Indexed OCR Text

Pages 181-200

الجزء الأول
١٦٥
المقدمة
وداسَهُ "حَمَّادٌ"، وطحَنَهُ "أبو حنيفة"، وعجَنَهُ "أبو يوسف"،
[مطلبٌ]
[ ترجمة "حَمَّادٍ بن مسلمٍ" ]
[٣٣٥] (قولُهُ: وداسَهُ) أي: اجتهَدَ في تنقيحه وتوضيحه "حمَّدُ بن مسلم" الكوفي، شيخٌ
"الإمام"، وبه تخرَّجَ، وأخذ "حمادٌ" بعد ذلك عنه، قال "الإِمام": (( ما صليتُ صلاةً إلا
استغفرتُ له مع والديَّ)). ماتَ سنة مائةٍ وعشرين.
[٣٣٦] (قولُهُ: وطحَنَهُ) أي: أكثَرَ أصولَهُ، وفَّعَ فروعَه، وأوضحَ سُبُلَه إمامُ الأئمّة وسراجُ الأمَّة
"أبو حنيفة النعمان"، فإِنَّه أوَّلُ من دَوَّن الفقهَ ورتّبَهُ أبواباً وكتباً على نحوٍ ما عليه اليوم، وتَبِعَهُ "مالك"
في "موطَِّه"، ومَنْ كان قَله إنما كانوا يعتمدون على حفظهم، وهو أوَّلُ مَن وضعَ كتاب "الفرائض"
وكتاب "الشروط"، كذا في "الخيرات الحسان في ترجمة أبي حنيفة النعمان" للعلامة "ابن حجرٍ"(١).
[مطلبٌ]
[ ترجمة " أبي يوسف" ]
[٣٣٧] (قولُهُ: وعجَنَهُ) أي: دقّقَ النظرَ في قواعد "الإِمام" وأصوله، واجتهَدَ في زيادة
استنباطِ الفروع منها والأحكام تلميذُ "الإِمام الأعظم" أبو يوسف، "يعقوبُ بن إبراهيم"،
قاضي القضاة، فإنّه - كما رواه "الخطيب" في "تاريخه"(٢) -: ((أوَّلُ مَن وضَعَ الكتب في
أصول الفقهِ على مذهب "أبي حنيفة"، وأملى المسائلَ ونشَرَها، وبثَّ علمَ "أبي حنيفة" في
أقطار الأرض))، وهو أفقهُ أهل عصره، ولم يتقدَّمْهُ أحدٌ في زمانه، وكان النهايةَ في العلم والحكم
والرِّياسة، ولد سنةَ (١١٣)، وتوفي ببغداد سنةً (١٨٢).
(١) "الخيرات الحسان": الفصلُ الثاني عشر صـ٣٤-، وهي لأحمد بن محمد بن علي، شهاب الدين المعروف بابن حَجَر الهَيْتَميّ
الشافعيّ(ت٩٧٤هـ). ("كشف الظنون" ٧٢٧/١، "النور السَّافر" صـ٢٨٧-).
(٢) "تاريخ بغداد": ٢٤٥/١٤ -٢٤٦، لأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت المعروف بالخطيب البغداديّ(ت٤٦٣هـ).
("كشف الظنون" ٢٨٨/١، "شذرات الذهب" ٢٦٢/٥).

قسم العبادات
١٦٦
حاشية ابن عابدين
وخبَزَهُ "محمَّدٌ"، فسائرُ الناس يأكلون من خُبْزه، وقد نظَمَ بعضُهم فقال: [ بسيط ]
حصَّادُهُ ثم إبراهيمُ دَوَّاسُ
الفقهُ زَرْعُ ابنِ مسعودٍ وعلقمةٌ
محمَّدٌ خابزٌ والآكلُ الناسُ
نعمانُ طاحنُه يعقوبُ عاجنُه
وقد ظهَرَ علمُه بتصانیفِهِ.
[مطلبٌ]
[ ترجمة "محمَّدٍ بن الحسن" الشيبانيِّ ]
[٣٣٨] (قولُهُ: وخَبَزَهُ) أي: زادَ في استنباط الفروع وتنقيحها وتهذيبها وتحريرها، بحيث لم
تحتجْ إلى شيءٍ آخَرَ الإِمامُ "محمدُ بن الحسن" الشيبانيُّ، تلميذُ "أبي حنيفةً" و"أبي يوسف"،
محرِّرُ المذهب النعمانيِّ، المجمَعُ على فقاهته ونباهته، رُوي أنَّه سأل رجلٌ "المزنيَّ" عن أهلٍ
العراق فقال: ما تقول في "أبي حنيفة"؟ فقال: سيِّدُهم، قال: فـ "أبو يوسف"؟ قال: أتبعُهم
٣٤/١ للحديث، قال: "فمحمَّدُ بن الحسن"؟ قال: أكثرُهم تفريعاً، قال: فـ "زُفَر"؟ قال: أحدُّهم
قياساً، ولد سنةَ (١٣٢)، وتوفي بالرّيِّ(١) سنةَ (١٨٩).
[٣٣٩) (قولُهُ: من خُبْزِهِ) بالضمِّ، أي: خُبْزِ "محمَّدٍ" الذي خَزَهُ من عجين "أبي يوسف" من
طحينٍ "أبي حنيفة"، ولذا روى "الخطيب"(٢) عن "الربيع"(٣) [١/ق٣٦/أ] قال: ((سمعتُ
"الشافعيّ" يقول: الناسُ عيالٌ على "أبي حنيفة" في الفقهِ، كان "أبو حنيفة" ممن وُقّقَ له الفقْهُ)).
[٣٤٠] (قولُهُ: فقالَ) أي: من بحرِ البسيط، وترتيبُ هذا النّظمِ بخلاف الترتيب قبله، وسقط منه
الحماد".
[٣٤١] (قولُهُ: عِلمُهُ) أيْ: "محمدٍ".
(١) الريُّ: مدينةٌ مشهورةٌ من أمَّات البلاد وأعلام المدن، كثيرةُ الفواكه والخيرات، حَكَى الإصطخريُّ أنَّها كانت أكبرَ
من أصبهان. ("معجم البلدان" ١٣٢/٣).
(٢) أخرجه الخطيبُ في "تاريخه" ٣٤٦/١٣. وأمَّا قوله: ((كان أبو حنيفة ممن وُفّقَ له الفقهُ)) فقد أخرجَهُ من طريقِ
حرملة بن يحيى عن الشافعيِّ.
(٣) أبو محمد الربيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل المُرَاديّ بالولاء المصريّ(ت٢٧٠هـ). ("وفيات الأعيان"
٢٩١/٢، "تهذيب التهذيب" ٢٤٦/٣).

الجزء الأول
١٦٧
المقدمة
كـ "الجامعين" و"المبسوط" و"الزيادات" و"النّوادر"، حتى قيل: إنَّه صنّفَ في العلوم
الدينيّة تسعمائة وتسعةً وتسعين كتاباً، ومن تلامذته "الشافعيَُّلُهُ، وتزوَّجَ بأمِّ
"الشافعيّ"، وفوَّضَ إليه كتبَهُ ومالَهُ» ..
[٣٤٢] (قولُهُ: كـ "الجامِعَين") "الصغير" و"الكبير"، وقد أُلْفَت في المذهب تآليفُ سميت
بالجامع فوق ما ينوف عن أربعين، وكلُّ تأليفٍ لـ "محمَّدٍ" وُصِفَ بـ "الصغير" فهو من روايته عن
"أبي يوسف" عن "الإِمام"، وما وصف بـ "الكبير" فروايتُه عن "الإِمام" بلا واسطةٍ، "ط" (١).
(٣٤٣) (قولُهُ: و "النوادرِ") الأولى إبدالها بـ "السِّير"؛ لأنَّ هذه الكتبَ الخمسة هي كتبُ
"محمَّدٍ" المسمَّاهُ بـ "الأصول"(٢) و"ظاهرِ الرواية"؛ لأنَّها رُويت عنه بروايةِ الثقات، فهي ثابتةٌ
عنه متواترةٌ أو مشهورةٌ، وفيها المسائلُ المرويَّةُ عن أصحاب المذهب، وهم: "أبو حنيفة"
و"أبو يوسف" و"محمَّدٌ"، وأمَّا "النوادرُ" فهي مسائلُ مرويَّةٌ عنهم في كتبٍ أُخَرَ لـ "محمَّدٍ"
كـ "الكيسانيّات"، و"الهارونيَّات"، و"الجرجانيَّات"، و"الرقَّات"(٣)، وهي دون الأولى. وبقيَ
(١) "ط": المقدّمة ٣٥/١.
(٢) في النسخ: ((الأصل))، والصواب ما أثبتناه كما صرح به ابن عابدين رحمه الله، فيما سيأتي في المقولة [٤٦٧]
قوله: ((في الروايات الظاهرة))، (وانظر "كشف الظنون" ١٠٧/١، و"الفوائد البهية" صـ١٦٣-).
(٣) الكَيسانيات: مسائل رواها سليمان بن سعيد الكَيْسَانيّ عن الإمام محمد بن الحسن("كشف الظنون" ١٥٢٥/٢،
وذكرها في "مفتاح السعادة" ٢٣٧/٢ بلفظ ((الكيانات))، وقال: ((جمعها لرجل يسمى كيان، وقد يوجد في بعض
الهوامش((الكيسانيات))، وقالوا: جمعها بكيسان، وهي بلدة، ولكن هذا غير صحيح والصحيح ما ذكرناه أولاً)).
والهارونيات: مسائل للإمام محمد جمعها لرجل يسمى هارون. (ذكرها السرخسي في "المبسوط" ١٤٢/٨، وانظر
"مفتاح السعادة" ٢٣٧/٢).
و"الجُرْجَانيات": مسائل جمعها الإمام محمد بُرْجَان، رواها عنه علي بن صالح الجُرْجَانيّ. ("كشف الظنون"
٥٨١/١، "مفتاح السعادة" ٢٣٧/٢).
والرَّقِيَّات: هي المسائل التي فرعها الإمام محمد وهو قاضٍ بالرقة، ورواها عنه محمد بن سماعة. ("كشف الظنون"
٩١١/١، وذكرها السَّرخسيّ في "المبسوط" ١٦١/٧).

قسم العبادات
١٦٨
حاشية ابن عابدين
قسمٌ ثالثٌ، وهو مسائلُ "النوازل"، سُئِلَ عنها المشايخ المجتهدون في المذهب، ولم يجدوا
فيها نصَّاً، فأفتوا فيها تخريجاً، وقد نظمتُ ذلك، فقلتُ:
وكُنْبُ ظاهرِ الروايةِ أَتَتْ
صَنَّفَها "محمَّدُ الشَّيْباني"
"الجامعُ الصغيرُ" و"الكبيرُ"
ثمَّ "الزياداتُ" معَ "المبسوطِ"
كَذا لهُ مسائِلُ "النوادرِ"
وبَعْدَها مسائلُ "النوازلِ"
سِتّاً لكلِّ ثابتٍ عنهمْ حَوَتْ(١)
حَرَّرَ فيها المذْهَبَ النُّعماني
و"السِّيَرُ الكبيرُ" و"الصغيرُ"
تواترتْ بالسَّندِ المضْبوطِ
إِسْنادها في الكُتْبِ غيرُ ظَاهِرٍ
خَرَّجَها الأشياخُ بالدَّلائلِ
وسيأتي بَسْطُ ذلك آخرَ المقدّمة(٢).
وفي "طبقات التميميِّ"(٣) عن "شرح السير الكبير" لـ "السرخسي" (٤): ((أنَّ "السِّير الكبير"
آخرُ تصنيفٍ صنَّفَهُ "محمَّدٌ" في الفقهِ، وكان سببُهُ أنَّ "السِّير الصغير" وقَعَ بِيدِ "الأوزاعيِّ"
إمامٍ أهل الشام، فقال: ما لأهلِ العراق والتصنيفِ في هذا الباب؟ فإنَّه لا علمَ لهم بالسِّير، فبلغ
"محمَّدً" فصنَّفَ "الكبير"، فحُكِيَ أَنَّه لَمَّا نظَرَ فيه "الأوزاعيُّ" قال: لولا ما ضمَّنَهُ من
الأحاديثِ لقلت: إنَّه يضَعُ العلم، وإِنَّ الله تعالى عيَّنَ جهَةَ إصابةِ الجواب في رأيه، صدق الله
تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِيمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف- ٧٦]، ثم أمَرَ "محمَّدٌ" أنْ يُكتَبَ في ستين دفتراً،
وأنْ يُحمَل إلى الخليفة، فأعجبه وعدَّهُ من مفاخرِ أيامه )). اهـ ملخَّصاً.
(١) في مطبوعةِ المنظومة التي بين أيدينا: ((سّاً وبالأصولِ أيضاً سُمِّيت))، انظر ١٦/١ "ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين".
(٢) المقولة [٤٦٧] قوله: ((في الروايات الظاهرة)).
(٣) ليس في القسم المطبوع الذي بين أيدينا.
(٤) "شرح السير الكبير": المقدّمة ١/١-٣، لأبي بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل، شمس الأئمة السَّرْخَسيّ (ت٤٨٣ هـ).
("كشف الظنون" ١٠١٤/٢، "الفوائد البهية" صـ ١٥٨-).

الجزء الأول
١٦٩
المقدمة
فبسببهِ صار "الشافعيُّ" فقيهاً، ولقد أنصَفَ "الشافعيُّ" حيث قال: مَنْ أرادَ الفقهَ
فليلزمْ أصحابَ "أبي حنيفة"، فإنَّ المعانيَ قد تيسَّرتْ لهم، واللهِ ما صرتُ فقيهاً إلاَّ
بكتب "محمَّدِ بن الحسن"، وقال "إسماعيل بنُ أبي رجاء"(١): رأيتُ محمَّداً في المنام،
فقلت له: ما فعَلَ الله بك؟ فقال: غفَرَ لي ثم قال: لو أردْتُ أن أعذِّبك ما جعلتُ
هذا العلمَ فيك، فقلت له: فأين أبو يوسف؟ قال: فوقَنا بدرجتين، قلت: فـ"أبو
حنيفة"؟ قال: هيهاتَ، ذاك في أعلى عِلِّين،
[٣٤٤] (قولُهُ: فبسببه صار "الشافعيُّ" فقيهاً) أي: ازداد فقَاهةً، واطّلع على مسائلَ لم يكن
مطَلِعاً عليها، [١/ق٣٦/ب] فإنَّ "محمدًا" أبدَعَ في كثرةِ استخراج المسائل، وإلاَّ فـ "الشافعيُّ"
رضي الله تعالى عنه فقيةٌ مجتهدٌ قبل ورودِه إلى بغداد، وكيف يستفادُ الاجتهادُ المطلق ممن ليس
كذلك؟ أفاده "ح"(٢).
[٣٤٥] (قولُهُ: والله ما صِرتُ فقيهاً) الكلامُ فيه كما تقدَّمَ، ورُوِيَ عن "الشافعيِّ" أَنَّه قال أيضاً:
(( حَملتُ من علمِ "محمَّدِ بن الحسن" وِقْرَ بعيرٍ كتباً))، وقال: ((أمَنُّ الناسِ عليَّ في الفقهِ "محمَّدُ
بن الحسن" )).
[٣٤٦] (قولُهُ: هيهاتَ) اسمُ فعلٍ، أي: بعُد مكانُه عني وعن "أبي يوسف"، "ط"(٣).
[٢٤٧] (قولُهُ: في أعلى علِّيين) اسمٌ لأعلى الجنَّةِ، أي: هو في أعلى مكانٍ في الجنّة، أي:
بالنسبة إليهما لا مطلقاً؛ لأنَّ الأنبياء والصحابة أرفعُ منه درجةً قطعاً، وأمَّا الدعاءُ بنحو:
(١) كذا في النسخ جميعها، والذي في "أخبار أبي حنيفة" للصيمري صـ ١٣٠ - و"مناقب أبي حنيفة" للكردري
٣٨٣/٢: ((محمد بن أبي رجاء القاضي))، وهو من أصحاب أبي يوسف، ومن المقدَّمين في مذهب أبي حنيفة.
("الجواهر المضية" ١٥٤/٣).
(٢) "ح": المقدّمة ق ٤/أ.
(٣) "ط": المقدَّمة ٣٥/١.

قسم العبادات
١٧٠
حاشية ابن عابدين
كيف وقد صلَّى الفجرَ بوضوءِ العشاء أربعين سنةً، وحجَّ خمساً وخمسين حجَّةً،
ورأى ربَّهُ في المنام مائةَ مرَّةٍ؟ ولها قصَّةٌ مشهورةٌ، وفي حجَّته الأخيرةِ استأذَنَ
حجبةً الكعبة بالدخول ليلاً، فقام بين العمودين.
((اجعلني مع النبيِّين))، فالمرادُ في الاجتماع والموانسة لا في الدرجة والمنزلة، ومنه قوله تعالى:
﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّئْنَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ إلخ [ النساء - ٦٩]، "ط" (١).
[٣٤٨] (قولُهُ: كيف) استفهامٌ إنكاريٌّ بمعنى النفي، أي: كيف لا يُعطَى هذا المكانَ الأعلى؟
"ط"(٢).
[٣٤٩] (قولُهُ: ولها) أي: لرؤيته ربَّه تعالى في المنام قصَّةٌ مشهورةٌ ذكَرَها الحافظ
"النجم الغَيْطِي"(٣)، وهي: (( أنَّ "الإِمام" رضي الله تعالى عنه قال: رأيتُ ربَّ العزَّةِ في
المنام تسعاً وتسعين مرَّةً، فقلت في نفسي: إنْ رأيتُه تمامَ المائةِ لأسألَنَّه: بِمَ ينحو الخلائقُ
من عذابه يوم القيامة؟
قال: فرأيته سبحانه وتعالى، فقلت: يا ربِّ عزَّ جارُكَ، وجَلَّ ثناؤك، وتقدَّسَتْ أسماؤك،
بِمَ ينجو عبادُك يوم القيامة من عذابك؟ فقال سبحانه وتعالى: مَن قال بعد الغداة والعشيِّ:
سبحان الأبديِّ الأبد، سبحان الواحدِ الأحد، سبحان الفردِ الصمد، سبحان رافعِ السماء بغير
عَمَد، سبحان مَنْ بسَطَ الأرض على ماءٍ جَمَد، سبحانَ من خلقَ الخَلْقَ فأحصاهم عدد، سبحان
من قسَمَ الرزقَ ولم ينس من فضله(٤) أحد، سبحان الذي لم يتّخذ صاحبةً ولا ولد، سبحان
الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحدٌ، نجا من عذابي)). اهـ "ط " (٥).
(١) "ط": المقدَّمة ٣٥/١.
(٢) "ط": المقدّمة ٣٥/١.
(٣) أبو المواهب محمَّدُ بن أحمد بن علي، نجم الدين السَّكَنْدَرِيّ الغَيْطيّ الشافعيّ(ت ٩٨١هـ). ("الكواكب السائرة"
٥١/٣، "هديَّة العارفين" ٢٥٢/٢).
(٤) ((من فضله)) ليس في "ب" و"م".
(٥) "ط": المقدِّمة ٣٦/١.

الجزء الأول
١٧١
المقدمة
على رِجْله اليمنى، ووضَعَ اليسرى على ظَهْرِها حتى ختَمَ نصفَ القرآن، ثم ركع
وسجد، ثم قامَ على رِجْله اليسرى، ووضع اليمنى على ظهرها حتى ختَمَ القرآن،
فلمَّا سلَّمَ بكى وناجى ربَّهُ وقال: إلهي، ما عبَدَكَ هذا العبدُ الضعيفُ.
[٣٥٠) (قولُهُ: على رِجْله اليمنى إلخ) فيه أنَّ هذا مخالفٌ للسنة. اهـ "ح"(١). أي: لصحَّةٍ
٣٥/١ الحديث في النهي عنه(٢)، وأجاب "الشرنبلالي"(٢) بحمله على التراوُحِ، فإنّه أفضلُ من نصب
القدَمين، وتفسيرُ التراوُح: أنْ يعتمِدَ المصلِّي على قَدمٍ مرَّةً وعلى الأخرى مرَّةً أخرى، أي: مع
وضعِ القدمين على [١/ق ٣٧/أ] الأرض بدون رفعٍ إحداهما، لكنْ يُعِدُه(٤) قوله: ((ووضَعَ
اليسرى على ظهرِها إلخ))، أفاده "ط"(٥).
وقد يقال: لـ "الإِمام" رضي الله تعالى عنه مَقْصِدٌ حسَنٌ في ذلك نَفَى الكراهةَ عنه كما
قالوا: يكرهُ أنْ يصلّيَ الرجلُ حاسراً عن رأسهِ، لكنْ إذا قصَدَ التذلُّلَ فلا كراهة، ثم رأيتُ
بعض العلماء أجاب بذلك، فقال: إنما فعلَ ذلك مجاهدةً لنفسه، وليس ببعيدٍ أنْ يكون غرضُ
مجاهدة النفس بذلك ممن لم يختلَّ منه خشوعُه مانعاً للكراهة اهـ (٦).
(١) "ح": المقدّمة ق ٤/أ.
(٢) أخرجه البزارُ في "البحر الزخار" برقم (٩٢٦) من حديث علي قال: ((كان النبي * يراوح بين قدميه، يقومُ على
كلِّ رجلٍ حَتّى نزلت: ﴿ مَآ أَنَزَ لْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى﴾))، وأورده الهيثميُّ في "مجمع الزوائد" ٥٦/٧، وقال: رواه
البزارُ، وفيه يزيدُ بن بلال، قال البخاري: فيه نظرٌ، وكيسان أبو عمر وثَّقَهُ ابن حبان، وضعَّفَهُ ابنُ معين، وبقيَّةُ
رجالِهِ رجالُ الصحيح، وأخرجه عبد بن حميد في "تفسيره" كما في "تفسير ابن كثير" ١٤١/٣، ومن طريقه
أخرجَهُ القاضي عياض في "الشفا" ٥٦/١-٥٧ عن الربيع بن أنتٍ مرسلاً، وإسنادُهُ ضعيفٌ، وله شواهدُ عن ابن
عباس ومجاهد مرسلاً ذكَرَها السيوطي في "الدر المنثور" ٢٨٨/٤ - ٢٨٩.
(٣) أبو الإخلاص الحسن بن عمار الشُّرُ نْبلاليّ المصريّ(ت١٠٦٩ هـ). ("خلاصة الأثر" ٣٨/٢، "التعليقات السنية على
الفوائد البهية" صـ٥٨-).
(٤) من ((أخرى)) إلى ((لكن يبعده)) ساقط من "أ".
(٥) "ط": المقدَّمة ٣٦/١.
(٦) انظر المسألة مبسوطةً في المقولة [٥٤١٦].

قسم العبادات
١٧٢
حاشية ابن عابدين
حقَّ عبادتك، لكنْ عَرَفَكَ حقَّ معرفتك، فهَبْ نقصانَ خدمته لكمالٍ معرفته،
فهتَفَ هاتفٌ من جانب البيت: يا "أبا حنيفة"، قد عرفتنا حقَّ المعرفة، وخدمتَنا
فأحسنتَ الخدمة، وقد غفرْنا لك ولمن اتَّبَعَكَ ممن كان على مذهبك إلى يوم
القيامة، وقيل لـ "أبي حنيفة": بِمَ بلغتَ ما بلغتَ؟ قال: ما بخلتُ بالإِفادة،
[٣٥١) (قولُهُ: حقَّ عبادتِكَ) من إضافة الصفة للموصوف، أي: عبادتِكَ الحقّةِ التي تليقُ
بجلالِكَ، بل هي بقَدْر ما في وسعه، "ط" (١).
[٣٥٢] (قولُهُ: لكنْ عرَفَك) استدراكٌ على ما يُتُوهَّمُ من أنَّ عدم عبادته حقَّ العبادة نشأً من عدم
المعرفة، والمرادُ أَنَّه عرَفَهُ بصفاته الدالَّةِ على كبريائه ومجده، واستحقاقِهِ دوامَ مشاهدته ومراقبته،
وليس المرادُ معرفةَ كُنْهِ الذات والصفات، فإنَّه من المستحيلات، "ط" (٢).
[٣٥٣] (قولُهُ: فهَبْ) من الهبة، وهي العطيّة، يقال: وهبتُ له، أي: أعطِ نقصانَ الخدمة
لكمالِ المعرفة، أي: شَفِّعْ هذا بهذا كما في: هَبْ مسيئنا لمحسنِنا.
[٣٥٤) (قولُهُ: ولمن أَّبَعَك) أي: في الخدمة والمعرفة، أو فيما أدَّى إليه اجتهادُكَ من الأوامر النواهي،
ولم يزِغْ عنها لا بمجرَّدِ التقليد.
[٣٥٥] (قولُهُ: إلى يومِ القيامةِ) متعلّقٌ بـ ((كان)) التامَّةِ، أو بـ ((أَبِعَك)).
[٣٥٦) (قولُهُ: وقيل لـ "أبي حنيفةً")(٣) ذكَرَ في "التعليم"(٤) هذه العبارةَ عن "أبي يوسف"، ثم قال:
(١) "ط": المقدَّمة ٣٦/١.
(٢) "ط": المقدَّمة ٣٦/١.
(٣) في "د" زيادة: ((ذكَرَ التميميُّ في "الطبقات السنَّة" في ترجمةِ الخليل أبي السَّعيد السِّجْزِيّ شيخ أهلِ الرأي:
وسفيانَ في نقلِ الأحاديثِ مُسِْدا
سأجعلُ لي النعمانَ في الفقهِ قدوةً
سَأَتْبَعُ يعقوبَ العُلا ومحمَّدا
وفي تركِ ما لم يَغْنني عن عقيدتي
وحمزةً بالتحقيق درساً مؤكّدا
وأجعلُ درسي من قراءةٍ عاصٍ
فمن شاءَ فَلْيْرُزْ ويلقَ مُوَحِّدا )).
فهذا اعتقادي وَهْوَ ديني ومذهبي
(٤) "تعليم المتعلّم طريق التعلم": صـ٧٧،٧٥-، وهو لبرهان الدين - أو برهان الإسلام - إبراهيم الزَّرْنُوجِيّ، تلميذ المرغينانيّ =

الجزء الأول
١٧٣
المقدمة
وما استنكفتُ عن الاستفادة، قال "مسافرُ بن كرامٍ": مَنْ جعَلَ "أبا حنيفة" بينه
وبين الله رجوتُ أنْ لا يخافَ، وقال فيه: [ كامل ]
يومَ القيامة في رِضى الرَّحمن
حسبي من الخيراتِ ما أعددتُهُ
دينِ النبيِّ محمَّدٍ خيرِ الورى ثم اعتقادي مذهبَ النَّعمان
وعنه عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ آدمَ افتخَرَ بي، ..
((قيل لـ "أبي حنيفةً" رضي الله تعالى عنه: بِمَ أدركتَ العِلْم؟ قال: إنما أدركتُ العلمَ بالجهد(١)
والشكر، وكلَّما فهمتُ ووقفت على فقٍ وحكمةٍ قلت: الحمد لله، فازدادَ علمي))، "ط" (٢).
[٣٥٧] (قولُهُ: وما استنكفتُ) أي: أنِفتُ وامتنعتُ.
[٣٥٨] (قولُهُ: "مسافرُ بن كِرام") الذي رأيتُهُ في مواضعَ متعدِّدةٍ: "مِسعرُ بن كِدام"(٢)
بكسر أوَّلهما، و"كِدام" بالدال.
[٣٥٩] (قولُهُ: رجوتُ أنْ لا يَخافَ) لأنّه قلَّد إماماً عالمً صحيحَ الاجتهاد سالم الاعتقاد، ومن
قلَّد عالماً لقي الله سالمً(٤)، وتمامُ كلام "مِسعر": ((وأنْ لا يكون فرَّطَ في الاحتياط لنفسه))(٥).
[٣٦٠] (قولُهُ: وقال) أي: "مسعرٌ"، لكنْ ذكَرَ في "المقدّمة الغزنويَّة"(٦) هذين البيتين، وأنَّه
أنشَدَهما "أبو يوسف"، أفاده "ط"(٧).
[٣٦١] (قولُهُ: حسبي) أي: كافِيَّ، مبتدأ خبرُه قولُه: ((ما أعددتُهُ))، أي: هيّأْتُه، و((يومَ
= صاحب "الهداية"، كان حيّاً في حدود سـ٩٣ ٥نة هـ. ("كشف الظنون" ٤٢٥/١، "الجواهر المضيّة" ٣٦٤/٤، "الفوائد
البهيّة" صـ٥٤-، وفي "هديَّة العارفين" ١٣/١-١٤: أنَّه توفي في حدود س٦١٠نة هـ، "معجم المؤلفين" ٤٢٥/١).
(١) كذا في النسخ جميعها، وعبارة "تعليم المتعلم" في نسخ عدة ((بالحمد والشكر)).
(٢) "ط": المقدّمة ٣٦/١ باختصار.
(٣) أبو سَلَمة مِسْعَرُ بن كِدَام بن ظهير الهلاليّ الكوفيّ(ت١٥٣ هـ أو ١٥٥). ("تقريب التهذيب" صـ٥٢٨-).
(٤) بعضُهم يرفعُ هذا القولَ إلى النبيِلَ﴿ كما فعَلَ الصاوي في "حاشيته على الجوهرة" صـ٣٣٧-، وليس كذلك، إنَّما
هو من كلام بعض المشايخ، انظر "الأسرار المرفوعة" رقم (٦٠٤) و"المصنوع" رقم (٤٠٤).
(٥) انظر "الجواهر المضية" ٥٥/١.
(٦) مرت ترجمتها صـ ١٢٦-، وانظر التعليق رقم (٢) في ص ١٧٤ -.
(٧) "ط": المقدَّمة ٣٧/١ بتصرف.

قسم العبادات
١٧٤
حاشية ابن عابدين
وأنا أفتخِرُ برَجُلٍ من أمَّتَي، اسمُهُ "نعمان"، وكنيتُهُ "أبو حنيفة"، هو سراجُ أمَّتي))،
وعنه عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ سائر الأنبياء يفتخرون بي، وأنا أفتخِرُ بـ "أبي حنيفة"،
مَنْ أحبَّهُ فقد أحَبّني، ومَنْ أبغضَهُ فقد أبغَضَني ))، كذا في "التَّقْدِمة"(١) شرحِ "مقدِّمة
أبي الليث"، قال في "الضياء المعنويّ": ((وقولُ "ابن الجوزيّ": إنَّه موضوعٌ تعصُّبٌ؛ ....
القيامة)) متعلّقٌ بـ ((حسبي))، [١/ق٣٧/ب] أو بـ ((أعددتُهُ))، أو بـ ((رِضَى))، و((في))
للسببيَّة، و((دينُ)) بدلٌ من ((ما)).
[٣٦٢] (قوله: وأنا أفتخِرُ إلى آخرِه) الفخرُ والافتخارُ: التمدُّحُ بالخصال، أي: يذكُرُ من
جملة نِعَمِ الله تعالى عليه أَنْ جُعِلَ من أتباعه هذا الرجلُ الذي شَّد بنيانَ الدِّين بعدَ انقراض
الصحابة وأكثرِ التابعين، وتبعه ما لا يحصى من الأمَّةِ، وسبَقَ في الاجتهاد وتدوينِ الفقهِ مَنْ
بعده من الأئمّة، وأعانَهم بأصحابه وفوائده الجمَّة على استنباط الأحكام المهمَّة.
(٣٦٣] (قولُهُ: "الضياءِ المعنويِّ") هو "شرحُ مقدِّمة الغزنويِّ" للقاضي "أبي البقاء بن
الضياء" المكيّ(٢).
[٣٦٤] (قولُهُ: وقولُ "ابنِ الجوزيِّ")(٣) أي: ناقلاً عن "الخطيب البغداديّ"(٤).
(١) "التقدمة": لجبريل بن حسن بن عثمان الكنجاني (ت ٧٥٢هـ)، شرح مقدمة "أبي الليث السَّمرقندي". ("كشف
الظنون" ١٧٩٦/٢، "هدية العارفين" ٢٥٠/١).
(٢) "الضياء المعنوي في شرح مقدمة الغزنوي"، أو "ضياء المعنوية على المقدمة الغزنوية": لأبي البقاء محمد بن أحمد
بهاء، الدين المعروف بابن الضياء القُرَشِيّ الَكِّيّ(ت٨٥٤هـ)، و"الغزنوية": لأحمد بن محمد بن محمود بن سعيد
جمال الدين القادسيّ الغَزْنَوِيّ ("كشف الظنون" ١٨٠٢/٢ -١٨٠٣، "الجواهر المضية" ٣١٥/١، "الضوء اللامع
٨٤/٧، "هديَّة العارفين" ١٩٧/٢، "فهرس مخطوطات الظاهرية" - الفقه الحنفيّ ٤٨٤/١).
(٣) الموضوعات ٤٨/٢-٤٩، وابن الجَوْزِيّ هو أبو الفرج عبد الرحمن بن علي القُرَشِيّ البغداديّ الحنبلي(ت٥٩٧هـ).
("سير أعلام النبلاء" ٣٦٥/٢١).
(٤) "تاريخ بغداد": ٣٣٥/١٣.

الجزء الأول
١٧٥
المقدمة
لأَنَّهَ رُوِيَ بِطُرُقٍ مختلفةٍ ))، وروى "الجرجانيُّ" في "مناقبه"(١) بسنده لـ "سهل بن عبد الله"
[مطلبٌ]
[ مناقشةُ الأحاديث الواردة في فضل "أبي حنيفة" ]
[٣٦٥] (قولُهُ: لأَنَّ رُوِي بطُرقٍ مختلفةٍ) بسَطَها العلاَّمة "طاش كبري"(٢)، فُيُشعِرُ بأنَّ له
أصلاً، فلا أقلّ من أنْ يكون ضعيفاً فيقبل؛ إذْ لم يترتّبْ عليه إثباتُ حكمٍ شرعىٍّ، ولا شكَّ
في تحقَّقِ معناه في "الإمام"؛ فإنَّه سراجٌ يُستضاء بنور علمِه، ويُهتدى بثاقبِ فهمِه، لكنْ قال
بعض العلماء(٣): إنَّه قد أَقرَّ "ابنَ الجوزيّ" على عدِّهِ هذه الأخبارَ في الموضوعات الحافظُ
"الذهبيُّ (٤)، والحافظُ "السيوطيُ)) (٥)، والحافظُ "ابن حجر العسقلانيُ)(٦)، والحافظُ الذي
انتهت إليه رئاسةُ مذهب "أبي حنيفة" في زمنه الشيخُ "قاسم الحنفي(٧)، ومن ثَمَّ لم يورِدْ شيئاً
منها أئمّةُ الحديث الذين صنَّفوا في مناقبِ هذا "الإِمام" كـ "الطحاويّ(٨) وصاحبِ "طبقات
الحنفيّة" "محبي الدين القرشيّ" (٩) وآخَرِين متقنين ثقاتٍ أثباتٍ نقَّادٍ، لهم اطّلاعٌ كثيرٌ اهـ.
(١) "مناقب الجرجاني": لعله لعبد الله بن يوسف الجرجاني الشافعي (ت ٤٨٩هـ)، فقد ألّف في مناقب الإمام
الشافعي ومناقب الإمام أحمد. ("معجم المؤلفين" ٣٠٦/٢، "كشف الظنون" ١٨٣٩/٢).
(٢) "مفتاح السعادة ومصباح السيادة": ١٧٥/٢، وطاش كُبْرِي زاده هو أبو الخير أحمدُ بن مصطفى بن خليل، عصام الدين
المعروف بطاش كبري زاده (ت ٩٦٨هـ). ("الشقائق النعمانيّة" صـ٣٢٥-، "العقد المنظوم" صـ ٣٣٦ - ذيل "الشقائق").
(٣) هو العلامة الصالحيّ، والكلام في كتابه "عقود الجمان" صـ٨ ٤-٤٩ -.
(٤) أبو عبد الله محمد بن أحمد، شمس الدين الذهبيّ الشافعي(ت٧٤٨هـ) في كتابه "ميزان الاعتدال في نقد الرجال":
١٠٦/١-١٠٧. (انظر "الدرر الكامنة" ٣٣٦/٣، و"الأعلام" ٣٢٦/٥).
(٥) "اللآلئ المصنوعة": ٤٥٧/١-٤٥٨.
(٦) "لسان الميزان": ١٩٣/١، لأبي الفضل أحمد بن علي، شهاب الدين المعروف بابن حجر العَسْقلانيّ المصريّ
الشافعيّ(ت٨٥٢هـ). ("الضوء اللامع" ٣٦/٢، "الأعلام" ١٧٨/١).
(٧) أبو العدل قاسم بن قُطْلُوبُغا بن عبد الله، زين الدين السُّوْدُونيّ المصريّ(ت٨٧٩هـ)، وله "الأجوبة عن اعتراض ابن
أبي شيبة على أبي حنيفة" في الحديث، و"تبصرة الناقد في كيد الحاسد" في الدفع عن أبي حنيفة، وليسا بين أيدينا.
("كشف الظنون" ١٢/١، ٣٣٨، "الضوء اللامع" ١٨٤/٦).
(٨) واسم كتابه "عقود المرجان في مناقب أبي حنيفة النعمان". ("كشف الظنون" ١١٥٧/٢، "هدية العارفين" ٥٨/١).
(٩) أبو محمد عبد القادر بن محمد، مُحْبِي الدين القُرَشِيّ المصريّ(ت٧٧٥هـ)، واسم كتابه "البستان في مناقب إمامنا =

قسم العبادات
١٧٦
حاشية ابن عابدين
وقال العلاَّمة "ابن حجر" المكيُّ في "الخيرات الحسان في ترجمة أبي حنيفة النعمان" (١).
(( ومَن اطَّلِعَ على ما يأتي في هذا الكتابِ من أحوال "أبي حنيفةً" وكراماته وأخلاقه وسيرته
عَلِمَ أنه غَنِيٌّ عن أنْ يُستشهدَ على فضله بخبرٍ موضوعٍ ))، قال: (( ومما يصلُحُ للاستدلال به
على عظيمٍ شأن "أبي حنيفة" ما رُوي عنه عليه الصلاة والسلام أنَّه قال: ((تُرفَعُ زينةُ الدنيا
سنةَ خمسين ومائةٍ))(٢)، ومن ثَمَّ قال شمسُ الأئمَّة "الكردريُّ"(٣): إنَّ هذا الحديثَ محمولٌ
على "أبي حنيفة"؛ لأنَّه مات تلك السنةَ)) اهـ.
وقال أيضاً(٤): ((وقد وردتْ أحاديثُ صحيحةٌ تشير إلى فضله، منها قوله ◌َ﴿ّ فيما رواه
"الشيخان"(٥) عن "أبي هريرة"، و"الطبرانيُّ"(٦) عن "ابن مسعودٍ" ◌َّه أنَّ النبي ◌َ ﴿ قال:
= النعمان". ("كشف الظنون" ٢٤٤/١، "الجواهر المضية" ٤٩/١، "الدرر الكامنة" ٣٩٢/٣، "الفوائد البهية" صـ ٩٩-).
(١) "الخيرات الحسان": المقدّمة الثالثة صـ١٨ -.
(٢) لم نجده بهذا اللفظ، وإنما هو: ((تُرفَعُ زينةُ الدنيا سنةَ خمسٍ وعشرين ومئةٍ))، أخرجه أبو يعلى برقم (٨٥١)، والبزارُ
في "البحر الزخار" برقم (١٠٢٧)، وابنُ عدي في "الكامل" ٤٨٠/٢ و١٩٤٥/٥ عن عبد الرحمن بن عوف
مرفوعاً، قال ابنُ عدي ١٩٤٥/٥: هذا حديثٌ منكرٌ، وانظر كلامَهُ أيضاً ٤٨٠/٢، وذكرَهُ ابن الجوزي في
"الموضوعات" ١٩٣/٣، ويؤيِّدُ حكمَهُ هذا ما ذكره أئمّةُ الحديث من أنَّ كلَّ حديثٍ فيه تاريخ مستقبل فهو باطلٌ،
انظر "المنار المنيف" لابن القيِّم صـ١١٠،٦٣-١١١ -.
(٣) أبو الوجد - وقيل: أبو الوَحْدة - محمد بن عبد الستار بن محمد، شمس الأئمة العماديّ الكَرْدَريّ البَرَاتَقِينِيّ
(ت٦٤٢هـ)، وقيل: محمد بن محمد بن عبد الستار، له "الرد والانتصار لأبي حنيفة إمام فقهاء الأمصار"، و"الفوائد
المنيفة في الذب عن أبي حنيفة". ("سير أعلام النبلاء" ١١٢/٢٣، "الجواهر المضية" ٢٢٨/٣، "تاج التراجم"
ص- ٢٢٣-، "الفوائد البهية" صـ ١٧٦-، "هدية العارفين" ١٢٢/٢).
(٤) "الخيرات الحسان": المقدّمة الثالثة صـ١٦ -.
(٥) البخاري برقم (٤٨٩٧) كتاب تفسير القرآن - سورة الجمعة - باب: ﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَقَّايَلْحَقُواْبِهِمْ﴾، ومسلم برقم
(٢٥٤٦)(٢٣١) كتاب فضائل الصحابة - باب فضل فارس.
(٦) في "معجمه الكبير" ٢٠٤/١٠ رقم (١٠٤٧٠)، وأورَدَهُ الهيثمي في "المجمع" ٦٥/١٠، وفيه محمَّدُ بنُ الحجاج
اللَّخْمِيّ، وهو كذّابٌ، ومرادُ الهيثميّ في "مجمع الزوائد" الحكمُ على سندِ رواية ابن مسعودٍ لا على أصلِ الحديث؛
لأَنَّه ثابتٌ في "الصحيحين".

الجزء الأول
١٧٧
المقدمة
(( لو كان الإِيمانُ عند الثُّريًّا لتناوَلَهُ رجالٌ من أبناء فارس))، ورواه "أبو نُعَيمٍ)"(١) عن "أبي
هريرة"، و"الشيرازيُّ" و"الطبرانيُّ"(٢) عن "قيسِ بن سعد بن عبادة" بلفظِ: أنَّ النبيِ مُ﴿ قال:
« لو كان العلم معلّقاً عند الثريًّا لتناوَلَه رجالٌ من أبناء فارس)، ولفظُ "الطبرانيّ" عن "قيسٍ":
(( لا تنالُهُ العَربُ لَناله رجالٌ من أبناءِ فارس)، وفي روايةٍ "مسلمٍ)"(٣) عن "أبي هريرة": ((لوْ كانَ
٣٦/١ الإيمانُ عند الّريًّا لذهَبَ به رَجُلٌ من أبناءِ فارسٍ حَتَّى يَتناولَهُ» وفي روايةٍ لـ "الشَّيخينِ"(٤) عن
"أبي هريرةً": (( والّذي نفسي بيده، لو كان الدِّينُ معلّقاً بالثّريّا لتناوَلَهُ رجلٌ من فارسٍ)).
وليسَ المرادُ بفارسِ البلادَ المعروفةَ، بل جنسٌ من العجم، وهم الفرسُ لخبرِ "الديلميِّ(٥):
(( خيرُ العَجَم فارسٌ))، وقد كان حَدُّ "أبي حنيفةً" من فارسٍ على ما عليه الأكثرون، قال
الحافظ "السيوطيُّ)"(٦): هذا الحديثُ الذي رواهُ "الشَّيخان" أصلٌ صحيحٌ يُعتمَدُ عليه في
الإشارة لـ "أبي حنيفةً"، وهو متَّفقٌ على صحَّتِه، وبه يُستغنى عمَّا ذكَرَهُ أصحابُ(٧) المناقبِ
(١) "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء": ٦٤/٦، وأبو نُعَيْم هو أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهانيّ
الشافعيّ(ت ٤٣٠ هـ). ("وفيات الأعيان" ٩١/١، "شذرات الذهب" ١٤٩/٥).
(٢) الشِّيرازيّ في "ذكر أخبار أصبهان" ٥/١، والطبراني في "المعجم الكبير" ٣٥٣/٨ بلفظ: ((لو كان الإيمانُ مُعلَّقاً
بالْثُرَيَّا لنالَهُ رجالٌ من فارس))، وليس فيه لفظُ العلم، ولا لفظُ ((لا تنالُهُ العربُ)).
(٣) رقم (٢٥٤٦)(٢٣٠) كتاب فضائل الصحابة - باب فضل فارس.
(٤) أمَّا لفظةُ ((الدين)) فليست للبخاري، وإنما هي في مسلم (٢٥٤٦)، ولفظُ: ((والذي نفسي بيده)) غيرُ موجودٍ في
"الصحيحين"، وإنما أخرجَهُ الترمذيُّ برقم (٣٣٠٧) في التفسير - باب سورة الجمعة.
(٥) في "الفردوس" ١٧٨/٢ عن علي بلا إسنادٍ، لكن ساقَ إسنادَهُ السيوطيُّ في "ذيل اللآلئ" صـ٧٩-، وفيه عنبة بن
عبد الرحمن، قال أبو حاتم الرازي: هو متروكُ الحديث، كان يضعُ الحديثَ كما في "الجرح والتعديل" ٤٠٢/٦،
وقد أعلَّهُ السيوطيُّ في "ذيل اللآلئ" بعنبة المذكور، وقال: عنبة متروكٌ، وتبعه ابن عراق في "تنزيه الشريعة"
٣٦/٢، وقال الشوكاني في "الفوائد المجموعة" ص ٤١٤ - : هو موضوعٌ.
(٦) "ذيل اللآلئ": صـ٧٩ -.
(٧) من ((في الإشارة)) إلى ((أصحاب)) ساقطٌ من "أ".

قسم العبادات
١٧٨
حاشية ابن عابدين
التستريِّ: (( أَنَّه قال: لو كان في أمَّةِ موسى وعيسى مثلُ "أبي حنيفة" لَمَا تهوَّدُوا
ولَمَا تنصَّروا))،
ممن ليس له درايةٌ في علم الحديثِ، فإنَّ في سنده كذَّابين ووضَّاعين)). اهـ ملخَّصاً.
وفي "حاشية الشَّبْرَامَلْسيِّ" على "المواهب"(١) عن العلاَّمة "الشاميِّ"(٢) تلميذِ الحافظ
"السيوطيّ" قال: (( ما جزَمَ به شيخُنا من أنَّ "أبا حنيفة" هو المرادُ من هذا الحديثِ ظاهرٌ لا
شكَّ فيه؛ لأَنَّه لم يبلغْ من أبناء فارسٍ في العلم مبلغَهُ أحدٌ )) اهـ.
[٣٢٦) (قولُهُ: "النِّسْتَرِيِّ)(٣) إمامٌ عظيمٌ رَّه، كان يقول: إنّي لأعهدُ الميثاقَ الذي أخَذَه
الله تعالى عليَّ في عالم الذَّرِّ، وإني لأرعى أولادي من هذا الوقتِ إلى أنْ أَخرجَهم الله تعالى
إلى عالم الشُّهود والظهور، "ط)" (٤).
[٣٦٧] (قولُهُ: لَمَا تهوَّدوا إلخ) أي: لَمَا داموا على دينهم الباطلِ واعتقادِهم العاطل، ولم يقبلوا
ما أدخَلَهُ عليهم علماؤهم من الدَّسائس، فأعْمَوهم عما جاء به نبيّنا من النفائس، إنّهم لم يقبلوا
ذلك إلاَّ لعقلهمُ الفاسدِ ورأيهم الكاسد، فلو كان فيهم مثلُهُ غزيرَ العلم ثاقبَ الفهم قائماً
بالصدق عارفاً بالحقِّ لردَّ جميعَ ذلك، وأنقَذَهم من المهالكِ قبل غلوِّهم وتمكِّن الشَُّهِ في عقولهم،
فإنَّ كونه واحداً منهم يكون لكلامه أقبلَ، فإنَّ الجنس إلى الجنس أميلُ، فلا يلزمُ تفضيلُه على
نبيِّنا المكرَّمِ ﴿، فافهم.
(١) حاشية أبي الضياء علي بن علي، نور الدين الشَّبْرامَلّسيّ(ت ١٠٨٧ هـ) على "المواهب اللدنيَّة" لأبي العباس أحمد بن
محمد، شهاب الدين القَسْطَلاَّنيّ المصريّ الشافعيّ(ت٩٢٣هـ). ("كشف الظنون" ١٨٩٦/٢-١٨٩٧، "الكواكب
السائرة" ١٢٦/١، "خلاصة الأثر" ١٧٤/٣).
(٢) هو المحدث المؤرخ أبو عبد الله محمد بن يوسف، شمس الدين الشَّاميّ الصَّالحيّ الشَّافعيّ(ت٩٤٢هـ). ("هدية
العارفين" ٢٣٦/٢، "الأعلام" ١٥٥/٧)، والنقلى المذكور في كتابه "عقود الجمان": الباب الثاني صـ ٤٥ -.
(٣) أبو محمد سهل بن عبد الله بن يونس التَّسْتَريّ(ت ٢٨٣هـ) أحد الأئمة الصوفية وعلمائهم. ("حلية الأولياء"
١٨٩/١٠، "الأعلام" ١٤٣/٣).
(٤) "ط": المقدَّمة ٣٧/١.

الجزء الأول
١٧٩
المقدمة
ومناقبُهُ أكثرُ من أنْ تُحصَرَ، وصنَّفَ فيها سِبْطُ "ابن الجوزيِّ" محلّدين كبيرين،
وسمَّاه "الانتصار لإمام أئمَّةِ الأمصار").
[٣٦٨] (قولُهُ: ومناقبُه أكثرُ من أنْ تُحصَى) هذا من مُشكِلِ التراكيب، فإنَّ ظاهره تفضيلُ
الشيء في الأكثريَّةِ على الإحصاء، ولا معنى له، ونظائرُهُ كثيرةٌ، قلَّ مَنْ يتنَّهُ [١/ق٣٨/ب]
الإِشكالها، ووُجِّه بأوجُهٍ متعدِّدةٍ بَّنْتُها في رسالتي المسمَّة بـ "الفوائد العجيبة في إعراب
الكلمات الغريبة"(١)، أحسنُها: ما ذكره "الرضيُّ))(٢): (( أَنَّه ليس المرادُ التفضيلَ، بل المرادُ
البعدُ عن الكثرة، فمِنْ متعلّقةٌ بأفعلِ التفضيل بمعنى تجاوَزَ وبايَنَ بلا تفضيلٍ )).
[٣٦٩] (قولُهُ: سِبطُ) قيل: الأسباطُ الأولادُ خاصةً، وقيل: أولادُ الأولاد، وقيل: أولادُ
البنات، "نهاية الحديث"(٣). والمشهورُ الثالث.
[مطلبٌ]
[ فيمن أَلَّفَ في مدح "أبي حنيفة" وفيمن ألَّف في الطَّعنِ فيه ]
[٣٧٠) (قولُهُ: وسمَّاه "الانتصارَ")(٤) إنما سمّاه بذلك لأنَّ "الإِمام" تَّهِ لَمَّا شاعت فضائله،
وعمَّت الخافقين فواضلُه جرت عليه العادةُ القديمة من إطلاق ألسنة الحاسدين فيه حتى طعنوا في
اجتهاده وعقيدته بما هو مبرّاً منه قطعاً لقصد أنْ يطفئوا نور الله، ﴿وَيَأْبَ اللهُإِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُرَهُ﴾
[التوبة - ٣٢]، كما تكلّمَ بعضُهم في "مالكٍ"، وبعضُهم في "الشافعيِّ"، وبعضُهم في "أحمد"، بل
قد تكلّمتْ فرقةٌ في "أبي بكر" و"عمر"، وفرقةٌ في "عثمان" و"علي"، وفرقةٌ كفَّرتْ كلَّ
الصحابة. [طويل]
(١) "رسائل ابن عابدين": ٣٣٥/٢.
(٢) "شرح الرضيِّ على الكافية": اسم التفضيل ٤٥٥/٣.
(٣) "النهاية في غريب الحديث والأثر": مادَّة ((سبط)).

قسم العبادات
١٨٠
حاشية ابن عابدين
..
. .
ومَن ذا الذي ينجو من الناسِ سالماً وللناس قالٌ بالظُّنُون وقِيلُ(١)
وممن انتصَرَ لـ "الإِمام" رحمه الله تعالى العلاَّمةُ "السيوطيُّ" في كتابٍ سمَّاه "تبيضَ الصحيفة"،
والعلاَّمةُ "ابنُ حجرٍ" في كتابٍ سمَّاه "الخيراتِ الحسان"، والعلاَّمةُ "يوسفُ بن عبد الهادي الحنبليُّ"
في مجلّدٍ كبيرٍ سمَّاه " تنويرَ الصحيفة"، وذكَرَ فيه عن "ابن عبد البرّ(٢): (( لا تتكلّمْ في "أبي حنيفة"
بسوءِ، ولا تصدقَنَّ أحداً يسيءُ القول فيه، فإنّي - والله - ما رأيتُ أفضلَ ولا أورعَ ولا أفقه منه))،
ثُمَّ قال: ((ولا يغَتَرَّ أحدٌ بكلام "الخطيب"، فإنَّ عنده العصبيَّةَ الزائدةَ على جماعةٍ من العلماء
كـ "أبي حنيفةً" والإمام "أحمد" وبعضِ أصحابه، وتحامَلَ عليهم بكلِّ وجهٍ، وصنَّفَ فيه بعضهم
"السهم المصيب في كبد الخطيب" (٣)، وأمَّا "ابنُ الجوزي" فإنَّه تَابَعَ "الخطيب"، وقد عجِبَ سبطُه
منه، حيث قال في "مرآة الزمان"(٤): وليس العجبُ من "الخطيب"، فإنَّه طعَنَ في جماعةٍ من
العلماء، وإنما العجبُ من الجدِّ كيف سَلَكَ أسلوبه، وجاء بما هو أعظمُ))، قال: ((ومن المتعصِّبين
على "أبي حنيفة" "الدار قطنيُّ" و"أبو نُعَيم"، فإنَّه لم يذكره في "الحِلية"(٥)، وذكر مَنْ دونه في
العلم والزهد )) اهـ.
(١) البيتُ لأبي العتاهية وهو في "ديوانه" صـ ١٨٨ -.
(٢) هو أبو عمر يوسف بن عبد الله المعروف بابن عبد البر النُمَريّ القرطبيّ المالكيّ (ت٤٦٣هـ). ("سير أعلام النبلاء"
١٥٣/١٨).
(٣) وله اسم آخر هو "السهم المصيب في الرد على الخطيب" لأبي العزائم عيسى بن محمد، شرف الدين الأيوبيّ
(ت٦٢٤ هـ). ("كشف الظنون" ١٠١٠/٢، "الجواهر المضية" ٦٨/٢، ١٨٨، "الفوائد البهية" صـ ١٥١-).
(٤) "مرآةُ الزمان في تاريخ الأعيان": لأبي المظفّر يوسفَ بن قِرَّأُ وْغلي بن عبد الله، شمس الدين المعروف بسبط ابن
الجوزيّ التركيّ، ثُمَّ البغداديّ الدمشقيّ الحنبليّ ثُمَّ الحنفيّ(ت٦٥٤هـ). ("كشف الظنون" ١٦٤٧/٢، "الجواهر
المضية" ٦٣٣/٣).
(٥) "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء": لأبي نُعَيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهانيّ الشَّافعيّ(ت٤٣٠ هـ).
("كشف الظنون" ٦٨٩/١، "وفيات الأعيان" ٩١/١، "تذكرة الحفاظ" ١٠٩٢/٣).

الجزء الأول
١٨١
المقدمة
٠٠
وممن انتصَرَ له العارفُ "الشَّعرانيُّ" في "الميزان"(١) بما يتعيّنُ مطالعته، قال في "الخيرات
الحسان"(٢): ((وبفرَضِ صحَّةٍ ما ذكره " الخطيب" من القدح عن قائله فلا يُعتَدُّ به، فإنّه إِنْ
كان من غير أقران "الإِمام" فهو مقلّدٌ لِما قاله أو كتبَهُ أعداؤه، أو من أقرانه فكذلك؛ لأنَّ قول
الأقران [١/ق٣٩/أ] بعضِهم في بعضٍ غيرُ مقبولٍ كما صرَّحَ به "الذهبيُّ"(٣) و"العسقلانيُ)) (٤)،
قالا: ولا سيَّما إذا لاحَ أَنَّ لعداوةٍ أو لمذهبٍ؛ إذ الحسدُ لا ينجو منه إلاَّ مَن عصَمَهُ الله تعالى،
قال "الذهبيُّ": وما علمتُ أنَّ عصراً سلِمَ أهله من ذلك إلاَّ عصرَ النبيِّين عليهم الصلاة والسلام
والصدِّيقين، وقال "التاجُ السبكيُّ"(٥): ينبغي لك أيُّها المسترشدُ أنْ تسلك سبيلَ الأدب مع
الأئمّة الماضين، ولا تنظرَ إلى كلام بعضِهم في بعضٍ إلا إذا أتى ببرهانٍ واضحٍ، ثم إِنْ قدَرتَ
على التأويل وتحسينِ الظنِّ فدونك، وإِلاَّ فاضربْ صفحاً، فأيّك ثمَّ إِيَّاك أنْ تصغيَ إلى ما اتَّفقَ
بين "أبي حنيفة" و"سفيان الثوريّ"، أو بين "مالكٍ" و"ابن أبي ذئبٍ"، أو بين "أحمد بن صالحٍ"
و "النسائيّ"، أو بين "أحمد" و"الحارث المحاسبيِّ"، وذكرَ كلامَ كثيرين من نظراءِ "مالكٍ" فيه،
٣٧/١ وكلامَ "ابن مَعينٍ" في "الشافعي"، قال: وما مَثَلُ مَن تكلَّمَ فيهما وفي نظائرهما إلا كما قال "الحسن
ابن هانئ"(٦): [بسيط]
(١) "الميزان الكبرى": ٦٧/١، لأبي محمَّدٍ عبد الوهّاب بن أحمد بن علي الشَّعْرَانيّ الشَّافعيّ(ت٩٧٣هـ). ("الكواكب
السائرة" ١٧٦/٣، "الأعلام" ١٨٠/٤).
(٢) "الخيرات الحسان": الفصل الثامن والثلاثون صـ٨٤، والفصل التاسع والثلاثون صـ٨٥-٨٦ -.
(٣) "ميزان الاعتدال": ١١١/١ في ترجمة أبي نعيم الأصفهاني.
(٤) "لسان الميزان": ٢٠١/١ في ترجمة أبي نعيم الأصفهاني.
(٥) "طبقات الشافعيّة الكبرى": ٢٧٨/٢ في ترجمة الحارث المحاسبي.
(٦) الشاعر العباسي المشهور أبو نُوَاس الحسن بن هانئ بن عبد الأَوَّل بن صباح الحكميّ بالولاء اليمنيّ(ت١٩٨ هـ،
وقيل: ١٩٥، وقيل: ١٩٦). ("الشعر والشعراء" ٧٩٦/٢، "وفيات الأعيان" ٩٥/٢، "الأعلام" ٢٢٥/٢)، والبيت
ليس في ديوانه ولم نعثر عليه في المصادر التي وقعت عليها أيدينا.

قسم العبادات
١٨٢
حاشية ابن عابدين
يا ناطحَ الجبلِ العالي لَيَكْلِمَهُ
أُشِفِقْ على الرأس لا تُشِفِقْ على الجبلِ ))
اهـ ملخصاً.
وقد أطالَ في ذلك وفي ذكرٍ مَن أثنى على "الإِمام" من أئمَّة السلف وممن بعدهم، وما نقلوه
من سَعَةٍ علمه وفهمه وزهده وورعه وعبادته واحتياطه وخوفه وغيرِ ذلك مما يستدعي مؤلّفاتٍ.
وما يُنسَبُ إلى الإمام "الغزاليّ" يردُّهُ ما ذَكَرَهُ في "إحيائه"(١) المتواترِ عنه، حيث ترجَمَ
الأئمَّةَ الأربعة، وقال: (( وأمَّا "أبو حنيفة" فلقد كان أيضاً عابداً زاهداً عارفاً بالله تعالى
خائفاً منه مُريداً وجه الله تعالى بعلمه إلخ )).
أقولُ: ولا عجَبَ مِن تكلُّمِ السلف في بعضهم كما وقع للصحابة؛ لأنّهم كانوا مجتهدين،
فينكرُ بعضهم على مَن خالَفَ الآخرَ، لا سيَّما إذا قام عنده ما يدلُّ له على خطأ غيره، فليس
قصدُهم إلاَّ الانتصارَ للدين لا لأنفسهم، وإنما العجبُ ممن يدَّعي العلمَ في زماننا ومأكلُهُ ومشربُه
ومَلْبَسُه وعقودُه وأنكحته وكثيرٌ من تعبداته يقلِّدُ فيها "الإِمامَ الأعظم"، ثمَّ يطعنُ فيه وفي
أصحابه، وليس مَثَله إلاَّ كمثل ذبابةٍ وقعتْ تحت ذنبِ جوادٍ في حالةِ كرِّه وفرِّه، وليت
شعري، لأيِّ شيءٍ يُصدِّقُ ما قيل في "أبي حنيفة"، ولا يصدِّقُ ما قيل في إمام مذهبه، ولِمَ لا
يقلّدُ إمامَ مذهبه في أدبه مع هذا "الإِمام" الجليل؟! فقد نقَلَ العلماءُ ثناء الأئمَّة الثلاثة على "أبي
حنيفة" وتأدُّبَهم معه، ولا سيَّما الإِمامُ "الشافعيُّ" رضي الله تعالى عنه، والكاملُ لا يصدُرُ منه إلاَّ
الكمالُ، والناقصُ بضدِه. [١/ق٣٩/ب]
ويكفي المعترضَ حرمانُهُ بركةَ مَن يعترضُ عليه، أعاذنا الله من ذلك، وأدامنا على حبِّ سائرٍ
الأئمّة المجتهدین وجمیع عباده الصالحين، وحشرَنا في زمرتهم يوم الدين.
ومما روي من تأدُّبِهِ معه أنَّه قال: ((إني لأتبرَّكُ بـ "أبي حنيفة"، وأجيءُ إلى قبره، فإذا عَرضَتْ
لي حاجةٌ صلَّيت ركعتين، وسألتُ الله تعالى عند قبره فتقضى سريعاً)). وذكر بعضُ مَن كتب
(١) "الإِحياء": كتاب العلم - باب بيان العلم الذي هو فرضُ كفايةٍ ٤٤/١.

الجزء الأول
١٨٣
المقدمة
وصنَّفَ غيرُهُ أكثرَ من ذلك.
والحاصلُ: أنَّ "أبا حنيفة" النعمانَ من أعظم معجزات المصطفى.
على "المنهاج": ((أنَّ " الشافعيَّ" صلَّى الصبح عند قبره فلم يقنُتْ، فقيل له: لِمَ ؟ قال: تأدُّباً
مع صاحب هذا القبر ))، وزادَ غيره: (( أَنَّه لم يجهرْ بالبسملة)). وأجابوا عن ذلك: بأنّه قد
يعرِضُ للسنَّةِ ما يرجِّحُ تركَها عند الاحتياج إليه كرغم أنفِ حاسدٍ وتعليمِ جاهلٍ، ولا شك أنَّ
"أبا حنيفة" كان له حسَّادٌ كثيرون، والبيانُ بالفعل أظهرُ منه بالقول، فما فعَلَهُ "الشافعيُّ" رضي
الله تعالى عنه أفضلُ من فعل القنوت والجهر.
أقول: ولا يخفى عليك أنَّ ذلك الطاعنَ الأحمق طاعنٌ في إمام مذهبه، ولذا قال في "الميزان"(١).
(( سمعت سيِّدي "عليّاً الخوَّاص" - رحمه الله تعالى - مِراراً يقول: يتعيَّنُ على أتباعِ الأئمَّة أنْ
يعظّموا كلَّ مَن مدحَهُ إمامهم؛ لأنَّ إمام المذهب إذا مدحَ عالماً وجَبَ على جميعٍ أتباعه أنْ
يمدحوه تقليداً لإمامهم، وأنْ ينزِّهوه عن القول في دين الله بالرأي))، وقال أيضاً (٢): ((لو
أَنصَفَ المقلّدون للإمام "مالكٍ" و"الشافعيّ" لم يُضعِّف أحدٌ منهم قولاً من أقوال "أبي حنيفة"
بعد أنْ سمعوا مدحَ أئمَّتهم له، ولو لم يكن من التنويهِ برفعةِ مقامه إلاَّ كونُ الإِمام "الشافعيِّ"
رضي الله تعالى عنه ترَكَ القنوتَ في الصبح لَمَّ صلَّى عند قبره لكان فيه كفايةٌ في لزوم أدبِ
مقلّدیه معه )).
[٣٧١] (قولُهُ: وصنَّف غيرُهُ) كالإِمام "الطحاويِّ" والحافظ "الذهبيِّ" و"الكردريِّ"
وغيرهم ممن قدَّمناهم(٣).
[٣٧٢) (قولُهُ: من أعظم معجزاتٍ إلى آخره) لأَنَّهِ ﴿ قد أخبَرَ به قبل وجوده بالأحاديثِ الصحيحة
(١) "الميزان الكبرى": ٦٤/١.
(٢) أي: سيِّدي علي الخواص. (وانظر ترجمته في "طبقات الشعراني" ١٤٧/٢، و"الكواكب الدرية" ٩٠/٤).
(٣) في المقولة السابقة.

قسم العبادات
١٨٤
حاشية ابن عابدين
التي قدَّمناها(١)، فإنَّها محمولةٌ عليه بلا شكٍ" كما قدَّمناه(٢) عن "الشاميِّ" صاحب "السيرة"
وشيخِهِ "السيوطيِّ" كما حُمِلَ حديثُ: (( لا تَسُبُّوا قريشاً، فإنَّ عالمها يملأ الأرضَ علماً))(٣)
على الإمام "الشافعيِّ"، لكنْ حملَهُ بعضُهم على "ابن عباسٍ" رضي الله تعالى عنه، وهو حقيقٌ
بذلك؛ فإنَّه حَبرُ الأمَّة وَتَرجُمانُ القرآن، وكما حُمِلَ حديثُ: (( يوشكُ أنْ يَضرِبَ الناسُ
أكبادَ [١/ق ٤٠/أ] الإبل يطلبون العلم، فلا يجدون أعلمَ من عالم المدينة))(٤) على الإمام
"مالكٍ"، لكنَّه محتملٌ لغيره من علماء المدينة المنفردين في زمنهم بخلاف تلك الأحاديثِ،
فإنّها ليس لها محملٌ إلا "أبو حنيفة" وأصحابُهُ كما أفاده "ط" (٥).
وأمَّا "سلمانُ الفارسيُّ" رضي الله تعالى عنه فهو وإنْ كان أفضلَ من "أبي حنيفة" من حيث
الصحبةُ فلم يكن في العلم والاجتهاد ونشرِ الدين وتدوينٍ أحكامه كـ "أبي حنيفة"، وقد يوجدُ
في المفضول ما لا يوجدُ في الفاضل.
وسَمَّى ذلك معجزةً بناءً على أنَّ المراد بالتحدِّي في تعريف المعجزة هو دعوى الرسالة،
وهو قولُ المحقّقين كما في "المواهب"(٦)، وقيل: المرادُ به طلبُ المعارضة والمقابلة، وعليه
(١) من صـ ١٧٦ - إلى صـ ١٧٨ -.
(٢) المقولة [٣٦٥].
(٣) أخرجه ابنُ عدي في "الكامل" ٢٨١/١، والبيهقيُّ في "مناقب الشافعي" ٢٥/١، وأبو نعيمٍ في "الحلية" ٦٥/٩ عن
ابن عباسٍ مرفوعاً، وأخرجه الخطيبُ في "تاريخه" ٦١/٢، والبيهقيُّ في "المناقب" ٢٧/١ عن أبي هريرة مرفوعاً، قال
البيهقيُّ بعد أنْ ساقَ طرق الحديث: أسانيد هذا الحديث إذا ضُمَّ بعضُها إلى بعضٍ صارَتْ قويَّةً. اهـ. ووافَقَهُ ابن
حجرٍ في "توالي التأسيس" ص ٤٤ -. وفي الباب عن ابن مسعود رضي ته.
(٤) أخرجه أحمد ٢٩٩/٢، والترمذيُّ (٢٦٨٠) كتاب العلم - باب ما جاء في عالم المدينة، وقال: حديثٌ حسنٌ،
والنسائيُّ في "الكبرى" (٤٢٩١) كتاب الحجِّ - باب فضل عالم المدينة، وابن حبان (٣٧٣٦) كتاب الحجِّ - باب
فضل المدينة، والحاكم في "المستدرك" ٩٠/١ - ٩١ وصحَّحَهُ، ووافقه الذهبي، والبيهقيُّ في "السنن الكبرى"
٣٨٦/١ كتاب الصلاة، كلُّهم من حديث أبي هريرة مرفوعاً.
(٥) "ط": المقدَّمة ٣٩/١.
(٦) "المواهب اللدنَّة": المقصد الرابع - الفصل الأوَّل في معجزاته ٤٩٦/٢.