Indexed OCR Text
Pages 41-60
الجزء الأول
٢٥
المقدمة
أو حقيقيٌّ باعتبار أنَّه راجعٌ إليه لتمكينه تعالى وإقدارِ العبد عليه، وقد يقال: إنّه جعَلَ الجنسَ في المقام
الخطابيِّ منصرِفاً إلى الكامل كأنّه كلُّ الحقيقة، فيكون من باب: ذلك الكتابُ، والحاتمُ الجوادُ.
وهل هذا الحصرُ بطريقِ المفهوم أو المنطوق؟
قيل: بالمنطوق، ورُدَّ بأنَّ أَلْ تدلُّ على العموم والشمول، فليس النفيُ جزءً مفهومِها وإِنْ
كان لازماً، وقيل: بالمفهوم لِما ذُكِرَ، وقيل: لا تفيدُ الحصرَ، ونُسِبَ للحنفيَّةِ(١)، وضَعَّفه في
"التحرير"(٢): ((بأنَّ كلامهم مشحونٌ باعتباره، وقد تكرَّرَ الاستدلالُ منهم في نفيِ اليمين
عن المدَّعِي بقوله عليه الصلاة والسلام: ((واليمينُ عَلَى مَنْ أنكرَ))(٣))).
(قولُهُ: وإقدارِ العبدِ عليه) أي: الإنعامِ، قال "الفخرُ": ((إنَّ كلَّ مَن أنعَمَ على غيره بإنعامٍ فالمنعمُ في
الحقيقة هو الله تعالى، فإنَّه خلَقَ تلك النعمةَ، وخلَقَ الدَّاعيةَ في قلب المنعِم، فثبَتَ أَنَّه تعالى هو المنعمُ في
الحقيقة )) اهـ باختصارٍ.
(قولُهُ: وقيل: لا تفيدُ الحصرَ إلخ) لعلَّ وجهَ هذا القيل أنَّ أل في ذاتها كما تحتملُ الاستغراقَ تحتملُ
الجنس المتحقّقَ في كلِّ الأفراد أو في بعضها، ولا يتأَتَّى إفادةُ الحصر مع الاحتمال، وشحنُ كلامهم
(١) في"أ": ((إلى الحنفية)).
(٢) "التحرير": المقالة الأولى - الفصل الثاني - تقسيم المفهوم - مسألة: النفي في الحصر بإنما لغير الآخر صـ ٤١ -.
(٣) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" بهذا اللفظ ٢٥٢/١٠ كتاب الدعوى والبينات - باب البينة على المدعي عن ابن
عباس مرفوعاً، قال العلامة قاسم بن قُطْلُوبُغَا في "التعريف والإخبار"٢٣٠/٢ بعد ذكره لرواية البيهقي هذه: ((حسنه
النووي وغيره)) اهـ. وللحديث أصل بمعناه في "مسند أحمد" ٣٤٣/١، والبخاري(٢٥١٤) كتاب الرهن - باب إذا
اختلف الراهن والمرتهن ونحوه، ومسلم (١٧١١)(١) و(٢) كتاب الأقضية - باب اليمين على المدعى عليه، وأبو داود
(٣٦١٩) كتاب الأقضية - باب اليمين على المدعى عليه، والترمذي (١٣٤٢) كتاب الأحكام - باب ما جاء في أن البينة
على المدعي، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في "السنن" ٢٤٨/٨ - ٢٤٩ كتاب آداب القضاء - باب عظة
الحاكم على اليمين، وابن ماجه (٢٣٢١) كتاب الأحكام - باب البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، كلُّهم من
حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وفي الباب عن عبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة بعثته.
قسم العبادات
٢٦
حاشية ابن عابدين
قال في "الهداية"(١): ((جُعِلَ جنسُ الأيمان على المنكرين، وليس وراءَ الجنس شيءٌ)).
وعلى كلٍّ من الصُّور الاثنتي عشرةَ فلامُ لله إمَّا للمِلك أو للاستحقاق أو للاختصاص،
فهي ستٌّ وثلاثون، وعلى الأخيرِ فهي لتأكيد الاختصاص المستفادِ [١/ق٥/أ] من أل كما
قاله "السيِّد"(٢): ((من أنَّ كُلاّ منهما يدلُّ على اختصاص المحامد به تعالى)). وقيل: إنَّ
الاختصاص المستفادَ من اللام هو اختصاصُ الحمدِ بمدخولها، وأل لاختصاصٍ ذلك
الاختصاصِ به تعالى، وتمامُهُ في "شرح آداب البحث"(٣).
أقولُ: يظهرُ لي أنَّ أل لا تفيدُ الاختصاص أصلاً كما مرَّ(٤) منسوباً للحنفيَّةِ، وإنَّما
باعتباره إنما هو بمعونةِ القرائن كالقسمةِ بين المدَّعي والمدَّعَى عليه الواقعةِ في حديثٍ: ((البيِّنة على
المدَّعي، واليمينُ على مَن أنكَرَ))، وليس جعلُ اليمين على المدَّعي بانفرادِهِ كافياً في إفادةِ الحصر، بل مع
ملاحظةٍ قرينةِ القسمة المذكورة، تأمَّل.
(قولُهُ: فلامُ للَّهِ إِمَّا للمِلكِ إلخ) على جعلِ أل للعهدِ يمتنعُ جعلُ اللام للمِلك إنْ جُعِلَ المعهودُ الحمدَ
القديمَ فقط كما مشى عليه "المحشِّي"؛ لأنَّ القديم لا يُملَكُ، فإنْ جُعِلَ حمدَ مَن يُعتَدُّ بحمده كحمده
تعالى وأنبيائه وأوليائه لم يَمتنع؛ لأنَّ المعهود حينئذٍ الجملةُ، وهي حادثةٌ؛ إذ المركَّبُ من القديم والحادث
حادثٌ، وعلى جعلِها للاستغراق أو للجنسِ في ضمنٍ بعض الأفراد يَمتنعُ ذلك بالنسبة للقديم ولايمتنع بالنّسبة
للحادث إنْ لُوحِظَ أنَّ الأفراد غيرُ مركَّةٍ، وإلاَّ لم يمتنع. اهـ من "حاشية السُّلَّم".
(قولُهُ: أقول: يظهرُ لي أنَّ أل إلخ) أقولُ: لا شكَّ أنَّ أل لها دخلٌ في إفادةِ الاختصاص، وذلك أنّه
(١) "الهداية": كتاب الدعوى - باب اليمين ١٥٧/٣، وهي شرح "بداية المبتدي"، كلاهما لأبي الحسن علي بن أبي
بكر، برهان الدين الفَرْغانيّ المَرْغِيْنَانيّ(ت٥٩٣هـ). ("كشف الظنون" ٢٠٣١/٢، "الجواهر المضية" ٦٢٧/٢).
(٢) في "حاشيته" على "الكشاف": ٥١/١ - ٥٢ بتصرف (هامش "الكشاف").
(٣) علم آداب البحث، ويقال له: علم المناظرة، فيه مؤلفات أكثرها مختصرات، ولها شروحٌ كثيرة وحواشٍ، ولم يتبين
لنا المراد من إطلاق ابن عابدين رحمه الله لشرح آداب البحث، انظر "كشف الظنون" ٣٩/١ - ٤١.
(٤) في هذه المقولة.
الجزء الأول
٢٧
المقدمة
هو مستفادٌ من النّسبة أو من اللام لِما صَرَّحَ به في "التَّلويح"(١): ((من أنَّ أل للتعريف،
ومعناه الإشارةُ والتعيينُ والتَّمييزُ، والإشارةُ إِمَّا إلى حِصَّةٍ معيّنةٍ من الحقيقة - وهو تعريفُ
العهد، أي: الخارجيِّ كجاءني رجلٌ، فأكرمتُ الرجلَ - وإمَّا إلى نفسِ الحقيقة، وذلك قد
يكونُ بحيث لا يفتقِرُ إلى اعتبار الأفراد، وهو تعريفُ الحقيقةِ والماهَّةِ كالرجلُ خيرٌ من المرأة،
وقد يكون بحيث يفتقِرُ إليه، وحينئذٍ إِمَّا أنْ توجدَ قرينةُ البعضيَّة كما في: ادخلِ السُّوقَ -
وهو العهدُ الذهنيُّ - أوْ لا وهو الاستغراقُ كـ ﴿ إِنَّالْإِنسَنَ لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر - ٢] احترازاً
عن ترجيحِ بعض المتساويات بلا مرجِّحٍ، فالعهدُ الذهنيُّ والاستغراق من فروع الحقيقة،
ولهذا ذهب المحقّقون إلى أنَّ اللام لتعريف العهد أو الحقيقة لا غير، إلاَّ أنَّ القومَ أخذوا
بالحاصل، وجعلوه أربعةً أقسام )). اهـ مُوَضَّحاً.
فهذه معاني أل، فإذا كان مدخولُها موضوعاً، وحُمِلَ عليه مقرونٌ باللام التي هي
للاختصاص أفادتِ اللامُ أنَّ الجنسَ أو المعهودَ مختصُّ بمدخولها، وإنْ كان المحمولُ غيرَ
مقرون بها فإنْ كان في الجملة ما يُفِيدُ الاختصاصَ كتعريف الطَّرفين ونحوه فَبها، وإلاّ فإنْ
هنا إنما جاءَ من نسبةِ الموضوع المعرَّفِ باللام إلى المحمول، فاستفادتُهُ موقوفةٌ على كلٍّ من أل والنّسبة؛
إذ لو عُدِمَ أحدُهما لا يُستفاد أصلاً، فكلٌّ منهما له دخلٌ في إفادتِهِ، فصحَّ نسيتُهُ لأل كما هو صريحُ ما
نقَلَهُ عن "السيِّد"، وهذا لا يُنافي ما نقَلَهُ عن "التلويح"، فإنَّه في معانيها الذاتيّةِ لها، لا فيما تفيدُهُ بانضمامٍ
شيءٍ آخرَ لها، فلذا تراهم يُسِنِدونه لأل تارةً كما في عبارة "السيِّد"، وتارةً للنّسبةِ كما هو ظاهرُ عبارة
"الكشّاف" التي نقّلَها، تأمَّل.
(١) "التلويح": فصل في ألفاظ العموم ٥٢/١، لمسعود بن عمر بن عبد الله، سعد الدين التفتازاني(ت٧٩٢هـ)، وهو
حاشية على "التوضيح في حلِّ غوامض التنقيح" كلاهما لعبيد الله بن مسعود، صدر الشريعة الأصغر المحبوبيّ
البخاريّ(ت٧٤٧هـ). ("كشف الظنون" ٤٩٦/١، "الدرر الكامنة" ٣٥٠/٤، "الفوائد البهية" صـ١٠٩-).
قسم العبادات
٢٨
حاشية ابن عابدين
...
كانت أل للجنسِ والماهِيَّةِ فنفسُ النّسبةِ تفيدُ الاختصاص؛ إذ لو خرج فردٌ من أفراد
الموضوع لم تَصدُقِ النّسبةُ لخروج الجنس معه كما مرَّ(١) في كلام "الكشّاف"، ولذا قال في
"الهداية": ((وليس وراءَ الجنس شيءٌ)).
والحاصلُ: أنَّ الاختصاص مستفادٌ من اللامِ الموضوعةِ له أو من النّسبة، لكنْ إذا كانت أل
للجنس والماهيَّة كما في حديثٍ: ((واليمينُ على مَن أنكَرَ))، أمّا إذا كانت أل للاستغراق،
ولم يقترنِ المحمولُ بلام الاختصاص ونحوِها كقولك: الرجلُ يأكلُ الرغيفَ فلا اختصاصَ
أصلاً، هذا ما ظهر لفهميَ القاصر، فتدبَّره.
وبه اندفَعَ ما في "التحرير"(٢) من التَّضْعيف، وإذا جُعِلت اللامُ للمِلك أو الاستحقاق فلا
اختصاصَ وإِنْ قلنا: إنَّ أل تفيده؛ لأنَّ اختصاصَ ملكِ الحمد أو استحقاقَهُ مدخول اللام لا
ينافي ثبوتَ الحمد [١/ق٥/ب] لآخَرَ لا بطريق الملك أو الاستحقاق، تأمَّل.
ثمَّ هذه الجملةُ تحتملُ الخبرِيَّةَ، ويصْدُقُ عليها التعريفُ؛ لأنَّ الإخبارَ بالحمد وصفٌ
بالجميل إلخ، أو فعلٌ يُنِئُ إلخ. وإذا كانت أل فيها للجنس فالقضيّةُ مهمَلةٌ، أو للاستغراق
فكلّيَّةٌ، أو للعهد الذهنيِّ فجزئيّةٌ، ولو صحَّ جعلُها للعهد الخارجيِّ فشخصيّةٌ، وَيُحتمَلُ أنْ
تكون منقولةً إلى الإنشاء شرعاً أو مجازاً عن لازمٍ معناها، فالمقصودُ إيجادُ الحمد بنفس
الصِّيغة، أي: إنشاءُ تعظيمِهِ تعالى.
واختلفوا في الجملة الإخباريَّة إذا استُعمِلَت في لازم معناها كالمدح والثناء والهجاء هل
تصيرُ إِنشائيَّةً أم لا ؟
ذهب الشيخ "عبدُ القاهر" إلى الثاني، قال: ((لئلا يلزمَ إخلاءُ الجملة عن نوعٍ معناها،
(١) في هذه المقولة.
(٢) "التحرير": صـ٤١-، وتقدم نقل عبارته في هذه المقولة.
الجزء الأول
٢٩
المقدمة
قيل: ولأَنَّه يلزمُ عليه هنا انتفاءُ الأِّصافِ بالجميل قبل حمدِ الحامد ضرورةَ أنَّ الإنشاء يقارِثُ
لفظُهُ معناه في الوجود. ورُدَّ بأنَّ اللازمَ انتفاءُ الوصفِ بالجميل لا الاتّصافِ، والكلامُ فيه )).
مطلبٌ: توارُدُ الأحكام الشرعيَّة على البسملة
(تتمَّة)
تأتي الأحكامُ الشرعيَّةُ في كلٍّ من البسملةِ والحمدلةِ، أمَّا البسملةُ فتجبُ في ابتداء الذَّبح
ورمي الصَّيد والإرسال إليه، لكنْ يقومُ مَقامَها كلُّ ذِكرٍ خالصٍ، وفي بعض الكتب: أَنَّه لا
يأتي بالرحمن الرحيم؛ لأنَّ الذبح ليس بملائمٍ للرحمة، لكنْ في "الجوهرة"(١): ((أَنَّه لو قال:
بسم الله الرحمن الرحيم فهو حسنٌ)). وفي ابتداء الفاتحة في كلِّ ركعةٍ، قيل: وهو قولُ
الأكثر، لكنَّ الأصحَّ أنَّها سنّةٌ.
وتسنُّ أيضاً في ابتداء الوضوء والأكلِ، وفي ابتداءِ كلِّ أمرٍ ذي بالٍ، وتجوزُ أو تستحبُّ
٦/١ فيما بين الفاتحة والسُّورة على الخلاف الآتي في محلِّهِ إن شاء الله تعالى.
وتُبَاحُ أيضاً في ابتداء المشي والقيام والقعود، وتكرهُ عند كشف العورة أو محلِّ النحاسات.
[مطلبٌ: حكمُ البسملةِ في أوَّلِ براءةَ ابتداءً ووصلاً ]
وفي أوَّلِ سورة براءة إذا وصَلَ قراءتَها بالأنفال كما قَّدَهُ بعضُ المشايخ، قيل: وعند
شرب الدُّخَان، أي: ونحوِه من كلِّ ذي رائحةٍ كريهةٍ كأكلِ ثومٍ وبصلٍ.
وتحرُمُ عند استعمال مُحَرَّمٍ، بل في "البزَّازِيَّةِ))(٢) وغيرِها: (( يُكفَرُ مَنْ بسمَلَ عند مباشرةٍ
(١) "الجوهرة النيرة": كتاب الصيد والذبائح ٢٧٦/٢، لأبي بكر بن علي بن محمد، رضيّ الدين الحدَّاد الزَّبِيْديّ
العَبَّاديّ(توفي في حدود٠ ٨٠هـ)، اختصرها من شرحه الكبير "السراج الوهاج" على مختصر أبي الحسين أحمد بن
محمد القُدُوريّ(ت ٤٢٨ هـ). ("كشف الظنون" ٩٨٥/٢، "البدر الطالع" ١٦٦/١، "هدية العارفين" ٢٣٥/١).
(٢) "الفتاوى البزازية" المسماة بـ "الجامع الوجيز": كتاب: ألفاظٌ تكون إسلاماً أو كفراً أو خطأ - فصل فيما يقال في
القرآن والأذكار في الصلاة ٣٣٩/٦ (هامش "الفتاوى الهندية")، و"البزازية" لمحمد بن محمد بن شهاب، =
قسم العبادات
٣٠
حاشية ابن عابدين
لك ........
. ...
كلِّ حرامٍ قطعيِّ الحرمةِ، وكذا تحرُمُ على الجنب إنْ لم يقصد بها الذّكرَ )). اهـ "ط" (١)
ملخِّصاً مع بعضِ زياداتٍ.
وأمَّ الحمدلةُ فتحبُ في الصلاة، وتسنُّ في الخُطَبِ وقبل الدُّعاء وبعد الأكل، وتُباحُ بلا
سببٍ، وتكرهُ في الأماكن المستقذَرة، وتحرُمُ [١/ق٦/أ] بعد أكلِ الحرام، بل في "البزَّازِيَّةَ"(٢).
(( أَنَّه اختُلِفَ في كفره )).
[٣] (قولُهُ: لَكَ) آثَرَ الخطابَ على اسم الله تعالى الدالِّ على استجماعِهِ لجميع صفاتِ الكمال
إشارةً إلى أنَّ هذا الاستجماعَ من الظهور بحيث لا يحتاجُ إلى دلالةٍ عليه في الكلام، بل ربَّما
يُدَّعَى أنَّ تركَ ذِكرِ ما يدلُّ عليه أوفقُ لمقتضى المقام، بل المهمُّ الدلالةُ على أنَّه قَوِيَ للحامد
محرِّكُ الإقبالِ وداعي التوجُّهِ إلى جَنابه على الكمال، حتى خاطبه مُشعِراً بأنَّه تعالى كأنَّه
مشاهِدٌ له حالةَ الحمد لرعايةٍ مرتبةِ الإحسان، وهو: (( أنْ تعبُدَ الله كأنَّك تراه))، أو بأنّه
تعالى قريبٌ من الحامد كما قال تعالى: ﴿وَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق-١٦] وإنْ كان
الحامدُ لنقصانه في كمال البعد كما تدلُّ عليه كلمةُ ((يا)) الموضوعةُ لنداء البعيد
(قولُهُ: ﴿مَوَغَنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَّلِ الْوَرِيدِ﴾) الحبلُ: العِرق، وإضافته بيانيّةٌ، والوريدان: عرقان مكتنَفان
بصفحتى العنق في مُقدَّمها، وهذا مَثَلٌ فِي فَرْطِ القرب. اهـ "أبو السُّعود".
(قولُهُ: وإنْ كان الحامدُ لنقصانِهِ إلخ) أي: فلا تنافيَ بين ما سلَفَ في نكتةِ الخِطاب وبين ما تفيدُهُ
كلمةُ يا من البُعد؛ لأنَّ الْبُعد الرُّتبيَّ بين الخلق والحقِّ يصاحبُهُ قوَّةُ الإقبالِ وصدقُ التوجُّهِ إليه تعالى.
= حافظ الدين المعروف بالبَزَّزيّ الكَرْدَرِيّ البَرِيْقِيْنِيّ الْخُوَارزميّ(ت٨٢٧هـ). ("كشف الظنون" ٢٤٢/١، "الضوء
اللامع" ٣٧/١٠، " الفوائد البهية" صـ ١٨٧-).
(١) "ط"= "حاشية الطحطاوي": المقدمة ٦/١، وهي لأحمد بن محمد بن إسماعيل الطّخْطَاويّ(ت١٢٣١ هـ) على "الدر
المختار" للشارح الحصكفيّ. ("حلية البشر" ٢٨١/١، "هدية العارفين" ١٨٤/١، "أعيان القرن الثالث عشر" ص٧٣-).
(٢) "البزازية": فصل فيما يقال في القرآن والأذكار في الصلاة ٣٣٩/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
الجزء الأول
٣١
المقدمة
يا مَنْ شرحتَ.
على ما قيل، ففي الإتيان بها هضمٌ لنفسه واستبعادٌ لها عن مظانِّ الزُّلفى كما أفاده
"الخَطَائي"(١) و "اليزديُ)) (٢).
[٤] (قولُهُ: يا مَنْ شَرَحْتَ) الأَولى شرَحَ كما عبَّرَ في "مختصَر المعاني)"(٣)؛ لأنَّ الأسماءِ
الظاهرةَ كلَّها غَيبٌ، سواءٌ كانت موصولةً أو موصوفةً كما صرَّحَ به في "شرح المفتاح)"(٤)،
لكنْ بمراعاةِ جانبِ النداء الموضوعِ للمخاطَب يسُوغُ الخِطابُ نظراً إلى المعنى، وذكَرَ في
"المطوَّل"(٥) : ((أنَّ قولَ "علىٍّ" كرَّم الله وجهَهُ: [رجز]
أنا الذي سمَّتْني أمِّي حيدرةُ(٦)
(١) هو عثمان بن عبد الله، نظام الدين المعروف بمولانا زاده الخطائيّ(ت ٩٠١هـ)، له حاشية على "مختصر المعاني"
للتفتازانيّ شرح "تلخيص المفتاح" للقَزْوِينيّ. ("هدية العارفين" ٦٥٦/١، "معجم المؤلفين" ٣٦٢/٢).
(٢) هو عبد الله بن حسين اليَزْدِي الشِّهَابادِي الشَّيْعيّ(ت١٠١٥هـ)، له "تحفة الشاهجانية" في شرح "تهذيب
التفتازانية"، وحاشية على حاشية الخطائيّ. ("خلاصة الأثر" ٤٠/٣، "هدية العارفين" ٤٧٣/١، "الأعلام" ٨٠/٤).
(٣) "مختصر المعاني": المقدمة صـ٢-، لمسعود بن عمر، سعد الدين التفتازانيّ(ت١٩٢هـ، وقيل: ٧٩١هـ)، وهو شرحٌ
ثان مختصرٌ من شرحه الأول المسمى بـ "المطوَّل" - الآتي ذكره - شرح بهما "تلخيص المفتاح في المعاني والبيان"
لأبي المعالي محمد بن عبد الرحمن، جلال الدين القَزْوِينيّ الشافعيّ المعروف بخطيب دمشق (ت٧٣٩هـ). ("كشف
الظنون" ٤٧٣/١ - ٤٧٤، "الدرر الكامنة" ٣/٤، ٣٥٠، "مفتاح السعادة" ١٩٠/١، ١٩٤).
(٤) شرح مسعود بن عمر، سعد الدين التفتازاني(ت٧٩٢هـ) على القسم الثالث من "مفتاح العلوم" لأبي يعقوب
يوسف بن أبي بكر بن محمد بن علي، سراج الدين السَّكَّاكي(ت ٦٢٦هـ). ("كشف الظنون" ١٧٦٢/٢- ١٧٦٣،
"الجواهر المضية" ٦٢٢/٣، "مفتاح السعادة" ١٩٠/١).
(٥) "المطول": صـ١١٧-، ومرت ترجمته في هذه الصحيفة.
(٦) وتمامہ، کما في ديوانه ص٧٧ -:
ضِرغامُ آجامٍ وَلَيثٌ قَسْوَرَهْ
وروي في "أدب الكاتب" صـ ٧١-، و"اللسان" مادة ((حدر)) بلفظ:
كليثٍ غاباتٍ غليظِ القَصَرَه
وأخرجه مسلم رقم (١٨٠٧) کتاب الجهاد - باب غزوة ذي قرد وغیرها، وفيه:
كليث غابات كريه المنظره =
أنا الذي سمتني أمي حيدره
قسم العبادات
٣٢
حاشية ابن عابدين
قبيحٌ عند النحويِّينِ )). واعترضه "حسن جلبي"(١): ((بأنَّ الالتفات من أَتَمِّ وجوهٍ تحسين
الكلام، فلا وجه للتَّقبيح؛ لأنَّه التفاتٌ من الغَيبة إلى التكلُّم، وفيه تغليبُ جانبِ المعنى على
جانب اللفظ، على أنَّه يَرِدُ على النحوِّين: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل - ٥٥]، فلو كان
فيه قباحةٌ لَما وقَعَ في كلامٍ هو في أعلى طبقات البلاغة )) اهـ.
أقولُ: ولا يخفى ما في قوله: ((على أنه يَرِدُ إلخ )) من اللَّطافة عند أهل الظَّرافة.
وفي "مغني اللبيب"(٢) في بحث الأشياء التي تحتاج إلى رابطٍ: ((أَنَّ نحو: أنتَ الذي
(قولُهُ: قبيحٌ عند النحويِّين) المرادُ أَنَّه قبيحٌ في الاستعمال، أي: شاذٌّ نادرٌ.
(قولُهُ: وفي "مغني اللَّبيب" إلخ) حاصلُهُ: أنَّ ربْطَ الصِّلة هنا بضمير الغيبة نظراً لجانب الموصول، أو
بضميرِ الخطاب نظراً لجانب النداء الدالّ على الخطاب مقيسٌ، إلاَّ أنَّ الثانيَ قليلٌ؛ لأنَّ النداء الدالَّ على
الخطابِ لا يَتِمُّ إلاَّ بعدَ تمام الصِّلة، فكانتْ مراعاتُهُ قليلةً كما في "حواشي المغني".
وحيث علمتَ أنَّ كلاًّ مستعملٌ مقيسٌ لا تصحُّ دعوى صحَّةِ الالتفاتِ فيما نحن فيه، ولا في قول
"عليٍّ" كرَّمَ الله وجهه، بل الجريُ فيهما على القليل، والالتفاتُ إنما يكونُ في كلمتين لا في كلمةٍ
واحدةٍ أو ما في حكمها، وإجراؤه فيما هو كالكلمة قليلٌ، والصلةُ والموصولُ بمنزلة كلمةٍ واحدةٍ، فلذا
جعَلَ النحاةُ النظرَ إلى جانب الموصول هو الكثيرَ، والصفةُ مع الموصوف ليست كذلك في الجزئيَّةِ، فكثُرَ
فيها مراعاةٌ كلٍّ من الجهتين، فحينئذٍ لا تَرِدُ الآيةُ المذكورة على النحوِّين، غايةُ ما يَرِدُ عليهم أنّه لا يليقُ
إطلاقُ القباحةِ على قول "على" المذكور، بل الأدبُ إطلاقُ الشُّذوذ أو القلّة، تأمَّل.
= وقال ابن السِّيْد في "الاقتضاب" (٣١٥): أراد: أنا الذي سمتني أمي أسداً، فلم يمكن ذكر الأسد من أجل القافية
فذ کر حیدرہ لأنه اسم من أسمائه اهـ.
(١) في حاشيته على "المطول" صـ ٢٨٨-٢٨٩-، وحسن جلبي هو حسن بن محمد شاه المعروف بملاً جلبي الفَنَاريّ
(ت ٨٨٦هـ). ("الضوء اللامع" ١٢٨/٣، "الفوائد البهية" صـ ٦٤-).
(٢) "مغني اللبيب": صـ٦٥٥ -.
الجزء الأول
٣٣
المقدمة
شرحتَ صدورَنا بأنواع الهداية
فعلتَ مَقِيسٌ، لكنَّه قليلٌ، وإذا تَمَّ الموصولُ بصلته انسحَبَ عليه حكمُ الخطابِ، ولهذا قيل:
﴿قُمْتُمْ﴾ [المائدة - ٦]، ومَنْ زِعَمَ أَنَّهُ من باب الالتفات - لأنَّ ﴿ءَامَنُواْ﴾ [المائدة - ٦]
مغاَبَةٌ و﴿قُمْتُمْ﴾ مواجهةٌ - فَقَدْ سَهَا )) اهـ.
ولا يخفى أنَّه فيما نحن فيه لم يتمَّ الموصولُ بصلتِهِ، أي: لم يأتِ الضميرُ بعد تمام الصِّلَة،
فدعوى الالتفاتِ فیه صحیحٌ.
[٥] (قولُهُ: شرحتَ صدورَنا) أصلُ الشَّرحِ: بَسطُ اللَّحمِ [١/ق٦/ب] ونحوِهِ، ومنه شرحُ
الصَّدر، أي: بسطُهُ بنورٍ إلهيّ، وقيل: معناه التَّوسِعةُ مطلقاً، ويقابله الضِّيقُ لقوله تعالى:
﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُأَنْ يَهْدِيَهُ﴾ الآيةَ [ الأنعام - ١٢٥]، وفُسِّر في آيةِ ﴿أَنَشَرَحْ﴾ [الشَّرح-١] بتوسِعَتَه
بما أُودِعَ فيه من العلم والحكمة.
[مطلب]
[ العقلُ محلُّهُ القلبُ عندَ "ابنِ عابدين" ]
وخَصَّ الصُّدُورَ لأَنَّها ظروفُ القلوبِ الملوكِ على سائر الجوارح؛ لأنَّها محلُّ العقل كما
يأتي(١) في باب خيار العيب، أو المرادُ بها القلوبُ، واتّساعُها كنايةٌ عن كثرةٍ ما يدخلُ فيها
من الحِكَم الإلهيّةِ والمعارف الرَّبَانيَّة.
[٦] (قولُهُ: بأنواعِ الهدايةِ) قال "البيضاويُّ" في "تفسيره"(٢): ((الهدايةُ: دلالةٌ بلطفٍ، ولذا
تستعملُ في الخير، وقولُهُ تعالى: ﴿فَأَهْدُوهُمْإِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات - ٢٣] على النَّهَكُّم.
وهدايةُ اللهِ تعالى تتنوّعُ أنواعاً لا يُحْصيها عددٌ، لكنّها تنحصِرُ في أجناسٍ مترتِّبَةٍ:
(١) المقولة [٢٢٩٥٢] قوله: ((ومعدنه القلب إلخ)).
(٢) المسمى "أنوار التنزيل وأسرار التأويل": سورة الفاتحة الآية (٦) صـ٥-، لأبي سعيد - وقيل: أبو الخير - عبد الله بن
عمر، ناصر الدين الشِّيْرَازيّ المعروف بالبَيْضاويّ الشافعيّ(ت٦٨٥هـ، وقيل غير ذلك). ("كشف الظنون"
١٨٦/١، "شذرات الذهب" ٦٨٥/٧).
قسم العبادات
٣٤
حاشية ابن عابدين
سابقاً، ونوَّرتَ بصائرَنا.
الأوَّل: إفاضة القُوَى التي بها يتمكَّنُ المرءُ من الاهتداء إلى مصالحه كالقوَّةِ العاقلة
والحواسِّ الباطنة والمشاعرِ الظاهرة. والثاني: نصْبُ الدلائل الفارقةِ بين الحقِّ والباطل
والصَّلاحِ والفسادِ. والثالث: الهدايةُ بإرسال الرُّسُل وإنزالِ الكُتُب. والرابع: أنْ يكشِفَ
على قلوبهم السَّرائرَ، ويُرِيَهم الأشياءَ كما هي بالوحىٍ أو الإلهام أو المنامات الصَّادقة، وهذا
مختصُّ بالأنبياء والأولياء)). اهـ ملخَّصاً.
[٧] (قولُهُ: سابقاً) حالٌ من مصدرٍ ((شرَحْتَ))، أي: جعلْتَ صدورَنا قابلةً للخيراتِ
حالَ كونِ الشَّرْحِ سابقاً، أو صفةٌ لذلك المصدرِ. اهـ "طَ"(١).
أقولُ: أو صفةٌ لزمانٍ، أي: زماناً سابقاً، فهو منصوبٌ على الظرفَّة، أي: حينَ أُخِذَ
الميثاقُ، أو حين وُلِدنا على الفطرة، أو عَقَلنا الدِّينَ الحقَّ واخترنا البقاءَ عليهِ.
[٨] (قولُهُ: ونَوَّرْتَ بصائرَنا) النُّور: كيفيَّةٌ ظاهرةٌ بنفسها مُظهرةٌ لغيرها، والضياءُ أقوى
منه وأتمٌّ، ولذلك أُضِيفَ إلى الشَّمس في قوله تعالى: ﴿هُوَالَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءَ وَالْقَمَرَ نُورًا﴾
[ يونس- ٥]. وقد يُفَرَّق بينهما بأنَّ الضياء ضوءٌ ذاتيٌّ والنورَ ضوءٌ عارضٌ. وقد يُقَالُ:
ينبغي أنْ يكون النورُ أقوى على الإطلاق لقوله تعالى: ﴿﴿ اَللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ﴾
[ النور - ٣٥]، وإنما يتّجِهُ إذا لم يكن معناه في الآية المنوِّرَ، وقد حَمَلَهُ أهل التفسير على
ذلك. اهـ "حسن جلبي" على "المطوّل"(٢).
والبصائرُ جمعُ بصيرةٍ، وهي: قوَّةٌ للقلب المنَوَّرِ بنور القُدُس، يرى بها حقائقَ الأشياء بمثابةٍ
٧/١ البصر للنفس كما في "تعريفات السيِّد"(٢).
(١) "ط": المقدمة ٧/١.
(٢) حاشية حسن جلبي على "المطول" صـ١٠ -.
(٣) "التعريفات": صـ٣٩-، لأبي الحسن علي بن محمد بن علي السَّيِّد الشريف الجُرْجَانيّ الحنفيّ(ت ٨١٦هـ). ("كشف
الظنون" ٤٢٢/١، "الضوء اللامع" ٣٢٨/٥، "الفوائد البهية" صـ ١٢٥-).
الجزء الأول
٣٥
٠
المقدمة
بتنوير الأبصار لاحقاً، وأفضتَ علينا من أشعَّةِ شريعتِك المطهّرة بحراً رائقاً،.
..
[٩] (قولُهُ: بتنويرِ الأبصارِ) الباء للسبيَّة؛ فإنَّ الإنسانَ بنور بصره ينظرُ إلى عجائبٍ
المصنوعات [١/ق٧/أ] لله تعالى، وإلى الكتب النافعة وغيرِ ذلك مِمَّا يكون سبباً في العادة
لتنوير البصيرة باكتساب المعارف.
[١٠] (قوله: لاحِقاً) الكلامُ فيه كالكلام في ((سابقاً))، وإنَّما كان تنويرُ البصائر لاحقاً -
أي: متأخّراً عن شرح الصُّدور - لأنَّ شرْحَها بالاهتداء إلى الإسلام كما يشيرُ إليه قولُهُ
تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ﴾ الآيَةَ [الأنعام - ١٢٥]، وهذا سابقٌ عادةً على تنوير البصائر
بما ذكرنا، وقال "الخطائيُ" في "حاشية المختصر"(١): ((قُدِّمَ شرحُ الصَّدر على تنوير القلب؛
لأنَّ الصَّدَرَ وِعَاءُ القلب، وشرحُهُ مُقدَّمٌ لدخول النُّورِ في القلب )).
[١١] (قولُهُ: وأفضْتَ) يقالُ: أفاضَ الماءَ على نفسه، أي: أفرغه، "قاموس"(٢).
[١٢] (قوله: مِنْ أشِعَّةِ) جمعُ شُعَاعِ بالضَّمِّ، وهو ما تراه من الشَّمس كأَنَّه الحِبالُ مُقْبَلَةً
عليك إذا نظرتَ إليها، أو ما ينتشِرُ من ضوئها، "قاموس"(٣).
والشريعةُ: فَعِيْلَةٌ بمعنى مَفْعُولة، أي: مشروعةٌ، فقد شرَعَها الله تعالى حقيقةً، والنبيُّ وَّ مجازاً.
(١) حاشية عثمان بن عبد الله، نظام الدين المعروف بمولانا زاده الخَطّائيّ(ت٩٠١هـ) على "مختصر المعاني" لسعد الدين
التفتازانيّ، شرح "تلخيص المفتاح" للقَزْوينيّ. ("كشف الظنون" ٤٧٦/١، "هدية العارفين" ٦٥٦/١).
(٢) "القاموس المحيط": مادة ((فيض))، واسم الكتاب - كما في آخر "القاموس" - "القاموس المحيط والقابوس
الوسيط"، وأورد هذه التسمية حاجي خليفة في "كشف الظنون" ١٣٠٦/٢ بزيادة: ((الجامع لما ذهب من
كلام العرب شماطيط))، وقال المحقق نصر الهوريني في هذه الزيادات: ((وكل ذلك ليس في النسخ
الصحيحة)). و"القاموس" هو اختصار "اللامع المَعْلَم العُجَاب الجامع بين المحكم والعُبَاب وزيادات امتلأ
بها الوِطَابِ"، وكلاهما لأبي طاهر - وقيل: أبو عبد الله - محمد بن يعقوب بن محمد، مجد الدين
الشِّيْرَازيّ الفَيْرُوْزَآباديّ الشافعيّ (ت٨١٧هـ). ("كشف الظنون" ١٥٣٦/٢، "الضوء اللامع" ٧٩/١٠،
"البدر الطالع" ٢٨٠/٢).
(٣) "القاموس" مادة ((شعع)) بتصرف يسير.
قسم العبادات
٣٦
حاشية ابن عابدين
[مطلب]
[ الشريعةُ والِلَّةُ والدِّينُ شيءٌ واحدٌ ]
والشَّريعةُ والملّة والدِّينُ شيءٌ واحدٌ، فهي شريعةٌ لكون اللهِ تعالى قد شرعها - والشَّريعةُ
في الأصل: الطريقُ يُوْرَدُ للاستقاء، فأُطلِقَتْ على الأحكام المشروعة لبيانِها ووضوحِها،
وللتوصُّل بها إلى ما به الحياةُ الأبديَّةُ - وملَّةٌ لكونها أُمْلِيَتْ علينا من النبيِّ لَ﴿ وأصحابه،
ودينٌ للتدُّنِ بأحكامها، أي: للتعُّد بها. اهـ "ط)) (١).
وكلٌّ من الدِّين والشريعة يضافُ إلى الله تعالى والنبيِّ والأمَّةِ بخلاف الِلَّةِ، فإنَّها لاتُضاف
إِلاَّ إلى النبيِّمَ﴿، فيقال: مَّة محمَّدٍ ﴿، ولايقال: ملَّةُ الله تعالى، ولا ملَّةُ زيدٍ كما قاله
"المظهر"(٢) و"الراغبُ"(٣) وغيرُهُما، فُشكِّلُ ما قاله "التَّفتازانيُ))(٤): ((إنَّها تضافُ إلى آحادٍ
الأمَّة ))، "قُهُسْتاني" في "شرحه" على "الكيدانيَّة"(٥).
هذا، وقال"ح"(٦): ((الأنسبُ بالإِفاضةِ والبحر أنْ يقول: مِنْ شَآبيب مثلاً، وهو جمعُ
(١) "ط": المقدمة ٨/١.
(٢) لم نعرفه، وعبارة القهستانيّ ٤/١ بعد نقله المسألة نفسها: (( ... كما في "التيسير" و"المفاتيح" و"المفردات")).
(٣) "مفردات ألفاظ القرآن": مادة ((ملل)) باختصار، لأبي القاسم الحسين بن محمد بن المفضَّل المعروف بالراغب الأَصْفِهانيّ أو
الأَصْبِهانيّ (ت ٥٠٢هـ وقيل غير ذلك). ("كشف الظنون" ١٧٧٣/٢، "الأعلام" ٢٥٥/٢) وانظر مقدمة "المفردات".
(٤) في حاشيته على "الكشاف": في آخر سورة الأنعام، في تفسير قوله تعالى ﴿دِينً فِيَمَامِلَّةَ إِبْرَهِيمَ﴾ كذا في "كتائب
أعلام الأخيار" للكفوي المقدمة ١/ق ١٤/ب.
(٥) المسمى "جامع المباني في شرح فقه الكيداني": لشمس الدين محمد بن حسام الدين الخُرَاسَانيّ الُهِستانيّ
(ت٩٥٣هـ، وقيل: ٩٦٢)، و"الكيدانية" هي رسالة "مقدمة الصلاة" المسماة "عمدة المصلي" المنسوبة للطف الله
النّسَفيّ المعروف بالفاضل الكيدانيّ. ("كشف الظنون" ١٨٠٢/٢، "إيضاح المكنون" ٥٤٤/٢، "هدية العارفين"
٢٤٤/٢، "الأعلام" ١١/٧). وتنسب "مقدمة الصلاة" أيضاً إلى محمد بن حمزة، شمس الدين الفَناريّ، قال في
"كشف الظنون": وهو الصحيح. وذكر النقلَ القُهِستانيُّ أيضاً في كتابه "جامع الرموز" و"حواشي البحرين" ٤/١.
(٦) "ح" = حاشية الحلبي المسماة "تحفة الأخيار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار": المقدمة ق ٢/أ. والحلبيّ هو
أبو الصفا إبراهيم بن مصطفى بن إبراهيم، برهان الدين الحلبيُّ المَدَاريُّ(ت١١٩٠ هـ). ("سلك الدرر" ٣٧/١، =
الجزء الأول
٣٧
المقدمة
وأغدقتَ.
شُؤْبُوْب: الدُّفْعَةُ من المطر كما في "القاموس"(١) )) اهـ.
أي: بناءً على أنَّه شبَّهَ الشريعةَ بالشمس بجامعِ الاهتداء، فهو استعارةٌ بالكتابة، والأشعَّةُ تخيلٌ،
وكلٌّ من الإفاضة والبحر لا يلائمُ ادِّعاءَ أنَّ الشريعةَ من أفرادِ الشَّمس الذي هو مبنى الاستعارةِ (٢).
ولا يخفى أنَّ هذا غيرُ متعَيِّنٍ لجواز أن تُشَبَّه أحكامُ الشريعةِ بالأشعَّةِ من حيثُ الاهتداءُ،
فهو استعارة تصريحيَّةٌ، والقرينةُ إضافةُ الأشعَّةِ إلى الشريعة، ثم تُشبَّهَ الأحكامُ المعبَّرُ عنها
بالأشعَّة من حيث الارتفاعُ أو الكثرةُ بالسَّحاب، فهو استعارةٌ بالكناية، والإفاضةُ استعارةٌ
تخبيليَّةٌ، والبحرُ ترشيحٌ، فقد اجتمَعَ فيه ثلاثُ استعاراتٍ على حدٍّ قوله تعالى: ﴿فَأَذَقَهَا
اللَّهُلِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل- ١١٢]. [١/ق٧/ب]
ويجوزُ أنْ يقالَ: إضافةُ الأشعَّة إلى الشريعة من إضافة المشبّهِ به إلى المشبَّهِ، وشبََّ المسائلَ
الشرعيَّةَ بالبحر بجامعِ الكثرة أو النّفْع، فهو استعارة تصريحيَّةٌ، والإفاضةُ ترشيحٌ، فافهم.
[١٣] (قولُهُ: وأغدقْتَ) أي: أكثرْتَ، في التنزيل: ﴿لَأَسْقَيْتَهُمْ مََّ عَدَقًا﴾ [الجن- ١٦]،
(قولُهُ: على حدٍّ قوله تعالى: ﴿فَذَاقَهَا اللَّهُ لِيَاسَ الْجُوعِ﴾ إلخ) قال "الصَّانُ": ((فقد شبَّهَ ما غَشِيَ
الإنسانَ عند الجوع والخوف من أثرِ الضَّرر والألم من حيث الاشتعالُ باللّباس فاستُغير له لفظُ اللّباس،
ومن حيث الكراهيةُ بالطَّعم المرِّ البشع فأوقَعَ عليه الإذاقةَ، فيكونُ في الكلام ثلاثُ استعاراتٍ: الإذاقةُ
استعارةٌ تخيليّةٌ، واللّباسُ تصريحِيَّةٌ نظراً للأوَّلِ، ومكْنِيَّةٌ نظراً للثاني)) اهـ.
وبيأنُها هنا: أنَّ لفظ اللّباس بعد استعارته لأثرِ الجوع والخوف من حيث الاشتمالُ استُغير منه للطَّعمِ
الكريهِ الادِّعائيِّ من حيث الكراهيةَ.
= "هدية العارفين" ٣٩/١، "فهرس مخطوطات الظاهرية" - الفقه الحنفي - ١٣٦/١).
(١) "القاموس" مادة ((شأب)).
(٢) في "أ": ((مبني على الاستعارة))، وهو خطأ.
قسم العبادات
٣٨
حاشية ابن عابدين
لدينا من بحار مِنَحِك الموفَرةِ نهراً فائقاً، وأتممتَ نعمتَك علينا.
أي: كثيراً، "مصباح)" (١).
[١٤] (قولُهُ: لدينا) أي: عندنا، وقيل: إنَّ لدى تقتضي الحضرةَ بخلاف عندَ، تقولُ: عندي فرسٌ
إذا كُنْتَ تملكُها وإنْ لم تكنْ حاضرةً في مكان النَّكُلُّم، ولا تقول: لديَّ إلاَّ إذا كانتْ حاضرةً.
[١٥] (قولُهُ: مِنَحِكَ) جمعُ: مِنْحَة، وهي العطِيَّة.
[١٦] (قولُهُ: الْمُؤْفِرَةِ) أي: الكثيرةِ.
[١٧] (قولُهُ: نهراً فائقاً) الفائقُ: الخِيَارُ من كلِّ شيءٍ، "قاموس)(٢). وفيه استعارةٌ تصريحيّةٌ
أيضاً نظيرَ ما مرَّ(٣).
ولا يخفى ما في الجمع بين أسامي الكتب من "الهداية" و"التنوير" و"البحر" و"النهر" من
اللطافة وحُسْنِ الإِيهام، وليس المرادُ بها نفسَ الكتب لِما فيه من النَّكُلُّف وفواتِ النُّكَّات
البديعيَّةِ في لطيفِ الكلام؛ ولأنَّهُ غيرُ المألوفِ في مثل هذا المقامِ بين العلماء الأعلام، فافهم.
[١٨] (قولُهُ: وأتممْتَ) أي: أكملْتَ ((نعمتَك)) أي: إنعامَك، أو ما أنعمتَ به، "ط)" (٤).
[١٩] (قولُهُ: علينا) الضميرُ للمؤلِّف وحدَهُ نظراً إلى عَوْدِ ثوابِ الانتفاع به إليه فقط، وأتى
بضمير العظمة للتَّحدُّث بالنّعمة، وهو جائزٌ عند الفقهاء والمحدِّثين(٥)، أو الضميرُ لِمَعاشرٍ
(١) "المصباح المنير في غريب الشرح الكبير": مادة ((غدق))، و"المصباح" لأبي العباس أحمد بن محمد بن علي الفَيُّوميّ
ثم الحَمَويّ(ت٧٧٠هـ)، شَرَحَ به غريبَ كلماتِ الشرح الكبير المسمى "فتح العزيز" لعبد الكريم بن محمد الرافعيّ
القَزْوينيّ الشافعيّ(ت٦٢٣هـ) على "الوجيز" في الفقه الشافعي لحجة الإسلام محمد بن محمد الغزّاليّ(ت ٥٠٥هـ).
("كشف الظنون" ١٧١٠/٢، "الدرر الكامنة" ٣١٤/١، "الأعلام" ٥٥/٤).
(٢) "القاموس": مادة ((فوق)).
(٣) المقولة [١٢] قوله: ((من أشعة)).
(٤) "ط": المقدمة ٨/١.
(٥) في هامش "أ": ((وفي "شرح الشَّبْرَخِيتي على الأربعين النووية": أنَّه يجوز للإنسان تعظيم نفسه إذا بلغ درجة
التأليف كما نصَّ عليه شراح "الرسالة القيروانية"، وفي الحديث: ((ليس منَّا مَنْ لم يتعاظم بالعلم، والعالمُ أشبهُ =
الجزء الأول
٣٩
المقدمة
حيث يسَّرْتَ ابتداءَ تبييض هذا الشرحِ المختصر،
الحنفيَّةِ باعتبار الانتفاع به، وهذا حُسْنُ ظنٍّ من الشَّيخ، ويدلُّ على أنَّ الْخُطْبةَ أَلْفَت بعد
ابتدائه هذا الكتابَ، بل على أنَّها متأخّرةٌ عنه، "ط"(١).
[٢٠] (قولُهُ: حيث) الحيثيّةُ للتَّعليل - أي: لأَنَّكِ يسَّرْتَ، أي: سهّلْتَ - أو للَّقييد، أي:
أتممْتَ وقتَ تيسيرِ ابتداءِ إلخ، والأوَّلُ أَولى، "ط)"(٢).
[٢١] (قولُهُ: تبييضٍ) هو في اصطلاحِ المصنّفين عبارةٌ عن كتابةِ الشيءٍ على وجهِ الضَّبط
والنَّحرير من غير شَطْبٍ بعد كتابته كيفما اتَّق. اهـ "حمويٌ))(٣).
(٢٢) (قولُهُ: هذا الشَّرحِ) الإشارةُ إلى ما في الذّهن من الألفاظ المتخيّلةِ الدالَّةِ على
المعاني، وهذا هو الأولى من الأوجُهِ السَّبعة المشهورة، "ط"(٤). وهي كونُ الإشارةِ إلى
واحدٍ فقط من الألفاظ أو النُّقُوش أو المعاني، أو إلى اثنين منها، أو إلى الثلاثة، وعلى
كلٍّ فالإِشارةُ مجازيَّةٌ هنا.
والشَّرحُ بمعنى الشارح، أي: المبيِّن والكاشف، أو جَعَلَ الألفاظَ شرحاً مبالغةً.
(٢٣) (قولُهُ: المختصَرِ) الاختصارُ: تقليلُ اللفظِ وتكثيرٌ [١/ق٨/أ] المعنى، وهو الإِيجازُ كما
في "المفتاح"(٥).
= الناس بالجماعة)) )).
(١) "ط": المقدمة ٨/١.
(٢) "ط": المقدمة ٨/١.
(٣) "غمز عيون البصائر": المقدمة ٣١/١، وهو لأبي العباس أحمد بن محمد مكي شهاب الدين الحسينيّ الحمويّ
المصريّ(ت ١٠٩٨ هـ) شرح "الأشباه والنظائر" لزين الدين بن إبراهيم المعروف بابن نَجَيْم المصريّ(ت ٩٧٠هـ).
("إيضاح المكنون" ١٤٧/٢، "هدية العارفين" ١٦٤/١، "التعليقات السنية على الفوائد البهية" صـ ١٣٤-).
(٤) "ط": المقدمة ٩/١.
(٥) "مفتاح العلوم": ص ٢٨٧،٢٧٨-، لأبي يعقوب يوسف بن أبي بكر بن محمد بن علي، سراج الدين السَّكّاكيّ
الخُوَار زميّ (ت٦٢٦هـ). ("كشف الظنون" ١٧٦٢/٢، "الجواهر المضية" ٦٢٢/٣) وانظر شروح "المفتاح" ١٦٣/٣.
قسم العبادات
٤٠
حاشية ابن عابدين
تجاهَ وجهٍ منبعِ الشريعة والدُّرر، وضحیعیهِ الجلیلین أبي بكر وعمر، بعد الإذن منه ◌ُ﴾.
[٢٤] (قولُهُ: تُجَاهَ) في "القاموس"(١): ((وُجَاهَك وتُجَاهَك مثلّين: تلقاءَ وجهك )).
٨/١
[٢٥] (قولُهُ: منبَعِ الشريعة) أي: محلِّ نبعِها وظهورِها، شبََّ الظهورَ بالنّع، ثمَّ اشتقَّ من
النَّبع بمعنى الظُّهُور ((منبع)) بمعنى مظهر، فهو استعارةٌ تصريحِيَّةٌ، أو شبَّهَ الشريعةَ بالماء،
والمنبعُ تخييلٌ، فهو استعارةٌ بالكناية، والمعنى: وجه صاحبِ منبع الشريعة.
[٢٦) (قولُهُ: والدُّرَرِ) أي: الفوائدِ الدنيويَّةِ والأخرويَّةِ الشَّبيهةِ بالدُّرَرِ فِي النَّفَاسة
والانتفاع، فهو استعارةٌ تصريحيَّةٌ، وعطفُهُ على الشريعة من عطف العامٌّ على الخاصِّ، وفيه
إيهامٌ لطيفٌ بكتاب "الدُّرر".
[٢٧] (قولُهُ: وضجيعَيْهِ) عطفٌ على ((منبع))، تثنيةُ ضحيعٍ بمعنى مُضَاجِعٍ، وهو مَنْ
يَضطجِعُ بحذاء آخرَ بلا فاصلٍ، وأَطلَقَ عليهما ضحيعَيْنِ لقُربِهما منه ◌َ، "ط)" (٢).
[٢٨] (قولُهُ: الجليلينِ) أي: العظيمينِ.
[٢٩) (قولُهُ: بعد الإِذْنِ) متعلقٌ بقوله: ((يسَّرتَ))، أو ابتداءٌ. وكأنَّ الإذنَ لـ "الشَّارح"
حَصَلَ منه ﴿ّ صريحاً برؤيةٍ منامٍ أو بإلهامٍ، وببركتِهِ وَ﴿وَّفَاقَ هذا الشَّرَحُ على غيره كما فاق
متُهُ، حيث رأى "المصنّفُ" النبيَّ ◌َ﴿، فقام له مستقبلاً، واعتنقَهُ عَجِلاً، وألقمَهُ عليه الصلاةُ
والسلامُ لسانَهُ الشريفَ كما حكاه في "المنح"(٣)، فكلٌّ من المتن والشَّرح من آثارِ بركتهلَّه
فلا غروَ إنْ شاعَ ذكرُهما، وفاقَ وعمَّ نفعُهما في الآفاق.
[٣٠] (قولُهُ: ﴿ّ) فعلٌ ماضٍ، قياسُ مصدرِهِ التَّصليةُ، وهو مهجورٌ لم يُسمَعْ، هكذا قاله
غيرُ واحدٍ، ويؤيِّدُه قولُ "القاموس)(٤): ((صَلَّى صلاةً لا تصليةً: دعا )) اهـ.
(١) "القاموس": مادة((وجه)).
(٢) "ط": المقدمة ٩/١ باختصار.
(٣) "منح الغفار شرح تنوير الأبصار": ١/ق ٤/أ، كلاهما للمصنف التمرتاشيّ. ("كشف الظنون" ٥٠١/١).
(٤) "القاموس": مادة((صلو)).
الجزء الأول
٤١
المقدمة
ويردُّهُ ما أنشدَهُ "ثعلب"(١): [متقارب]
وأَدْمَنْتُ تَصلِيةً وابتِهالا
تركتُ القِيَانَ وعزفَ القِيَان
القِيَان: جمع قَيْنَةٍ، وهي الأَمَة، وعزفُهَا أصواتُها. قال: ((والنَّصْلية من الصَّلاة، وابتهالاً من
الدُّعاءِ)) اهـ. وقد ذكرَهُ "الزَّوزنيُّ" في "مصادره"(٢).
وفي "القُهُسْتَانِيِّ))(٣): ((الصلاةُ اسمُ من التَّصلية، وكلاهما مستعمَلٌ، بخلاف الصَّلاة
بمعنى أداء الأركان، فإنَّ مصدرَهُ لم يستعمل كَمَا ذكرَهُ "الجوهريُّ"(٤)، والجمهورُ على أنَّهَا
حقيقةٌ لغويَّةٌ فِي الدُّعاء بحازٌ في العبادة المخصوصة كما حقَّقَهُ "السَّعد" في "حواشي
الكشَّاف"(٥) ))، وتمامُهُ في "حاشية الأشباه" لـ "الحمويِّ"(٦).
(١) "المجالس": صـ٤٢٣-، لأبي العباس أحمد بن يحيى بن زيد - وقيل: يزيد - المعروف بثعلب الشَّيْبانيّ البغداديّ
(ت ٢٩١هـ). ("كشف الظنون" ١٥٩١/٢، "وفيات الأعيان" ١٠٢/١، "تذكرة الحفاظ" ٦٦٦/٢). والبيت
لضرار بن الأزور من أبيات أنشدها لما أتى النبيَّ # فقال له النبيمَ﴾: ((ربح البيع، ربح البيع، ربح البيع)).
والبيت في "العقد الفريد" ٢٧٦/٥ مع أبيات أُخر، والخبر في "الإصابة" ٢٠٨/٢، و"الخزانة" ٨/٢.
(٢) "المصادر": لأبي عبد الله الحسين بن أحمد بن الحسين الزَّوْزَنيّ(ت ٤٨٦هـ). ( "كشف الظنون" ١٧٠٣/٢،
وفيه ((محمد بن أحمد)) "هدية العارفين" ٣١٠/١، "الأعلام" ٢٣١/٢).
(٣) "جامع الرموز وحواشي البحرين": ٦/١، لشمس الدين محمد بن حسام الدين الخُرَاسانيّ القُهُسْتَانيّ(ت ٩٥٣هـ، وقيل:
٩٦٢) شَرحَ به "النقاية" لعبيد الله بن مسعود، صدر الشريعة الثاني (ت بعد ٧٤٧هـ). و"النقاية" هي مختصر" وقاية الرواية
في مسائل الهداية" لمحمود بن عبيد الله، برهان الشريعة المحبوبيّ. ("كشف الظنون" ٢٠٢٠،١٩٧١/٢، "هدية العارفين"
٢٤٤/٢، "مقدمة السعاية في كشف ما في شرح الوقاية" للكنويّ صـ ٢-٣، ٣٧-، "الأعلام" ١١/٧).
(٤) "الصحاح": مادة ((صلو)). والجوهريّ هو أبو نصر إسماعيل بن حمّاد الفارابيّ التركيّ(ت٣٩٣هـ). ("بغية الوعاة"
٤٤٦/١، "شذرات الذهب" ٤٩٧/٤).
(٥) "حواشي مسعود بن عمر، سعد الدين التفتازانيّ" (ت٧٩٢هـ) على "الكشاف" لأبي القاسم محمود بن عمر،
جار الله الزمخشريّ(ت٥٣٨هـ). ("كشف الظنون" ١٤٧٨/٢، "الدرر الكامنة" ٣٥٠/٤، "الفوائد البهية" صـ٢٠٩-).
(٦) انظر "غمز عيون البصائر": المقدمة ١٢/١.
قسم العبادات
٤٢
حاشية ابن عابدين
وفي "التَّحرير"(١): ((هي موضوعةٌ للاعتناء بإظهار الشَّرَف، ويتحقَّقُ منه تعالى بالرحمة
عليه، ومن غيرِهِ بالدُّعاء، فهي من قبيلِ [١/ق٨/ب] المشترك المعنويِّ، وهو أرجَحُ من
المشترك اللفظيِّ، أو هي محازٌ في الاعتناء المذكور)) اهـ.
وبه اندفَعَ الاستدلالُ بقوله تعالى: ﴿ إِنَّاللَّهَ وَمَلَبِ كَتَّهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَِّ﴾ الآيةَ [الأحزاب- ٥٦]
على جواز الجمع بين معنيى المشتركِ اللفظيِّ، ولِمَا فيها من معنى العطف عُدِّيَتْ بِعَلَى
للمنفعة وإنْ كان المتعدِّي بها للمضرَّة بناءً على أنَّ المترادفَينِ لا بُدَّ من جَرَيان أحدِهما
مَجْرَى الآخر، وفيه خلافٌ عند الأصوليين.
والجملةُ خبريَّةٌ لفظاً، منقولةٌ إلى الإنشاء، أو مجازٌ فيه بمعنى: اللهمَّ صلِّ؛ إذِ المقصودُ إيجادُ
الصلاةِ امتثالاً للأمر، قال "القُهُستانيُ))(٢): ((ومعناها: الثناءُ الكاملُ، إلاَّ أنَّ ذلك ليس في
وُسعِنا، فَأُمِرنا أنْ نَكِلَ ذلك إليه تعالى كما في "شرح التأويلات"(٣).
مطلبٌ: أفضلُ صیغِ الصلاة [ علی رسول الله څے ]
وأفضلُ العباراتِ على ما قال "المرزوقيُّ))(٤): اللهُمَّ صلِّ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ.
وقيل: هو التعظيمُ، فالمعنى: اللهُمَّ عَظِّمْه في الدنيا بإعلاء ذِكرِه وإنفاذٍ شريعته، وفي
الآخرةِ بتضعيف أجرِه وتشفيعِهِ في أُمَّته كما قاله "ابنُ الأثير" (٥))) اهـ.
(١) "التحرير": المقالة الأولى - الفصل الرابع - التقسيم الثالث - البحث الثالث - مسألة: هل المشترك عامٌّ استقرائيٌّ في
مفاهیمہ؟ ص٨٤ ۔ بتصرف.
(٢) "جامع الرموز": المقدّمة ٦/١.
(٣) "تأويلات أهل السنة": لأبي منصور محمد بن محمد بن محمود الماتريديّ إمام الهدى(ت٣٣٣هـ)، وله عدة شروح.
("كشف الظنون" ٣٣٥/١، "الجواهر المضية" ٣٠٧/٤، "الفوائد البهية" صـ١٩٥-).
(٤) لم نهتد إلى معرفته.
(٥) "النهاية في غريب الحديث والأثر": ٥٠/٣ مادة ((صلا)) بتصرف، وفيه ((إبقاء)) بدل ((إنفاذ))، وابن الأثير هو أبو السَّعادات
المبارك بن محمد، مجد الدين المعروف بابن الأثير الشَّيّانِيّ الجَزَريّ الشافعي(ت ٦٠٦هـ). ("سير أعلام النبلاء" ٤٨٨/٢١).
الجزء الأول
٤٣
المقدمة
وعطَفَ قولَهُ: ((وسلَّمَ)) بصيغة الماضي، ويُحتمَلُ صيغةُ الأمرِ من عطف الإنشاء على
الإنشاء لفظاً أو معنىً، وحُذِفَ معمولُهُ لدلالةِ ما قبله عليه، أي: وسلَّمَ عليه، ومصدرُهُ
التَّسليم، واسمُ مصدرِهِ السَّلامُ، ومعناه: السلامةُ مِنْ كلِّ مكروهٍ.
[مطلبٌ]
[ لا يكرهُ إفرادُ الصَّلاة عن السَّلام على رسول اللهَوِّ عندنا ]
قال "الحمويُّ))(١): ((وجَمَعَ بينهما خروجاً مِن خلاف مَنْ كَرَّه إفرادَ أحدهما عن الآخر
وإنْ كان عندنا لا يكرهُ كما صرَّح به في "منية المفتي"(٢)، وهذا الخلافُ في حقِّ نبيِّنَا لَه
وأمَّا غيرُهُ من الأنبياء فَلا خلافَ فيه، ومَن اذَّعَاهُ فعليه أنْ يُورِدَ نقلاً صريحاً، ولا يَجِدُ إليه
سبيلاً، كذا في شرح العلاَّمةِ "ميرك" على "الشَّمَائِلِ"(٣) )) اهـ.
أقولُ: وجزَمَ العلاَّمة " ابنُ أمير حاج" في "شرحه"(٤) على "التحرير" بعدم صحَّةِ القول
بكراهة الإفراد، واستدلَّ عليه في شرحه المسمَّى "حَلْبَةَ المخُلِّي في شرح مُنيةِ المصلِّي)(٥) بما
(١) "غمز عيون البصائر": المقدّمة ١٥/١.
(٢) "منية المفتي": ليوسف بن أحمد (أو ابن سعيد بن أحمد) السِّجِسْتَاني(ت بعد ٦٣٨هـ). ("كشف الظنون"
١٨٨٧/٢، "تاج التراجم" صـ٢٨٦ -، "الأعلام" ٢١٤/٨، "فهرس مخطوطات الظاهرية" - الفقه الحنفي ٢٢٤/٢).
(٣) لعله أبو بكرٍ محمَّد بن الفضل بن محمد بن جعفر بن صالح الرَّوَّاس المعروف بمِيْرَك البلخيّ صاحب "التفسير
الكبير"(ت٤١٥ أو ٤١٦هـ)، ولم تذكر كتبُ التراجم التي بين أيدينا شرحاً له على "الشمائل". ("الأنساب"
١٧٧/٦، "الجواهر المضيّة" ٣٠٨/٣).
(٤) "التقرير والتحبير": المقدّمة ١٠/١.
(٥) "حَلْبَةُ الْمُحَلِّي وَبُغْيَةُ المهتدي": ١/ق ٥/ب، وهي لأبي عبد الله وأبي اليُمْن محمد بن محمد بن محمد، شمس الدين
الشهير بابن أمير وبابن الُوَقِّت حاج الحلبيّ (ت٨٧٩هـ)، شرَحَ بها "منيةً المصلِّي وغنية المبتدي" لمحمد بن محمد بن
علي، سديد الدين الكاشْغَريّ(ت ٧٠٥هـ)، وقد وقَعَ في نسخِ الحاشية جميعِها ((حلية)) بالمثناة التحتَّة في جميع
المواضع، وهو خطأ، إلاّ في الموضع الأول من نسخة "م" فقد ذكرت بالباء، ووقَعَ الخطأ كذلك في "هديَّة العارفين"
٢٠٨/٢، وفي "فهرس مخطوطات الظاهريَّة" - الفقه الحنفي ٢٨٩/١، والصوابُ ما أثبتناه موافقاً لعنوان =
قسم العبادات
٤٤
حاشية ابن عابدين
وعلى آله ..
في "سُنَّنَ النَّسائيِّ))(١) بسندٍ صحيحٍ في حديث القُنُوت: ((وصلَّى اللَّهُ على النبيِّ))، ثمَّ
قال: ((مع أنَّ في قوله تعالى: ﴿وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [ الصافات - ١٨١]، ﴿وَسَلَمُ
عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ أَصْطَفَى﴾ [النمل - ٥٩] إلى غيرِ ذلك أسوةً حسنةً)) اهـ.
أقول(٢): وممن رَدَّ القولَ بالكراهة العلاَّمةُ "مثلا على القارئ" في "شرح الجزريَّةِ"(٣)، فراجعْهُ.
[٣١] (قولُهُ: وعلى آلِهِ) اختُلِفَ في المراد بهم في مثل هذا الموضعِ، فالأكثرون أنَّهم
قرابتُهُ ﴿ الذين حُرِّمتْ عليهم الصدقةُ على الاختلاف فيهم، وقيل: جميعُ أمَّة [١/ق٩/أ]
الإجابة، وإليه مالَ "مالكٌ" ، واختاره "الأزهريُّ"(٤) و"النوويُّ" في "شرح مسلمٍ)"(٥)، وقيل
غيرُ ذلك، "شرح التحرير "(٦). وذكَرَ "القُهُستانيِ))(٧): ((أنَّ الثانيَ مختارُ المحقّقين)).
= مخطوطة "الحلبة" التي بين أيدينا المقابلة بنسخة المؤلف المقروءة عليه وعليها تعليقاتٌ بخطّه، وموافقاً لـ"كشف الظنون"
١٨٨٧/٢، و"معجم المؤلّفين" ٦٧٧/٣. وللعلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدَّة رحمه الله في المسألة تحقيقٌ بديعٌ في "الأجوبة
الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة" صـ١٩٧ - وما بعدها فليراجع، وانظر "الضوء اللامع" ٢١٠/٩، و"الأعلام" ٤٢،٣٢/٧.
(١) أخرجه النسائيُّ في "الصغرى" ٢٤٨/٣ كتاب قيام الليل وتطوع النهار - باب الدعاء في الوتر، وفي "الكبرى"
(١٤٤٣) كتاب الوتر - باب الدعاء في الوتر، من حديث الحسن بن علي، وأخرجه غيرُ واحدٍ من الأئمّة بدون
هذه الزيادة التي هي محلُّ الشاهد كأحمد ١٩٩/١-٢٠٠، وأبي داود(١٤٢٥)، والترمذي (٤٦٤).
(٢) ((أقول)) ليست في "الأصل" و"ب" و"م".
(٣) المسمَّى "المنح الفكريَّة": صـ٦-، للملا عليٍّ بن سلطان محمد، نور الدين القاري الهرويّ(ت١٠١٤هـ) شرح
"المقدّمة الجزريَّة" لأبي الخير محمد بن محمد بن محمد، شمس الدين المعروف بابن الجَزَريِّ الدمشقيّ ثُمَّ الشِّيْرَازيّ
الشافعيّ(ت٨٣٣هـ). ("إيضاح المكنون" ٥٧٧/٢، "غاية النهاية" ٢٤٧/٢، "خلاصة الأثر" ١٨٥/٣).
(٤) "تهذيب اللغة": ٤٣٨/١٥ مادَّة ((آل)). والأزهريُّ هو أبو منصور محمَّد بن أحمد بن الأزهر الهَرَوِيّ
الشافعيّ(ت٣٧٠هـ). ("وفيات الأعيان" ٣٣٤/٤، "شذرات الذهب" ٣٧٩/٤).
(٥) المسمَّى "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجّاج": باب الصلاة على النبي # ١٢٦/٤، لأبي زكريًّا يحيى بن شرف،
محبي الدِّين الحِزَامِيّ الحورانيّ النوويّ(ت ٦٧٦هـ). ("كشف الظنون" ٥٥٧/١، "طبقات السبكي" ١٦٥/٥).
(٦) "التقرير والتحبير": المقدّمة ١١/١، وانظره في "حلبة المحلّي": صفة الصلاة ٢ / ق ١٢٤/أ.
(٧) "جامع الرموز": المقدَّمة ٧/١.