Indexed OCR Text
Pages 201-220
الجزء الأول
١٨٥
المقدمة
بعد القرآن، وحسبُكَ من مناقبه اشتهارُ مذهبه، ما قالَ قولاً.
فذلك كرامةٌ لا معجزةٌ، فافهم.
[٣٧٣] (قولُهُ: بعدَ القرآنِ) متعلِّقٌ بـ ((أعظَمٍ))، أي: لأنّه أعظمُ المعجزات على الإطلاق؛
لأَنَّه معجزةٌ مستمرَّةٌ دائمةُ الإعجاز، وقَّدَ بذلك - وإنْ عَبَّرَ بـ ((مِن)) التبعيضِيَّةِ - لئلا يُتوهَّمَ
مساواةُ هذه المعجزةِ لتلك، فإنَّ المشاركة في الأعظميَّة تصدُقُ بالمساواة، فتدَّر.
٣٨/١
[٣٧٤] (قولُهُ: اشتهارُ مذهبهِ) أي: في عامَّةِ بلاد المسلمين(١)، بل في كثيرٍ من الأقاليمِ والبلاد لا
يُعرَفُ إلاَّ مذهبُهُ كبلاد الرُّوم والهند والسند(٢) وما وراء النهر(٣) وسمرقند، وقد نُقِلَ أنَّ فيها
تربةَ المحمَّدِين، دُفِنَ فيها نحوٌ من أربعمائةٍ نفسٍ، كلٌّ منهم يقالُ له محمَّدٌ، صنَّفَ وأفتى
وأخذ عنه الجمُّ الغفير، ولَمَّا مات صاحبُ "الهداية" منعوا دفنه بها، فدُفن بقربها، ورُوي أنَّه نَقل
مذهَبَه نحوٌ من أربعة آلافِ نفرٍ، ولا بدَّ أنْ يكون لكلِّ أصحابٌ، وهلم جرًّاً. وقال "ابن
حجرٍ"(٤): ((قال بعضُ الأئمّة: لم يظهرْ لأحدٍ من أئمَّة الإسلام المشهورين مثلُ ما ظهَرَ
لـ "أبي حنيفة" من الأصحاب والتلاميذ، ولم ينتفع العلماءُ وجميعُ الناس بمثل ما انتفعوا به
وبأصحابه في تفسير الأحاديث المشتبهة والمسائل المستنبطة والنوازل والقضايا والأحكام، جزاهم
الله تعالى الخير التامّ، وقد ذكَرَ منهم بعضُ المتأخّرين المحدِّثين في ترجمته ثمانمائةٍ مع ضبط
أسمائهم ونسبهم بما يطولُ ذكرُهُ )) اهـ.
[٣٧٥] (قولُهُ: قولاً) أي: سواءٌ ثبَتَ عليه، أو رجَعَ عنه، "ط " (٥).
(١) في "ب" و"م": ((الإسلام)).
(٢) بين بلادِ الهند وكَرْمَان وسِحسْتان، قصبتها المنصورة، قالوا: السِّند والهند كانا أخوين من ولدِ نوح. "معجم
البلدان" ٣٠٣/٣ بتصرف.
(٣) يرادُ به ما وراءَ نهر جيحون بخراسان، فما كان في شرقيه يقال له: بلادُ الهياطلة، وفي الإسلام سَمَّوه ما وراء
النهر، وما كان في غربيه فهو خراسان وولاية خوارزم. "مراصد الاطلاع" ١٢٢٣/٣.
(٤) انظر "الخيرات الحسان": الفصل الثامن صـ٢٩ -.
(٥) "ط": المقدَّمة ٣٩/١.
قسم العبادات
١٨٦
حاشية ابن عابدين
إِلاَّ أَخَذَ به إمام من الأئمَّةُ الأعلام، وقد جعَلَ الله الحكمَ لأصحابه وأتباعِهِ من زمنه
إلى هذه الأيام، إلى أنْ يحكُمَ بمذهبه عيسى الَِّلا،
[٣٧٦] (قولُهُ: إلاَّ أَخَذَ به إمامٌ) أي: من أصحابه تبعاً له، فإنَّ أقوالهم مرويَّةٌ عنه كما
سيأتي(١)، أو من غيرهم من المجتهدين موافقةً في اجتهاده؛ لأنَّ المجتهد لا يقلِّدُ [١/ق ٤٠/ب]
مجتهداً، أفاده "ط" (٢).
[٣٧٧] (قولُهُ: من زمنِه إلى هذه الأيامِ) فالدولةُ العباسيَّة - وإنْ كان مذهبُهم مذهبَ
جدِّهم - فأكثرُ قُضاتِها ومشايخٍ إسلامها حنفيَّةٌ، يظهرُ ذلك لمن تصفّحَ كتب التواريخ،
وكان مدَّةُ ملكهم خمسمائةٍ سنةٍ تقريباً، وأمَّ الملوك السَّلْجوقُّون وبعدهم الخُوارِزِمُّون فكلُّهم
حنفيُّون، وقُضاةُ ممالكهم غالبُها حنفيَّةٌ. وأمَّا ملوكُ زماننا سلاطينُ آل عثمانَ - أَيَّدَ الله تعالى
دولتهم ما كرَّ الجديدان - فمِن تاريخِ تسعمائةٍ إلى يومنا هذا لا يولُّون القضاءَ وسائرَ مناصبهم إلاّ
للحنفيَّة، قاله بعض الفضلاء.
وليس في كلام "الشارح" ادِّعاءُ التخصيص في جميع الأماكن والأزمان حتى يرِدَ أنَّ القضاء
بمصرَ كان مختصًّاً بمذهب الإمام "الشافعيِّ" إلى زمن "الظاهر بيبرس البندقداري"، فافهم.
[٣٧٨) (قولُهُ: إلى أنْ يَحكُمَ بمذهبه عيسى عليه السلام) تبعَ فيه "القهستانيّ" (٣)، وكأنّه
أخذَهُ مما ذكَرَهُ أهلُ الكشف أنَّ مذهبه آخرُ المذاهب انقطاعاً، فقد قال الإمام "الشعرانيُّ" في
"الميزان"(٤) ما نصُّهُ: ((تقدَّمَ أنَّ الله تعالى لَمَّا منَّ عليَّ بالاطّلاع على عين الشريعة رأيتُ المذاهب
كلَّها متّصلةً بها، ورأيتُ مذاهب الأئمّة الأربعة تجري جداولُها كلِّها، ورأيتُ جميعَ المذاهب
التي اندرست قد استحالتْ حجارةً، ورأيتُ أطولَ الأئمَّة جدولاً الإمامَ "أبا حنيفة"،
(١) المقولة [٤٦٠] قوله: ((فكان كلٌّ يأخذ برواية عنه)).
(٢) "ط": المقدِّمة ٣٩/١.
(٣) "جامع الرموز": المقدّمة ٨/١.
(٤) "الميزان": ٣/١.
الجزء الأول
١٨٧
المقدمة
ويليه الإِمام "مالكٌ"، ويليه الإمام "الشافعيُّ"، ويليه الإِمام "أحمدُ"، وأقصرَهم جدولاً الإمامَ
"داود"، وقد انقرَضَ في القرن الخامس، فأوَّلتُ ذلك بطولِ زمن العمل بمذاهبهم وقِصَرِه، فكما
كان مذهبُ الإِمام "أبي حنيفة" أوَّلَ المذاهب المدوَّنة فكذلك يكون آخرَها انقراضًاً، وبذلك
قال أهل الكشف )) اهـ.
لكنْ لا دليلَ في ذلك على أنَّ نبي الله عيسى - على نبيِّنا وعليه الصلاة والسلام - يحكمُ بمذهب
"أبي حنيفة" وإنْ كان العلماءُ موجودين في زمنه، فلا بدَّ له من دليل، ولهذا قال الحافظ
"السيوطيُّ" في رسالةٍ سمَّها "الإِعلامَ"(١) ما حاصله: ((أنَّ ما يقال: إنَّه يحكمُ بمذهبٍ من
المذاهب الأربعة باطلٌ لا أصلَ له، وكيف يُظَنُّ بنبيٍ أَنَّ يقِّدُ مجتهداً مع أنَّ [١/ق ٤١/أ] المجتهد
من آحاد هذه الأئمّة لا يجوزُ له التقليد؟! وإنما يحكمُ بالاجتهاد أو بما كان يعلمُهُ قبلُ من
شريعتنا بالوحي، أو بما تعلَّمه منها وهو في السماء، أو أنَّه ينظرُ في القرآن، فيفهمُ منه كما
كان يفهمُ نبيُّنا عليه الصلاة والسلام )) اهـ.
واقتصَرَ "السُّبكيُّ" على الأخير، وذكَرَ "منلا علي القاري": ((أنَّ الحافظ "ابن حجر العسقلانيّ"
سُئل: هل ينزلُ عيسى عليه السلام حافظاً للقرآن والسنَّة، أو يتلقَّهما عن علماءِ ذلك الزمان؟
فأجاب: لم يُنقَلْ في ذلك شيءٌ صريحٌ، والذي يليقُ بمقامه عليه السلام أنَّه يتلقَّى ذلك
عن رسول الله ﴿ّ، فيحكمُ في أمَّته كما تلقَّه منه؛ لأنّه في الحقيقة خليفةٌ عنه )) اهـ.
وما يقال: إنَّ الإِمام "المهديّ" يقلِّدُ "أبا حنيفة" ردَّهُ "منلا علي القاري" في رسالته
"المشرب الوردي في مذهب المهدي" (٢)، وقرَّرَ فيها أنَّه مجتهدٌ مطلقٌ، وردَّ فيها ما وضعه
(١) "الإعلام بحكم عيسى عليه السلام": ١٥٦/٢ (ضمن "الحاوي للفتاوى") وهي لأبي الفضل عبد الرحمن بن أبي
بكر، جلال الدين السيوطيّ (ت٩١١هـ). ("كشف الظنون" ١٢٧/١، "النور السافر" صـ ٥٤-).
(٢) "المشرب الورديّ في مذهب (حقيقة) المهدي": للملا علي بن محمد سلطان، نور الدين القاري الهَرَوِيّ
(ت ١٠١٤هـ)، ("خلاصة الأثر" ١٨٥/٣، "معجم المطبوعات" ١٧٩٤/٢).
قسم العبادات
١٨٨
حاشية ابن عابدين
وهذا يدلُّ على أمرٍ عظيمٍ اختصَّ به من بين سائر العلماء العظام، كيف لا وهو
كالصِّدِّيق ◌ِظُته،.
بعضُ الكذابين من قصَّةٍ طويلةٍ حاصلُها: أنَّ "الخضر" عليه السلام تعلَّمَ من "أبي حنيفة"
الأحكامَ الشرعيَّة، ثم علَّمها للإمام "أبي القاسم القشيريّ"، وأنَّ "القشيريّ" صنَّفَ فيها كتباً وضعها
في صندوقٍ، وأمَرَ بعض مُريديه بإلقائه في جيحون، وأنَّ عيسى عليه السلام بعد نزوله
يُخرِجُه من جيحون(١) ويحكمُ بما فيه.
وهذا كلامٌ باطلٌ لا أصلَ له، ولا تجوزُ حكايته إلاَّ لردِّهِ كما أوضحه "ط" (٢)، وأطال في
ردِّه وإبطاله، فراجعه.
[٣٧٩] (قولُهُ: وهذا) أي: ما تقدَّمَ من الأحاديث، ومن كثرة المناقب، ومن كونِ الحكم
لأصحابه وأتباعه، "ط" (٣).
[٣٨٠) (قولُهُ: سائرٍ) بمعنى باقي، أو جميع على خلافٍ بسَطَهُ في "دَرَّة الغوَّاص " (٤).
[٣٨١) (قولُهُ: كيف لا) أي: كيف لا يختصُّ بأمرٍ عظيمٍ؟
[٣٨٢] (قولُهُ: وهو كالصدِّيق) وجهُ الشبهِ أنَّ كلاً منهما ابتدأ أمراً لم يُسبَقْ إليه، فـ "أبو بكر المُّه
ابتدأ جمعَ القرآن بعد وفاته ﴿ّ بمشورةِ "عمر"، و"أبو حنيفة" ابتدأ تدوينَ الفقهِ كما قدَّمناه(٥)، أو أنَّ
"أبا بكر" أوَّلُ مَن آمن من الرجال، وفتح بابَ التصديق، كذا في حواشي "الأشباه"(٦).
(١) جَيْحون: اسمٌ أعجميٌّ لنهرِ، سُمِّي بذلك لاجتياحِهِ الأرضين، ويُسمَّى نهرَ بلخ مجازاً؛ لأَنَّه يَمُرُّ بأعمالها. "معجم
البلدان" ٢٨٨/٢.
(٢) "ط": المقدَّمة ٣٩/١.
(٣) "ط": المقدَّمة ٤٣/١.
(٤) "درَّة الغوَّاص في أوهام الخواصّ": ص٤-٥-، لأبي محمد القاسم بن علي الحريريّ البصريّ(ت٥١٦هـ). ("كشف
الظنون" ٧٤١/١، "شذرات الذهب" ٨١/٦).
(٥) المقولة [٣٣٦] قوله: ((وطحنه)).
(٦) انظر "غمز عيون البصائر": المقدّمة ٢٨/١.
الجزء الأول
١٨٩
المقدمة
له أجرُهُ وأجرُ مَنْ دوَّنَ الفقهَ وأَلَّفَهُ، وفرَّعَ أحكامَهُ على أصوله العِظامِ،
قال شيخنا "البعليُّ" في شرحه عليها(١): ((والأوَّلُ أَولى؛ لأنَّ وجه الشبهِ به أَتَمُّ، وقولُ من
٣٩/١ قال: الثاني هو الظاهرُ؛ [١/ق٤١ /ب] لأنَّ القرآن بعدما جُمِعَ لا يُتصوَّرُ جمعُهُ غيرُ ظاهرٍ، فإنّه
قد جُمِعَ ثانياً، والجامعُ له "عثمان" رضي الله تعالى عنه، فإنَّ "الصدِّيق" رضي الله تعالى عنه لم
يجمعْهُ في المصاحف، وجَمَعَهُ "عثمانُ" كما هو معروفٌ )) اهـ، تأمَّلْ.
[٣٨٣] (قولُهُ: له) أي: لـ "الإمام"، ((أجرُهُ)) أي: أجرُ عملِ نفسه، وهو تدوينُ الفقهِ
واستخراجُ فروعه، "ط" (٢).
(٣٨٤] (قولُهُ: وأجرُ) أي: ومثلُ أجرٍ من دوَّنَ الفقهَ، أي: جَمَعَهُ، وأصلُهُ من التدوين، أي:
جعلِهِ في الدِّيوان، وهو بكسرٍ وفتحٍ: اسمٌ لِما يُكتَبُ فيه أسماءُ الجيش للعطاء، وأوَّلُ مَن أحدَثَهُ
"عمرُ" ◌َُّه، ثمَّ أُرِيدَ به مطلقُ الكتب مجازاً أو منقولاً اصطلاحياً. وقولُهُ: ((وَلَّفَهُ)) عطفٌ على
((دوَّنَهُ)) من عطفِ الخاصِّ على العالمِّ. اهـ "بعلي". أي: لأنَّ التأليف جمعٌ على وجهِ الأُلفة.
(تنبيةٌ)
ورَدَ في "الصحيح": ((أنّه لا تُقْتَلُ نفسٌ ظلماً إلاَّ كان على ابنِ آدمَ الأوَّلِ كِفلٌ منها))(٣)،
و(«مَن سنَّ سنَّةً حسنةً كان له أجرُها وأجرُ مَن عمل بها إلى يوم القيامة من غير أنْ ينقُصَ من
أجورهم شيءٌ، ومن سنَّ سنَّةً سيئةً كان عليه وِزرُها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير
(١) المسمَّى "التحقيق الباهر شرح الأشباه والنظائر"، والبَعْليُّ هو محمَّدٌ بن محمد بن يحيى، هبة الله التاجي
(ت١٢٢٤ هـ). ("إيضاح المكنون" ٢٦٤/١، "هديّة العارفين" ٣٥٦/٢، "أعيان دمشق" للشطي صـ ٢٩٠-، "فهرس
مخطوطات الظاهرية" - الفقه الحنفي ١٥٢/١).
(٢) "ط": المقدَّمة ٤٣/١.
(٣) أخرجه أحمدُ ٣٨٣/١، ٤٣٠، والبخاري (٦٨٦٧) كتاب الديات - باب قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾، ومسلم
(١٦٧٧) كتاب القسامة - باب بيان إثم مَن سَنَّ القتل، والترمذي(٢٦٧٣) كتاب العلم - باب ما جاء: الدالُّ
على الخير كفاعله، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، والنسائي ٨١/٧-٨٢ كتاب تحريم الدم، وابن ماجه
(٢٦١٦) كتاب الديات - باب التغليظ في قتل المسلم ظلماً، كلُّهم من حديث عبد الله بن مسعود لُه.
قسم العبادات
١٩٠
حاشية ابن عابدين
إلى يوم الحشر والقيام، وقد اتّبعَهُ على مذهبه كثيرٌ من الأولياء الكرام،.
أنْ ينقُص من أوزارهم شيءٌ))(١)، و(( من دلَّ على خيرِ فله مثلُ أجر فاعله)) الحديثَ(٢).
قال العلماءُ: هذه الأحاديثُ من قواعد الإسلام، وهو أنَّ كل مَن ابتدَعَ شيئاً من الشرِّ
كان عليه مثلُ وزرِ مَن اقتدى به في ذلك، فعَمِلَ مثلَ عمله إلى يوم القيامة، وكلَّ مَن ابتدع شيئاً
من الخير كان له مثلُ أجرِ كلِّ مَن يعملُ به إلى يوم القيامة، وتمامُهُ في آخر "عمدة المريد"
"(٣) .
لـ "اللقانى"(
[٣٨٥] (قولُهُ: إلى يومِ الحشر) تنازَعَ فيه كلٌّ من ((دَوَّن)) و((أَلَّف)) و((فَرَّع)).
[٣٨٦] (قولُهُ: وقد اتَّبَعَهُ) عطفٌ على قوله: ((وهو كالصدِّيق))، أي: كيف لا يختصُّ وقد
اتَّبعه إلخ؟! والأَّبَاعُ تقليدُهُ فيما قاله، "ط "(٤).
[٣٨٧) (قولُهُ: من الأولياءِ) متعلّقٌ بمحذوف صفةٍ لـ ((كثيرٌ)) للبيان. والوليُّ: فعيلٌ بمعنى
الفاعل، وهو مَن توالتْ طاعته من غيرِ أنْ يتخلَّلها عصيانٌ، أو بمعنى المفعول، فهو مَن يتوالى
عليه إحسانُ الله تعالى وأفضاله، "تعريفات السيِّد"(٥).
(١) أخرجه أحمد ٣٥٧/٤-٣٥٩، ومسلم (١٠١٧) كتاب الزَّكاة - باب الحثّ على الصدقة ولو بشِقِّ تمرةٍ،
والترمذي (٢٦٧٥) كتاب العلم - باب ما جاء فيمَن دعا إلى هدىًّ فاتبع، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ،
والنسائي ٧٥/٥ -٧٧ كتاب الزكاة - باب التحريض على الصدقة، وابن ماجه (٢٠٣) في المقدِّمة - باب من سَنَّ
سنّةً حسنةً أو سيئةً عن جرير بن عبد الله البجلي مرفوعاً، وفي الباب عن حذيفةڅه .
(٢) أخرجه أحمد ١٢٠/٤، ومسلم (١٨٩٣) كتاب الإمارة - باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله، وأبو داود
(٥١٣٩) كتاب الأدب - باب في الدالِّ على الخير، والترمذي (٢٦٧١) كتاب العلم - باب ما جاء: الدالُّ على
الخير كفاعله، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، والطبرانيُّ في "المعجم الكبير" ٦٢٢/١٧-٦٢٧ ، كلُّهم من
حديث أبي مسعودٍ الأنصاري البدري ﴾، وفي الباب عن أنس بن مالك، وبريدة رضي الله عنهما.
(٣) تقدمت الترجمة صـ١٤٩ -.
(٤) "ط": المقدّمة ٤٣/١.
(٥) "التعريفات": صـ٢٢٧ -.
الجزء الأول
١٩١
المقدمة
ممن أَتَّصَفَ بثبات المجاهدة، وركَضَ في ميدان المشاهدة، كـ "إبراهيم بن أدهم"، ..
ولا بدَّ من تحقَّقِ الوصفين حتى يكونَ وليًّاً في نفس الأمر، فيشترطُ فيه كونُه محفوظاً
كما يشترطُ في النبيِّ كونُهُ معصوماً كما في "رسالة الإمام القشيريٍّ" (١).
[٣٨٨] (قولُهُ: ممن أَنَّصفَ) [١/ق٤٢/أ] بدلٌ من قوله: ((من الأولياءِ))، أو حالٌ.
[٣٨٩] (قولُهُ: بثباتِ المجاهدةِ) من إضافةِ الصفة إلى موصوفها، أي: المجاهدةِ الثابتة، أي:
الدائمةِ، والمجاهدةُ لغةً: المحاربةُ، وفي الشرع: محاربةُ النفس الأمَّارةِ بالسوء بتحمُّلِها ما يشُقُّ عليها
مما هو مطلوبٌ في الشرع، "تعريفات"(٢).
وقد ورَدَ تسميةُ ذلك بالجهاد الأكبرِ كما في "الإحياء"(٣)، قال "العراقيُّ": ((رواه
"البيهقيُّ" بسندٍ ضعيفٍ عن "جابر"، ورواه "الخطيب" في "تاريخه" عن "جابر" بلفظِ: قدِمَ النبيُّ ◌ِ
من غُزاةٍ، فقال عليه الصلاة والسلام: (( قدِمْتُم خيرَ مَقْدَمٍ، وقدِمْتُم من الجهاد الأصغرِ إلى الجهاد
الأكبر))، قالوا: وما الجهادُ الأكبر؟ قال: ((مجاهدةُ العبدِ هواه))(٤))) اهـ.
[٣٩٠] (قولُهُ: المشاهدةِ) أي: مشاهدةِ الحقِّ تعالى بآثاره.
[٣٩١] (قولُهُ: كـ "إبراهيم بن أدهم) بنِ "منصورِ البلخيِّ"، كان من أبناءِ الملوك، خرَجَ متصيِّداً،
فهتَفَ به هاتفٌ: ألهذا خُلقتَ؟ فنزل عن داَّته، وأخذ جبَّةَ راعٍ، وسار حتى دخل مكةً، ثم أتى
الشامَ، ومات بها، كذا في "رسالة القشيريٍّ"(٥).
(١) "الرسالة القشيريَّة": باب الولاية ٥٢١/٢، وسيأتي التعريف بها وبمؤلفها صـ ١٩٧-١٩٨ -.
(٢) "التعريفات": صـ٨٨-
(٣) "الإحياء": كتاب شرح عجائب القلب - بيان أمثلةِ القلب مع جنوده الباطنة ١٤/٣.
(٤) أخرجَهُ البيهقيُّ في "الزهد الكبير" (٣٧٣) صـ١٦٥-، وقال: هذا إسنادٌ فيه ضعفٌ، والخطيبُ في "تاريخه" ٥٢٣/١٣
-٥٢٤، وفي إسناده خلفُ بن محمد الخَيَّام، وهو ضعيفٌ جداً، قال الحافظ ابنُ حجرٍ في "الكاف الشاف" صـ١١٤ - بعدَ
أنْ عزاه للبيهقي: ((قلت: هو من روايةٌ عيسى بن إبراهيم عن يحيى بن يعلى عن ليث بن أبي سليم، والثلاثةُ ضعفاء،
وأورَدَهُ النسائيُّ في "الكنى" من قول إبراهيم بن أبي عبلة أحدٍ التابعين من أهل الشام)) اهـ. فالحديثُ ضعيفٌ جداً
مرفوعاً، والصوابُ فيه أنَّه من قول ابن أبي عبلة كما ذكرَهُ ابن حجر، وأورَدَهُ المزي في "تهذيب الكمال" ١٤٤/٢.
(٥) "الرسالة القشيريَّة":٥٤/١.
قسم العبادات
١٩٢
حاشية ابن عابدين
و"شقيق البَلْخِيِّ"، و"معروف الكرخيِّ"، و"أبي يزيدَ البسطاميِّ"، و"فضيلِ بن
عياضٍ"، و"داود الطائيّ"،.
[٣٩٢] (قولُهُ: و"شقيقِ البلخيِّ") بنِ "إبراهيم"، الزاهدِ العابد المشهور، صحِبَ "أبا
يوسف" القاضي، وقرأ عليه "كتاب الصلاة"، ذكرَهُ "أبو اللَّيث" في "المقدّمة" (١)، وهو أستاذُ
"حاتم الأصمِّ"، وصحِبَ "إبراهيم بن أدهم"، مات شهيداً سنةً (١٩٤)، "تميمي"(٢).
[٣٩٣] (قولُهُ: و"معروف الكرخيِّ") بنِ "فيروز"، من المشايخِ الكبار، محابُ الدعوة،
يُستسقى بقبره، وهو أستاذُ "السَّرِيِّ السَّقَطَيِّ"، مات سنةَ (٢٠٠).
[٣٩٤] (قولُهُ: و"أبي يزيدَ البسطامي") شيخُ المشايخ، وذو القَدَمِ الراسخ، واسمه: "طيفورُ
بن عيسى"، كان جدُّهُ محوسياً وأسلَمَ، مات سنةً (٢٦١).
(٣٩٥] (قولُهُ: و"فضيلِ بن عياضٍ") الخراسانيِّ، رُوِيَ: أَنَّ كان يقطعُ الطريقَ، وأَنَّه عشِقَ جاريةً،
وارتقى جداراً لها، فسمع تالياً يتلو: ﴿﴿ أَلَمَّ ◌َأَنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوَأْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد-١٦]،
فتاب ورجع، فورَدَ مكةَ، وجاوَرَ بها الحرمَ، ومات بها سنةَ (١٨٧)، "رسالة القشيريٍّ"(٢).
وذكَرَ "الصيمريُّ"(٤): (( أَنَّه أخَذَ الفقهَ عن "أبي حنيفة"))، وروى عنه "الشافعيُّ"، فأخَذَ
عن إمامٍ عظيمٍ، وأخذ عنه إمامٌ عظيمٌ، وروى له إمامان عظيمان: "البخاريُّ" و"مسلمٌ"،
وترجمه "التميميُّ" (٥) وغيره بترجمةٍ حافلةٍ.
[٣٩٦] (قولُهُ: و"داودَ الطائيّ") هو: ابنُ نصرِ بنِ[١ /ق٤٢ /ب] نصير بن سليمان الكوميُّ
الطائيُّ، العالم العامل الزاهد العابد، أحدُ أصحاب "الإِمام"، كان ممن شغَلَ نفسه بالعلم،
(١) "مقدمة الصلاة": ق١٢/ب، لأبي الليث نصر بن محمد السَّمَرْ قَنْدِيّ(ت٣٧٣هـ) على الراجح. ("كشف الظنون"
١٧٩٥/٢، "الفوائد البهية" صـ ٢٢٠-، "فهرس مخطوطات الظاهرية"- الفقه الحنفي ١٨٩/٢).
(٢) "الطبقات السنيّة": ٧٤/٤.
(٣) "الرسالة القشيريَّة": ٦٢/١.
(٤) أبو عبد الله الحسين بن علي بن محمد الصَّمريّ(ت٤٣٦هـ)، في كتابه "أخبار أبي حنيفة وأصحابه": صـ ١٥٢ -.
(انظر "الجواهر المضيَّة" ١١٦/٢، و"تاج التراجم" صـ ٩٣-).
(٥) ليس في القسمِ المطبوع منه، والله أعلم.
الجزء الأول
١٩٣
المقدمة
و "أبي حامد اللفّاف"، و"خلفِ بن أيوبَ"، و"عبد الله بن المبارك"،.
ودَرَسَ الفقهَ وغيرَهُ، ثمَّ اختار العزلةَ ولزُومَ العبادة، قال "محاربُ بن دثارِ"(١): ((لو كان "داودُ" في
الأمم الماضية لقَصَّ الله تعالى علينا من خبره))، قال "أبو نُعيمٍ)"(٢): ((مات سنةَ (١٦٠))).
[٣٩٧] (قولُهُ: و"أبي حامد اللغَّاف") هو "أحمدُ بن خضرويه" البلخيُّ، من كبارِ مشايخ
خراسان(٣)، مات سنةَ (٢٤٠)، "رسالة" (٤).
[٣٩٨] (قولُهُ: و"خلَفِ بن أيوبَ") من أصحاب "محمَّدٍ" و"زفرَ"، وتفقّهَ على "أبي
يوسف" أيضاً، وأخذ الزهدَ عن "إبراهيم بن أدهم"، وصحِبَهُ مدَّةً، واختلف في وفاته،
والأصحُّ أَنَّه سنةَ (٢١٥) كما ذكَرَهُ "التميميُّ" (٥)، ورُوِيَ عنه أَنَّه قال: ((صار العلمُ من الله
إلى محمَّدٍ ﴿، ثم صار إلى الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ثم صار إلى التابعين، ثم صار إلى
"أبي حنيفة"، فمَن شاء فليرضَ، ومَن شاء فليسخطْ ))(٦).
[٣٩٩) (قولُهُ: و"عبدِ الله بنِ المبارك") الزاهدِ الفقيهِ المحدِّثِ، أحدِ الأئمَّة، جَمَعَ الفقه والأدب
والنحو واللغة والفصاحة والورع والعبادة، وصنْفَ الكتبَ الكثيرة، قال "الذهبي(٧): ((هو
أحدُ أركان هذه الأمَّةِ في العلم والحديث والزهد، وأحدُ شيوخ الإمام "أحمد"، أخَذَ عن
"أبي حنيفة"، ومدحَهُ في مواضعَ كثيرةٍ، وشهِدَ له الأئمّة، مات سنةَ (١٨١))). وترجمه
"التميميُّ(٨) بترجمةٍ حافلةٍ، وذكَرَ من محاسنِ أخباره ما يأخُذُ بمجامعِ العقل، وله رواياتٌ
٤٠/١
(١) أبو المطرّف مُحَارِب بن دِثَّار كُرْدُوس السَّدُوْسيّ الشيبانيّ الكوفيّ القاضي(ت١١٦هـ). ("تهذيب التهذيب"
٥٠/١٠، "شذرات الذهب" ٧٧/٢).
(٢) "حلية الأولياء": ٣٦١/٧.
(٣) خراسان: بلادٌ واسعةٌ، من أمَّات بلادها: نَيْسابورُ، وهَرَاةِ، ومَرْو، وَبَلْخ، وطَالِقَان، وأَيْوَرْد، وسَرْخَس. "مراصد الاطلاع" ٤٥٥/١.
(٤) "الرسالة القشيريَّة": ١٠٣/١.
(٥) "الطبقات السنيَّة": ٢٠٩/٣.
(٦) أخرجه الخطيبُ في "التاريخ": ٣٣٦/١٣.
(٧) انظر ترجمة الذهبي له في "تذكر الحفاظ" ٢٧٤/١، و"سير أعلام النبلاء" ٣٧٨/٨.
(٨) انظر "الطبقات السنيّة": ١٨١/٤.
قسم العبادات
١٩٤
حاشية ابن عابدين
و"وكيع بن الجرَّاح"، و"أبي بكر الورَّاق".
كثيرةٌ في فروع المذهب ذُكِرتْ في المطوّلات.
[٤٠٠] (قولُهُ: و"وكيعِ بن الجرّاح") بنِ مليح بن عدي الكوفي، شيخ الإسلام، وأحدُ
الأئمّة الأعلام.
قال "يحيى بن أكثم"(١): ((كان "وكيعٌ" يصومُ الدهر، ويختمُ القرآنَ كلَّ ليلةٍ ))، وقال
"ابنُ معينِ"(٢): (( ما رأيتُ أفضلَ منه، قيل له: ولا "ابنُ المبارك" ؟ قال: كان لـ "ابن المبارك"
فضلٌ، ولكنْ ما رأيتُ أفضلَ من "وكيع"، كان يستقبلُ القِبلة، ويَسْرُدُ الصوم، ويفتي بقول "أبي
حنيفة"))، وكان قد سمع منه شيئاً كثيراً، قال: ((وكان "يحيى بن سعيد". القطان(٣) يفتي
بقوله أيضاً ))، مات سنةَ (١٩٨)، وهو من شيوخ "الشافعيِّ" و"أحمدَ"، "تميمي" (٤).
(٤٠١] (قولُهُ: و"أبي بكرٍ الورَّاق") هو "محمدُ بن عمرٍو" الترمذي، أقامَ ببلخ(٥)، وصحِبَ
"أحمدَ بن خضرويه"، وله تصانيفُ في الرِّياضات، "رسالة"(٦). وفي "طبقات التميميٍّ"(٧):
(( "أحمدُ بن عليٍّ" أبو بكر الورَّاق [١/ق٤٣/أ] ذكَرَهُ أبو فرجِ "محمَّدُ بن إسحاق(٨)) في جملةٍ
(١) أبو محمد يحيى بن أَكْثُم التَّميميّ الأُسَيِّديّ المَرْوَزيّ القاضي الفقيه (ت٢٤٢هـ). ("تاريخ بغداد" ١٩١/١٤،
"الجواهر المضية" ٥٨٢/٣، واسم أبيه فيه ((أكتم)) بالتاء المثناة، وفي كتب رجال الحديث ((أكثم)) بالثاء المثلثة، ما
عدا "التاريخ الكبير"للبخاري، الجزء الرابع - القسم الثاني (٢٦٣).
(٢) أبو زكريا يحيى بن مَعِين البغداديّ(ت٢٣٣هـ)، إمام الجرح والتعديل. ("تاريخ بغداد ١٧٧/١٤، "تهذيب
التهذيب" ٢٨٠/١١).
(٣) الحافظ أبو سعيد يحيى بن سعيد بن فَرّوخ القطان التَّميميّ البصريّ(ت١٩٨هـ). ("تاريخ بغداد"١٣٥/١٤،
"الجواهر المضية" ٥٨٧/٣).
(٤) ليس في القسم المطبوع منه.
(٥) بلخ: مدينةٌ مشهورةٌ بخراسان من أجلها وأشهرِها ذكراً، ويقال لجيحون: نهرُ بَلْخ؛ لأَنَّه يمرُّ فيها. "مراصد الاطلاع" ٢١٧/١.
(٦) "الرسالة القشيريَّة": ١٣٩/١.
(٧) "الطبقات السنية": ٤١٢/١.
(٨) "الفهرست": صـ٢٦١ - لأبي الفرج محمد بن إسحاق المعروف بالنِّدِيم - وقيل: ابن النَّدِيم - (ت٤٣٨هـ). ("معجم
الأدباء" ٤٠٨/٦، "الأعلام" ٢٩/٦).
الجزء الأول
١٩٥
المقدمة
وغيرهم ممن لا يحصى.
أصحابنا بعد أنْ ذكَرَ "الكرخيّ"، فقال: وله من الكتب "شرحُ مختصر الطحاويِّ" ))، وذكَرَ في
"القنية" (١): (( أَنَّه خرَجَ حاجًّاً، فلمَّا سارَ مرحلةً قال لأصحابه: رُدُّوني، ارتكبتُ سبعَمائةٍ كبيرةٍ في
مرحلةٍ واحدٍ، فرَدُّوه )) اهـ.
[٤٠٢] (قولُهُ: وغيرِهم) كالإِمام العارف المشهور بالزهد والورع والتقشُّفِ والتقلُّل "حاتم
الأصمّ"، أحدِ أتباع "الإمام الأعظم"، له كلامٌ مدوَّنٌ في الزهد والحِكَم، سأله "أحمدُ بن
حنبل" قال: ((أخبِرْني يا "حاتم"، بِمَ (٢) التخلُّصُ من الناس؟ فقال: يا "أحمدُ"، في ثلاثٍ
خصالٍ: أَنْ تعطيَهم مالَكَ ولا تأخذَ من مالهم شيئاً، وتقضيَ حقوقهم ولا تستقضيَ أحداً
ء
(١) القنية: كتاب الحج - باب فيما يلزم الحج ق٣٢/ب.
واسمه "قنية المنية لتتميم الغنية"، "القنية" لأبي الرَّجاء مختارِ بن محمود، نجم الدين الزاهديّ الغَزْمينيّ(ت٦٥٨هـ).
("كشف الظنون" ١٣٥٧/٢، "الجواهر المضيّة" ٤٦٠/٣، "هديَّة العارفين" ٤٢٣/٢، "الفوائد البهيَّة" صـ٢١٢-)،
اختصَرَها من "البحر المحيط" الموسوم بـ "منية الفقهاء" لشيخه بديع بن أبي منصور، فخر الدين العراقيّ (ت٦٦٨هـ)
كما ذكر في مقدِّمة "القنية"، وانظر "كشف الظنون"١٨٨٦/٢، ١٣٥٧/٢، ووقَعَ في "الفوائد البهيّة" صـ٥٤ -:
((بديع بن منصور القُزّبْني))، لكن في هامش "الفوائد البهيّة": ((ذكرَهُ شمسُ الدين محمد بن علي بن أحمد الدَّاوديّ
المالكيّ تلميذُ السيوطيِّ في "طبقات المفسِّرِين"، وسَمَّاه أحمدَ بن أبي بكر بن عبد الوهاب أبا عبد الله بديع الدين القزَبنيّ
الحنفيّ، وقال: كان مقيماً بسيواس سـ٦٢٠-نة هـ)). اهـ. وكذلك سَمَّاه في "هديّة العارفين" ١١٦/١: ((أحمد بن أبي
بكر ..... ))، وذكَّرَ أَنَّه أستاذُ الزاهدي وصاحبُ "البحر المحيط" المسمَّى بـ"منية الفقهاء"، وذكر أنّه توفي سـ١٩٤ سنة هـ،
وهو خطأ؛ إذ تذكُرُ كتبُ التراجم أنَّه توفي سـ٦٨ ٦ سنة هـ، ثُمَّ إِنَّ تلميذه الزاهديَّ توفي س٦٥٨سنة هـ.
نقول: ولعلَّ في المسألة لَيْساً بين هذين العَلَمين؛ إذ الفرقُ كبيرٌ وواضحٌ بين بديعِ بن أبي منصور - كما صرَّحَ به
في مقدِّمة "القنية" - وأحمدَ بن أبي بكر بن عبد الوهّاب، والكتاب نُسِبَ لكليهما، فليتأمّل.
و "منيةُ الفقهاء" تَمَّمَ به مؤلّفُهُ كتابَ "غنية الفقهاء" ليوسف بن أبي سعيد أحمد السِّحِسْتَانيّ المتوفى بعد سـ٦٣٨ سنة هـ.
("كشف الظنون" ١٢١١/١، "هديّة العارفين" ٥٥٤/٢، "معجم المؤلفين" ١٤٢/٤)، ووقَعَ في "تاج التراجم"
صـ٦ ٢٨ -، و"الأعلام" ٢١٤/٨: ((يوسف بن أبي سعيد بن أحمد))، والله أعلم بالصواب، والموفّقُ للرَّشاد. وسيذكر
ابن عابدين: في المقولة [٥٤٨] قوله: ((في "القنية" وغيرها)). أنَّ "القنية" كتاب مشهور بضعف الرواية.
(٢) في "ب" و"م": ((فیم)).
قسم العبادات
١٩٦
حاشية ابن عابدين
لُبُعْدِهِ عن أنْ يُستقصَى، فلو وجَدُوا فيه شبهةً ما اتّبعوه، ولا اقْتَدَوا به ولا وافقوه،
وقد قال الأستاذُ "أبو القاسم القشيريُّ".
منهم حقاً لك، وتحتملَ مكروههم ولا تُكْرِهَ أحداً منهم على شيءٍ، فأطرَقَ "أحمد"، ثمَّ رفع
رأسه، فقال: يا "حاتم"، إنَّها لشديدةٌ، فقال له "حاتمٌ": ولَيْتَكَ تسلمُ)).
ومنهم ختمُ دائرةِ الولاية قطبُ الوجود سيدي "محمد الشاذلي البكري" الشهيرُ بالحنفيِّ
الفقيهِ الواعظ، أحدُ مَن صرَّفَهُ الله تعالى في الكون، ومكَّنه من الأحوال، ونطق بالمغَّيات،
وخُرِقَ له العوايد، وقُلِبَ له الأعيان، وترحَمَهُ بعضُهم(١) في محلَّدين، فقال العارف
"الشعرانيُّ))(٢): ((إنّه لم يُحِطْ عِلمً بمقامه حتَّى يتكلَّمَ عليه، وإنما ذكَرَ بعضَ أمورٍ على
طريق أرباب التواريخ، توفي سنةَ (٨٤٧) )).
[٤٠٣] (قولُهُ: لِبُعْدِهِ) علَّةٌ لقوله: ((لا يُحصَى))، وحَذَف ((مِن)) قبلَ قوله: ((أنْ يُستقصَى))
الأمنِ اللَّيْس، وهو شائعٌ مطّردٌ، أي: لا يمكنُ إحصاؤه لتباعده من طلبِ استقصائه، أي: غايتِهِ
ومنتهاه.
والتعبيرُ بقوله: (( لا يُحصَى)) أبلغُ من قولنا: لا يُعَدُّ؛ لأنَّ العدَّ أنْ تَعُدَّ فرداً فرداً، والإحصاءُ
يكون للحُمل، ولذا قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّ وانِعْمَتَ الهِ لَا تُحْصُوهَاً﴾ [إبراهيم - ٣٤]، معناه
- والله أعلم -: إنْ أردتُم عدَّها فلا تقدروا على إحصائها فضلاً عن العدِّ، كذا أفاده الإمام
"النسفيُّ" في "المستصفى"(٣).
[٤٠٤] (قولُهُ: "أبو القاسم") تلك كنيتُه، واسمه "عبدُ الكريم بن هوازن" الحافظ المفسِّرُ
(١) هو الشيخ علي بن عمر، نور الدين البَتْنُونيّ، ثُمَّ الأبوصيريّ المصريّ(ت بعد ٩٠٠هـ)، واسم كتابه "السر الصفيّ
في مناقب سيدي محمد الحنفي" وهو مطبوع. ("الأعلام" ٣١٦/٤، ٨٨/٦، "معجم المطبوعات" ٤٤/١).
(٢) "الطبقات الكبرى": ٨٩/٢ بتصرف.
(٣) "المستصفى": لأبي البركات عبد الله بن أحمد بن محمود، حافظ الدين النَّسفيّ(ت٧١٠هـ) شرَحَ به "منظومة
النسفيِّ في الخلاف" لأبي حفص عمر بن محمد النِّسفيّ(ت٥٣٧هـ)، ثمَّ اختصرَهُ وسَمَّه "المصفُّى". ("كشف
الظنون" ١٨٦٧/٢، "الجواهر المضيَّة" ٢٩٤/٢، ٦٥٧).
الجزء الأول
١٩٧
المقدمة
في "رسالته" مع صلابته في مذهبه وتقدُّمِهِ في هذه الطريقة: ((سمعتُ الأستاذَ "أبا
عليِّ الدقَّاقَ" يقول: أنا أخذتُ هذه الطريقةَ من "أبي القاسم النصراباذيّ"، وقال
"أبو القاسم": أنا أخذتُها من "الشِّبلي"، وهو أخَذَها من "السَّرِيِّ السَّقَطيِّ"، وهو
من "معروف الكرخيّ"، وهو من "داودَ الطائيِّ"، وهو أخَذَ العلمَ والطريقة.
الفقيهُ، النحويُّ اللغويُّ الأديب الكاتب، القشيريُّ الشجاع البطل، لمْ يَرَ مثلَ نفسِهِ، ولا
رأى الراؤون مثلَهُ، وإنَّه الجامعُ لأنواعٍ المحاسن، ولد سنةَ (٣٧٧)، وسمع الحديثَ من
"الحاكم" وغيره، ورَوَى عنه "الخطيب" وغيرُهُ، وصَنَّف التصانيفَ الشهيرة، وتوفي سنةً
(٤٦٥)، "ط"(١) عن "الزرقاني" على "المواهب"(٢).
[٤٠٥] (قولُهُ: في "رسالته") أي: التي كتبها إلى جماعةِ الصوفيّة ببلدانٍ [١/ق٤٣/ب]
الإسلام سنةَ (٤٣٧)، ذكَرَ فيها مشايخ الطريقة، وفسَّرَ ألفاظاً تدورُ بينهم بعباراتٍ أنيقةٍ.
(٤٠٦] (قولُهُ: مع صلايتِهِ) أي: قوَّتِهِ وتمكُّتِهِ، "ط)"(٣).
[٤٠٧] (قولُهُ: في مذهبه) وهو مذهبُ الإمام "الشافعيِّ" رضي الله تعالى عنه، أو طريقةُ أهلِ
الحقيقة، "ط "(٤).
[٤٠٨] (قولُهُ: سمعتُ إلخ) مقولُ القول، وأبو علىٍّ هو "الحسنُ بن علي الدقّاق"، وأبو
القاسم هو "إبراهيمُ بن محمد النّصْراباذي"(٥)، بالذال المعجمة، شيخُ خراسان، جاوَرَ بمكةً
(١) "ط": المقدَّمة ٤٤/١.
(٢) "شرح الزرقانيِّ على المواهب اللدنية": يوم الرجيع ٦٩/٢، والزرقانيُّ هو أبو عبد الله محمَّد بن عبد الباقي بن
يوسف المصريّ المالكيّ (ت١١٢٢ هـ). ("كشف الظنون" ١٨٩٧/٢، "سلك الدرر" ٣٢/٤).
(٣) "ط": المقدَّمة ٤٤/١.
(٤) "ط": المقدَّمة ٤٤/١ بتصرف.
(٥) في "الأصل" و"ب": ((النصر باذي)) دون الألف الأولى، والصوابُ ما أثبتناه، قال في "اللباب في تهذيب الأنساب" ٣١٠/٣:
((النصراباذي: بفتح النون وسكون الصاد وفتح الراء وسكون الألفين بينهما باءٌ موحَّدٌ وفي آخرِها ذالٌ معجمةٌ)).
قسم العبادات
١٩٨
حاشية ابن عابدين
من "أبي حنيفة"، وكلٌّ منهم أثْنَى عليه وأقرَّ بفضله )).
فعَجَباً لك يا أخي! ألم يكنْ لك أسوةٌ حسنةٌ في هؤلاء الساداتِ الكبار؟ أكانوا
متهمين في هذا الإقرار والافتخار،.
ومات بها سنةَ (٣٦٧)، والشِّبليُّ هو الإمام أبو بكرِ "دلف الشبليُّ" البغداديُّ، المالكيُّ
المذهب، صحِبَ "الجنيد"، مات سنةَ (٣٣٤)، والسَّرِيُّ هو "أبو الحسن بن مغلِّس
السَّقَطِيُّ"، خالُ "الجنيد" وأستاذُهُ، توفي سنةَ (٢٥٧).
[٤٠٩] (قولُهُ: من "أبي حنيفة") هو فارسُ هذا الميدان، فإنَّ مبنى علمِ الحقيقةِ على العلم
والعمل وتصفيةِ النفس، وقد وصَفَهُ بذلك عامَّةُ السَّلف، فقال "أحمد بن حنبل" في حقّه:
(( إِنَّه كان من العلم والورع والزُّهد وإيثار الآخرة بمحلٍّ لا يدركُهُ أحدٌ، ولقد ضُرِبَ
بالسِّيَاط ◌ِيَلِيَ القضاءَ فلم يفعل ))، وقال "عبد الله بن المبارك" : ((ليس أحدٌ أحقَّ أنْ يُقتدَى
به من "أبي حنيفة"؛ لأَنَّه كان إماماً تقيّاً نقيّاً وَرِعاً عالماً فقيهاً، كشَفَ العلمَ كشفاً لم
يكشفْهُ أحدٌ ببصرٍ وفهمٍ وفطنةٍ وتُقَىَّ ))، وقال "الثوريُّ" لِمَنْ قال له: جئتُ مِنْ عند "أبي
حنيفة": ((لقد جئتَ من عند أعبدِ أهل الأرض))، وأمثالُ ذلك مما نقله "ابن حجر"(١)
وغيرُهُ من العلماء الأثبات.
٤١/١
[٤١٠] (قولُهُ: فعجباً) هو مفعولٌ مطلقٌ، أي: فأعجَبُ منك عجباً، وهذا الخطابُ لمن أنكَرَ
فضلَه، أو خالَفَ قوله، "ط" (٢).
[٤١١] (قولُهُ: ألم يكنْ) استفهامٌ تقريريٌّ بما بعد النفي، أو هو إنكاريٌّ بمعنى النفي كالذي بعده.
[٤١٢] (قولُهُ: أسوةٌ) بكسر الهمزة وضمِّها، أي: قدوةٌ(٣).
(٤١٣] (قولُهُ: في هؤلاء) متعلّقٌ بـ ((أسوةٌ))، و((في)) بمعنى الباء، أو للظرفَّة المجازيَّة على
(١) "الخيرات الحسان": الفصل الرابع عشر صـ٤١- وما بعدها.
(٢) "ط": المقدِّمة ٤٤/١.
(٣) انظر "القاموس": مادَّة ((أسو)).
الجزء الأول
١٩٩
المقدمة
وهم أئمَّةُ هذه الطريقة، وأرباب هذه الشريعةِ والحقيقة، ومَنْ بعدَهم في هذا الأمر
فلهُمْ تَبَعٌ، وكلُّ ما خَالَفَ ما اعتمدوه مردودٌ ومبتدَعٌ؟! وبالجملة فليس "أبو حنيفة"
في زُهدِهِ وَوَرَعه وعبادته وعلمه وفهمه بمشارَكٍ، ومما قال فيه "ابنُ المبارك" وَهُه .......
حدِّ قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾ [الأحزاب - ٢١].
[٤١٤] (قولُهُ: وهم أئمَّةُ هذه الطريقةِ إلخ) في رسالة "الفتوحات" للقاضي "زكريا"(١):
(( الطريقةُ: سلوكُ طريقِ الشريعة، والشريعةُ: أعمالٌ شرعيَّةٌ محدودةٌ، وهما والحقيقةُ ثلاثةٌ
متلازمةٌ؛ لأنَّ الطريق إليه تعالى ظاهرٌ وباطنٌ، فظاهرُها الطريقةُ والشريعةُ، وباطنُها الحقيقةُ،
فبطونُ الحقيقة في الشريعة والطريقة كَبُطُون الزبد في لبنه، لا يُظْفَرُ بزبده بدون مخضه،
والمرادُ من الثلاثة إقامةُ العبوديَّة على الوجهِ المراد من العبد)). اهـ "ابن عبد الرزاق".
[٤١٥] (قولُهُ: ومَنْ بعدهم) أي: مَنْ أتى بعدَ هؤلاء الأئمَّةِ في الزمان سالكاً في هذا الأمرِ -
وهو علمُ الشريعة [١/ق ٤٤/أ] والحقيقة - فهو تابعٌ لهم؛ إذْ هم الأئمَّةُ فيه، فيكونُ فخرُهُ باتّصالِ
سنده بهذا "الإِمام" كما كان ذلك فخرَ الأئمّة المذكورين الذين افتخروا بذلك، وتبعوه في
حقيقته ومشربه، واقتدى كثيرٌ منهم بطريقته ومذهبه.
[٤١٦] (قولُهُ: فَلَهُمْ) متعلّقٌ بقوله: ((تَعٌ))، وهو بالتحريك بمعنى تابع، خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ،
والجملةُ خبرُ ((مَنْ))، ودخلت عليها الفاءُ لأنَّ ((مَنْ)) فيها معنى العموم، فأشبهت الشرطيّةَ.
[٤١٧] (قولُهُ: وكلُّ ما) أي: كلُّ رأيٍ.
[٤١٨] (قولُهُ: ما اعتمدوه) من الثناءِ عليه والافتخارِ به من حيث أخذُ عِلْمِ الحقيقة عنه.
[٤١٩] (قولُهُ: ومُبتدَعٌ) بالبناء للمفعول، أي: مُحْدَثٌ لم يُسبَقْ بنظيرٍ.
[٤٢٠] (قولُهُ: وبالجملة) أي: وأقولُ قولاً ملتبساً بالجملة، أي: جملةٍ ما يقال في هذا المقام.
(١) "الفتوحات الإلهيّة في نفع أرواح الذوات الإنسانيَّة": للقاضي أبي يحيى زكريًّا بن محمد بن أحمد، زين الدين
الأنصاريّ السُّنَيْكيّ المصريّ الشافعيّ(ت٩٢٦هـ، وقيل: ٩٢٥، وقيل: ٩٢٨). ("إيضاح المكنون" ١٧٧/٢،
"الكواكب السائرة" ١٩٦/١).
قسم العبادات
٢٠٠
حاشية ابن عابدين
[ وافر ]
إمامُ المسلمين "أبو حنيفةٌ"
لقد زانَ البلادَ ومَنْ عليها
بأحكامٍ وآثارٍ ..
....
[٤٢١] (قولُهُ: لقد زانَ البلادَ إلخ) من الزَّيْن، وهو ضدُّ الشَّيْن، يقال: زانَهُ وأزانَهُ وزيَّنه
وَأَزْينَهُ كما في "القاموس"(١)، والبلادُ: جمعُ بلدٍ، كلٌّ قطعةٍ من الأرض مستحِيْزَةٍ عامرةٍ أو
غامرةٍ، "قاموس"(٢). و((مَنْ عليها)) أهلُها.
وقولُهُ: ((بأحكامٍ)) متعلّقٌ بـ ((زانَ))، ووجهُ ذلك أنَّ استنباط الأحكام الشرعيَّة
وتدوينها وتعليمَها للناس سببٌ للعمل بها، ولا شكَّ أنَّ الانقياد للأحكام الشرعيَّة وعملَ
الحُكَّامِ بها والرعيَّةِ زينٌ للبلاد والعباد، ينتظمُ به أمرُ المعاشِ والمعادِ، وبضدِّهِ الجهلُ والفسادُ،
فإنَّهُ شَيْنٌ ودمارٌ للديار والأعمار.
(٤٢٢] (قولُهُ: وآثارٍ) جمعُ أَثَرِ، قال "النوويُّ" في "شرح مسلمٍ)"(٣): ((الأثرُ عند المحدِّثين
يعمُّ المرفوعَ والموقوفَ كالخبر، والمختارُ إطلاقُهُ على المرويِّ مطلقاً، سواءٌ كان عن الصحابيِّ
أو المصطفى ﴿، وخصَّهُ فقهاءُ خراسانَ بالموقوف على الصحابيِّ، والخبرَ بالمرفوع )).
ولقد كان - رحمه الله تعالى - إماماً في ذلك، فإنَّه رضي الله تعالى عنه أخَذَ الحديثَ عن
أربعةِ آلافٍ شيخٍ من أئمَّة التابعين وغيرهم، ومِنْ ثَمَّ ذكره "الذهبيُّ" وغيرُهُ في طبقات
الحفّاظ من المحمدِّتين(٤)، ومَنْ زعَمَ قلَّةَ اعتنائه بالحديث فهو إمَّا لتساهُلِهِ أو حسدِه؛ إذ كيف
يتأَتَّى ممن هو كذلك استنباطُ مثلٍ ما استنبَطَهُ من المسائل، مع أنَّه أوَّلُ مَنِ استنبَطَ من الأدلَّةِ
(١) "القاموس": مادَّة ((زين)).
(٢) "القاموس": مادَّة ((بلد)).
(٣) "النووي" على "صحيح مسلم": المقدِّمة - حال بعض الرواة ٦٣/١ بتصرف.
(٤) "تذكرة الحفّاظ": ١٦٨/١، لأبي عبد الله محمد بن أحمد، شمس الدين الذهبيّ الشافعي(ت٧٤٨هـ). ("كشف
الظنون" ٣٨٥/١، "الدرر الكامنة" ٣٣٦/٣).
الجزء الأول
٢٠١
المقدمة
على الوجهِ المخصوصِ المعروف في كتب أصحابه؟! ولأجلِ اشتغاله بهذا الأهمِّ لم يظهرْ
حديثه في الخارج كما أنَّ "أبا بكرٍ" و"عمرَ" رضي الله تعالى عنهما لَمَّا اشتغلا بمصالحٍ
المسلمين العامَّةِ لم يظهرْ عنهما من رواية الأحاديث مثلُ ما ظهَرَ عن صغار الصحابة،
وكذلك "مالك" و"الشافعيُّ" لم يظهرْ عنهما مثلُ ما ظهَرَ عمن تفرَّغَ للرواية كـ "أبي زُرعةً"
و "ابن معين" لاشتغالهما بذلك الاستنباطِ.
على أنَّ كثرة الرِّواية بدون درايةٍ ليس فيه كثيرُ مدحٍ، بل عقَدَ له "ابنُ عبد البَرِّ" باباً في
ذمِّه(١)، ثم قال(٢): ((الذي عليه فقهاءُ جماعة المسلمين وعلماؤهم ذمُّ الإكثار من الحديث
بدون تفقُّهٍ ولا تدبُّرٍ))، وقال "ابن شُبْرُمةَ"(٣): ((أَقْلِلِ الروايةَ تَفْقُهْ))، وقال "ابن
المبارك" (٤): ((لِيكُن الذي تعتمدُ عليه الأثرَ، وخُذْ من الرأي ما يفسِّرُ لك الحديثَ))، ومِنْ
أعذارِ "أبي حنيفة" رضي الله تعالى عنه ما يفيده قولُهُ: (( لا ينبغي للرجل أنْ يُحَدِّثَ من
[١/ق٤٤ /ب] الحديث إلاَّبما يحفظُهُ يومَ سَمِعَهُ إلى يومٍ يُحدِّثُ به))(٥)، فهو لا يرى الروايةَ إلاَّ
لمن حفِظَ، ورَوَى "الخطيبُ"(٦) عن "إسرائيلَ بنِ يونسَ(٧) أَنَّه قال: ((نِعْمَ الرجلُ "النَّعمانُ"،
(١) انظر "جامع بيان العلم وفضله": ٩٩٨/٢ فما بعد.
(٢) "جامع بيان العلم وفضله": ١٠١٤/٢.
(٣) أبو شُبْرُمَة عبد الله بن شُبْرُمة الصَّبيّ الكوفيّ، القاضي الفقيه (ت١٤٤ هـ). ("سير أعلام النبلاء" ٣٤٧/٦،
"شذرات الذهب" ٢٠٥/٢).
(٤) هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظليّ بالولاء التّميميّ المَرْوَزِيّ(ت١٨١ هـ). (" تذكرة
الحفاظ" ٢٧٤/١، "شذرات الذهب" ٣٦١/٢) وتقدمت ترجمته من المؤلف في المقولة [٣٩٩] قوله: ((عبد الله
ابن المبارك)).
(٥) الخبر في "الحلية": ١٦٥/٨، و"جامع بيان العلم": ١٠٣١/٢.
(٦) في "تاريخ بغداد": ٣٣٩/١٣.
(٧) أبو يوسف إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيْعيّ الكوفيّ(ت١٦٠ هـ، وقيل: ١٦٢). ("ميزان الاعتدال"
٢٠٨/١، "تقريب التهذيب" ص ١٠٤-).
قسم العبادات
٢٠٢
حاشية ابن عابدين
....... وفقهٍ
فما في المشرقينِ له نظيرٌ
كآياتِ الزَّبورِ على صحيفةْ
ولا في المغربينِ ولا بكوفةٌ
ما كان أحفظَهُ لكلِّ حديثٍ فيه فقةٌ، وأشدَّ فحصَهُ عنه، وأعلمَهُ بما فيه من الفقهِ! ))، وتمامُهُ
في "الخيرات الحسان" لـ" ابن حجرٍ"(١).
[٤٢٣] (قولُهُ: وفقهٍ) المرادُ به ما يَعُمُّ التوحيد، فإنَّ الفقهَ - كما عرَّفه "الإِمام" - : ((معرفةٌ
النفسِ ما لها وما عليها ))، "ط"(٢).
(٤٢٤] (قولُهُ: كآياتِ الزَّبُور) التشبيهُ في الإيضاح والبيانِ لا في الأحكام؛ لأنَّ الزَّبُور
مواعظُ، ويحتملُ أَنَّه تشبية في الزينة، والمعنى: أَنَّه زانَ ما ذُكِرَ كما زَيَّنَتِ النقوشُ
الظُّرُوسَ (٣)، "ط"(٤).
[٤٢٥] (قولُهُ: فما في المشرقين إلخ) المشرقُ: محلُّ الشروق، أي: الطلوعِ، والمغربُ: محلٌّ
الغروب، وتَنَّاهما مع أنَّ كُلاَّ منهما واحدٌ - كما في قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْغَرِبَيْنِ﴾
[ الرحمن- ١٧] - على إرادةٍ مشرقَى الشتاء والصيف ومغربَيْهما، قاله "البيضاوي"(٥). وقيل:
مشرقِ الشمس والفجر ومغربِ الشمس والشفق، أو مشرقِ الشمس والقمر ومغربيهما، وجُمِعًا
٤٢/١ في قوله تعالى: ﴿بِرَبِّ الْشَرِقِ وَالْغَزِّبِ﴾ [المعارج -٤٠] باعتبار الأقطار أو الأيام أو المنازل،
أفاده "ط" (٦).
[٤٢٦] (قولُهُ: ولا بكوفةٌ) خصَّها بالذّكر مع أنَّ المراد المشرقين والمغربين وما بينهما بقرينة
(١) انظر "الخيرات الحسان": الفصل الثلاثون صـ ٧٤ -.
(٢) "ط": المقدّمة ٤٥/١.
(٣) الطُّرُوسْ: جمعُ طِرْسٍ، وهو الصحيفةُ اهـ. "اللسان" مادَّة ((طرس)).
(٤) "ط": المقدّمة ٤٥/١.
(٥) "تفسير البيضاويِّ": صـ٦ ٧٠ -.
(٦) "ط": المقدَّمة ٤٥/١.
الجزء الأول
٢٠٣
المقدمة
وصامَ نهارَهُ للَّهِ خِيْفَةٌ
يبيتُ مُشمِّراً سَهِرَ الليالي
إمامٌ للخَلِيقةِ وَ الْخَلِيفةْ
فمَنْ كأبي حنيفةً في عُلامُ
المقام لأنَّها بلده، أو لأنَّها من أعظمٍ بلاد الإسلام يومئذٍ، قال في "القاموس"(١).
(( الكوفةُ: الرَّملةُ الحمرةُ(٢) المستديرة، أو كلُّ رملةٍ يخالطها حصباءُ، ومدينةُ العراق الكبرى،
وقَبَّةُ الإِسلام، ودارُ هجرة المسلمين، مصَّرَها "سعدُ بن أبي وقاصٍ" رضي الله تعالى عنه،
وكانت منزلَ نوح، وبنى مسحدَها، سُمِّي(٣) لاستدارتها واجتماعِ الناس بها، ويقال لها:
كوفان، ويُفتَحُ، وكوفةُ الجند؛ لأنَّها اختُطَّتْ فيها خِطَطُ العرب أيامَ "عثمانَ" رضي الله
تعالى عنه، خطَّطَها "السائبُ بن الأقرعِ التقفي" إلخ)).
[٤٢٧] (قولُهُ: يبيتُ مُشَمِّراً إلخ) التشميرُ: الجِدُّ والتهُّؤُ، "قاموس"(٤). و((سَهرَ)) فعلٌ
ماضٍ، والجملةُ حالٌ على إضمار قد، مثلُها في قوله تعالى: ﴿أَوْجَاءُوَكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾
[ النساء - ٩٠]، أو صفةٌ مشبَّهةٌ، والأوَّلُ أنسبُ بقوله: ((وصام)).
و((لله)) متعلّقٌ بـ ((صامَ))، و((خيفةٌ)) مفعولٌ لأجله، وزاد في" تنوير الصحيفة" بعد هذا
البيتِ بيتين، وهما: [الوافر]
وصانَ لسانَهُ عن كلِّ إِفْكٍ
٥
وما زالَتْ جوارحُهُ عفيفة
(قولُهُ: سُمِّيَ لاستدارتِها) كذا في نسخ "القاموس"، والضميرُ راجعٌ للمكان المسمَّى كوفةً، وقال
"شارحُهُ": ((صوابُهُ: سُمِّيَتْ )) اهـ.
(١) "القاموس": مادَّة((كوف)).
(٢) قوله: ((الحمرة)) هكذا بخطّه، والذي في عبارة "القاموس": ((الحمراء)) بألف التأنيث الممدودة، ولعلَّه الصوابُ.
اهـ. مصححه.
(٣) قال المرتضى الزبيديُّ في "شرحه" على "القاموس" مادّة (كوف): ((كذا في النسخ، وصوابُهُ: سُمِّيَت)).
(٤) "القاموس": مادَّة ((شمر)) بتصرف.
قسم العبادات
٢٠٤
حاشية ابن عابدين
يَعِفّ عن المحارم والملاهي
ومرضاةُ الإِلهِ له وظيفةٌ
ونقلُ نبذةً يسيرةً شاهدةً [١/ق ٤٥/أ] لهذه الأبياتِ عن "ابن حجرٍ"(١): ((قال الحافظ
"الذهبي"(٢): قد تواتَرَ قيامُهُ بالليل وتهجُّده وتعبُّده، أي: ومن ثَمَّ كان يُسَمَّى الوَتِدَ لكثرة
قيامه بالليل، بل أحياه بقراءة القرآن في ركعةٍ ثلاثين سنةً، وكان يُسمَعُ بكاؤه بالليل حتَّى
يرحَمُهُ جيرانه، ووقع رجلٌ فيه عند "ابن المبارك"، فقال: ويحك، أتقعُ في رجلٍ صلَّى خمساً
وأربعين سنةً الخمسَ صلواتٍ بوضوءٍ واحدٍ، وكان يجمعُ القرآنَ في ركعةٍ، ونظمْتُ ما
عندي من الفقهِ منه؟ ولَمَّا غسَّلَهُ "الحسنُ بن عمارة"(٣) قال: رحمك الله وغفَرَ لك، لم تُفطِر
منذ ثلاثين سنةً، وقد أتعبتَ مَن بعدك، وفضحت القُرَّاءِ(٤)، وقال "الفضلُ بن دُكَين"(٥).
كان هيوباً لا يتكلّمُ إلَّ جواباً، ولا يخوضُ فيما لا يعنيه ولا يستمعُ إليه، وقيل له: اتقِ الله،
فانتفض وطأطأ رأسَهُ، ثمَّ قال: يا أخي، جزاك الله خيراً، ما أحوجَ أهلَ كلِّ وقتٍ إلى مَنْ
يذكِّرهم الله تعالى، وقال "الحسنُ بن صالح"(٦): كان شديدَ الورع، هائباً للحرام، تاركاً
الكثيرِ من الحلال مخافةَ الشبهة، ما رأيتُ فقيهاً أشدَّ منه صيانةً لنفسه )).
(١) "الخيرات الحسان": الفصل الرابع عشر صـ٤١- بتصرف.
(٢) في رسالته المسماة "مناقب الإمام أبي حنيفة": صـ١٢ - وما بعدها باختصار.
(٣) أبو محمد الحسن بن عُمَارة بن المضرّب الكوفيّ (ت١٥٣هـ). ("تاريخ بغداد" ٣٤٥/٧، "شذرات الذهب"
٢٤٣/٢).
(٤) ((ولم تتوَسَّد يَمينك في الليل منذ أربعين سنة)). كذا في "وفيات الأعيان" ٤١٣/٥، "مناقب الإمام أبي حنيفة"
للذهبي صـ١٥ -.
(٥) الحافظ أبو نُعيم الفضل بن دُكَيْن بن حمّاد التيميّ بالولاء الملائيّ الكوفيّ(ت٢١٩هـ). ("تاريخ بغداد" ٣٤٦/١٢،
"شذرات الذهب" ٩٣/٣).
(٦) أبو عبد الله الحسن بن صالح بن حيّ الهَمْدانيّ الثوريّ الكوفيّ(ت١٦٨هـ). ("ميزان الاعتدال" ٤٩٦/١،
"تهذيب التهذيب" ٢٨٥/٢).