Indexed OCR Text
Pages 141-160
الجزء الأول
١٢٥
المقدمة
وعند الفقهاء: حفظُ الفروع، وأقلُّهُ ثلاثٌ،.
حصولُهُ بطريق الاستدلال، وجعلَهُ في "التوضيح"(١) منه.
ولعلَّ وجهه: أنَّ وصوله إلى حدِّ الضَّرورة عارضٌ لكونه صارَ من شعار الدين، فلا ينافي كونَهُ
في الأصل ثابتاً بالدليل؛ إذ ليس هو من الضروريَّات البديهيَّة التي لا تحتاجُ إلى نظرٍ واستدلالٍ
ككون الكلِّ أعظمَ من الجزء، نعم يحتاجُ إلى إخراجه على قولِ مَنْ خصَّ الفقهَ بالظنيِّ.
وقولُهُ: ((التفصيليَّةِ)) تصريحٌ بلازمٍ كما حقَّقَهُ في "التحرير"(٢)، وغِلِطَ مَنْ جِعَلَهُ للاحتراز،
وفي هذا المقام تحقيقاتٌ ذكرتُها في "منحة الخالق" فيما علَّقته على "البحر الرائق"(٣).
[مطلبٌ]
[ من هو الفقيه؟ ]
[٢٥٢) (قولُهُ: وعند الفقهاءِ إلخ) قال في "البحر"(٤): ((فالحاصلُ أنَّ الفقهَ في الأصول علمُ
الأحكام من دلائلها كما تقدَّمَ، فليس الفقيهُ إلاَّ المجتهدَ عندهم، وإطلاقُهُ على المقلّد الحافظ
للمسائل مجازٌ، وهو حقيقةٌ في عُرف الفقهاء بدليل انصرافِ الوقف والوصيّةِ للفقهاء إليهم،
وَقُلُّه ثلاثةُ أحكامٍ كما في "المنتقى"(٥)، وذكَرَ في "التحرير "(٦): أنَّ الشائع إطلاقُهُ على مَنْ
يحفظُ الفروعَ مطلقاً، يعني: سواءٌ كانت بدلائلها أَوْ لا)) اهـ.
لكنْ سيذكرُ(٧) في باب الوصيَّة للأقارب: ((أنَّ الفقيه: مَن يدقّقُ النظرَ في المسائل وإِنْ عِلِمَ
(١) "التوضيح": تعريف الحكم ١٦/١ (هامش "التلويح").
(٢) "التحرير": المقدِّمة ص ...
(٣) "حاشية منحة الخالق على البحر الرائق": ٦/١.
(٤) "البحر": المقدّمة ٧/١.
(٥) "المنتقى": لأبي الفضل محمد بن محمد بن أحمد المعروف بالحاكم الشهيد المِرْوَزيّ السُّلميّ البَلْخِيّ(ت٣٣٤هـ).
("كشف الظنون" ١٨٥١/٢، "الجواهر المضية" ٣١٣/٣، "الفوائد البهية" صـ ١٨٥-).
(٦) "التحرير": المقالة الثالثة في الاجتهاد وما يتبعُهُ من التقليد والإفتاء صـ٥٢٣- بتصرف.
(٧) أي: الشارح الحصكفي ٤٤١/٥.
قسم العبادات
١٢٦
حاشية ابن عابدين
وعند أهلِ الحقيقة: الجمعُ بين العلم والعمل؛ لقولِ "الحسن البصريّ": إنما الفقيهُ
المعرضُ عن الدنيا، الزَّاهدُ في الآخرة، البصيرُ بعيوب نفسه.
ثلاثَ مسائلَ مع أدلَّتها، حتى قيل: مَنْ حفظ ◌ُلوفاً من المسائل لم يدخلْ تحت الوصية )) اهـ
لكنَّ الظاهر أنَّ هذا حيث لا عُرفَ، وإلاَّ فالعُرفُ الآن هو ما ذكر في "التحرير": ((أَنَّه الشائعُ)).
[مطلبٌ]
[ الحقيقةُ الأصليَّة تُترك بالحقيقة العُرفيَّة ]
وقد صرَّحَ الأصوليون بأنَّ الحقيقة تُترك بدلالة العادة، وحينئذٍ فينصرفُ في كلام الواقف والموصي
إلى ما هو [١/ق٢٧/أ] المتعارَف في زمنه؛ لأَنَّه حقيقةُ كلامه العرفيَّةُ، فتُترَكُ به الحقيقة الأصلِيَّة.
[٢٥٣] (قولُهُ: وعند أهل الحقيقةِ) هم الجامعون بين الشريعة والطريقة الموصلة إلى الله
تعالى، والحقيقةُ لبُّ الشريعة، وسيأتي تمامُه(١).
[مطلبٌ]
[ الفقيهُ عند أهل الحقيقة ]
[٢٥٤] (قولُهُ: الزاهدُ في الآخرة) كذا في "البحر"(٢)، والذي في "الغزنويَّة"(٣): ((الراغبُ
في الآخرة ))، "ابن عبد الرزاق".
أقولُ: ومثلُهُ في "الإِحياء"(٤) للإمام "الغزاليِّ" بزيادةٍ، حيث قال: ((سأل
"فرقدُ السَّبَخِيُّ"(٥) "الحسنَ" عن شيءٍ فأجابه، فقال: إنَّ الفقهاء يخالفونك، فقال
(١) في المقولة التالية.
(٢) "البحر": المقدّمة ٦/١ نقلاً عن أصحاب الفتاوى في باب الطلاق، ومنهم الولوالجيُّ.
(٣) "المقدمة الغزنوية": لأحمد بن محمد بن محمود بن سعيد الغَزْنَوِيّ(ت٥٩٣هـ). ("كشف الظنون" ١٨٠٢/٢،
"الجواهر المضيّة" ٣١٥/١، "فهرس الظاهرية" - الفقه الحنفي ٢٠٠/٢).
(٤) "إحياء علوم الدين": كتاب العلم - بيان ما يدلُّ من ألفاظ العلوم ٥١/١، لأبي حامدٍ محمد بن محمد بن محمد،
حجَّة الإسلام الغَزّالي الطّوْسيّ الشافعيّ(ت ٥٠٥هـ). ("كشف الظنون" ٢٣/١، "طبقات السبكي" ١٠١/٤).
(٥) في "أ" و"ب" و"م": ((السنجي)) وما أثبتناه من "الأصل" و"الإحياء" هو الصواب، نسبةً إلى سبخة البصرة، وقيل :=
الجزء الأول
١٢٧
المقدمة
وموضوعُهُ: فعلُ المكلَّفِ ثبوتاً أو سلباً.
"الحسن"(١): ثكلتكَ أمُّك، وهل رأيت فقيهاً بعينك؟ إنما الفقيهُ الزاهدُ في الدنيا، الراغبُ في
الآخرة، البصيرُ بدينه، المداوم على عبادة ربِّهِ، الورِعُ الكافُّ عن أعراض المسلمين، العفيفُ
عن أموالهم، الناصحُ لجماعتهم)).
٢٦/١
[٢٥٥] (قولُهُ: وموضوعُه إلخ) موضوعُ كلِّ علمٍ: ما يُبحَثُ فيه عن عوارضه الذاتيّة. قال
في "البحر"(٢): ((وأمَّا موضوعُه: ففعْلُ المكلَّف من حيث إنَّه مكلّفٌ؛ لأَنَّه يبحثُ فيه عمَّا
يَعرِضُ لفعله من حِلٍّ وحرمةٍ ووجوبٍ ونَدْبٍ، والمرادُ بالمكلَّف البالغُ العاقلِ، فَفِعْلُ غيرِ
المكلَّف ليس من موضوعه، وضمانُ المتلَفات ونفقةُ الزوجات إنما المخاطبُ بها الوليُّ لا
الصبيُّ والمجنون، كما يخاطبُ صاحبُ البهيمة بضمان ما أتلفتْهُ، حيث فرَّطَ في حفظها
لتنزيل فعلها في هذه الحالةِ بمنزلة فعله. وأمَّا صحَّةُ عبادة الصبيِّ كصلاته وصومه المثابِ عليها
فهي عقليَّةٌ، من باب ربطِ الأحكام بالأسباب، ولذا لم يكن مخاطباً بها، بل ليعتادَها فلا
يتركَها بعد بلوغه إنْ شاء الله تعالى. وقيدنا بحيثَّةِ التكليف لأنَّ فعل المكلّف لا من حيث
التكليفُ ليس موضوعه كفعله من حيث إنَّه مخلوقٌ لله تعالى )) اهـ.
[٢٥٦) (قولُهُ: ثبوتاً أو سلباً) أي: من حيث ثبوتُ التكليفِ به كالواجب والحرام، أو سلبُهُ
كالمندوب والمباح، وقصَد بذلك دفعَ ما قد يقال: إنَّ قيد الحيثَّةِ مراعَىَّ، فالمرادُ فعلُ المكلَّف
من حيث إنَّه مكلّفٌ كما مرَّ(٣)، فيرِدُ عليه أنَّ فعل المكلّف المندوبَ أو المباحَ من موضوع
الفقهِ أيضاً مع أنَّه لا تكليفَ فيه لجواز فعله وتركه. والجوابُ أَنَّه يُبحَثُ عنه في الفقهِ من
= سبخة الكوفة، وهو أبو يعقوب فَرْقَد بن يعقوب السَّبَخيّ البصريّ(ت١٣١هـ). ("تهذيب التهذيب" ٢٦٢/٨،
"شذرات الذهب" ١٣٤/٢)، والخبر في الدارمي ٩٤/١ المقدمة - باب من قال العلم خشية، عن عمران بن المنقري.
(١) أبو سعيد الحسن بن يسار البصريّ التابعيّ(ت ١١٠هـ). ("حلية الأولياء" ١٣١/٢، "سير أعلام النبلاء" ٥٦٣/٤).
(٢) "البحر": المقدّمة ٧/١.
(٣) في المقولة السَّابقة.
قسم العبادات
١٢٨
حاشية ابن عابدين
واستمدادُهُ: من الكتاب والسنّةِ والإجماع والقياس.
وغايتُهُ :.
حيث سلبُ التكليفِ به عن طرفي فعلِ المكلّف.
مطلبٌ: الفرقُ بين المصدر والحاصل بالمصدر
(تنبيةٌ)
قال في "النَّهر"(١): (( اعلمْ أنَّ الفعل يُطلَقُ على المعنى الذي هو وَصفٌ للفاعل موجودٌ
كالهيئة المسمّاة بالصلاة من القيام والقراءة والركوع والسجود ونحوها [و](٢) كالهيئة
المسمّاة بالصَّوم، وهو الإمساكُ [١/ق٢٧/ب] عن المفطِرات بياضَ النهار، وهذا يقال فيه:
الفعلُ بالمعنى الحاصلِ بالمصدر.
وقد يطلقُ على نفسِ إيقاع الفاعلِ هذا المعنى، ويقالُ فيه: الفعلُ بالمعنى المصدري، أي:
الذي هو أحدُ مدلولَىِ الفعل، ومتعلَّقُ التكليف إنما هو الفعلُ بالمعنى الأوَّلِ لا الثاني؛ لأنَّ الفعل
بالمعنى الثاني اعتباريٌّ لا وجودَ له في الخارج؛ إذ لو كان موجوداً لكان له موقعٌ، فيكونُ له
إيقاعٌ وهكذا، فيلزمُ التسلسلُ المُحال، فَأَحكِمْ هذا، فإنَّه ينفعُك في كثيرٍ من المحالِّ)) اهـ
[٢٥٧] (قولُهُ: واستمدادُهُ) أي: مأخذُه.
[٢٥٨] (قولُهُ: من الكتاب إلخ) وأمَّا شريعةُ مَنْ قبلنا فتابعةٌ للكتاب، وأمَّا أقوالُ الصحابة
فتابعةٌ للسنّة، وأمَّا تعامُلُ الناس فتابعٌ للإجماع، وأمَّا التحرِّي واستصحابُ الحال فتابعان
للقياس، "بحر"(٣). وبيانُ ما ذُكِرَ في كتب الأصول.
[٢٥٩] (قولُهُ: وغايتُهُ) أي: ثمرتُه المترتّبة عليه.
(١) "النهر": كتاب الطهارة ق ٣/أ.
(٢) ما بين المنكسرين هو نص "النهر"، وهو ضروريّ لصحة المعنى.
(٣) "البحر": المقدَّمة ٧/١.
الجزء الأول
١٢٩
المقدمة
الفوزُ بسعادة الدَّارين.
وأمَّا فضله فكثيرٌ شهيرٌ، ومنه ما في "الخلاصة"(١) وغيرها: (( النظرُ في كتب أصحابنا
من غير سماعٍ أفضلُ من قيام الليل، وتعلُّمُ الفقهِ أفضلُ من تعلُّمٍ باقي القرآن،
وجميعُ الفقهِ لا بدَّ منه))، وفي "الملتقط" وغيره عن "محمَّدٍ": ((لا ينبغي للرَّجُل .....
[٢٦٠) (قولُهُ: بسعادةِ الدارين) أي: دارِ الدنيا بنقلِ نفسه من حضيض الجهل إلى ذروة
العلم، وببيان ما للناس وما عليهم لقطع الخصومات، ودارِ الآخرة بالنّعَم الفاخرة.
[٢٦١) (قولُهُ: من غيرِ سماعٍ) أي: من المعلِّم، وإذا كان النظرُ والمطالعة - وهو دون
السماع - أفضلَ من قيام الليل فما بالك بالسماع؟ اهـ "ح"(٢).
أقولُ: وهذا إذا كان مع الفهم لِما في "فصول العلاميّ)(٣): (( مَنْ له ذهنٌ يفهمُ الزيادةَ -أي: على
ما يكفيه - وقدَرَ أنْ يصلِّيَ ليلاً، وينظرَ في العلم نهاراً، فنظرُهُ في العلم نهاراً وليلاً أفضلُ )) اهـ
[مطلبٌ]
[ تعلُّمُ الفقهِ أفضلُ من قيام الليل وتعلُّمٍ باقي القرآن ]
[٢٦٢] (قولُهُ: أفضلُ من قيامِ الليل) أي: بالصلاة ونحوِها، وإلاَّ فهو من قيام الليل، وإنما
كان أفضلَ لأَنَّه من فروض الكفاية إنْ كان زائداً على ما يحتاجُهُ، وإلاَّ فهو فرضُ عين.
(٢٦٣] (قولُهُ: وتعلُّمُ الفقْهِ إلخ) في "البرَّازِيَّةُ"(٤): ((تعلَّمَ بعضَ القرآن، ووجَدَ فراغاً فالأفضلُ الاشتغالُ
بالفقه؛ لأنَّ حفظ القرآن فرضُ كفايةٍ، وتعلُّم ما لا بد من الفقهِ فرضُ عينٍ، قال في "الخزانة"(٥):
(١) "خلاصة الفتاوى": كتاب الكراهية _ الفصل الأول: في العلم ق٣٠٨/ب نقلاً عن "الفتاوى" معزياً إلى أبي مطيع،
وينتهي كلام الخلاصة عند قوله: ((قيام الليل)).
(٢) "ح": المقدّمة ق ٣/ب.
(٣) العلاّميُّ: نسبةٌ لأعلامٍ عدَّةٍ، وليس لأحدهم كتابُ "الفصول" على ما بين أيدينا من المصادر.
(٤) "البزازية": كتاب الصلاة - الفصل الحادي عشر في القراءة ٤١/٤ بتصرف (هامش "الفتاوى الهنديَّة").
(٥) لعله "خزانة الفتاوى": وستأتي ترجمتها صـ٦٢٩ -.
قسم العبادات
١٣٠
حاشية ابن عابدين
أنْ يُعرَفَ بالشعر والنّحو؛ لأنَّ آخرَ أمرِهِ إلى المسألة وتعليم الصِبيان، ولا بالحساب؛
لأنَّ آخرَ أمره إلى مساحة الأرضين، ولا بالتفسير؛ لأنَّ آخرَ أمره.
وجميعُ الفقه لا بدَّ منه. قال في "المناقب"(١): عمِلَ "محمدُ بن الحسن" مائتي ألفِ مسألةٍ في
الحلال والحرام لا بدَّ للناس من حفظها )) اهـ
وظاهرُ قوله: ((وجميعُ الفقهِ لابد منه)) أَنَّه كلَّه فرضُ عينٍ، لكنَّ المراد أَنَّه لا بدَّ منه
لمجموع الناس، فلا يكونُ فرضَ عينٍ على كلِّ واحدٍ، وإنما يُفترَضُ عيناً على كلِّ واحدٍ
تعلُّمُ ما يحتاجه؛ لأنَّ تعلُّم الرجل مسائلَ الحيض، وتعلُمَ الفقير [١/ق٢٨/أ] مسائلَ الزكاة
والحجِّ ونحٍ ذلك فرضُ كفايةٍ، إذا قام به البعض سقَطَ عن الباقين، ومثلُهُ حفظُ ما زاد على
ما يكفيه للصلاة. نعم قد يقال: تعلُّم باقي الفقهِ أفضلُ من تعلُّم باقي القرآن لكثرة حاجة
العامَّة إليه في عباداتهم ومعاملاتهم وقلَّةِ الفقهاء بالنسبة إلى الحفظة، تأمَّلْ.
[٢٦٤] (قولُهُ: أن يُعرَفَ) أي: يُشْتَهَرَ به، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ المطلوبَ أنْ يَعرِفَ من ذلك
ما يُعينُه على المقصود؛ لأنَّ ما عدا الفقهَ وسيلةٌ إليه، فلا ينبغي أنْ يصرِفَ عمره في غير
الأهمِّ، وما أحسنَ قولَ "ابن الورديّ"(٢).
يقصُرُ فابدأُ بالأَهمِّ منه
والعُمرُ عن تحصيلٍ كلِّ علمٍ
مالا غنىً في كلِّ حالٍ عنهُ(٣)
وذلك الفِقهُ فإنَّ منهُ
[٢٦٥] (قولُهُ: إلى المسألةِ) أي: سؤالِ الناس، بأنْ يمدحَهم بشعره، فيعطونه دفعاً لشرِّهِ
(١) لم نعثر على النقل في "مناقب الكردري".
(٢) أبو حفص عمر بن مُظَفِّر بن عمر، زين الدين المعروف بابن الوَرْدِيّ المَعَرِيّ الكِنْدِيّ الشافعيّ(ت ٧٤٩هـ). ("الدرر
الكامنة" ١٩٥/٣، "الأعلام" ٦٧/٥).
(٣) البيتان الرابعُ والخامسُ من منظومة ابن الوردي "بهجةِ الحاوي" التي نظَمَ فيها "الحاوي الصغير" في فقه الشافعيّة،
لعبد الغفار بن عبد الكريم، نجم الدين القَزْوِينيّ الشافعيّ(ت ٦٦٥هـ)، ويُطلَقُ عليها اسمُ "البهجة الورديّة"، وقد
شرَحَها شيخ الإسلام زكريًّا الأنصاريّ (ت ٩٢٦هـ) بـ "الغرر البهيَّة شرح منظومة البهجة الورديَّة" (مطبوع)، انظر
٢٤/١ منه. ("كشف الظنون" ٦٢٥/١-٦٢٦، "طبقات السبكي" ١١٨/٥).
الجزء الأول
١٣١
المقدمة
إلى التذكير والقصص، بل يكون علمُهُ في الحلال والحرام، وما لا بدَّ منه من
الأحكام، كما قيل: [ وافر ]
فعلمُ الفقهِ أَولى باعتزاز
إذا ما اعتَزَّ ذو علم بِعِلْم
وكمْ طير يطيرُ ولا كَبَاز )).
فکمْ طِيْبٍ یفُوحُ ولا کمِسْكٍ .
وقد مدحَهُ الله تعالى بتسميته خيراً بقوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ
خَيْرًا كَثِيرَاً﴾ [البقرة-٢٦٩]، وقد فسَّرَ الحكمةَ.
وخوفاً من هحوه وهجره.
وقولُهُ: ((وتعليمِ الصِّبيان)) أي: تعليمِهم النحوَ، وإِنما خصَّهم لِما اشتهرَ أنَّ النحو علمُ
الصبيان؛ إذ قلَّما يتعلَّمْهُ الكبير، وفي كلامه لفٌّ ونشرٌ مرتَّبٌ.
[٢٦٦] (قولُهُ: التذكيرِ) أي: الوعظِ.
٢٧/١
[٢٦٧] (قولُهُ: والقَصصِ) الأنسبُ أنْ يكون بفتح القاف ليكونَ عطفُهُ على التذكير عطفَ مصدرٍ
على مصدرٍ وإنْ جاز أنْ يكون بكسرها جمعَ قصَّةٍ. اهـ "ح"(١).
[٢٦٨) (قولُهُ: بل يكونُ علمُهُ) أي: الذي يُعرَفُ ويُشتهرُ به.
[٢٦٩] (قولُهُ: كما قيل) أي: أقولُ ذلك مماثلاً لِما قيل، أو لأجل ما قيل، فالكافُ للتشبيهِ
أو للتعليل.
[٢٧٠) (قولُهُ: باعتزازٍ) أي: اعتزازِ صاحبه به.
[٢٧١] (قولُهُ: ولا كمسكٍ) الواو إمَّا للعطف على مقدَّرِ، أي: لا كعنبرٍ ولا كمسكٍ، ونكتةُ
الحذف المبالغةُ لتذهبَ النفسُ كلَّ مذهبٍ ممكنٍ، أو للحالِ بإضمار فعلٍ، أي: ولا يفوحُ كمسكٍ.
(٢٧٢] (قولُهُ: ولا كَبازٍ) يُستعمَلُ بالياء المنّة التحتَيَّةِ بعد الزاي وبدونها كما في "القاموس"(٢).
(١) "ح": المقدّمة ق ٣/ب.
(٢) "القاموس": مادَّة ((بوز)).
قسم العبادات
١٣٢
حاشية ابن عابدين
زمرةُ أرباب التفسير بعلمِ الفروع الذي هو علمُ الفقهِ، ومن هنا قيل: [ طويل ]
يكونُ إلى كلِّ العلوم توسُّلا
وخيرُ علوم علمُ فقهٍ لأنّه
فإنَّ فقيهاً واحداً متورِّعاً
[٢٧٣] (قولُهُ: زُمْرةُ) بالضم: الفوجُ والجماعةُ في تفرقةٍ، "قاموس"(١).
[٢٧٤] (قولُهُ: ومن هنا) أي: من أجلِ ما ذكر هنا من مدحِ الله تعالى إياه.
[٢٧٥) (قولُهُ: إلى كلِّ العلومِ) كذا فيما رأيتُ من النسخ، وكأنَّ نسخة "ط)(٢): ((إلى كلِّ
المعالي ))، حيث قال: ((متعلِّقٌ بـ: توسُلاً، والمعالي: المراتبُ العالية، جمعُ مَعْلاةٍ، محلُّ العلوِّ)) اهـ.
والتوسُّلُ: التقرُّبُ، أي: ذا توسُّلٍ إلى المعالي أو إلى العلوم؛ لأنَّ الفقهَ المثمِرَ للتقوى
والورع يُوصَلُ به إلى غيره من العلوم النافعة والمنازلِ المرتفعة لقوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ اللّهُ
وَيُعَلِّمُكُمُ الهُ ﴾ [البقرة - ٢٨٢]، وللحديث: ((مَنْ عمِل بما عَلِمَ علَّمَهُ اللهُ علَمَ ما لم
يعلم))(٣).
[٢٧٦] (قولُهُ: فإنَّ [١/ق٢٨ /ب] فقيهاً(٤) إلخ) لأنَّ العابد إذا لم يكن فقيهاً ربما أدخَلَ عليه
(١) "القاموس: مادَّة ((زمر)).
(٢) "ط": المقدَّمة ٢٧/١.
(٣) أخرجه أبو نعيمٍ في "الحلية" ١٥/١٠ من طريق الإمام أحمد عن يزيد بن هارون عن حميد الطويل عن أنس مرفوعاً،
ثُمَّ قال أبو نعيم: ((ذكَرَ أحمدُ بن حنبل هذا الكلامَ عن بعض التابعين عن عيسى بن مريم الَّئُ، فوَهِمَ بعضُ الرُّواة
أَنَّه ذكرَهُ عن النبيِ﴿و، فوضَعَ هذا الإسنادَ عليه لسهولته وقربه، وهذا الحديثُ لا يحتمل بهذا الإسناد عن الإمام
أحمد بن حنبل)) اهـ. وأمَّا قولُ العراقيِّ في تخريج "الإحياء" ١٠٥/١ كتاب العلم: ((أخرجَهُ أبو نعيمٍ من حديث
أنسٍ وضعَّفه)) ففيه تساهلٌ؛ لأنَّ أبا نعيم قد بَيَّنَ أنَّه موضوع.
وقد رُوِيَ الحديثُ عن أبي الدرداء من قوله، أخرجه الخطيبُ في "الجامع لأخلاق الراوي" رقم (٣٥).
ورُويَ من قول سفيان، أخرجه أبو يعقوب البغدادي في "رواية الكبار عن الصغار" كما في "الدر المنثور" ٣٧٢/١
عند تفسير قوله تعالى: ﴿ وَأَتَّقُواْ اللَّهُ وَيُعَلِّمُكُمُ الَّهُ﴾.
(٤) ((فإنَّ فقيهاً)) ساقطٌ من "٢".
الجزء الأول
١٣٣
المقدمة
على ألفِ ذي زُهْدٍ تفضَّلَ واعتَلَى
وهما مأخوذان مما قيل للإمام "محمَّدٍ" :.
الشيطانُ ما يُفسِدُ عبادته، وقَّد الفقيهَ بالمتورِّع إشارةً إلى ثمرة الفقهِ التي هي التقوى؛ إذ
بدونها يكون دون العابد الجاهل، حيث استولى عليه الشيطانُ بالفعل. قال في "الإحياء"(١):
(( للورعِ أربعُ مراتبَ:
الأولى: ما يشترطُ في عدالة الشهادة، وهو الاحترازُ عن الحرام الظاهر.
الثانيةُ: ورعُ الصالحين، وهو التوقّي من الشبهات التي تتقابلُ فيها الاحتمالات.
الثالثةُ: ورعُ المَّقين، وهو تركُ الحلال المحضِ الذي يُخاف منه أداؤه إلى الحرام.
الرابعة: ورعُ الصدِّيقين، وهو الإعراضُ عمَّا سوى الله تعالى)). اهـ ملخَّصاً.
[٢٧٧) (قولُهُ: على ألْفِ) متعلّقٌ بقوله: ((اعتلى))، ويقدّرُ نظيرُه لـ ((تفضَّلَ)) اهـ "ط"(٢).
أو هو من باب التنازع على القول بجوازه في المتقدِّمِ.
[٢٧٨) (قولُهُ: ذي زهدٍ) صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ، أي: ألفِ شخصِ صاحبِ زهدٍ. والزهدُ في
اللغة: تركُ الَّيْل إلى الشيء، وفي اصطلاحِ أهل الحقيقة: هو بغضُ الدنيا والإعراضُ عنها، وقيل: هو
تركُ راحةٍ الدنيا طلباً لراحة الآخرة، وقيل: هو أنْ يخلوَ قلبك مما خلتْ منه يدك. اهـ "سيِّد)"(٣).
[٢٧٩) (قولُهُ: تفضَّلَ واعتلَى) أي: زادَ في الفضل وعلوِّ الرتبة.
[٢٨٠) (قولُهُ: وهما مأخوذان) أي: هذان البيتان مأخوذٌ معناهما.
[٢٨١] (قولُهُ: مما قيل) يحتملُ أنَّ المراد مما نُسِبَ أو مما أُنشِدَ، فعلى الأوَّلِ تكون الأبياتُ
للإمام "محمد"، وعلى الثاني لغيره، أنشَدَها له بعضُ(٤) أشياخه.
(١) "الإحياء": كتاب الحلال والحرام - درجات الحلال والحرام ١٤١/٢ -١٤٢.
(٢) "ط": المقدِّمة ٢٧/١.
(٣) "التعريفات": صـ١٠٢ -.
(٤) ((له بعض)) ليست في "أ".
قسم العبادات
١٣٤
حاشية ابن عابدين
[ طويل ]
إلى البرِّ والتّقوى وأعدلُ قاصدٍ
تفقَّهْ فإنَّ الفقهَ أفضلُ قائدٍ
من الفتّهِ واسبَحْ في بحور الفوائدِ
وكنْ مستفيداً كلَّ يوم زيادةً
أشدُّ على الشيطان من ألفِ عابدٍ
فإنَّ فقيهاً واحداً متورِّعاً
[٢٨٢] (قولُهُ: تفَقَّهْ إلخ) أي صِرْ فقيهاً. والقائدُ هنا بمعنى الموصِل، والبِّرُّ: قال في
"القاموس"(١): ((الصِّلَةُ، والجنّة، والخير، والاتّساع في الإحسان)) اهـ.
والتَّقوى: قال "السيِّدُ" (٢): ((هي في اللغة بمعنى الاتّقاء، وهو اتّخاذُ الوقاية، وعند أهل
الحقيقة: الاحترازُ بطاعة الله تعالى عن عقوبته، وهو صيانةُ النفس عمَّا تستحقُّ به العقوبةَ من
فِعْلٍ أو تركٍ )).
والقاصِدُ: قال في "القاموس"(٣): ((القريبُ))، أي: وأعدلُ طريقٍ قريبٍ، ويحتمل أنْ يكون
بمعنى مقصودٍ، كساحلٍ بمعنى مسحول، والزيادةُ مصدرٌ بمعنى اسم المفعول.
وقولُهُ: ((من الفقرِ)) متعلّقٌ بـ ((زيادةً)) أو بـ ((مستفيداً))، والسَّبْح: قطعُ الماءِ عَوْماً، شُّبِّهَ
به التفقُّهُ استعارةً تصريحيَّةً. وإضافةُ البحور إلى الفوائد من إضافة المشبَّهِ [١/ق٢٩/ أ] به إلى
المشبّهِ، والفائدةُ: ما استفدتَهُ من علمٍ أو مالٍ، والمرادُ هنا الأوَّلُ، والشيطانُ: مِنْ شاطَ بمعنى
احترَقَ، أو من شَطَنَ بمعنى بَعُد لبُعدِ غوره في الضلال والإضلال، وقد عقَدَ في البيت الأخيرِ
بعضَ ما ذكره في "الإحياء"(٤)، ورواه "الدار قطني" و"البيهقي" من قوله { ﴾: «ما عُبِدَ اللَّهُ
بشيءٍ أفضلَ مِنْ فقهٍ فِي الدِّين، ولَفَقَيةٌ واحدٌ أَشدُّ على الشيطانِ منْ ألفِ عابدٍ، ولكلِّ شيءٍ
عمادٌ، وعمادُ الدِّين الفقهُ))(٥).
(١) "القاموس": مادّة ((برر)).
(٢) "التعريفات": صـ ٥٧ -.
(٣) "القاموس": مادَّة((قصد)).
(٤) "الإحياء": كتاب العلم - فضل العلم والتعليم ١٤/١.
(٥) أخرجه الدار قطنيُّ ٧٩/٣ في البيوع، والبيهقيُّ في "الشعب" (١٧١٢) و(١٧١٣)، والطبرانيُّ في "الأوسط" (٦١٦٦)، =
الجزء الأول
١٣٥
المقدمة
ومن كلام علىٍّ رضيَ الله عنه: [ بسيط ]
ما الفضلُ إلاَّ لأهل العلم أنَّهمُ
(٢٨٣] (قولُهُ: ومِن كلام "عليٍّ" رَّه إلخ) عزا هذه الأبياتَ له في "الإِحياء"(١) أيضاً، قال
بعضهم: وهي ثابتةٌ في ديوانه المنسود إليه، وأوّلها: [بسيط]
أبوهمُو آدمٌ والأُّ حَوَّاءُ
الناسُ مِنْ جهةِ التّمثالِ أَكْفَاءُ
مستودَعاتٌ وللأحسابِ آباءُ
وإنَّما أمهاتُ الناسِ أَوْعِيةٌ
يُفاخِرون به فالطِّينُ والماءُ
إِنْ لم يكنْ لهُمُو من أصلِهِمْ شَرَفٌ
فإنَّ نسبتَنَا جُوْدٌ وَعَلْياءٌ(٢)
وإِنْ أتيتَ بفخْرٍ مِنْ ذوي نَسَبٍ
[٢٨٤) (قولُهُ: ما الفضلُ) الذي في "الإحياء"(٣): (( ما الفخرُ))، وأل في ((العلمِ)) للعهد،
أي: العلمِ الشرعيِّ الموصلِ إلى الآخرة.
[٢٨٥) (قولُهُ: أَنَّهمُ) بفتح الهمزة على حذف لامٍ العلّة، أي: لأَنَّهم، أو بالكسر والجملةُ
استئنافيَّةٌ، والمقصودُ منها التعليل، "ط"(٤).
= وأبو نعيمٍ في "الحلية" ١٩٢/٢ -١٩٣، والخطيبُ في "التاريخ" ٤٣٦/٥-٤٣٧، كلُّهم من حديث أبي هريرة مرفوعاً.
وأورَدَهُ الهيثميُّ في "مجمع الزوائد" ١٢١/١، وقال: رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه يزيدُ بن عياض، وهو
كذابٌ، وقال البيهقي: يزيدُ بن عياضٍ ضعيفٌ، والله أعلم.
وله شاهدٌ من حديث ابن عمر عند البيهقيِّ في "الشعب" (١٧١١) وقال: رُوِيَ من وجهٍ آخر ضعيفٍ،
والمحفوظُ: هذا اللفظ من قول الزهريِّ، وله شاهدٌ من حديث ابن عباسٍ عند الترمذي(٢٦٨٣)، وابن ماجه
(٢٢٢)، وقد أخرجه من قول الزهريِّ عبدُ الرزّاق في "المصنّف" برقم (٢٠٤٧٩) كتاب الجامع - باب العلم، وأبو نعيم في
"الحلية" ٣٦٥/٣، وهو صحيحٌ من قول الزهريِّ.
(١) "الإحياء": كتاب العلم - فضل العلم والتعليم ١٥/١.
(٢) "ديوان الإمام علي": صـ٥ ..
(٣) "الإحياء": كتاب العلم - فضل العلم والتعليم ١٥/١.
(٤) "ط": المقدّمة ٢٨/١، وعبارته: (( .... أو الجملةُ استئنافيَّةٌ)).
قسم العبادات
١٣٦
حاشية ابن عابدين
ووزنُ كلِّ امرئ ما كانَ يُحسِنُهُ
ففُزْ بعلم ولا تجهلْ به أبداً
وقد قيل: العلمُ وسيلةٌ إلى كلِّ فضيلةٍ».
على الهدى لمن استهدَى أدِلاَءُ
والجاهلون لأهل العلم أعداءُ
الناسُ موتى وأهلُ العلم أحياءُ
[٢٨٦] (قولُهُ: على الهدى) أي: الرَّشادِ، "قاموس"(١). وهو متعلّقٌ بقوله: ((أدِلاَّءُ))، جمعُ
دالٍّ، اسمُ فاعلٍ من دَلَّ، وكذا قوله: (( لمن استهدَى))، أي: طَلَبَ الهداية.
٢٨/١
[٢٨٧) (قولُهُ: ووَزْنُ) أي: قدْرُ كلِّ امرئٍ، أي: حسنُهُ بما كان يُحسِنُه، أفاده "البيضاويُّ"(٢).
فَقَدْرُ الصانعِ على مقدار صنعته، ومَنْ أحسنَ علومَ الآداب فقدرُهُ على قدْرِها، ومَنْ أَحسنَ
علمَ الفقهِ فقدرُهُ عظيمٌ لِعِظَمه.
فالحاصلُ: أنَّ مَنْ أحسَنَ شيئاً فمقامُهُ على قدره. اهـ "ط" (٣).
[٢٨٨] (قولُهُ: والجاهلون) أي: بالعلمِ الشرعيِّ، فيشملُ العالِمِينَ بغيره، بل هم أشدُّ عداوةً
لعلماء الدِّين من العوامِّ، قال "ط"(٤): ((وسببُ العداوة من الجاهل عدمُ معرفة الحقِّ إذا أفتى
عليه أو رأى منه ما يخالفُ رأيه، ورؤيةُ إقبالِ الناس عليه )).
[٢٨٩] (قولُهُ: ولا تجهلْ به أبداً) الذي في "الإحياء"(٥): ((ولا تبغِي بهِ بدلاً)).
[٢٩٠) (قولُهُ: الناسُ موتى) أي: حُكْمًاً لعدم النفع كالأرض الميتة التي لا تُنِتُ، قال
تعالى: ﴿أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ﴾ [الأنعام - ١٢٢]، أي: جاهلاً فعلَّمناه ﴿وَجَعَلْنَالَهُ.
نُورَا يَمْشِى بِهِ فِي النَّاسِ﴾ وهو العِلْمُ ﴿كَمَنْ مَّثَلُهُ فِ الظُّلُمَتِ﴾، وهو الجاهلُ الغارقُ في ظلمات
(١) "القاموس": مادَّة((هدي)).
(٢) "أنوار التنزيل وأسرار التأويل": سورة الحجر صـ٣٤٥ -.
(٣) "ط": المقدّمة ٢٨/١ بتصرف يسير.
(٤) "ط": المقدَّمة ٢٨/١.
(٥) "الإحياء": كتاب العلم - فضل العلم والتعليم ١٥/١، وفيه: ((تَعِشْ حيّاً به أبداً)).
الجزء الأول
١٣٧
المقدمة
العلمُ يرفعُ المملوكَ إلى مجالسِ الملوك، لولا العلماءُ لهَلَكَ الأمراء.
... .
[١/ق٢٩/ب] الجهل، أو موتى القلوب، قال في "الإحياء"(١): ((وقال "فتح الموصليُّ)(٢): المريضُ
إذا مُنِعَ الطعام والشراب والدواء أَليس يموتُ؟ قالوا: بلى، قال: كذلك القلبُ إذا مُنِعَ عنهُ
الحكمةُ والعلمُ ثلاثةَ أَيَّامٍ يموتُ، ولقد صدَقَ، فإنَّ غِذاء القلب العلمُ والحكمة، وبه حياتُه
كما أنَّ غذاء الجسدِ الطعام، ومَن فَقَدَ العلم فقلبُه مريضٌ، وموتُه لازمٌ إلخ))، قال الشاعر:
[طويل]
وأَوصالُه تحتَ الترابِ رَمِيمُ
أخو العلم حَيٌّ خالدٌ بعدَ موتِه
يُظَنُّ مِنَ الأحياءِ وهوَ عَدِيمُ(٢)
وذو الجهلِ مَيْتٌ وهوَ ماشٍ على الثَّرى
[٢٩١] (قولُهُ: العلمُ يرفعُ المملوكَ إلخ) قال في "الإحياء"(٤): ((وقال عليه الصَّلاة
والسَّلام: ((إنَّ الحكمةَ تزيدُ الشريفَ شَرفاً، وترفعُ المملوكَ حتى تُجِلِسَه محالسَ المُلوكِ))(٥)،
(١) "الإحياء": كتاب العلم - فضل العلم والتعليم ١٥/١.
(٢) قال الزبيديُّ في "إتحاف السادة المتقين بشرح الإحياء" ٨٩/١ -٩٠: ((هو أبو محمد فتح بن سعيد المَوْصلي، من أقران
بشر الحافي والسَّرِي السَّقَطِي، زاد المناويُّ أَنَّه توفي سنة ١٢٠هـ))، وفي المصادر أنَّه أبو نصرٍ، وتوفي سـ٢٢٠ سنة هـ،
انظر "تاريخ بغداد" ٣٨١/١٢ -٣٨٣، "سير أعلام النبلاء" ٤٨٣/١٠، وقال الخطيبُ البغداديُّ: ((وفي الزهّاد فتحٌ
الموصلي آخَرُ أقدمُ من هذا، وهو الفتحُ بن محمد بن وشاح الأَزْدِي، ويُكنى أبا محمد، توفي سـ ٧٠ ١سنة هـ)).
(٣) البيتان لعبد الله بن محمد البَطَلْيَوسي، وهما في "إنباه الرواة" ١٤٢/٢، و"وفيات الأعيان" ٩٦/٣، و"بغية الوعاة"
٥٦/٢، و"شذرات الذهب" ١٠٧/٦.
(٤) "الإحياء": كتاب العلم - فضل العلم والتعليم ١٢/١ بتصرف يسير.
(٥) أخرجه ابن عدي في "الكامل" ١٧٩٣/٥، وأبو نعيم في "الحلية" ١٧٣/٦، وابن حبان في "المجروحين" ٣٦٩/١، والخطيبُ
في "الفقيه والمتفقه" ٣١/١ من طريقِ صالح المرِيّ عن الحسن عن أنس مرفوعاً، وصالح المري كان يُروي الشيء الذي سمعه
من ثابت والحسن وهؤلاء على التوهُّم فيجعلُهُ عن أنس، فظهَرَ في روايته الموضوعاتُ التي يرويها عن الأثبات
("المجروحين"٣٦٨/١). ولذا قال أبو هلال العسكري فيما نقله المناويُّ في "فيض القدير" ٤١٦/٣: ((ليس هذا من كلام
الرسول ﴿، بل من كلام الحسنِ وأنسٍ))، وذكرَهُ العراقيُّ في تخريجه على "الإحياء" ١٢/١ فقال: ((أخرجه أبو نعيم في
"الحلية"، وابنُ عبد البر في "بيان العلم"، وعبدُ الغني الأَزْدِيّ في "آداب المحدث" من حديث أنسٍ بإسنادٍ ضعيفٍ)).
قسم العبادات
١٣٨
حاشية ابن عابدين
[ سريع ]
13
وإنما العلمُ لأربابهِ
ولايةٌ ليس لها عَزْلُ
[ مجزوء الكامل ]
إِنَّ الأميرَ هو الذي
يُضحِي أميراً عند عزلهْ
وقد نَبَّهَ بهذا على ثمرتِه في الدنيا، ومعلومٌ أنَّ الآخرة خيرٌ وأبقى)) اهـ. ثمَّ ذكَرَ (١) عن
"سالم بن أبي الجعد"(٢) قال: ((اشتراني مولايَ بثلثمائة درهمٍ فأعتقني، فقلت: بأيِّ حرفةٍ
أَحترفُ؟ فاحترفتُ بالعلم، فما تمتْ لي سنةٌ حتى أتاني أميرُ المدينة زائرً، فلم آذَنْ له )).
[٢٩٢) (قولُهُ: وإِنما العلمُ إلخ) هذا بيتٌ من بحر السَّريع، وقوله: ((لأربابه )) متعلّقٌ بمحذوف
حالٍ من ((ولاية))؛ لأن نَعْتَ النكرة إذا قُدِّمَ عليها أُعربَ حالاً أو صفةً للعِلْم، وإِنما لم يُعزَّلْ
صاحبُه لأَنَّه ولايةٌ إلهيَّةٌ لا سبيلَ للعباد إلى عزله منها، والمعتمد أنَّ أُولي الأمرِ في قوله تعالى:
﴿أَطِيعُواْاللّهَ وَأَطِيعُواْالرَّسُولَ وَأُوْلِ اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء -٥٩] هم العلماءُ كما سيذكرُهُ "الشارحُ" آخرَ
الكتاب(٣).
وفي "الإحياء"(٤): ((قال "أبو الأسود"(٥): ليس شيءٌ أعزَّ من العلم، الملوكُ حُكّامٌ على
الناس، والعلماء حُكّامٌ على الملوك )) اهـ. وفي معناه قولُ الشاعر: [كامل]
إِنَّ الملوكَ لَيَحكُمُونَ على الوَرى وعلى الملوكِ لَتحكُمُ العلماءُ(٦)
[٢٩٣] (قولُهُ: إنَّ الأمير إلخ) البيتان من محزوِ الكامل المرفَل، يعني. أنَّ الأمير الكامل ليسَ
(١) "الإحياء": كتاب العلم - فضل العلم والتعليم ١ /١٦.
(٢) سالم بن أبي الجَعْد الأشجعيّ الغَطَفاني، الكوبيّ(ت١٠٠هـ). ("سير أعلام النبلاء" ١٠٨/٥).
(٣) انظر المقولة [٣٧١٣٩] قوله: ((وهم أولو الأمر على الأصح)).
(٤) "الإحياء": كتاب العلم - فضل العلم والتعليم ١٥/١.
(٥) هو ظالم بن عمرو الدؤلي الكِنَانيّ، واضعُ علم النحو(ت ٦٩هـ) كما صرَّحَ بذلك الزبيديُّ في "إتحاف السادة
المتقين بشرح إحياء علوم الدين" ٨٨/١، وانظر "نزهة الألبا" صـ٣ -، و"بغية الوعاة" ٢٢/٢-٢٣.
(٦) لم نعثر على تخريجه فيما بين أيدينا من المصادر.
الجزء الأول
١٣٩
المقدمة
إِنْ زالَ سلطانُ الوِلا يَةٍ كان في سلطان فضلِهْ
واعلمْ أنَّ تعلَّمَ العلم يكونُ فرضَ عينٍ، وهو بقدْرِ ما يحتاجُ لدينه،.
هو مَنْ إذا عُزِلَ صار من آحاد الرعية، بل هو الذي إذا عُزِلَ من إمارة الولاية يبقى منَّصفاً
بإمارة الفضل والعلم.
[٢٩٤] (قولُهُ: واعلمْ أن تعلَّمَ العلمِ إلخ) أي: العلمِ الموصلِ إلى الآخرة، أو الأعمِّ منه، قال
"العلاَّمي" في "فصوله": ((من فرائضِ الإسلام تعلُّمُ ما يَحتاجُ إليه العبدُ في إقامة دينه
وإخلاصِ عمله لله تعالى ومعاشرةٍ عباده، وفرضٌ على كلِّ مكلّفٍ ومكلَّفةٍ بعد تعلُّمهِ علمَ
الدِّينِ والهداية تعلُّمُ علمٍ الوضوء والغُسْلِ، والصلاةِ والصومِ، وعلمِ الزكاةٍ لمن له [١/ق ٣٠/أ]
نصابٌ، والحجِّ لمن وجَبَ عليه، والبيوعٍ على التجَّار ليحترزوا عن الشبهات والمكروهات في
سائر المعاملات، وكذا أهلُ الحِرَف، وكلُّ مَن اشتغل بشيءٍ يُفْرض عليه عِلْمُه وحكمُه ليمتنعَ
عن الحرام فيه )) اهـ.
وفي "تبيين المحارم"(١): (( لا شكَّ في فرضيَّة علمٍ الفرائض الخمس وعلمِ الإخلاص؛ لأنَّ
صحَّةَ العمل موقوفةٌ عليه، وعلمِ الحلال والحرام، وعلمِ الرياء؛ لأنَّ العابد محرومٌ من ثواب
عمله بالرياء، وعلمِ الحسَدِ والعُجْبِ ؛ إذ هما يأكلان العملَ كما تأكلُ النارُ الحطب، وعلمٍ
البيع والشراء والنكاح والطلاق لمن أراد الدخول في هذه الأشياءِ، وعلمِ الألفاظ المحرمة
والمكفّرة، ولَعمري هذا من أهمِّ المهمَّات في هذا الزمان؛ لأَنَّك تسمعُ كثيراً من العوامِّ
يتكلَّمون بما يكفِّرُ، وهُمْ عنَها غافلون.
(قولُهُ: أي: العِلْمِ الموصِلِ إلى الآخرةِ) المناسبُ بل المتعَيِّنُ إرادةُ العِلْم بالمعنى الأعمِّ لتقسيمِهِ إلى المطلوب وغيره.
(١) "تبيين المحارم": الباب الخامس في ترك العلم الذي هو واجبٌ تعلُّمُه على كلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ ق ٣٠/أ باختصار،
وهو ليوسفَ بن عبد الله، سِنَان الدين الأَمَاسِيّ الروميّ الحنفيّ(ت ٩٨٦هـ). ("كشف الظنون" ٣٤٢/١،
"الأعلام" ٢٤١/٨).
قسم العبادات
١٤٠
حاشية ابن عابدين
وفرضَ كفايةٍ، وهو ما زادَ عليه لنفعِ غيره، ومندوباً،
[مطلبٌ]
[ الاحتیاطُ أن يجدِّدَ الجاهلُ إيمانه ونكاحه ]
والاحتياطُ أنْ يجِدِّدَ الجاهلُ إِيمانَه كلَّ يومٍ، ويجدِّدَ نكاحَ امرأته عند شاهدَين في كلِّ شهر
مرَّةً أو مرَّتين؛ إذ الخطأ وإِنْ لم يصدر من الرَّجُل فهو من النساء كثيرٌ )).
ء
مطلبٌ في فرض الكفاية وفرض العين
[٢٩٥] (قولُهُ: وفرضَ كفاية إلخ) عرَّفَهُ في "شرح التحرير"(١) بـ: ((المتحتمِ المقصودِ
حصولُه من غير نَظَرِ بالذات إلى فاعله ))، قال: (( فيتناولُ ما هو دينيٌّ كصلاة الجنازة، ودنيويٌّ
كالصنائع المحتاج إليها، وخرج المسنونُ؛ لأَنَّه غيرُ متحتٍّ، وفرضُ العين؛ لأَنَّه منظورٌ بالذات إلى
فاعله )) اهـ.
قال في "تبيين المحارم"(٢): ((وأمَّا فرضُ الكفاية من العلم فهو كلُّ علمٍ لا يُستغنى عنه في
قِوامٍ أمور الدنيا كالطبِّ، والحساب، والنحو، واللغة، والكلام، والقراءات، وأسانيد
الحديث، وقسمة الوصايا، والمواريثِ، والكتابة، والمعاني، والبديع، والبيان، والأصول، ومعرفةٍ
الناسخ والمنسوخ، والعامِّ، والخاصِّ، والنصِّ، والظاهر، وكلُّ هذه آلةٌ لعلم التفسير والحديثِ،
وكذا علمُ الآثار والأخبار، والعلمُ بالرجال وأساميهم وأسامي الصحابة وصفاتهم، والعلمُ
بالعدالة في الرواية (٣)، والعلمُ بأحوالهم ليتمَّزَ الضعيف من القوي، والعلمُ بأعمارهم، وأصولِ
الصناعات والفلاحة كالحياكة والسياسة والحِجامة )) اهـ.
٢٩/١
[٢٩٦] (قولُهُ: وهو ما زادَ عليه) أي: على قدْرِ ما يحتاجُهُ لدينه في الحال.
(١) "التقرير والتحبير": المقالة الثانية - الباب الأوَّل - الفصل الثالث - القسم الرابع - مسألة: الواجبُ على الكفاية
واجبٌ على الكلِّ ١٣٥/٢.
(٢) "تبين المحارم": الباب الخامس في ترك العلم الذي هو واجبٌ تعلُّمُه على كلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ ق ٣٠/ب.
(٣) قوله: ((في الرواية)) هكذا بخطّه، والأنسبُ بقوله بعد: ((والعلم بأحوالهم)) أن يقول: ((في الرواة))، تأمَّل. اهـ. مصحِّحه.
الجزء الأول
١٤١
المقدمة
وهو التبخُّرُ في الفقهِ وعلمِ القلب، وحراماً وهو علمُ.
مطلبٌ: فرضُ العين أفضلُ من فرض الكفاية
(تنبيةٌ)
فرضُ العين أفضلُ من فرض الكفاية؛ لأَنَّه مفروضٌ حقاً للنفس، فهو أهمُّ عندها وأكثرُ
مشقَّةً بخلاف فرض الكفاية، فإنَّه مفروضٌ حقاً للكافَّة، والكافرُ من جملتهم، والأمرُ إذا عمَّ
خَفَّ، وإذا خَصَّ تَقُلَ، وقيل: فرضُ الكفاية أفضل؛ لأنَّ فعله مُسقِطٌ للحرج عن الأمَّة
بأسرها، وبتركه يعصي المتمكّنون منه كُلُّهم، ولا شكَّ في ◌ِظَم وقْعِ ما هذه صفتُه. اهـ "طواقِي"(١).
ونقَلَ "ط "(٢): ((أنَّ المعتمد الأوَّلُ)).
[٢٩٧] (قولُهُ: وهو التبخُّرُ في الفقهِ) [١/ق ٣٠/ب] أي: التوسُّعُ فيه والاطلاعُ على
غوامضه، وكذا غيره من العلوم الشرعيَّة وآلاتها.
[٢٩٨] (قولُهُ: وعلمِ القلب) أي: علمِ الأخلاق، وهو علمٌ يُعرَفُ به أنواعُ الفضائل وكيفيَّةُ اكتسابها،
وأنواعُ الرذائل وكيفيَّة اجتنابها. اهـ "ح"(٣).
وهو معطوفٌ على ((الفقهِ)) لا على ((التبحُّرُ)) لِما علمتَ من أنَّ علم الإخلاص
والعُجْبِ والحسَد والرياء فرضُ عينٍ، ومثلُها غيرها من آفاتِ النفوس كالكَبْرِ والشحِّ
والحقد، والغشِّ والغضب والعداوة والبغضاء، والطمع والبخل والبطر، والخيلاء والخيانة
والمداهنة، والاستكبارِ عن الحقِّ والمكرِ والمخادعة، والقسوة وطول الأمل ونحوِها مما هو مبَيَّنٌ
في ربع المهلكات من "الإحياء"(٤)، قال فيه: ((ولا ينفكُّ عنها بشرٌ، فيلزمُهُ أنْ يتعلَّمَ منها ما يرى
(١) هو عبدُ الرحيم بن محمد الطَّرَّاقيّ الدمشقيّ(ت١١٢٣ هـ)، له "حاشيةٌ على الدر المختار". ("سلك الدرر ١٠/٣،
"الأعلام" ٣٤٨/٣).
(٢) "ط": المقدّمة ٣١/١.
(٣) "ح": المقدَّمة ق ٣/ب.
(٤) "الإحياء": كتاب العلم - الباب الثاني في العلم المحمود والمذموم وأقسامِهما وأحكامِهما ٢٦/١-٢٧ بتصرف.
قسم العبادات
١٤٢
حاشية ابن عابدين
الفلسفةِ.
نفسَهُ محتاجاً إليه، وإزالتها فرضُ عينٍ، ولا يمكنُ إلَّ بمعرفةِ حدودها وأسبابها وعلاماتها
وعلاجها، فإنَّ مَنْ لا يعرفُ الشرَّ يقع فيه )).
[مطلبٌ]
[ في أقسام الفلسفة وحكم تعلُّمها ]
[٢٩٩] (قولُهُ: والفلسفةِ)(١) هو لفظٌ يوناني، وتعريبُهُ: الحِكَمُ المموَّهة، أي: مزيَّنَةُ الظاهر،
فاسدةُ الباطن كالقول بقِدَمِ العالَمِ وغيره من المكفّرات والمحرَّمات، "ط)"(٢).
وذكر في "الإِحياء"(٣): (( أَنَّها ليست عِلماً برأسها، بل هي أربعةُ أجزاءٍ:
أحدُها: الهندسةُ والحساب، وهما مباحان، ولا يُمنَعُ منهما إلا مَن يخاف عليه أنْ
يتجاوزَهما إلى علومٍ مذمومةٍ.
والثاني: المنطقُ، وهو بحثٌ عن وجهِ الدليل وشروطه، ووجهِ الحدِّ وشروطه، وهما
داخلان في علم الكلام.
والثالث: الإلهيّاتُ، وهو بحثٌ عن ذات الله تعالى وصفاته، انفردوا فيه بمذاهبَ بعضُها
كفرٌ، وبعضُها بدعةٌ.
والرابع: الطبيعيّاتُ، وبعضُها مخالفٌ للشرع، وبعضُها بحثٌ عن صفات الأجسام وخواصِّها
وكيفيَّةِ استحالتها وتغُّرِها، وهو شبيه بنظر الأطبّاء، إلا أنَّ الطبيب ينظرُ في بدن الإنسان على
الخصوص من حيث يمرضُ ويصحُّ، وهم ينظرون في جميع الأجسام من حيث تتغيَّرُ وتتحرَّكُ،
ولكِنْ للطبِّ فضلٌ عليه؛ لأنَّه محتاجٌ إليه، وأمَّا علومُهم في الطبيعيَّات فلا حاجةَ إليها )) اهـ.
(١) قوله: ((قوله: والفلسفة)) هكذا بخطّه، والأصوبُ ما في نسخ الشارح كما لا يخفى. اهـ مصحِّحه.
(٢) "ط": المقدِّمة ٣١/١.
(٣) "الإِحياء": كتاب العلم - بيان العلم الذي هو فرضُ كفايةٍ ٣٦/١ باختصار.
الجزء الأول
١٤٣
المقدمة
والشعبذة والتنجيم ..
[٣٠٠] (قوله: والشَّعبدةِ) الصوابُ الشعوذة، وهي - كما فى "القاموس"(١) -: ((خفَّةٌ في
اليد كالسِّحر، تُري الشيءَ بغير ما عليه أصلُه )). اهـ "حموي" (٢).
لكنْ في "المصباح"(٣): ((شَعْوَذَ الرجلُ شعوذةً، ومنهم من قال: شعبَذَ شعبذةً، وهو بالذال
المعجمة، وليس من كلام أهل [١/ق ٣١/أ] البادية، وهي: لُعَبٌ يَرى الإنسانُ منها ما ليس
له حقيقةٌ كالسِّحر )). اهـ "ابن عبد الرزاق".
[مطلبٌ]
[ حكمُ إدخالٍ ما يسمَّى بالشِّيش في الجسد ]
وأفتى العلاَّمة "ابنُ حجرٍ"(٤) في أهل الحِلَق في الطرقات الذين لهم أشياءُ غريبةٌ كَقَطْع
رأسٍ إنسانٍ وإعادته، وجعلٍ نحو دراهمَ من التراب وغير ذلك بـ: (( أنَّهم في معنى السحرة
إنْ لم يكونوا منهم، فلا يجوزُ لهم ذلك، ولا لأحدٍ أنْ يقف عليهم))، ثم نقَلَ عن
"المدوَّنة "(٥) من كتب المالكية: (( أنَّ الذي يَقطعُ يد الرَّجُل، أو يُدخِلُ السكِّينَ في جوفه إنْ
كان سحراً قُتِلَ، وإلاَّ عُوقِبَ )).
مطلبٌ في التنجيم والرمل
[٣٠١] (قولُهُ: والتنجيمِ) هو علمٌ يُعرَفُ به الاستدلالُ بالتشكَّلات الفلكيّة على الحوادث
(١) "القاموس": مادَّة ((شعوذ)) بتصرف.
(٢) "غمز عيون البصائر": ما افترَقَ فيه الوكيلُ والوصيُّ ١٢٥/٤.
(٣) "المصباح": مادَّة ((شعوذ)) بتصرف يسير.
(٤) "الفتاوى الحديثيَّة": مطلب: هل من السحرِ ما يفعلُهُ أهل الحلقِ الذين في الطرقات؟ صـ١١٩-١٢٠ -.
(٥) كذا في النسخ، ولم نجدها فى "المدوَّنة"، والذي في "الفتاوى الحديثَّة" صـ١٢٠ -: (("المؤَّازية"))، و"الموَّازية": كتابٌ
في الفقهِ المالكيِّ لمحمد بن إبراهيم بن زياد الموَّز، انتَهَتْ إليه رياسةُ المذهب في عصره (ت ٢٨١هـ)، وانظر "تاريخ
التراث العربي" سزكين ١٥٩/٣/١ -١٦٠، و"الأعلام" ٢٩٤/٥.
قسم العبادات
١٤٤
حاشية ابن عابدين
السفلَّة. اهـ "ح"(١).
وفي "مختارات النوازل" لصاحب "الهداية"(٢): ((أنَّ علمَ النجوم في نفسه حَسَنٌ غيرُ
مذمومٍ؛ إذ هو قسمان: حسابيٌّ، وإنَّه حقٌّ، وقد نطَقَ به الكتاب، قال الله تعالى: ﴿الشَّمْسُ
وَالْقَمَرُ بْحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن-٥]، أي: سيرُهما بحسابٍ.
واستدلاليٌّ: بسيرِ النجوم وحركةِ الأفلاك على الحوادث بقضاء الله تعالى وقدره، وهو جائزٌ
كاستدلال الطبيب بالنّبْضِ من الصحَّة والمرض(٣)، ولو لم يعتقد بقضاء الله تعالى، أو ادَّعى
الغيبَ بنفسه يُكَفَرُ، ثم تعلُّمُ مقدارِ ما يُعرَفُ به مواقيتُ الصلاة والقِبلة لا بأس به )) اهـ.
وأفادَ أنَّ تعلُّمَ الزائد على هذا المقدارِ فيه بأسٌ، بل صرَّحَ في "الفصول"(٤) بُجُرمته، وهو ما ؟
مشى عليه "الشارح".
والظاهرُ: أنَّ المراد به القسمُ الثاني دون الأوَّلِ، ولذا قال في "الإحياء"(٥): ((إنَّ علم
النجومِ في نفسه غيرُ مذمومٍ لذاته؛ إذ هو قسمان إلخ ))، ثمَّ قال: ((ولكنّه مذمومٌ في
الشَّرع، وقال "عمر": تعلّموا من النجوم ما تهتدون(٦) به في البَرِّ والبحر ثمَّ أمسِكوا (٧)، وإنما
زجَرَ عنه من ثلاثة أوجهٍ:
(١) "ح": المقدّمة ق ٣/ب.
(٢) "مختارات (مجموع) النوازل": كتاب الكراهية - فصلٌ فيما يُوجِبُ الكفر وفيما لا يوجبه ق ٩٣/أ، وهو لعلي بن
أبي بكر بن عبد الجليل، برهان الدين الفَرْغانيّ المَرْغِيْنانيّ(ت٥٩٣هـ). ("كشف الظنون" ١٦٣٤/٢، "الفوائد
البهيَّة" صـ ١٤١-).
(٣) قوله: ((من الصحَّةِ والمرض)) هكذا بخطّه، والأنسبُ إبدال ((من)) بـ ((على)) كما هو ظاهرٌ. اهـ مصحِّحه.
(٤) في فروعِ الأحناف كتبٌ عدَّةٌ مسمَّةٌ بهذا الاسم، ولعلَّ المراد "فصولُ العلاّمي" المتقدِّمُ ذكره صـ١٢٩-، والله أعلم.
(٥) "الإحياء": كتاب العلم - الباب الثالث فيما يَعُدُّهُ العامَّةُ من العلوم المحمودة وليس منها ٤٦/١-٤٧.
(٦) في النسخ كلّها: ((ما تهتدوا))، والصوابُ ما أثبتناه موافقاً لِما في "الإِحياء".
(٧) أورَدَهُ المناويُّ في "فيض القدير" ٢٥٦/٣، ونسَبَهُ إلى ابن مردويه في التفسير، والخطيبِ في "كتاب النجوم" عن
عمرَ بن الخطاب ﴿ه، قال عبدُ الحق: وليس إسنادُهُ مما يُحتَجُّ به، وقال ابن القطان: فيه مَن لا أعرفُ اهـ. لكن رواه
ابن زنجويه من طريقٍ آخر، وزاد: ((تعلموا ما يُحِلُّ لكم من النساءَ ويُحرِّمُ عليكم ثمَّ انتهوا))، ورمَزَ إليه بالضعف.