما كان أقوى
دليلاً، وإلاَّ أَتَّبَعَ الترتيبَ السابق.
وعن هذا تراهم قد يرجِّحون قولَ بعض أصحابه على قوله كما رجَّحوا قول "زفر"
وحدَهُ في سبعَ عشرةَ مسألةً(٣)، فتبعُ ما رجَّحوه؛ لأَنّهم أهلُ النظر في الدليل.
ولم يذكر ما إذا اختلفت الرواياتُ عن "الإِمام"، أو لم يوجدْ عنه [١/ق ٥١/ب] ولا عن
أصحابه روايةٌ أصلاً، ففي الأوَّلِ يؤخذُ بأقواها حجَّةً كما في "الحاوي"(٤)، ثم قال:
(( وإذا لم يوجدْ في الحادثةِ عن واحدٍ منهم جوابٌ ظاهرٌ، وتكلَّمَ فيه المشايخُ المتأخّرون قولاً
واحداً يؤخذُ به، فإِنِ اختلفوا يؤخذُ بقول الأكثرين ثم الأكثرين مما اعتمَدَ عليه الكبارُ
المعروفون منهم كـ "أبي حفصٍ"، و"أبي جعفرٍ"، و"أبي الليث"، و"الطحاويِّ" وغيرِهم ممن
يُعتمَدُ عليه، وإنْ لم يوجدْ منهم جوابٌ ألبتةَ نصاً يَنظُر المفتي فيها نظرَ تأمُّلٍ وتدبُّرٍ واجتهادٍ
ليجدَ فيها ما يقرُبُ إلى الخروج عن العهدة، ولا يتكلّمُ فيها جُزافاً، ويخشى اللّه تعالى ويراقبه،
(١) "الحاوي القدسي": فصل: إذا اختلفت الروايات ق ١٩١/أ.
(٢) "ح": المقدّمة ق ٥/أ.
(٣) بل هي عشرين، انظر المقولة [١٦١٦٩] قوله: (( وهذا من الست التي يفتى بها بقول زفر)).
(٤) "الحاوي القدسي": فصل: إذا اختلفت الروايات ق ١٩١/أ.

الجزء الأول
٢٣٣
المقدمة
٤٨/١ فإنَّه أمرٌ عظيمٌ لا يتجاسَرُ عليه إلا كلُّ جاهلٍ شقىٍّ)) اهـ.
(تَتْمَّةٌ)
قد جعلَ العلماءُ الفتوى على قولِ "الإِمامِ الأعظمِ" في العباداتِ مطلقاً، وهو الواقعُ
بالاستقراء ما لم يكن عنهُ روايةٌ كقولِ المخالِف كما في طهارة الماء المستعملٍ(١) والتيمُّمٍ (٢)
فقط عند عدم غير نبيذِ التَّمر، كذا في "شرح المنية الكبير" لـ "الحلبي"(٣) في بحث التيمُّم.
وقد صرَّحوا بأنَّ الفتوى على قول "محمَّدٍ" في جميع مسائلٍ ذوي الأرحام، وفي قضاء
"الأشباه والنَّظائر (٤)": ((الفتوى على قولِ "أبي يوسف" فيما يتعلَّقُ بالقضاء كما في
"القنية"(٥) و"البزَّازية"(٦))) اهـ.
أي: لحصولِ زيادةِ العلم له به بالتجرِبة، ولذا رجَعَ "أبو حنيفة" عن القول بأنَّ الصَّدقة
أفضلُ من حجِّ التطوُّعِ لَمَّا حجَّ وَعَرَفَ مشقّته(٧)، وفي "شرح البيري"(٨): ((أنَّ الفتوى على
قول "أبي يوسف" أيضاً في الشهادات، وعلى قول "زُفَر" في سبعَ عشرةَ مسألةً حرَّرتُها
(قولُهُ: ما لم يكن عنه روايةٌ) أي: قد صحَّحَها أهلُ المذهب.
(١) المقولة [١٧٥٠] قوله: ((وهو طاهر)).
(٢) المقولة [١٩٩٨] قوله: ((ويقدم التيمم على نبيذ التمر)).
(٣) "شرح المنية الكبير": صـ٦٦ - المسمى "غنية المتعلِّي" لإبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحلبي القُسْطَنطيني(ت ٩٥٦هـ)، شرَحَ
به "منية المصلّي وغنية المبتدي" لأبي عبد الله محمد بن محمد بن علي، سديد الدين الكاشْغَري(ت ٧٠٥هـ). (كشف
الظنون" ١٨٨٦/٢، "الكواكب السائرة" ٧٧/٢، ووفاةُ الحلبيِّ فيه سـ٩٥٠-نة هـ، وانظر "الطبقات السنية٢٢٢/١٢
وفيه: ((بغية المتملّ))، و"الأعلام" ٦٦/١، ٣٢/٧).
(٤) "الأشباه والنظائر": صـ ٢٦٢ -.
(٥) "القنية": كتاب أدب القاضي - باب: مسائل متفرّقة ق ١٣٤/أ.
(٦) "البزازية": كتاب أدب القاضي ١٣٤/٥ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) المقولة [١١٠٦٥] قوله: ((ورجح في "البزازية" أفضلية الحج)).
(٨) هو شرحه لـ "الأشباه والنظائر"، وتقدمت ترجمته صـ١٤٦ -.

قسم العبادات
٢٣٤
حاشية ابن عابدين
وفي وقف "البحر" وغيره: (( متى كان في المسألةِ قولان مصحَّحان جازَ القضاءُ
والإِفتاءُ بأحدهما ))، وفي أوَّلِ "المضمَرات": ((أمَّا العلاماتُ للإفتاءِ فقوله :.......
في رسالةٍ(١)، وينبغي أنْ يكونَ هذا عندَ عدمٍ ذكرِ أهل المتونِ للتصحيح، وإلاَّ فالحكمُ بما في
المتونِ كما لا يخفى؛ لأَنّها صارَتْ متواترةً )) اهـ.
وإذا كان في مسألةٍ قياسٌ واستحسانٌ فالعملُ على الاستحسان إلاَّ في مسائلَ معدودةٍ
مشهورةٍ، وفي باب قضاءِ الفوائتِ من "البحر"(٢): ((المسألةُ إذا لم تُذكَرْ في "ظاهرِ الروايةِ"،
وثبتَتْ في روايةٍ أخرى تعَّنَ المصيرُ إليها )) اهـ.
وفي آخرِ "المستصفى" للإمام "النسفي": ((إذا ذُكِرَ في المسألةِ ثلاثةُ أقوالِ فالراجحُ هو
الأوَّلُ أو الأخيرُ، لا الوسطُ )) اهـ
وفي "شرح المنية"(٣): ((ولا ينبغي أنْ يُعدَلَ عنِ الدِّرايةِ إذا وافقتْها روايةٌ )) اهـ. [١/ق٥٢/أ]
ذكَرَهُ في واجبات الصلاةِ(٤) في معرِض ترجيحِ روايةٍ وجوبِ الرفعِ من الركوعِ والسُّجودِ،
للأدلَّةِ الواردةِ مع أنَّها خلافُ الروايةِ المشهورةِ عن "الإِمام".
مطلبٌ: إذا تعارَضَ التصحيح
[٤٧٣] (قولُهُ: وفي وقفِ "البحر"(٥) إلى آخرِه) هذا محمولٌ على ما إذا لم يكنْ لفظُ التصحيحِ
في أحدهما آكدَ من الآخرِ كما أفاده "ح"(٦)، أي: فلا يُخيَّرُ، بل يتّبعُ الآَكَدَ كما سيأتي(٧).
(١) وهي رسالته الموسومة بـ"القول الأزهر فيما يفتى به بقول الإمام زفر. ("هدية العارفين" ٣٤/١).
(٢) "البحر": أوَّل كتاب الرَّضاع ٢٣٩/٣.
(٣) "شرح المنية الكبير": فرائض الصلاة صـ٢٩٥ - نقلاً عن الكمال بن الهمام.
(٤) بل في فرائض الصلاة، والذي قال بالفرضية هو أبو يوسف، وقولُ الإمام ومحمَّدٍ الوجوبُ، والدليل معهما. انظر
"شرح المنية الكبير": صـ ٢٩٤-٢٩٥ -.
(٥) "البحر": ٢١٨/٥.
(٦) "ح": المقدّمة ق ٥/أ.
(٧) المقولة [٤٩١] قوله: ((إلا إذا كان إلخ)).

الجزء الأول
٢٣٥
المقدمة
أقولُ: وينبغي تقييدُ التخييرِ أيضاً بما إذا لم يكن أحدُ القولينِ في المتون لِما قدَّمناه(١) آنفاً
عن "البيري"، ولِما في قضاءِ الفوائتِ من "البحر"(٢): ((من أنَّهُ إذا اختلفَ التصحيحُ
والفتوى فالعملُ بما وافقَ المتونَ أَولى )) اهـ.
وكذا لو كان أحدُهما في الشروح والآخرُ في الفتاوى لِما صرَّحُوا به من أنَّ ما في المتون
مُقَدَّمٌ على ما في الشُّروحِ، وما في الشروح مُقدَّمٌ على ما في الفتاوى، لكنَّ هذا عند التصريحِ
بتصحيح كلٍّ من القولينِ أو عدمِ التصريحِ أصلاً، أمَّا لو ذُكرت مسألةٌ في المتونِ، ولم
يصرِّحوا بتصحيحها، بل صرَّحوا بتصحيح مُقابلها فقد أفاد العلاَّمة "قاسمٌ" ترجيحَ الثاني؛ لأَنَّه
تصحيحٌ صريحٌ، وما في المتون تصحيحٌ التزاميٌّ، والتصحيحُ الصريحُ مقدَّمٌ على التصحيح
الالتزاميِّ، أي: التزامِ المتون ذِكرَ ما هو الصحيحُ في المذهب.
وكذا لا تخييرَ لو كان أحدُهما قولَ "الإِمام" والآخرُ قولَ غيره؛ لأَنَّه لَمَّا تعارَضَ
التصحيحان تساقطا، فرجعنا إلى الأصل، وهو تقديمُ قول "الإمام"، بل في شهادات "الفتاوى
الخيريَّةِ"(٢): ((المقرَّرُ عندنا أنَّه لا يُفتَى ويُعمَلُ إلَّ بقول "الإمام الأعظم"، ولا يُعدَلُ عنه إلى
قولهما أو قولِ أحدهما أو غيرِهما إلاَّ لضرورةٍ كمسألةِ المزارعة وإنْ صرَّحَ المشايخُ بأنَّ
الفتوى على قولِهما؛ لأنَّه صاحبُ المذهب والإِمامُ المقدَّمُ)) اهـ. ومثلُهُ في "البحر "(٤) عند
الكلام على أوقات الصلاة، وفيه(٥) من كتاب القضاء: (( يحلُّ الإفتاءُ بقولِ "الإِمام"، بل يجبُ
وإنْ لم يعلم من أينَ قالَ )) اهـ.
(١) في المقولة السابقة.
(٢) "البحر": ٩٣/٢.
(٣) "الفتاوى الخيريَّة": ٣٣/٢.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة ٢٥٩/١.
(٥) أي: في "البحر": فصل: يجوز تقليد من شاء من المجتهدين ٢٩٣/٦.

قسم العبادات
٢٣٦
حاشية ابن عابدين
وعليه الفتوى، وبه يُفتَى، وبه نأخُذُ، وعليه الاعتمادُ، ..
وكذا لو علَّلوا أحدَهما دونَ الآخرِ كان التعليلُ ترجيحاً للمعلَّلِ كما أفاده "الرمليُّ" في
"فتاواه"(١) من كتاب الغصب، وكذا لو كان أحدُهما استحساناً والآخرُ قياساً؛ لأنَّ الأصلَ
تقديمُ [١/ق٥٢/ب] الاستحسان إلاَّ فيما استُثنيَ كما قدَّمناهُ(٢)، فُيُرجَعُ إليه عندَ التعارُضِ،
وكذا لو كان أحدُهما ظاهرَ الرواية، وبه صرَّحَ في كتاب الرَّضاع من "البحر"(٣) حيث
قالَ: ((الفتوى إذا اختلفَتْ كان الترجيحُ لظاهر الروايةِ))، وفيهِ (٤) من باب المصرف: ((إذا
اختلفَ التصحيحُ وجَبَ الفحصُ عن ظاهرِ الرواية والرجوعُ إليها ))، وكذا لو كان
أحدُهما أنفعَ للوقف لِما سيأتي(٥) في الوقف والإجارات: أَنَّه يُفتَى بكلِّ ما هو أنفعُ للوقف
فيما اختَلَف العلماءُ فيهِ، وكذا لو كان أحدُهما قولَ الأكثرِين لِما قدَّمناه(٦) عن "الحاوي".
والحاصلُ: أَنَّه إذا كان لأحدِ القولين مرجِّحٌ على الآخرِ، ثم صحَّحَ المشايخُ كلاً من
القولين ينبغي أنْ يكونَ المأخوذُ به ما كان له مرجِّحٌ؛ لأنَّ ذلك المرجِّحَ لم يزَلْ بعد التصحيح،
فيبقى فيه زيادةُ قوةٍ لم توجدْ في الآخرِ، هذا ما ظهَرَ لي من فيضِ الفتّاحِ العليم(٧).
[٤٧٤] (قولُهُ: وعليه الفتوى) مشتقّةٌ من الفَتَى، وهو الشابُّ القويُّ، وسميتْ به لأنَّ
المفتيَ يُقَوِّي السائلَ بجوابٍ حادثتِهِ، "ابن عبد الرزاق" عن "شرح المجمع" لـ "العينيِّ"(٨).
(١) "الفتاوى الخيريَّة": ١٥٠/٢.
(٢) في المقولة السابقة.
(٣) "البحر": ٢٣٩/٣.
(٤) أي: في "البحر" : كتاب الزكاة ٢٦٩/٢ بتصرف.
(٥) المقولة [٢١٥٩٨] قوله: ((إلا إذا كانت المصلحة بخلاف ذلك))، و المقولة: [٢٩٣٤٦] قوله:(( کما مر في بابه)).
(٦) في المقولة رقم: [٤٧٢] قوله: ((وصحح في الحاوي القدسي قوة المدرك)).
(٧) في "د" زيادة: ((قوله: جاز القضاء والإفتاء بأحدهما: على هذا حملوا ما في قضاء "الأشباه" عن "البزازيَّة" من أنَّ
المفتيَ إنما يفتي بما يقعُ عنده من المصلحة)).
(٨) المسمَّى بـ "المستجمع": لأبي محمد وأبي الثّناء محمود بن أحمد، بدر الدين الحلبي العَيْني ثم القاهري(ت ٨٥٥هـ) شرح
"مجمع البحرين وملتقى النِّرين" لأحمد بن علي بن تغلب، مُظَفِّر الدين المعروف بابن الساعاتي البَعْلَبَكِّيّ الأصل
البغدادي (ت٦٩٤هـ). ("كشف الظنون" ١٦٠٠/٢، "الضوء اللامع" ١٣١/١٠، "الفوائد البهية" صـ ٢٠٦-٢٠٧-).

الجزء الأول
٢٣٧
المقدمة
وعليه عملُ اليوم، وعليه عملُ الأمَّةِ، وهو الصحيحُ، أو الأصحُّ، أو الأظهرُ، أو الأشبهُ،
أو الأوجهُ، أو المختارُ، ونحوُها مما ذكَرَ في "حاشية البزدويِّ"(١) )) اهـ.
وقال شيخُنا "الرمليُّ" في "فتاويه": (( وبعضُ الألفاظ
والمرادُ بالاشتقاق فيها ملاحظةُ ما أنبأ عنهُ الفتى من القوَّة والحدوثِ، لا حقيقتُهُ، كذا قيل.
[٤٧٥] (قولُهُ: وعليه عملُ اليومِ) المرادُ باليومِ مطلقُ الزمانِ، وأل فيهِ للحضُور، والإضافةُ
على معنى في، وهي من إضافة المصدرِ إلى زمانه كصومٍ رمضانَ، أيْ: عليهِ عمَلُ الناسِ في
هذا الزمان الحاضر.
(٤٧٦] (قولُهُ: أو الأشبَهُ) قال في "البزازية"(٢): ((معناهُ: الأشبهُ بالمنصوص روايةً والراجحِ
درايةً، فيكونُ عليه الفتوى )) اهـ. والدِّرايةُ بالدال المهملةِ تستعملُ بمعنى الدليل كما في
"المستصفى".
٤٩/١
[٤٧٧] (قولُهُ: أو الأَوجَهُ) أيْ: الأظهرُ وجهاً من حيثُ إنَّ دلالة الدليلِ عليه متّجِهةٌ
ظاهرةٌ أكثرَ من غيره.
[٧٨ ٤] (قولُهُ: ونحوُها) كقولهم: وبه جَرَى العُرفُ، وهو المتعارَفُ، وبه أخذَ علماؤُنا، "ط)"(٣).
[مطلبٌ]
[ حيث أطلَقَ "الشارحُ" لفظة شيخنا فالمراد به "الرَّمليُّ" ]
[٧٩ ٤] (قولُهُ: وقالَ "شيخُنا١) المرادُ به حيث أُطلِقَ في هذا الكتابِ العلامةُ الشيخ "خیرُ
الدينِ الرمليُّ".
[٤٨٠] (قولُهُ: في "فتاويه") جمعُ فتوى، ويُجمَعُ على فتاوى بالألفِ أيضاً، وهي هنا: اسمٌ
لفتاوى "شيخِهِ" المشهورةِ المسمّاةِ بـ "الفتاوى الخيريَّة لنفع البريَّة"، وقد ذكَرَ ذلك في
آخرِها في مسائلَ شتَّى(٤).
(١) لم نعثر لها على ترجمة.
(٢) "البزازية": كتاب أدب القاضي - كيفية الاستحلاف ٢٠٩/٥ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "ط": المقدِّمة: ٤٩/١ باختصار.
(٤) "الفتاوى الخيرية": ٢٣١/٢.

قسم العبادات
٢٣٨
حاشية ابن عابدين
أكدُ من بعضٍ، فلفظُ الفتوى آكدُ من لفظِ الصحيحِ والأصحِّ والأشبهِ وغيرِها،
ولفظُ وبِه يُفتَى أكدُ من الفتوى عليه، والأصحُّ أكدُ من الصحيح،
[٤٨١] (قولُهُ: آكَدُ من بعضٍ) أي: أقوى، فتُقدَّمُ على غيرها، [١/ق٥٣/أ] وهذا التقديمُ
راجحٌ لا واجبٌ كما يفيدُهُ ما يأتي(١) عن "شرح المنية".
[٤٨٢] (قولُهُ: فلفظُ الفتوى) أي: اللفظُ الذي فيه حروفُ الفتوى الأصليَّةُ بأيِّ صيغةٍ عُبِّرَ
بها، "ط" (٢).
[٤٨٣] (قولُهُ: آكَدُ من لفظِ الصحيحِ إلخ) لأنَّ مقابِلَ الصحيح أو الأصحِّ ونحوِه قد يكونُ
هو المفتى به لكونه هو الأحوطَ، أو الأرفقَ بالناس، أو الموافِقَ لتعامُلِهِم وغيرِ ذلك مما يراهُ
المرجِّحونَ في المذهب داعياً إلى الإفتاء به، فإذا صرَّحُوا بلفظِ الفتوى في قولٍ عُلِمَ أَنَّه المأخوذُ به.
ويظهرُ لي أنَّ لفظَ: وبِهِ نأخذُ، وعليهِ العملُ مساوٍ للفظِ الفتوى، وكذا بالأولى لفظُ عليه
عملُ الأمَّةِ؛ لأَنَّه يفيدُ الإجماعَ عليه، تأمَّلْ.
[٤٨٤] (قولُهُ: وغيرِها) كالأحوطِ والأظهرِ، "ط"(٢). وفي " الضياء المعنويِّ" في مستحبَّاتٍ
الصلاةِ: (( لفظةُ الفتوى أكدُ وأبلغُ من لفظة المختارِ )).
[٤٨٥] (قولُهُ: أكدُ من الفتوى عليهِ) قال "ابنُ الهمام"(٤): ((والفرقُ بينهما: أنَّ الأوَّلَ
يفيدُ الحصرَ - والمعنى أنَّ الفتوى لا تكونُ إلاَّ بذلك - والثانيَ يفيدُ الأَصَحِّيةَ)). اهـ "ابن
عبد الرزاق".
[٤٨٦] (قولُهُ: والأصحُّ آكدُ منَ الصحيح) هذا هو المشهورُ عندَ الجمهورِ؛ لأنَّ الأصحَّ
(قولُهُ: أنَّ لفظَ: وبه نأخذُ، وعليه العملُ مساوٍ للفظِ الفتوى) دعوى هذه المساواةِ مخالفةٌ لعمومٍ قول
"الرَّمليّ": ((وغيرِها))، ويظهرُ أنَّ قصدَهُ مناقشةُ "الرَّمليّ".
(١) المقولة [٤٨٨] قوله: ((قلت: لكن إلخ)).
(٢) "ط": المقدمة ٤٩/١.
(٣) "ط": المقدمة ٤٩/١.
(٤) لم نعثر عليها في "الفتح" و"التحرير".

الجزء الأول
٢٣٩
المقدمة
والأحوطُ اكدُ من الاحتياط)) انتهى.
قلتُ: لكنْ في "شرح المنية" لـ "الحلبيِّ" - عند قوله: ولا يجوزُ مسُّ مصحفٍ إلاَّ
بغلافِهِ - : (( إذا تعارَضَ.
مقابلٌ للصحيح، وهو - أي: الصحيحُ - مقابلٌ للضعيف، لكنْ في "حواشي الأشباهِ" لـ "بيري":
(( ينبغي أنْ يقيَّدَ ذلك بالغالب؛ لأَنَّا وَجَدنا مقابلَ الأصحِّ الروايةَ الشاذّة كما في"شرح
المجمع")). اهـ "ابن عبد الرزاق".
[٤٨٧] (قولُهُ: والأحوطُ إلخ) الظاهرُ أنْ يقالَ ذلك في كلِّ ما عُبِّرَ فيه بأفعلِ التفضيل،
"ط "(١). والاحتياطُ: العملُ بأقوى الدَّليلين كما في "النهر "(٢).
[٤٨٨] (قولُهُ: قلتُ: لكنْ إلخ) استدراكٌ على ما يُفهَمُ من كلام "الرمليّ)"(٣)، حيث ذكَرَ:
(( أنَّ بعض هذه الألفاظِ آكدُ من بعضٍ ))، فإنَّه ظاهرٌ في أنَّ مرادَهُ تقديمُ الآكدِ على غيرهِ،
فيلزمُ منه تقديمُ الأصحِّ على الصحيح، وهو مخالفٌ لِما في "شرح المنية"(٤): ((وأمَّا كونُ
مرادِهِ مجرَّدَ بيانِ أنَّ الأصحَّ اكدُ بمقتضى أفعلِ التفضيل - وذلك لا ينافي تقديمَ الصحيحِ
للأْفاق عليه - فهو في غاية البُعدِ ))، على أنَّه لا يتأَتَّى في لفظ الفتوى مع غيره، فإنَّه جعَلَهُ
أكدَ، ولا معنى لاكديَّتِهِ إلاَّ تقديمُهُ على غيره كما لا يخفى، فافهم.
ويدلُّ على أنَّ مراده ما قلناه أوَّلاً ما قاله في "الخيريَّة"(٥) أيضاً في كتاب [١/ق٥٣/ب]
الكفالةِ بعد كلامٍ: (( قلتُ: وقولُه: والصحيحُ لا يَدفعُ قولَ صاحب "المحيط": هذا هو
الأُصحُّ، وعليهِ الفتوى )) اهـ.
(١) "ط": المقدمة ٤٩/١.
(٢) "النهر": كتاب الطهارة ق ٣/ب.
(٣) "الفتاوى الخيرية": مسائل شتى ٢٣١/٢.
(٤) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - سنن الغسل صـ٥٨ -.
(٥) "الفتاوى الخيرية": ٢٤٨/١.

قسم العبادات
٢٤٠
حاشية ابن عابدين
إمامان معتبران، عبَّرَ أحدُهما بالصحيحِ والآخرُ بالأصحِّ فالأخذُ بالصحيح أَولِ؛
لأَنّهما اتَّفَقا على أنَّه صحيحٌ، والأخذُ بالمّفْقِ أوفقُ، فليحفظ ))، ثمَّ رأيتُ في
رسالة "آداب المفتي": ((إذا ذُيَلتْ روايةٌ في كتابٍ معتمَدٍ بالأصحِّ أو الأَولى أو
الأوفقِ أو نحوِها فله أنْ يفتيَ بها وبمخالفِها أيضاً أيّاً شاء، وإذا ذُيِّلتْ بالصحيح أو
المأخوذِ به، أو به يُفتَى، أو عليه الفتوى لم يفتِ بمخالفِه ....
[٤٨٩] (قولُهُ: إمامانِ معتبرانِ) أي: من أئمَّةِ الترجيحِ، "ط))(١).
[٤٩٠] (قولُهُ: لأنّهما اتَّققا إلخ) أي: وانفرَدَ أحدُهما بجعلِ الآخرِ أُصحَّ.
قلتُ: والعلَّهُ لا تخصُّ هذين اللفظين، بل كذلك الوجيهُ والأوجهُ، والاحتياطُ والأحوطُ،
أفاده "ط" (٢).
[٩١ ٤] (قولُهُ: إذا ذُيِّلتْ روايةٌ إلخ) أيْ: جُعِلَ فِي ذيلها، أي: في آخرِها، والمتبادِرُ من هذه
العبارةِ أنَّ التذييلَ بالتصحيحِ وقَعَ لروايةٍ واحدةٍ دونَ مخالِفَتِها، فليسَ فيه تعارُضُ التصحيحِ،
لكنْ إذا كان التصحيحُ بصيغةِ أفعلِ التفضيلِ أفادَ أنَّ الرواية المخالفةَ صحيحةٌ أيضاً، فلهُ
الإفتاءُ بأيٍّ شاءً منهما وإنْ كانَ الأَولى تقديمَ الأُولى لزيادة الصحّةِ فيها، وسكتَ عنهُ
لظهورهِ، وأَمَّا إذا كان التصحيحُ بصيغةٍ تقتضي قصرَ الصخَّةِ على تلك الروايةِ فقط
كالصحيح والمأخوذِ به ونحوِهما مما يفيدُ ضعفَ الروايةِ المخالفةِ لم يَحُزِ الإفتاءُ بمخالفها لِما
سيأتي(٣) أنَّ الفُتيا بالمرجوح جهلٌ، وهذا بخلاف ما إذا وُجِدَ التصحيحُ في كتابٍ آخرَ
للرواية الأخرى فإنَّ الأَولى تقديمُ الآكدِ منهُما أو المتّفَقِ عليه على الخلافِ المارِّ، وبهِ ظهَرَ أنَّ
هذا تفصيلٌ آخرُ زائدٌ على ما مرَّ غيرُ مخالِفٍ لهُ، فافهم.
(١) "ط": المقدمة ٤٩/١.
(٢) "ط": المقدمة ٤٩/١.
(٣) صـ ٢٤٣ - "در".

الجزء الأول
٢٤١
المقدمة
إلاّ إذا كان في "الهداية" مثلاً: هو الصحيحُ، وفي "الكافي" بمخالفه هو الصحيحُ
فُيُخيّرُ، فيختارُ الأقوى عنده والأليقَ والأصلحَ )) اهـ، فليُحفَظ.
وحاصلُ ما ذكرَهُ الشيخ "قاسمٌ" ..
[٤٩٢] (قولُهُ: إلاَّ إذا كانَ إلخ) استثناءٌ منقطعٌ؛ لأَنَّهَ مفروضٌ في ما وُجِدَ فيه التصحيحُ
من كلا الطرفين، والمستثنى منه فيما إذا لم يُذيَّلْ مخالِفُهُ بشيءٍ كما مرَّ، وفائدةُ هذا الاستثناء
توضيحُ ما مرَّ(١) عن وقف "البحر"، وبيانُ المرادِ من التخييرِ، فليس فيه تكريرٌ، فافهم.
[٤٩٣] (قولُهُ: وفي "الكافي") يحتملُ أنَّ المراد به "كافي الحاكم"، أو "كافي النسفيِّ" الذي
شرَحَ بِه كتابَهُ "الوافي" أصل "الكنز"، والظاهرُ الثاني.
[٤٩٤] (قوله: فيختارُ الأقوى) أي: إنْ كان من أهل النظرِ في الدليل، أو نصَّ العلماءُ على
ذلك، ولا تنسَ ما قدَّمناهُ من بقيَّةِ قيودِ التخيير.
[٤٩٥] (قولُهُ: والأليقَ) أي: لزمانِهِ، ((والأصلحَ)) الذي يراهُ مناسباً في تلك الواقعةِ.
[٤٩٦] (قولُهُ: فليُحفظْ) أي: جميعُ ما ذكرناه. وحاصلُهُ: أنَّ الحكمَ إنِ اتَّقْقَ عليه أصحابنا
يُفْتَى به قطعاً، وإلاَّ فإِمَّا أنْ يصحِّحَ المشايخُ أحدَ القولين فيه، أو كلاً منهما، أو لا، ولا.
ففي الثالث: يُعتَبَرُ الترتيبُ، بأنْ يُفتَى [١/ق ٥٤/أ] بقولِ "أبي حنيفة"، ثم بقولِ "أبي
يوسف" إلخ، أو يُعتَبَرُ قوَّةُ الدليل، وقد مرَّ(٢) التوفيقُ.
وفي الأوَّلِ: إنْ كان التصحيحُ بأفعلِ التفضيلِ خُيِّرَ المفتي، وإلاَّ فلا، بل يُفتي بالمصحَّحِ
٥٠/١ فقط، وهذا ما نقلَهُ عن "الرسالة".
وفي الثاني: إمَّا أنْ يكونَ أحدُهما بأفعلِ التفضيلِ أوْ لا، ففي الأوَّلِ قيل: يفتى بالأصحِّ،
وهو المنقولُ عن "الخيرية"(٢)، وقيل: بالصحيح، وهو المنقولُ عن "شرح المنية"(٤)، وفي الثاني
(١) المقولة [٤٧٣] قوله: ((وفي وقف البحر)).
(٢) المقولة [٤٧٢] قوله: ((وصحَّح في "الحاوي القدسي")).
(٣) "الفتاوى الخيرية": مسائل شتى ٢٣١/٢.
(٤) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - سنن الغسل صـ٥٨ ..

قسم العبادات
٢٤٢
حاشية ابن عابدين
في "تصحيحه": (( أَنَّه لا فرقَ بين المفتي والقاضي، إلاَّ أنَّ المفتيَ مخبِرٌ عن الحكم،
والقاضيَ مُلزِمٌ به، وأنَّ الحكم والفُتيا.
يُخَيَّرُ المفتي، وهو المنقولُ عن وقف "البحر"(١) و"الرسالة"(٢)، أفاده "ح"(٣).
[٤٩٧] (قولُهُ: في "تصحيحِه") أي: في كتابه المسمَّى بـ "التصحيحِ والترجيحِ" الموضوعِ
على "مختصرِ القدُرويِّ".
[٤٩٨] (قولُهُ: لا فَرْقَ إلخ) أي: من حيث إنَّ كلاً منهما لا يجوزُ له العملُ بالتشهِّي، بل
عليه اتّباعُ ما رجَّحوهُ في كلِّ واقعةٍ وإنْ كان المفتي مُخبِراً والقاضي مُلزِماً، وليس المرادُ
حصرَ عدمِ الفرقِ بينهما من كلِّ جهةٍ، فافهم.
مطلبٌ: لا يجوزُ العمل بالضعيف حتّى لنفسه عندنا
[٤٩٩] (قولُهُ: وأنَّ الحكمَ والفُتيا إلخ) وكذا العمَلُ به لنفسهِ، قال العلاّمة "الشرنبلاليُّ" في
رسالتهِ "العقدِ الفريد في جوازِ التقليد"(٤): ((مقتضى مذهبِ "الشافعيِّ" - كما قاله "السبكيُّ" (٥) -
منعُ العملِ بالقولِ المرجوحِ في القضاءِ والإفتاءِ دونَ العملِ لنفسهِ، ومذهبُ الحنفيَّةِ المنعُ عن
المرجوحِ حتى لنفسه لكونِ المرجوح صار منسوخاً )) اهـ. فليُحفظْ.
وقَّده "البيري" بالعامِّيِّ، أي: الذي لا رأيَ له يَعرِفُ به معنى النُّصوصِ، حيثُ قال:
(( هل يجوزُ للإنسان العملُ بالضعيف من الروايةِ في حقِّ نفسِهِ؟ نعمْ إذا كانَ له رأيٌ، أمَّا إذا
(١) "البحر": ٢١٨/٥.
(٢) هي رسالة "آداب المفتي"، كما نصَّ عليه "ح"، واسمها "أدب المفتي والمستفتي"، وهي للعلامة أبي عمرو عثمان
ابن عبد الرحمن، تقي الدين المعروف بابن الصَّلاح الشَّهْرَزُوْرِي الشافعي(ت٦٤٣هـ)، وينقل عنه ابن عابدين في
رسالته "رسم المفتي". ("كشف الظنون"٤٨/١، "طبقات السبكي" ١٣٧/٥، "الأعلام"٢٠٧/٤).
(٣) "ح": المقدّمة ق ٤/ب و٥/ أ.
(٤) "العقد الفريد لبيان الراجح من الخلاف في جواز التقليد": لأبي الإخلاص حسن بن عمار الشُّرُنبلالي المصري
(ت ١٠٦٩ هـ). ("إيضاح المكنون" ١٠٩/٢، "خلاصة الأثر" ٣٨/٢، "التعليقات السنية على الفوائد البهية" صـ٥٨-).
(٥) "فتاوى السبكي": كتاب الوقف ١٢/٢.

الجزء الأول
٢٤٣
المقدمة
بالقول المرجوح جهلٌ وخرقٌ للإجماع،
كان عامِّياً فلم أره ))، لكنَّ مقتضى تقييدِهِ بذي الرأيِ أنَّه لا يجوزُ للعامِّيِّ ذلك، قال في
"خزانةِ الروايات"(١): (( العالِمُ الذي يَعرِفُ معنى النصوصِ والأخبارِ، وهو من أهلِ الدِّرايةِ
يجوزُ له أنْ يعملَ عليها وإنْ كان مخالفاً لمذهبه))(٢) اهـ.
قلتُ: لكنَّ هذا في غير موضعِ الضرورة، فقد ذكَرَ في حيض "البحر"(٣) في بحث ألوان
الدماءِ أقوالاً ضعيفةً، ثُمَّ قال: (( وفي "المعراج "(٤) عن "فخر الأئمَّةِ"(٥): لو أفتى مُفتٍ بشيءٍ
من هذه الأقوالِ في مواضعِ الضرورةِ طلباً للتيسير كانَ حسناً )) اهـ.
وكذا قولُ "أبي يوسف" في المنيِّ إذا خرج بعد فتورِ الشهوةِ: لا يجبُ بهِ الغُسلُ ضعيفٌ،
وأجازُوا العملَ به [١/ق٥٤/ب] للمسافرِ أو الضَّيفِ الذي خافَ الرِّيبةَ كما سيأتي(٦) في
محلّهِ، وذلك من مواضعِ الضرورة.
[٥٠٠] (قولُهُ: بالقولِ المرجوحِ)(٧) كقولِ "محمَّدٍ" مع وجودٍ قول "أبي يوسف" إذا لم يُصحَّحْ
(قولُهُ: قال في "خزانة الرِّوايات": العالِمُ الذي يَعرِفُ معنى النُّصوصِ إلخ) مقتضى عبارة "الخزانة"
جوازُ العمل بالدِّراية للعالِمِ المذكور وإنْ لم تكن روايةَ مذهبه، وليس الكلامُ السَّابقُ فيه، لكنْ إذا جازَ
(١) "خزانة الروايات": للقاضي الفقيه جُكَن الهندي الحنفي (توفي حدود ٩٢٠هـ). ("كشف الظنون" ٧٠٢/١،
"شذرات الذهب" ١٣٩/١٠).
(٢) في "د" زيادة: ((وفي "نهاية النهاية" لابن الشِّحنة: إذا صحَّ الحديثُ وكان على خلافِ المذهب عُمِلَ بالحديث،
ويكون ذلك مذهبَهُ، ولا يخرج مقلّدٌ عن كونه حنفياً بالعمل، فقد صحَّ عنه أنّه قال: إذا صَحَّ الحديث فهو
مذهبي، وحكى ذلك ابن عبد البر عن أبي حنيفة وغيره من الأئمَّة. انتهى بيري في خطبة "شرح الأشباه")).
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ٢٠٢/١.
(٤) هو "معراج الدراية"، وقد مرت ترجمته صـ ٧٤ -.
(٥) لعله أبو بكر محمد بن علي بن سعيد المشهور بفخر الأئمة المُطَرِّزي البخاري، أستاذ شرف الدين عمر العقيلي
(ت ٥٧٦هـ). ("الجواهر المضية" ٢٦٠/٣، ٤٢١/٤).
(٦) المقولة [١٣٥٩] قوله: ((وبقول أبي يوسف نأخذ)).
(٧) سبقت الإشارة إلى ذلك في المقولة [٤٩١] قوله: ((إذا ذيلت)).

قسم العبادات
٢٤٤
حاشية ابن عابدين
وأنَّ الحكم الملفَّقَ باطلٌ بالإجماع، وأنَّ الرجوع عن التقليد بعد العمل باطلٌ اتفاقاً،
وهو المختارُ في المذهب،.
أو يُقَوَّ وجهُهُ، وأَولى من هذا بالبطلانِ الإفتاءُ بخلاف ظاهرِ الرِّوايةِ إذا لم يُصحَّحْ، والإفتاءُ
بالقول المرجوعِ عنهُ. اهـ "ح"(١).
[مطلبٌ]
[ التعريفُ بالتلفيق ]
[٥٠١] (قولُهُ: وأنَّ الحكمَ الملفَّقَ) المرادُ بالحكم الحكمُ الوضعيُّ كالصحَّةِ، مثلُهُ: متوضِّئٌ
سالَ من بدنه دٌ، ولَمَسَ امرأةً ثمَّ صلى، فإنَّ صحَّةَ(٢) هذه الصلاةِ ملفَّقةٌ من مذهب
"الشافعيِّ" والحنفيِّ، والتلفيقُ باطلٌ، فصحَّته منتفيةٌ. اهـ "ح"(٣).
مطلبٌ في حكم التقليدِ والرُّجوعِ عنه
[٥٠٢] (قولُهُ: وأنَّ الرُّجوعَ إلخ) صرَّحَ بذلك المحقّقُ "ابنُ الهمام" في "تحريره"(٤)، ومثلُهُ
له العمل بالدِّراية يجوزُ له العمل بالمرجوح في مذهبه بالأولى، وعبارة "البحر" تفيدُ جوازَ الإفتاء بالمرجوح
للضَّرورة، وتفيدُ جواز العملِ به بالأولى.
(قولُهُ: المرادُ بالحكمِ الحكمُ الوضعيُّ) لفظُ الحكم يُطلَقُ على الوضعيِّ - أي: الخطابِ الوضعيِّ كجَعْلٍ
كشف العورة مانعاً من صحَّةِ الصلاة، وجَعْلِ الدُّلوك علامةً على طلبٍ إقامتها - وعلى الحكم التكليفيِّ -
أي: خطابِهِ تعالى المتعلّقِ بأفعال المكلَّفين طلباً أو تخييراً - وعلى وصفِ فعلِ المكلّف كالوجوبِ والحرمةِ
والصحَّةِ والفسادِ والنّفوذِ واللّزوم، والمتعيّنُ إرادتُهُ هنا الأخيرُ.
(١) "ح": المقدّمة ق ٥/أ.
(٢) من (( الحكم الوضعي)) إلى ((فإن صحة )) ساقط من "آ".
(٣) "ح": المقدمة ق ٥/أ.
(٤) "التحرير": المقالة الثالثة في الاجتهاد وما يتبعه صـ ٥٥١ _.
ط