Indexed OCR Text

Pages 81-100

الجزء الأول
٦٥
المقدمة
التمرتاشيِّ.
الأنكوري" كتاباتٍ في غايةِ التحرير والنفع، وكَتَبَ على شرح مؤلّفه شيخُ الإسلام "خير الدين"
١٣/١ الرمليُّ حواشيَ مفيدةً. وله تآليفُ لا تحصى، توفي سنة (١٠٠٤) عن خمسٍ وستين سنةً )) اهـ.
قلتُ: ومن تأليفِ "المصنف" كتابُ "معين المفتي" والمنظومةُ الفقهيّة المسمَّة "تحفةَ الأقران"
[١٣٥/١/ب] وشرحُها "مواهبُ الرحمن"، و"الفتاوى المشهورة"، و"شرح زاد الفقير" لـ "ابن
الهمام"، و"شرح الوقاية"، و"شرح الوهبانية"، و"شرح يقول العبد"، و"شرح المنار"، و"شرح
مختصر المنار"، و"شرح الكنز" إلى كتاب الأيمان، و"حاشية على الدُّرر" لم تتِمَّ، ورسائلُ كثيرةٌ،
منها: "رسالة في العشرة المبشرين بالجنّة"، و"في عصمة الأنبياء"، و"في دخول الحمام"، و"في لفظ
جوَّزتك" بتقديم الجيم، و"في القضاء"، و"في الكنائس"، و"في المزارعة"، و"في الوقوف بعرفة"،
و"في الكراهية"، و"في حرمة القراءة خلف الإمام"، و"في جواز الاستنابة في الخطبة"، و"في أحكام
الدُّروز والأرفاض"، و"في مشكلاتٍ مسائلَ وشرحِها"، وله "رسالةٌ في التصوُّف" و"شرحُها"،
و"منظومة" فيه، و"رسالة في علم الصَّرف"، و"شرحُ القطر" وغيرُ ذلك، ذكَرَهُ بعضهم.
[٢٨] (قولُهُ: "التمرناشيِّ") نسبةً إلى تُمُرتاش، نقَلَ صاحب "مراصد الاطّلاع في أسماء
الأماكن والبقاع"(١): ((أنَّ تُمُرْتَاش - بضمَّتين وسكونِ الراء وتاءٍ وألفٍ وشين معجمةٍ - قريةٌ
من قرى خوارزم (٢))). اهـ "ط" (٣).
= ومسامرة الخيال" صـ ١٤٩-، و"الدَّارس في تاريخ المدارس" ٤٥٩/١ بتصرُّف، وانظر "خلاصة الأثر" ١٩/٤).
(١) "مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع": ٢٤٧/١، لأبي الفضائل عبد المؤمن بن عبد الحق، صفيِّ الدين
البغداديِّ الحنبليِّ (ت٧٣٩هـ)، وهو مختصرُ "معجم البلدان" لياقوت الحموي(ت ٦٢٦هـ). ("كشف الظنون"
١٦٥٢/٢، "الدرر الكامنة ٤١٨/٢).
(٢) خُوَارزم: أوَّلُهُ بين الضمَّة والفتحة، والألفُ مستَرَقَةٌ مختلَسةٌ ليست بألفٍ صحيحةٍ، وخورازم ليس اسماً للمدينة،
وإنما هو اسمٌ للناحية بجملتها. اهـ. ("معجم البلدان" ٤٥٢/٢)، نقولُ: وهي تقعُ اليوم في جمهوريَّة تر كمانستان -
ولايةِ طَشَاوز، وقسمٌ منها في جمهوريَّة أوزبكستان.
(٣) "ط": المقدَّمة ١٣/١.

قسم العبادات
٦٦
حاشية ابن عابدين
الغزيِّ عمدةِ المتأخّرِين الأخيار، فإنّي أرويهِ عن شيخنا الشيخ "عبد النبيِّ الخليليِّ"،
عن المصنّف الغزِّيِّ، عن ابن نجيم المصريِّ،.
قلت: والأقربُ أَنَّه نسبةٌ إلى جدِّه تمرتاشيّ كما قدَّمناه(١).
[٦٩] (قولُهُ: الغرِّيِّ) نسبةً إلى "غزَّةِ هاشم"، وهي - كما في "القاموس"(٢) -: ((بلدٌ
بفلسطين، وُلد بها الإِمام "الشافعيُّ" رحمه الله تعالى، ومات بها "هاشم بن عبد مناف")).
[٧٠] (قولُهُ: عُمدةِ المتأخِّرين) أي: معتمَدِهِم في الأحكام الشرعيّة.
[٧١] (قولُهُ: الأخيارِ) جمعُ خِرٍ بالتشديد: كثيرُ الخيرِ.
(٧٢) (قولُهُ: فإِنِّي أرويِهِ) تفريعٌ على قوله: ((لشيخ شيخنا إلخ))، فإنّه لَمَّا جزَمَ بنسبته إليه.
أفاد أنَّ ذلك واصلٌ إليه بالسند، والضميرُ لـ "تنوير الأبصار"، ولكنَّ روايته عن "ابن نجيمٍ)"
باعتبار المسائلِ التي فيه مع قطع النظر عن صورته المشخّصة كما أفاده "ح"(٣)، أو الضميرُ
للعِلْم المذكور في قوله: ((لقد أضحَتْ روضةُ هذا العِلْم)) كما أفاده "ط" (٤).
[ مطلبٌ ]
[ ترجمةُ "ابن نجيمٍ "]
(٧٣) (قولُهُ: عن "ابن نجيمٍ") هو الشيخ "زينُ بنُ إبراهيمَ بنِ نجيمٍ"، و"زين" اسمه
العَلَميُّ، ترجمه "النجمُ الغَزِّيُّ" في "الكواكب السَّائرة" (٥)، فقال: ((هو الشيخ العلاَّمة المحقّقُ
المدقّقُ الفهَّامةُ "زين العابدين" الحنفيُّ، أخَذَ العلومَ عن جماعةٍ، منهم: الشيخ "شرف الدين
(١) المقولة [٦٧] قوله: ((محمد بن عبد الله)).
(٢) "القاموس": مادَّة((غزز)).
(٣) "ح": المقدّمة ق ٢/ب.
(٤) "ط": المقدِّمة ١٣/١.
(٥) "الكواكب السَّائرة بأعيان المائة العاشرة": ١٤٥/٣ بتصرف يسير، لأبي المكارم وأبي السُّعود محمَّد بن محمد بن
محمد، نجم الدين الغزيّ الدمشقيّ الشافعيّ(ت١٠٦١ هـ). ("إيضاح المكنون" ٣٩١/٢، "خلاصة الأثر" ١٨٩/٤).

الجزء الأول
٦٧
المقدمة
بسنده إلى صاحب المذهب أبي حنيفةَ، بسنده إلى النبيِّ ◌َّ المصطفى المختار، عن
جبريلَ، عن الله الواحدِ القهار،.
الْبُلقينيُّ"، والشيخ "شهابُ الدين الشلبيُّ))(١)، والشيخُ "أمين الدِّين بنُ عبدِ العال"، و"أبو
الفيض السلمِيُّ"، وأجازه(٢) بالإفتاء والتدريس، فأفتى ودرَّس في حياة أشياخه، وانتفَعَ به
خلائقُ. وله عدَّهُ مصنَّفاتٍ، منها: "شرح الكنز" و"الأشباهُ والنّظائر"، وصار كتابُهُ عمدةَ
الحنفيَّةِ ومرجعَهم. وأخَذَ الطريقَ عن الشيخ العارف بالله تعالى "سليمانَ الخضيريِّ"، وكان
له ذوقٌ في حلِّ مشكلاتِ القوم، قال العارف "الشعرانيُّ))(٣): صحبتُه عشرَ سنين، فما رأيتُ
عليه شيئاً يَشِينُهُ، وحججتُ معه في سنة (٩٥٣) فرأيتُهُ على خُلُقٍ عظيمٍ مع جيرانه وغلمانه
ذهاباً وإياباً مع أنَّ السفر يُسفِرُ عن أخلاق الرِّجال، وكانت وفاته سنةً (٩٦٩)(٤) كما
أخبرني بذلك تلميذه الشيخ "محمد العلميُ)) (6))) اهـ.
قلتُ: ومن تأليفه: "شرحٌ على المنار"، و"مختصر التحرير" لـ "ابن الهمام"، و"تعليقةٌ على
الهداية" من البيوع، و"حاشية على جامع الفصولين"، وله "الفوائدُ" و"الفتاوى" و"الرسائلُ
الزَّينيّة"، ومن تلامذته: أخوه المحقّقُ الشيخ "عمرُ بنُ نجِيمٍ" صاحبُ "النهر".
[٧٤) (قولُهُ: بسندِهِ) أي: حالَ كونه راوياً ذلك بسنده، وقدَّمنا (٦) تمامَ السَّند.
[٧٥] (قولُهُ: المصطفى) من الصَّفوة، وهو الخلوص، والاصطفاء: الاختيار؛ لأنَّ الإنسان لا يُصطفَى
(١) كذا في النسخ، وفي "الكواكب السائرة": ((ابن الشلبي)).
(٢) كذا في النسخ، وفي "الكواكب السائرة": ((وأجازوه)).
(٣) أبو محمد عبد الوهاب بن أحمد بن علي الشَّعْرَانيّ الشافعي(ت٩٧٣هـ). ("الكواكب السائرة" ١٧٦/٣، "الأعلام" ١٨٠/٤).
(٤) وفاته في مصادر ترجمته سـ٩٧٠ سنة (انظر "الطبقات السنية" ٢٧٥/٣، "شذرات الذهب" ٥٢٣/١٠، و"التعليقات
السنية على الفوائد البهية" ص ١٣٤-، و"هدية العارفين" ٣٧٨/١، و"الأعلام" ٦٤/٣).
(٥) في "أ": ((عمر))، وما أثبتناه هو الصواب كما في "الكواكب السائرة".
(٦) ص٧ -.

قسم العبادات
٦٨
حاشية ابن عابدين
كما هو مبسوطٌ في إجازاتنا بطُرُقِ عديدةٍ عن المشايخ المتبخِّرِين الكبار.
وما كان في "الدُّرر والغُرر" لم أعزُهُ إلاَّ ما ندَرَ، وما زادَ وعَزَّ نقلُه عزوته لقائله
إِلاَّ إذا كان خالصاً طيّاً، وقولُهُ: ((المختارِ)) بمعناه، وهذان اسمان من أسمائه وَ لَه "ط)"(١).
[٧٦] (قولُهُ: كما هو) حالٌ من قوله: (( بسندِهِ)).
[٧٧] (قولُهُ: عن المشايخِ) متعلّقٌ بمحذوف حالٍ من ((إجازاتِنا))، أي: المرويَّةَ عنهم،
أو بـ ((إجازاتنا)) لتضمُّنه معنى رواياتنا. ومن جملةِ مشايخه القطبُ الكبير والعالم الشهير
سيدي الشيخ "أيوب الخَلْوَتِيُّ" الحنفيُّ.
[٧٨] (قولُهُ: في "الدُّرر" و"الغُرر") كلاهما لـ "منلا خسرو"، و"الدُّرر" هو شرحُ "الغرر".
[٧٩] (قولُهُ: لم أعزُهُ) أي: لم أنسبْهُ، من عزا يعزو، واسمُ المفعول منه: معزُوٌّ كمدعُوٍ"
بالتَّصحيح أرجحُ من معزيٍّ بالإعلال، قال في "الألفيّة":
واعلِلْهُ إنْ لم تتخَرَّ الأجوَدا
وصحِّحِ المفعولَ من نحوٍ عدا
ويُروَى بالوجهين قولُ الشاعرِ: [طويل]
أنا اللَّيثُ مَعدِيَّاً عليه وعادياً(٢)
والثاني هو الجاري على ألسنةِ الفقهاء.
[٨٠] (قولُهُ: وما زادَ وعزَّ نقلُهُ) أي: وما زاد على ما في "الدرر" و "الغرر"، وعزَّ نقلُهُ -
أي: قلَّ نقُلُهُ في الكتب المتداولة - عزوتُهُ لقائله. وفي بعض النسخ: ((وما زاد عن نقلِهِ))، أي:
وما زاد عن المنقول في "الدُّرر" و "الغرر"، فـ ((عن)) بمعنى على، والمصدرُ بمعنى اسم المفعول.
(١) "ط": المقدّمة ١٤/١.
(٢) البيتُ لعبد يغوث بن وقاص الحارثيِّ، وصدره:
وقد عَلِمَتْ عِرْسي مُلَكيةُ أنَّني
أنشده سيبويه في "الكتاب" ٣٨٥/٤، وابن قتيبة في "أدب الكاتب" ٥٦٩، وابن السيد في "الاقتضاب" ٤٦٩، وابن
منظور في "اللسان" مادّة ((عدا)) و((نظر)) و((جفا)).

الجزء الأول
٦٩
المقدمة
روماً للاختصار، ومأمولي من الناظر فيه أنْ ينظر بعين الرضا والاستبصار، وأنْ يتلافى
[٨١] (قولُهُ: رَوماً) أي: قصداً للاختصار، علّةٌ لقوله: ((لم أعزُه))، وفيه إشارةٌ إلى كثرةٍ
نقلِهِ عن "الدُّرر" ومتابعتِهِ له كعادة "المصنّف" في متنه و"شرحه"، وهو بذلك حقيقٌ، فإنَّه
كتابٌ مبنيٌّ على غاية التحقيق.
[٨٢] (قولُهُ: ومأمُولي) من الأمل، وهو الرَّجاء. [١/ق١٤ /ب]
(٨٣] (قولُهُ: من الناظرِ) أي: المتأمِّلِ. قال "الراغب"(١): ((النظرُ قد يرادُ به التأمُّلُ
والتفخُّص، وقد يرادُ به المعرفةُ الحاصلة بعد الفحص، واستعمالُ النظر في البصيرة أكثرُ عند
الخاصَّة، والعامَّةُ بالعكس)) اهـ. وتمامُهُ في "حاشية الحموي"(٢).
[٨٤] (قولُهُ: فيه) أي: في "شرحي" هذا.
[٨٥] (قولُهُ: بعَينِ الرِّضى) أي: بالعينِ الدالّةِ على الرِّضى، ولا ينظرَ بعين المقتِ، فإنَّ مَنْ
نظَرَ بها تبيَّنَ له الحقُّ باطلاً كما قال الشاعر: [طويل]
١٤/١
:
وعيِّن الرِّضى عن كلِّ عيبٍ كليلة
كما أنَّ عين السُّخطِ تُبدي المساويا(٣)
أو أنّه شبَّ الرِّضى بإنسانٍ له عينٌ تشبيهاً مضمَراً في النَّفس، وذكرُ العين تخييلٌ، "ط "(٤).
(٨٦] (قولُهُ: والاستبصارِ) السين والتاء زائدتان، أي: والإبصارِ، والمراد به التبصُّرُ والتَأمُّل، "ط)" (٥).
[٨٧] (قولُهُ: وأنْ يتلافَى) أي: يتدارَكَ، في "القاموس"(٦): ((تلافاه: تدارَكَهُ)).
(١) "مفردات القرآن": مادَّة((نظر)).
(٢) انظر "غمز عيون البصائر": المقدّمة ٤٤/١.
(٣) البيت لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب في ديوانه صـ٩٠-، وأنشده المبرد في "الكامل"
٢٧٦/١، ٢٧٧، وابن رشيق القيرواني في "زهر الآداب" ٨٥/١، وابن عبد ربه في "العقد الفريد" ٣٤٨/٢،
والبصري في "الحماسة البصريَّة" ٥٥/٢، والبغدادي في "شرح أبيات المغني" ٢٦٦/٤.
(٤) "ط": المقدِّمة ١٤/١.
(٥) "ط": المقدّمة ١٤/١.
(٦) "القاموس": مادَّة ((لفي)).

قسم العبادات
تِلافَهُ.
٧٠
حاشية ابن عابدين
[٨٨] (قولُهُ: تِلافَهُ) الذي في "القاموس"(١) و"جامع اللغة"(٢) و"لسان العرب" (٣).
((التَّلف: الهلاك))، ولم يذكروا التّلاف، فليراجع. اهـ "ح"(٤).
ووقَعَ التعبيرُ به لغير "الشارح"(٥) كالإِمام "عمرَ بن الفارض" - قُدِّس سرُّه - في قصيدته
"الكافية" بقوله(٦): [خفيف]
بكَ عِجِّلْ به جُعِلتُ فِداكا
وتِلافي إنْ كان فيه ائتلافي
ويحتملُ أنَّ الألف إشباعٌ، وهو لغةُ قومٍ، "ط)"(٧). وفسَّر العلامة "البوريني" في "شرحه"
على "ديوان ابن الفارض"(٨) التّلافَ بالتلف، وكذا قال سيِّدي "عبدُ الغنيِّ النابلسيُّ" في
"شرحه" عليه (٩).
(١) "القاموس": مادَّة((تلف)).
(٢) "جامع اللغة": للسيد محمَّد بن السيد حسن بن السيد علي الأَدْرَ نَويّ(ت٨٦٦ هـ). ("كشف الظنون" ٥٧٢/١
ووفاته فيه ٧٦٠هـ، وهو خلاف ما في المصادر، انظر "هدية العارفين" ٢٠٣/٢، و"الأعلام" ٨٨/٦).
(٣) "لسان العرب": مادَّةَ ((تلف)) لأبي الفضل محمد بن مُكَرَّم، جمال الدين المعروف بابن منظور الأنصاريّ
المصريّ(ت ٧١١ هـ). ("كشف الظنون" ١٥٤٩/٢، "الدرر الكامنة" ٢٦٢/٤، "بغية الوعاة" ٢٤٨/١).
(٤) "ح": المقدَّمة ق ٢/ب.
(٥) الذي في "ط" ١٤/١: ((المصنّف)) بدلَ ((الشارح))، ولعلَّه قصَدَ به الحصكفيَّ.
(٦) ديوانه صـ ٨٤ -، وهو أبو حفص وأبو القاسم عمرُ بن علي بن مرشد، شرف الدين المعروف بابن الفارض
الحمويُّ المصريُّ (ت٦٣٢هـ). ("وفيات الأعيان" ٤٥٤/٣، "شذرات الذهب" ٢٦١/٧).
(٧) "ط": المقدّمة ١٤/١.
(٨) المسمى "البحر الفائض في شرح ديوان ابن الفارض": ٢١٣/١، والْبُوْرِيني هو الحسن بن محمد بن محمد، بدر
الدين الصفوريّ الدمشقيّ الشافعيّ(ت١٠٢٤هـ). ("خلاصة الأثر" ٥١/٢، "هدية العارفين" ٢٩١/١).
(٩) المسمى "كشف السر الغامض شرح ديوان ابن الفارض": ٢١٣/١، وهو للشيخ عبد الغني بن إسماعيل النابلسي
الدمشقي (ت١١٤٣هـ). ("إيضاح المكنون" ٣٦١/٢، "هدية العارفين٥٩٠/١، "سلك الدرر" ٣٠/٣).

الجزء الأول
٧١
المقدمة
بقدر الإمكان، أو يصفحَ ليصفحَ عنه عالِمُ الإسرار والإضمار، ..
..
وتلافي مصدرٌ مضافٌ إلى المتكلّم، ووقَعَ في كلام الشعراء كثيراً، ومنه قول "ابن عُنَين"(١)
يخاطِبُ بعضَ الملوك وكان مريضاً: [كامل]
يُولي النَّدى وتَلافَ قبل تِلافي
انظرْ إليَّ بعينٍ مولىٌ لَمْ يَزَلْ
فاغْنَمْ دعائي والنَّاءَ الوافي(٢)
أنا كالذي أحتاجُ ما يحتاجُهُ
فجاءه الملكُ بألف دينارٍ، وقال له: أنت الذي، وهذه الصِّلة، وأنا العائد.
[٨٩] (قولُهُ: بقدْرِ الإِمكانِ) متعلّقٌ بقوله: ((يتلافى)). والإضافةُ بيانيّةٌ، أي: إذا(٣) رأى فيه عيباً
يتداركهُ بإمكانه أنْ يحمله على محملٍ حسنٍ حيث أمكن، أو يُصلِحَه بتغيير لفظه إنْ لم يمكن تأويله.
[٩٠] (قولُهُ: أو يَصفحَ) في بعض النسخ بالواو، أي: يسمحَ ولا يفضحَ. والصفحُ في
الأصل: الميلُ بصفحة العنق. ثمَّ أريد به مطلقُ الإعراض.
[٩١] (قولُهُ: لَيَصفحَ عنه إلخ) لأنَّ الجزاء من جنس العمل.
[٩٢] (قولُهُ: الإسرارِ) بكسر الهمزة: مصدرُ أسرَّ؛ ليناسبَ الإضمار وإن احتمل أنْ يكون
يفتحها جمعَ سٍّ. اهـ "ح"(٤).
وعلى الأوَّلِ فعطفُ [١/ق١٥/أ] ((الإضمارِ)) عليه عطفُ مرادفٍ، وعلى الثاني عطفُ
مغايرٍ. قال "ط"(٥): (( والأَولى أنْ يقول بدَلَ الإضمار: الإظهار ليكونَ في كلامه صنعةٌ
الطّاق، وهي الجمعُ بين لفظين متقابلي المعنى)).
(١) أبو المحاسن محمَّدُ بن نصر الله بن مكارم بن الحسن بن عُنَّيْن، شرف الدين المعروف بابن عُنَّيْن الأنصاريّ
الحورانيّ الدمشقيّ(ت٦٣٠هـ وقيل: ٦٣٣). ("شذرات الذهب" ٢٤٦/٧). وفي بعض المصادر: ((نصر الدين))،
وفي بعضها: ((نصر بن مكارم)).
(٢) ديوانه صـ ٩٢ -، والخبرُ في "وفيات الأعيان" ٤٩٥/٣ - ٤٩٦، و"الغيث المسجم" ١٨٢/١، و"خزانة الأدب" ٣١٠/١.
(٣) من ((بقدر الإمكان)) إلى ((إذا)) ساقطٌ من"أ".
(٤) "ح": المقدِّمة ق ٢/ب.
(٥) ط": المقدّمة ١٥/١.

قسم العبادات
٧٢
حاشية ابن عابدين
ولعَمري إنَّ السلامة من هذا الخطرِ لأمرٌ يعزُّ على البشر، ولا غروَ؛ فإنَّ النِّسيان ...
[٩٣] (قولُهُ: ولَعمري) تقدَّمَ الكلام عليه، وهذه الفِقْرةُ وقعت في خطبة "النهر" (١).
[٩٤] (قولُهُ: الخطرِ) هو الإشراف على الهلاك، والمرادُ به هنا الشيء الشاقُّ، وهو الخطأ
والسهوُ المعبَّرُ عنه بالتّلاف.
[٩٥] (قولُهُ: يعِزُّ على وزنِ يقِلُّ، أو يَمَلُّ كما في "القاموس"(٢)، والمادةُ تأتي بمعنى العسر، وبمعنى
القَلَّةِ، وبمعنى الضِّيق، وبمعنى العظمة كما أفاده في "القاموس"(٣)، وكلٌّ صحيحٌ، أفاده "ط)" (٤).
[٩٦) (قولُهُ: البشرِ) اسمُ جنسٍ، والبشرُ: ظاهرُ البشرة، وهو ما ظهَرَ من الجسد. والجنُّ:
ما اختفى، من الاجتنان، وهو الاستتار، "ط"(٥).
[٩٧) (قولُهُ: ولا غَرْوَ) بفتح الغين المعجمة وسكون الراء المهملة: مصدرُ غَرَا، من بابِ
عدا، بمعنى عَجِبَ بوزن فَرِحَ، أي: لا عَجَبَ. اهـ "ح"(٦). أي: من عِزَّة السَّلامة مما ذكر.
[٩٨] (قولُهُ: فَإِنَّ الّسيانَ) الفاءُ تعليليَّةٌ، أي: لأنَّ النسيان الذي هو سببُ التّلاف المتقدِّمِ، "طـ)(٧).
وعرَّفَهُ في "التحرير "(٨) بأنَّه: ((عدمُ الاستحضار في وقت الحاجة))، قال: ((فشمِلَ
(قولُهُ: وعرَّفَهُ في "التحرير": بأنَّه عدمُ الاستحضارِ في وقتِ الحاجة إلخ) ذكَرَ في مفسداتِ الصلاة
(١) "النهر الفائق": المقدِّمة ق ٢/أ، وهو لعمرَ بن إبراهيم بن محمد، سراج الدين المعروف بابن نُحَيْم المصريّ
(ت ١٠٠٥ هـ)، شرَحَ به "كنزَ الدقائق" لأبي البركات عبد الله بن أحمد، حافظ الدين النِّسَفيّ(ت٧١٠هـ)،
("كشف الظنون" ١٥١٦/٢، "خلاصة الأثر" ٢٠٦/٣) وذكر الشيخُ عبد الغني النابلسي في "نهاية المراد"
صـ٣٤٩ -: أنَّ "النهر الفائق" مختصر "البحر الرائق".
(٢) "القاموس": مادَّة ((عزز)).
(٣) "القاموس": مادَّة ((عزز)).
(٤) "ط": المقدّمة ١٥/١ باختصار يسير.
(٥) "ط": المقدِّمة ١٥/١.
(٦) "ح": المقدِّمة ق ٢/ب.
(٧) "ط": المقدَّمة ١٥/١.
(٨) "التحرير": المقالة الثانية - الباب الأوَّل ــ فصل في بيان أحكام عوارض الأهليَّة صـ٢٧٣ -.

الجزء الأول
٧٣
المقدمة
من خصائص الإِنسانيَّة،.
السهو؛ لأنَّ اللغة لا تفرِّقُ بينهما )) اهـ.
[٩٩] (قولُهُ: من خصائصِ الإنسانيَّةِ) أي: من الأمورِ الخاصَّةِ بالحقيقة الإنسانية، أي:
بأفرادها، والياء للنّسبة إلى المجرَّدِ عنها، رُوِيَ عن "ابن عباس" أنَّه قال: ((سمِّي إنساناً لأنّه
عُهِدَ إليه فنسِيَ ))(١). وقال الشاعر: [كامل]
لا تنسَيَنْ تلك العهودَ فإنَّما
سُمِّيتَ إنساناً لأَنَّك ناسي(٢)
وقال آخرُ: [بسيط]
نسيتَ وعدَكَ والنسيانُ مغتفَرٌ
فاغفِرْ فأوَّلُ ناسٍ أَوَّل النَّاسِ (٣)
وقيل: لأنسه بأمثاله أو بربِّه تعالى، قال الشَّاعر: [طويل]
ولا القلبُ إلاَّ أنَّه يتقلَّبُ(٤)
وما سُمِّيَ الإِنسانُ إِلاَّ الأُنسِهِ
عن "شرح التحرير": (( أَنَّه لا فرقَ بينهما عند الفقهاءِ والأصوليِّين وأهلِ اللغة، وفرَّقَ الحكماءُ بأنَّ
السَّهو زوالُ الصُّورةِ عن المُدرِكةِ مع بقائها في الحافظة، والنسيانَ زوالُها عنهما معاً، فيحتاجُ في حصولها
إلى كسبٍ جديدٍ، وقيل: النسيانُ عدمُ ذكرٍ ما كان مذكوراً، والسهوُ غفلةٌ عمَّا كان مذكوراً أو ما لم
يكن، فالنسيانُ أخصُّ مطلقاً )).
(١) أخرجه الحاكم ٣٨٠/٢ -٣٨١ كتاب التفسير - باب تفسير سورة طه، وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط
الشيخين ولم يُخرِّجاه، ووافَقَهُ الذهبي.
(٢) البيتُ لأبي تمام في ديوانه ٢٤٥/٢، و"البصائر والذخائر" لأبي حيَّان التوحيديِّ ٩٥/٥، و"تفسير القرطبي"
١٩٣/١، و"الدرِّ المصون" ١٢٠/١.
(٣) البيت في "حاشية الشهاب الخفاجيٍّ على البيضاويّ": ٣٠٢/١، ورُوِي صدرُهُ في "تفسير القرطبي" ١٩٣/١،
و"الدرِّ المصون" ١٢٠/١:
فإنْ نسيت عهوداً منك سالفةً
.........
(٤) البيتُ في "تفسير القرطبي" ١٩٣/١، و"الدرِّ المصون" ١١٩/١، و"حاشية الشهاب الخفاجي على البيضاوي" ٣٠٢/١.

قسم العبادات
٧٤
حاشية ابن عابدين
والخطأَ والزلل من شعائر الآدميَّة،.
[١٠٠) (قولُهُ: والخطأُ) هو: أنْ يَقصِدَ بالفعل غيرَ المحلِّ الذي يُقْصَدُ به الجنايةُ كالرمي إلى
صيدٍ، فأصاب آدميّاً، "تحرير"(١). وفي "القاموس"(٢): ((الخطأ: ضدُّ الصواب))، ثمَّ قال:
((والخطأ: مالم يُتعمَّدْ)).
(١٠١) (قولُهُ: من شعائرِ الآدميَّةِ) الشعائرُ: العلاماتُ كما في "القاموس"(٣)، "ح"(٤). قال في
"معراج الدراية"(٥): ((وشرعاً: ما يؤدَّى من العبادات على سبيل الاشتهار كالأذان
والجماعة والجمعة وصلاة العيد والأضحية، وقيل: هي ما جُعل عَلَماً على طاعة الله تعالى)) اهـ.
(قولُهُ: هو أنْ يَقصِدَ بالفعل غيرَ المحلِّ إلخ) هذا أحدُ نوعيِ الخطأ، وهو الخطأُ في فعلِ الجارحة، كأنْ رمى
غرضاً فأصابَهُ ثُمَّ رجَعَ عنه، أو تجاوَزَ إلى ما وراءَ فأصاب آدميّاً، أو قصَدَ رجلاً فأصابَ غيرَهُ. والثاني: الخطأُ
في ظنِّ الفاعل، كأن يرميَ شخصاً ظنّهُ صيداً فإذا هو آدميٌّ، إلى آخرِ ما يأتي إن شاء الله تعالى في الجنايات.
(قولُهُ: قال في "معراج الدِّرايةِ": وشرعاً ما يُؤدَّى من العباداتِ إلخ) الظاهرُ أنَّ عبارته في شعائرِ الإِسلام لا
في شعائرِ الآدمَّةِ، وأنَّ كلامَهُ في مدلولِ الشَّعائر بقطع النظر عن الإضافة إلى الآدميَّة، بل بحسبِ معناها
في اصطلاح أهل الشَّرع، وقال "العينيُّ" في خطبةِ "الهداية" عند قوله: ((وأظهَرَ شعائرَ الشَّرعِ)):
((شعائرُ جمعُ شَعارةٍ أو شَعِيرةٍ، الشَّعِيرةُ: البدنة تُهدَى، وكلُّ ما حُعِلَ عَلَماً على طاعةِ الله تعالى، ويقال:
المرادُ بها ما كان أداؤه على سبيل الاشتهار كصلاة الجمعة مما كان فيه اشتهارٌ)).
(١) "التحرير": المقالة الثانية - الباب الأوَّل - فصلٌ في عوارض الأهليّة صـ٢٩٢ -.
(٢) "القاموس": مادَّة((خطأ)).
(٣) "القاموس": مادّة ((شعر)).
(٤) "ح": المقدّمة ق ٢/ب.
(٥) "معراج الدراية": لمحمد بن محمد بن أحمد، قوام الدين السِّنجاريّ الحُجَنْديّ المعروف بالكاكي(ت٧٤٩هـ)، شرَحَ
به "الهداية" للمرغيناني. ("كشف الظنون" ٢٠٣٣/٢، "الفوائد البهيّة" صـ١٨٦-، "الأعلام" ٣٦/٧). ويذكره ابن
عابدين رحمه الله بهذا اللفظ، وبلفظ "المعراج".

الجزء الأول
٧٥
المقدمة
وأستغفرُ الله مستعيداً به من حسدٍ ...
١٥/١
قال "ط"(١): ((وإنَّما عبَّرَ بها هنا وفيما تقدَّم بــ ((خصائص)) لأنَّ النسيان من خصائصٍ
الإنسان، والخطأ والزلل يكون منه ومن غيره حتَّى من الملائكة كما وقع لإبليسَ [١/ق١٥/ب]
بناءً على أَنَّه منهم، ولـ "هاروت" و"ماروت" على ما قبل، كقولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾
[ البقرة -٣٠]، وكنظرِ بعضِ الملائكة إلى مقامه في العبادة، وأمَّا الجنُّ فذلك أكثرُ حالهم )).
[١٠٢] (قولُهُ: وأستغفرُ الله) أي: أطلبُ منه سترَ ذنبي، وكأنَّه أتى به لأنَّ ما ذكَرَهُ قبله
فيه نوعُ تبرئةٍ للنفس، وهو مما لا ينبغي، بل الأَولى هضمُ النفس بالخطأ والنسيان وإنْ كانا من
لوازمٍ الإنسان.
[١٠٣] (قولُهُ: مستعيداً) حالٌ من فاعل ((أستغفرُ)). والعَوْد: الالتجاء، كالعِياذ والمعاذة و
التعوُّذ والاستعاذة، والعَوَذ بالتحريك: الملجأ، كالمعاذ والعياذ، "قاموس" (٢).
[مطلبٌ]
1 في تعريف الحسد وذمِّهِ وأهلهُ
[١٠٤] (قولُهُ: من حَسَدٍ) هو: تمّي زوالِ نعمةِ المحسود، سواءٌ تمنّى انتقالَها إليه أم
لا، ويُطلَقُ على الغِبطة مجازاً، وهي: تمّي مثلِ تلك النعمةِ من غير إرادةِ زوالها
عن صاحبها، وهو غيرُ مذمومٍ بخلاف الأوَّلِ؛ لأنَّه يؤدِّي إلى الاعتراض على الخالق
تعالى، ولذا قال عليه الصلاة والسلام: ((إِيَّاكم والحسدَ، فإنَّ الحسد يأكلُ الحسناتِ
كما تأكلُ النارُ الحطبَ))(٣)، وسمَّاه عليه الصلاة والسلام: ((حالقةَ الدِّينِ لا حالقةً
(١) "ط": المقدَّمة ١٥/١.
(٢) "القاموس": مادَّة ((عوذ)).
(٣) أخرجه أبو داود برقم (٤٩٠٣) كتاب الأدب - باب في الحسد، والبيهقيُّ في "الشعب" برقم (٦٦٠٨) من طريق
إبراهيم بن أبي أسيدٍ عن جدِّه عن أبي هريرة مرفوعاً، وإبراهيمُ بنُ أبي أسيدٍ صدوقٌ كما في "التقريب" ٣٢/١،
وجدُّهُ لا يُعرَفُ، فالحديثُ ضعيفٌ بهذا الإسناد، وله شاهدٌ من حديث أنس عند ابن ماجه برقم (٤٢١٠)، وفي =

قسم العبادات
٧٦
حاشية ابن عابدين
يسدُّ بابَ الإنصاف، ويردُّ عن جميل الأوصاف،
الشعر))(١)، وقال تعالى: ﴿وَ مِن شَرِّحَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفَلَق- ٥]، والحاسدُ ظالمٌ لنفسه
- حيث أتعَبَ نفسه وأحزَنَها، وأوقَعَها في الإِثم - ولغيره، حيث لم يحِبَّ له ما يحبُّ لنفسه.
ولذا قال "أبو الطيِّب"(٢): [طويل]
وأظلمُ أهلِ الأرض مَن كان حاسداً لِمَن باتَ فِي نَعمائِه يتقلَّبُ(٣)
[١٠٥) (قولُهُ: يسدُّ بابَ الإنصافِ) صفةٌ تأكيديَّةٌ؛ لأنَّ حقيقة الحسد مُشعِرةٌ بها؛ إذ الإنصافُ هو
الجريُ على سَنَنِ الاعتدالِ والاستقامةُ على طريق الحقِّ، وهذا الوصف لا يتأتّى وجودُه مع الحسد.
والغرضُ من الإتيان بهذا الوصفِ التأكيديِّ النداءُ على كمالِ بشاعة الحسد، وتقريرُ ذمِّه
والتنفيرُ عنه، ولا يخفى ما فيه من الاستعارة المكنيّة والتخييليَّة والترشيح.
[١٠٦] (قولُهُ: وَيَرُدُّ) أي: يصرِفُ صاحبه عن جميلِ الأوصاف، أي: عن الاتّصافِ
بالأوصاف الجميلة أو عن رؤيتها في المحسود، فلا يرى الحاسدُ له وصفاً جميلاً لِما أنَّ عين
السُّخط تُبدي المساويا.
وردَّ يتعدَّى بنفسه، ويتعدَّى بعن إلى مفعولٍ ثانٍ وإنْ لم يذكره في "القاموس"، فمِن
شواهدِ النُّحاة قولُ الشاعر: [وافر]
وبعد عطائِكَ المائةَ الرِّتَاعا(٤)
أكفراً بعد ردِّ الموتِ عنّي
= إسناده عيسى بنُ أبي عيسى الحناط، وهو ضعيفٌ، فلعلُّه يقوى به.
(١) أخرجه أحمد ١٦٥/٥ - ١٦٧، والترمذي برقم (٢٥١٠) كتاب صفة القيامة - باب رقم (٥٧)، والبيهقي في "السنن
الكبرى" ٢٣٢/١٠ كتاب الشهادات - باب شهادة أهل العصبيَّة، وابنُ عبد البر في "التمهيد" ١٢٠/٦ عن الزبير مرفوعاً.
(٢) أبو الطِّب أحمدُ بن الحسين بن الحسن المعروف بالمتنبي الجُعْفيّ الكوفيّ الكِنْديّ(ت٣٥٤هـ). ("وفيات الأعيان"
١٢٠/١، "شذرات الذهب" ٢٨١/٤).
(٣) "ديوانه" بشرح العكبري ١٨٥/١، و"خزانة الأدب" لابن حجة الحموي ٢٠٤/١.
(٤) قائلُهُ عُمَيرُ بن شُيَيم القُطَاميّ التّغْلبِيّ، والبيتُ في ديوانه صـ٣٧-، وهو من قصيدةٍ طويلةٍ يمدح فيها زفر بن الحارث
الكلابي وكان أسَرَهُ في حربٍ، فمنَّ عليه وأعطاه مائةً من الإبل، أنشد البيتَ ابنُ سلام في "طبقاته" ٥٣٧/٢، =

الجزء الأول
٧٧
المقدمة
ألا وإنَّ الحسد حسكٌ،.
فافهم. وهذه الفِقْرةُ بمعنى التي قبلها، وفي الفِقرتين من أنواع البديع:
التّرصيحُ، وهو: أنْ يكون ما في إحداهما من الألفاظ [١/ق١٦/أ] أو أكثرُهُ مثلَ ما يقابلُهُ
من الأخرى في الوزن والتقفيَةِ.
والجناسُ اللاحقُ، وهو: اختلافُ اللفظين المتجانسين في حرفين غيرِ متقاربين.
ولزومُ ما لا يلزم، وهو هنا: الإتيانُ بالصاد قبل الألف في الإنصاف والأوصاف. وقد أتى
بهاتين الفِقْرتين "المصنّفُ" في "المنح"(١)، و"ابنُ الشِّحْنة" في "شرح الوهبانية"(٢)، وسبقَهما
إلى ذلك "ابن مالكٍ" في "التسهيل"(٣).
[١٠٧) (قوله: أَلا) أداةُ استفتاحٍ يُستفتَحُ بها الكلامُ.
[١٠٨] (قولُهُ: حَسَكٌ) بفتحتين: شوكُ السَّعدان، والسعدانُ: نبْتٌ من أفضلِ مراعي الإبل
(قولُهُ: وهذه الفِقرةُ بمعنى التي قبلها) باعتبارِ استلزامِها لِما قبلها في المآلِ.
= وابن جني في "الخصائص" ٢٢١/٢، وابن منظورٍ في "اللسان" مادَّة ((زهف، سمع، عطو، غنا))، وابن هشامٍ في
"أوضح المسالك" ٢١١/٣، والسيوطيُّ في "الأشباه والنظائر" ٤١١/٢. والرتاع: الإبلُ التي ترعى ما تشاءُ، وتجيء
وتذهب في المرعى نهاراً. اهـ. "اللسان" مادَّة ((رتع)).
(١) "المنح": المقدّمة ١/ ق ٤/أ.
(٢) المسمى: "تفصيل عقد الفرائد بتكميل قيد الشرائد": المقدّمة ق ٤/أ نقلاً عن ابن مالكٍ في "التسهيل"،
و"التفصيلُ" لأبي البركات عبد البرِّ ابن محمد بن محمد، سريّ الدين المعروف بابن الشحنة
الحلبيّ(ت٩٢١هـ)، شرَحَ به منظومةً "قيد الشرائد ونظم الفرائد" لعبد الوهّاب بن أحمد المعروف بابن وهبان
الدمشقيّ(ت٧٦٨هـ). ("كشف الظنون" ١٨٦٥/٢، "الكواكب السائرة" ٢٢٠/١، "الأعلام" ٢٧٣/٣)،
وفي بعض المصادر: "تفصيل عقد الفوائد".
(٣) "تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد": المقدِّمة صـ٢-، وهو لأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الله، جمال الدين
المعروف بابن مالكٍ الطائيّ الجَيَّانيّ(ت٦٧٢هـ). ("كشف الظنون" ٤٠٥/١، "بغية الوعاة" ٥٣/١، "شذرات
الذهب" ٥٩٠/٧).

قسم العبادات
٧٨
حاشية ابن عابدين
من تعلَّقَ به هلَكَ، وكفى للحاسد ذمَّاً آخرُ سورة الفلق،
كما في "القاموس"(١)، "ح"(٢).
وهذا من التشبيهِ البليغ، فهو على حذف الأداة، أو تجري فيه استعارةٌ على طريقة
"السَّعْد"، "ط"(٣). وبين ((الحسد)) و ((حسك)) الجناسُ اللاحقُ أيضاً.
[١٠٩] (قوله: مَنْ تعلَّقَ بِهِ هَلَكَ) يشيرُ إلى وجهِ الشَّبهِ، فإنَّ الحسد إذا تعلَّقَ بإنسان أهلكه؛
لأَنَّه يأكلُ حسناتِهِ، "ط " (٤).
وظاهرُهُ: أنَّ الضمير في ((تَعلَّقَ)) لـ ((الحسد))، لا لـ ((مَنْ))، والأنسبُ إرجاعُه لـ ((مَنْ)).
[مطلبٌ]
[ في كفى وفاعلها وتمييزها ]
[١١٠] (قولُهُ: وكفى للحاسدِ إلخ) ((كفى)) فعلٌ ماضٍ، واللام في ((للحاسد))
زائدةٌ في المفعول به على غيرِ قياسٍ، و((ذمَّاً)) تمييزٌ، وتمييزُ كفى غيرُ مُحَوَّلٍ عن
شيءٍ كما ذكره "الدمامينيُّ" في "شرح التسهيل" (٥)، ومثلُهُ: امتلأ الكوزُ ماءً،
و((آخِرُ)) بالرفعِ فاعلُ ((كفى))، ولم يزدِ الباءَ في فاعلها؛ لأَنَّه غيرُ لازمٍ، بل غالبٌ
بخلاف زيادتها في فاعل أفعِلْ في التعجب، فإنَّها لازمةٌ، لكنْ قال "الدماميني":
(( إنْ كان كفى بمعنى أجزَأَ و أغنى، أو بمعنى وقَى لم تُزَدِ الباءُ في فاعلها، هكذا قيل،
(١) "القاموس": مادَّة ((حسك))، و((سعد)).
(٢) "ح": المقدّمة ق ٢/ب.
(٣) "ط": المقدَّمة ١٥/١.
(٤) "ط": المقدّمة ١٦/١.
(٥) المسمَّى "تعليق الفرائد": لمحمد بن أبي بكر بن عمر، بدر الدين المعروف بابن الدَّمامينيّ المَخْزوميّ القُرَشيّ
المالكيّ(ت٨٢٧هـ)، شَرَحَ "تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد" لأبي عبد الله محمد بن عبد الله، جمال الدين
المعروف بابن مالكٍ الطائيّ الجَيَّانيّ(ت٦٧٢هـ). ("كشف الظنون" ٤٠٥/١ -٤٠٦، "الضوء اللامع" ١٨٤/٧،
"بغية الوعاة" ٥٣،٢٧/١).

الجزء الأول
٧٩
المقدمة
في اضطرامِهِ.
ولم أر مَنْ أفصَحَ عن معنى كفى التي تغلِبُ زيادةُ الباء في فاعلها، وفي كلام بعضهم ما يشيرُ
إلى أنَّها قاصرةٌ لا متعدِّية، وفي كلام بعضهم خلافُ ذلك )) اهـ، فافهم.
ووجهُ الذِّ أَنَّه تعالى أسنَدَ إليه الشرَّ، وأمَرَ نبيَّهِوَ﴿ بالاستعاذة منه، وأيُّ ذمّ أعظمُ من ذلك؟!
[١١١] (قولُهُ: في اضطرامِهِ) متعلّقٌ بـ ((كفى))، أو بمحذوف حالٍ من الحاسد، أو ((في))
للَّعليل كما في حديثٍ: ((إنَّ امرأةً دخلتِ النارَ في هرَّةٍ حبسَتْها)(١)، أو بمعنى مع كما في:
﴿آدْ خُلُواْ فِيَ أُمَمٍ﴾ [ الأعراف - ٣٨]
والاضطرامُ - كما قال"ح"(٢) عن "جامع اللغة" - : ((اشتعالُ النار فيما يُسرِعُ اشتعالها
فيه ))، قال "ط"(٣): ((شبَّهَ شدَّةً تحسُّره لفواتٍ غرضه بالاشتعال)).
(قولُهُ: ولم أرَ مَن أفصَحَ عن معنى كَفَى إلخ) في "حاشيةِ المغني"لـ "الدُّسُوقِيِّ": ((أَنَّ كفى التي
تَغْلِبُ زيادةُ الباء في فاعلها كفى التي هي بمعنى حسْبُ التي هي فعلٌ قاصرٌ )) اهـ. وكفى بمعنى أحزاً
متعدِّيّةٌ لواحدٍ، والثانيةُ لاثنين. اهـ "مغني".
(١) أخرجه أحمدُ ٢٦١/٢، والبخاريُّ برقم (٣٣١٨) كتاب بدء الخلق - باب إذا وقَعَ الذبابُ في شرابِ أحدكم،
ومسلمٌ (٢٢٤٢) كتاب السلام - باب تحريمٍ قتل الهرَّة، وابن ماجه (٤٢٥٦) كتاب الزهد - باب ذكر التوبة من
حديث أبي هريرة مرفوعاً.
وأخرَجَ أحمدُ ٥٢٠/٢ من حديث علقمة قال: ((كنا عند عائشةَ، فدخل أبو هريرة فقالت: أنت الذي تُحدِّثُ أنَّ
امرأةً عُذَّبَتْ في هرَّةٍ لها، فلم تطعمها ولم تسقِها، فقال: سمعتُهُ منه - يعني النبيَّ / - فقالت: هل تدري ما
كانت المرأةُ؟ إنَّ المرأة مع ما فعلت كانت كافرةً، وإنَّ المؤمن أكرمُ على اللـه رَتَّ من أنْ يعذّبُهُ في هرَّة))، وأورده
الهيثميُّ في "مجمع الزوائد" ١٩٠/١٠ كتاب التوبة - باب فيما يحتقر من الذنوب، وقال: رواه أحمدُ، ورجالُهُ رجالٌ
الصحيح، وفي الباب عن جابرٍ ﴾.
(٢) "ح": المقدّمة ق ٢/ب.
(٣) "ط": المقدّمة ١٦/١.

قسم العبادات
٨٠
حاشية ابن عابدين
بالقلق، لله دَرُّ الحسد ما أعدَلَه، بدأ بصاحبه قتله.
[١١٢] (قولُهُ: بالقَلَق) هو بالتحريك: الانزعاجُ (١)، "قاموس"(٢).
[١١٣) (قولُهُ: لله دَرُّ الحسدِ) في "الرضيِّ"(٣): ((الدَّرُّ في الأصل ما يدُرُّ، أي: ما ينزلُ من
الضَّرْع من اللّبن، ومن الغيم من المطر، [١/ق١٦/ب] وهو هنا كناية عن فعل الممدوح الصادر
١٦/١ عنه، وإنَّما نَسَب فعلَهُ لله تعالى قصداً للتعجُّب منه؛ لأنَّ الله تعالى منشئُ العجائبِ، وكلُّ شيءٍ
عظيمٍ يريدون التعلُّب منه يَنسِبونه إليه تعالى ويضيفونه إليه، فمعنى لله دَرُّه: ما أعجَبَ فعلَهُ )).
وفي "القاموس"(٤): ((وقولهم: ولله درُّه أي: عملُه))، كذا في "حواشي الجامي" للمولى "عصام"(٥)،
ثُمَّ قال: (( فقولُ "الشرح" - يعني "الجامي" -: لله خيره بجعلِ الدَّرِّ كنايةً عن الخير لا يوافقُ تحقيقَ
اللغة)). اهـ "ابن عبد الرزّاق".
[١١٤) (قولُهُ: ما أعدَلَهُ إلخ) تعجّبٌ ثانٍ متضمِّنٌ لبيانٍ مَنشأ التعجب، وفي "الرسالة
القشيرية"(٦): ((قال "معاوية" رَلُه(٧): ليس في خِلال الشرِّ خَلَّةٌ أعدلُ من الحسد، تقتلُ
(١) مِن ((تحسُّره)) إلى ((الانزعاج)) ساقطٌ من "٢".
(٢) "القاموس": مادَّة ((قلق)).
(٣) "شرح الرضيِّ على الكافية": التمييز ٧٠/٢.
(٤) "القاموس": مادَّة((درر)).
(٥) باب التمييز صـ١٧٨- من حواشي المولى إبراهيم بن محمد بن عَرَبْشاه، عصام الدين الأسفرايينيّ(ت ٩٤٥هـ
وقيل: ٩٥١) على "الفوائد الضيائيّة" للمولى عبد الرحمن بن أحمد، نور الدين الجاميّ(ت٨٩٨هـ) شرح "الكافية"
لأبي عمرو عثمان بن عمرو، جمال الدين الشهير بابن الحاجب(ت٦٤٦هـ). ("كشف الظنون" ١٣٧٠/٢ -
١٣٧٢، "الفوائد البهية" صـ٨٦ -، "هدية العارفين" ٢٦/١).
(٦) "الرسالة القشيريَّة": باب الحسد ٤٠٢/١، وهي لأبي القاسم عبد الكريم بن هَوَازن النَّيْسَابوريّ القُشَيْريّ الشافعيّ
(ت ٤٦٥ هـ). ("كشف الظنون" ٨٨٢/١، "تاريخ بغداد" ٨٣/١١)، وسيأتي كلام ابن عابدين على الرسالة
ومصنفها صـ١٠٣ -: قوله: ((أبو القاسم))، وقوله:((في رسالته)).
(٧) لم نعثر على تخريج لهذا القول بعد طول بحث.

الجزء الأول
٨١
المقدمة
[ طويل ]
وما أنا مِنْ كيدِ الحسود بآمِن
ولا جاهل يَزري ولا يتدبّرُ
الحاسدَ(١) غمَّاً قبل المحسود )) اهـ.
لكنَّ شرْطه ما قال الشاعر: [بسيط]
دعِ الحسودَ وما يَلْقَاهُ مِنْ كَمَدٍ
إِنْ لُمْتَ ذا حسَدٍ نَفَّسْتَ كُرْبَتَهُ
كفاكَ منه لهيبُ النارِ فِي كَبِدِهِ(٢)
وإِنْ سكَتَّ فقد عذَّبَتَهُ بيدِهْ
وقال آخرُ وقد أجاد: [مجزوء الكامل]
اصبرْ على كيدِ الحسُو
النارُ تأكلُ بعضَها
دٍ فإنَّ صبركَ يقتلُهْ
إِنْ لم تجدْ ما تأكلُهْ(٣)
[١١٥] (قولُهُ: وما أنا إلخ) البيتُ من "المنظومة الوهبانية"(٤)، قال شارحُها العلاَّمة "عبدُ
البِرِّ بن الشّحنة"(٥): (( الكيْدُ: الخديعة والمكرُ، والحَسود: فَعولٌ من الحسد، فيه مبالغةٌ في
معنى الحاسد، والآمِنُ: المطمئنُّ، ولا جاهلٍ: عطفٌ على الحسود، يعني: ولا مِنْ كيدٍ
جاهلٍ، ويَزري بفتح التحتية: مِن زَرَى عليه، إذا عابه واستهزأ به، وأنكر عليه، ولم يَعُدَّه
شيئاً، أو تهاوَنَ به، ويجوزُ ضمُّها من أزرَى، قال في "القاموس"(٦): لكِنَّه قليلٌ، وتزرَّى
(١) ((تقتل الحاسد)) ساقطٌ من "أ".
(٢) ذكرَهُ مؤلّفا "البلاغة الواضحة" صـ٤٩-، ونَسَباه لأبي تمام، ولم نجده في ديوانه، وذكره ابنُ عبد ربِّه في "العقد
الفريد" ٣٢٤/٢ ولم ينسبه، وانظر "المستطرف" ٢١٥/١، و"حاشية الخفاجيِّ على البيضاوي" ٣٢٠/١.
(٣) البيتان لأبي تمام، وهما في ديوانه ٤١٢/٢ (دار المعارف، ت: محمد بديع شريف).
(٤) المسمّاة "قيد الشرائد ونظم الفرائد": صـ٣- (هامش "المنظومة المحبيَّة")، و"الوهبانيَّة" لأبي محمد عبد الوهَّاب بن
أحمد، أمين الدين المعروف بابن وَهْبَان الحارثيّ الدمشقيّ(ت٧٦٨هـ). ("كشف الظنون" ١٨٦٥/٢، "الدرر
الكامنة" ٤٢٣/٢، "الفوائد البهية" صـ١١٣-).
(٥) "تفصيل عقد الفرائد": المقدّمة ق ٤/أ.
(٦) "القاموس": مادَّة ((زري)).

قسم العبادات
٨٢
حاشية ابن عابدين
وللهِ دَرُّ القائل: [ بسيط ]
مَنْ عاشَ في الناس يوماً غيرَ محسودِ
همْ يحسدوني وشرُّ الناس كلِّهم
وأَزْرَى بأخيه: أدخَلَ عليه عيباً أو أمراً يريدُ أنْ يُلبس عليه به. ولا يتدبَّرُ: عطفٌ عليه، أي:
لا یتفكّرُ في عواقبِ الأمور.
وسببُ هذا البيتِ أَنَّه ابْتُلِيَ بما ابْتُلِيتُ به من حسد الحاسدين وكيد المعاندين، والله
المسؤولُ أنْ يَجعل كيدَهم في نحرهم، فبعضُهم استكثره عليه، والبعضُ قال: إنّه مسبوقٌ
إليه)) اهـ ملخَّصاً.
[١١٦] (قولُهُ: هم يحسدوني) أصله: يحسدونني، حُذفت إحدى النُّونين تخفيفاً. اهـ "ح"(١).
و((شرُّ)) أفعلُ تفضيلٍ، حُذفت همزته لكثرةِ الاستعمال كما حُذفت من خيرٍ، وإثباتُها
لغةٌ قليلةٌ أو رديئةٌ كما في "القاموس"(٢).
و((كلِّهمُ)) بالجرِّ تأكيدٌ لـ ((الناس)) لإفادة الشمول، ولا يقال: الكافرُ شرٌّ ممن
لم يُحسَدْ، فكيف يكون مَنْ لم يُحسَدْ شرَّاً منه؟! لأنَّا نقول: هو من جملة من لم يُحسَدْ،
بل [١/ق١٧ / أ] ليس له ما يُحسَدُ عليه لقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُ هُرِيِهِ﴾ الآيةَ
[ المؤمنون - ٥٥ ]، فافهم.
و((في الناس)) بمعنى معَهم، و((يوماً)) ظرفٌ لـ ((عاشَ))، و((غيرَ)) بالنصب حالٌ.
وقد أتى "الشارح" بهذا البيت تبعاً لـ "ابن الشحنة" تسليةً للنفس، فإِنَّ الحسد لا يكون
إلاَّ لذوي الكمالِ المتَّصفين بأكملِ الخصال.
وفي معناه ما يُنسَبُ إلى "علىٍّ" كرَّمَ الله وجهه: [بسيط]
قبلي مِنَ الناسِ أهلُ الفضلِ قَد حُسِدوا
إنْ يحسدوني فإنّي غيرُ لائِمِهِمْ
(١) "ح": المقدّمة ق ٢/ب.
(٢) "القاموس": مادَّة ((شرر)).

الجزء الأول
٨٣
المقدمة
.....
إذ لا يسودُ سيِّدٌ ..
وماتَ أكثرُهم (١) غيظاً بما يُحِدُ(٢)
قدامَ بي وبهم ما بي وما بهم
[١١٧) (قولُهُ: إذ لا يسودُ) أي: لا يصيرُ ذا سؤدَدٍ وفَخار، وأصلُهُ: يسْؤُدُ كينصُرُ، نقلتْ
حركة الواو إلى الساكن قبلها فسُكِّنت الواو، وهذا علَّةٌ لمفهومٍ ((وشرُّ الناس))؛ لأَنَّه إذا
كان شرُّ الناس من لم يُحسَدْ نَتَجَ أنَّ خيرهم مَنْ يُحسَدُ، وإنما كان ذلك سبباً في سيادته
لأنَّ المدح يترتَّبُ عليه الرياسةُ والسُّؤُدَد، والقَدْحُ فيه يترتَّبُ عليه الحِلمُ والتحمُّل والصَّفْح،
وذلك سببٌ في السيادة أيضاً. اهـ "ط)"(٣).
قلتُ: والحسودُ أيضاً سببٌ في السيادة(٤) من حيث إنَّه سببٌ لنشرِ ما انطوى من الفضائل
كما قال القائل: [ كامل]
طُوِيَتْ أتاحَ لها لسانَ حَسٍُ (٥)
وإذا أرادَ اللَّهُ نشرَ فضيلةٍ
[مطلبٌ]
[ في جواز إطلاق كلمة السيِّدِ على غيره تعالى ]
[١١٨] (قولُهُ: سيِّدٌ) أصلُهُ: سيوِدٌ، اجتمعت الواو والياء، وسبقتْ إحداهما بالسكون،
فقُلبت الواو ياءً، وأدغمت في الياء. قيل: إنَّه لا يُطلَقُ إلاَّ على الله تعالى لِما رُوي: أنَّه عليه
(١) في "الأصل" و"ب" و"م": ((أكثرنا)).
(٢) البيتان في "عيون الأخبار": ١٤/٢، و"العقد الفريد" ٣٢٤/٢، و"أمالي القالي" ١٩٨/٢، و"أدب الدنيا والدين".
صـ ٤٢٧-، و"غرر الخصائص الواضحة" للوطواط صـ٤٧٩ - غير منسويين، ونسَبَهما ابنُ عبد البر في "بهجة
المجالس" ٤١٣/١ إلى لَبِيْد بن عُطَارد التميميّ، والمرتضى في "أماليه" ٤١٤/١ إلى الكُمَيْت بن زيد.
(٣) "ط": المقدّمة ١٧/١.
(٤) قوله: ((أيضاً سبب في السيادة)) ساقط من "أ".
(٥) البيتُ لأبي تمام، وهو في ديوانه ٣٩٧/١، وانظره في "عيون الأخبار" ١١/٢، و"العقد الفريد" ٣٢٥/٢، و"بهجة
المجالس" ٤١٦/١، و"غرر الخصائص الواضحة" صـ ٤٧٩ -.

قسم العبادات
٨٤
حاشية ابن عابدين
بدون ودودٍ يمدحُ، وحسودٍ يقدحُ؛ لأنَّ مَنْ زرَعَ الإِحنَ حصَدَ المحنَ،
الصلاة والسلام لَمَّا قالوا له: يا سيِّدَنا قال: ((إنما السيِّدُ الله))(١)، وفيه(٢) أنَّه عليه الصلاة
والسلام قال: ((أنا سيِّدُ ولدِ آدم))(٣)، وقال تعالى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران - ٣٩]،
وقيل: لا يُطلَقُ عليه تعالى، وعُزيَ إلى "مالكٍ"، وقيل: يطلقُ عليه تعالى معرَّفاً، وعلى غيره
منكَّراً، والصحيح جوازُهُ مطلقاً، وهو في حقّه تعالى بمعنى العظيمِ المحتاج إليه، وفي غيره بمعنى
الشريف الفاضل الرئيس، وتمامُهُ في "حاشية الحموي" (٤).
[١١٩) (قولُهُ: بدونٍ) أي: بغيرِ، وهو أحدُ إطلاقاتٍ لها، وتأتي بمعنى المكان الأدنى، وهو
الأصلُ فيها، "ط " (٥).
[١٢٠) (قولُهُ: وَدُودٍ) هو كثيرُ الحبِّ، "قاموس" (٦).
[١٢١) (قولُهُ: وحسودٍ يَقدحُ) أي: يَطعنُ، ولا يخفى ما بين ((ودُودٍ)) و((حسُودٍ)) من الطِّباق،
وبين ((يمدحُ)) و((يقدحُ)) من الجناس اللاحق ولزومٍ مالا يلزم، وما في ذلك من الترصيع.
[١٢٢] (قولُهُ: لأنَّ مَنْ زرَعَ) تعليلٌ لِما استلزَمَهُ الكلام السابق؛ لأنَّ قدْحَ الحسود إذا كان
(١) أخرجه أحمدُ ٢٤/٤-٢٥، وأبو داود (٤٨٠٦) كتاب الأدب - باب كراهية التمادح، والنسائيُّ في "عمل اليوم
والليلة" (٢٤٥) و(٢٤٧)، وابن السني (٣٨٧) من حديث عبد الله بن الشخّيرَ بِأَتَمَّ منه، وإسنادُهُ قويٌّ، ورجالُهُ
كلُّهم ثقاتٌ، ورمَزَ السيوطيُّ لصحته في "الجامع الصغير" ٤٤/٢ برقم (٤٨٤٩).
(٢) أي: وفيه نظرٌ لقوله مَ﴿: ((أنا سيِّدُ ولد .... )).
(٣) أخرجه أحمدُ ٥٤٠/٢، ومسلمٌ (٢٢٧٨) كتاب الفضائل - باب تفضيل نبيِّنا: ﴿ على جميع الخلائق، وأبوداود
(٤٦٧٣) كتاب السنّة - باب التخيير بين الأنبياء عن أبي هريرة رضيُ مرفوعاً، وله أصلٌ في البخاريِّ في حديث
الشفاعة من حديث أبي هريرة أيضاً برقم (٣٣٤٠) كتاب أحاديث الأنبياء - باب قول الله وثمان: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا
إِلَى قَوْمِهِ﴾، ولفظُهُ: ((أنا سيِّدُ الناس يوم القيامة))، ثمَّ ساقَ حديث الشفاعة بطوله.
(٤) انظر "غمز عيون البصائر": المقدَّمة ١٣/١.
(٥) "ط": المقدّمة ١٧/١.
(٦) "القاموس": مادَّة ((ودد)).