Indexed OCR Text

Pages 301-320

يفعل المحلوف عليه أولا يفعله ، ثم قد يأمره الشرع أو تضطره الحاجة إلى فعله
أو تركه ، فيلزمه الطلاق بغير اختيار لا له ولا لسببه .
((وأيضا)) فإن الذى بعث الله تعالى به محمداً صلى الله عليه وسلم فى («باب
الأيمان)) تخفيفها بالكفارة؛ لا تثقيلها بالإيجاب أو التحريم، فإنهم
كانوا فى الجاهلية يرون الظهار طلاقا ، واستمروا على ذلك فى أول الإسلام
حتى ظاهر أوس بن الصامت من امرأته .
((وأيضا)) فالاعتبار بنذر اللجاج والغضب ، فإنه ليس بينهما من
الفرق إلا ما ذكر ناه ، وسنبين إن شاء الله عدم تأثيره. والقياس بإلغاء
الفارق أصح ما يكون من الاعتبار باتفاق العلماء المعتبرين ؛ وذلك أن الرجل
إذا قال : إِذ أكلت أو شربت فعلي أن أعتق عبدى، أو فعلى أن أطلق
امرأتى، أو فعلى الحج، أو فأنا محرم بالحج، أو فالى صدقة ، أو فعلي صدقة
فإنه تجزئه كفارة يمين عند الجمهور ، كما قدمناه ؛ بدلالة الكتاب والسنة
وإجماع الصحابة : فكذلك إذا قال إن أكلت هذا أو شربت هذا فعلى
الطلاق. أو فالطلاق لي لازم . أو فامرأتى طالق. أو: فعبيدى أحرار ؛
فإن قوله على الطلاق لا أفعل كذا ، أو الطلاق يلزمنى لا أفعل كذا : فهو
بمنزلة قوله علي الحج لا أفعل كذا ، أو الحج لي لازم لا أفعل كذا . وكلاهما
يحينان محدثان ليستا مأثورتين عن العرب، ولا معروفتين عن الصحابة ؛ وإنما
٣٠١

المتأخرون صاغوا من هذه المعانى أيمانا، وربطوا إحدى الجملتين بالأخرى ،
كالأيمان التي كان المسلمون من الصحابة يحلفون بها وكانت العرب يحلف بها ؛
لا فرق بين هذا وهذا إلا أن قوله : إن فعلت فالى صدقة . يقتضى وجوب
الصدقة عند الفعل. وقوله : فامرأتى طالق . يقتضى وجود الطلاق. فالكلام
يقتضى وقوع الطلاق بنفس الشرط وإن لم يحدث بعد هذا طلاقا ، ولا يقتضى
وقوع الصدقة حتى يحدث صدقة .
وجواب هذا الفرق الذى اعتمده الفقهاء المفرقون من ((وجهين)).
((أحدهما)) منع الوصف الفارق فى بعض الأصول المقيس عليها وفى بعض
صور الفروع المقيس عليها .
((والثانى)) بيان عدم التأثير .
أما ((الأول)) فإنه إذا قال : إن فعلت كذا فالي صدقة ، أو فأنا محرم
أو فبعيرى هدى. فالمعلق بالصفة وجود الصدقة والإحرام والهدى لا وجو بهما
كما أن المعلق فى قوله: فعبدى حر، وامرأتى طالق. وجود الطلاق والعتق
لا وجوبهما؛ ولهذا اختلف الفقهاء من أصحابنا وغيرهم فيما إذا قال هذا : هدي،
وهذا صدقة لله: هل يخرج عن ملكه، أو لا يخرج ؟ فمن قال يخرج عن
ملكه فهو كروج زوجته وعبده عن ملكه. وأكثر ما فى الباب أن الصدقة
٣٠٢

والهدى يتملكهما الناس بخلاف الزوجة والعبد. وهذا لا تأثير له ، وكذلك
لو قال: علي الطلاق لأفعلن كذا ، أو الطلاق يلزمنى لأفعلن كذا ، فهو
كقوله : علي الحج لأفعلن كذا فهو جعل المحلوف به ههنا وجوب الطلاق
؛ لا وجوده ، كأنه قال: إن فعلت كذا فعلي أن أطلق. فبعض صور الحلف
بالطلاق يكون المحلوف به صيغة وجوب . كما أن بعض صور الحلف بالنذر
يكون المحلوف به صيغة وجود .
و ((أما الجواب الثانى)) فنقول: هب أن المعلق بالفعل هنا وجود
الطلاق والعتاق والمعلق هناك وجوب الصدقة والحج والصيام والإهداء،
أليس موجب الشرط ثبوت هذا الوجوب؟ بل يجزئه كفارة يمين، كذلك
عندالشرط لا يثبت هذا الوجوب بل يجزيه كفارة يمين عندوجوب الشرط، فإن
كان عند الشرط لا يثبت ذلك الوجوب، كذلك عند الشرط لا يثبت هذا
الوجود ؛ بل كما لو قال : هو يهودى أو نصرانى أو كافر إن فعل كذا ؛
فإن المعلق هنا وجود الكفر عند الشرط : ثم إذا وجد الشرط لم يوجد
الكفر بالاتفاق ؛ بل يلزمه كفارة يمين ، أو لا يلزمه شىء .
ولو قال ابتداء : هو يهودى أو نصرانى أو كافر يلزمه الكفر ؛ منزلة
قوله ابتداء: عبدى حر ؛ وامر أتى طالق ؛ وهذه البدنة هدى، وعلي صوم
٣٠٣

هدي ؛ وعلى صوم يوم الخميس . ولو علق الكفر بشرط يقصد وجوده
كقوله : إذا هل الهلال فقد برئت من دين الإسلام لكان الواجب أنه يحكم
بكفره ؛ لكن لا يناجز الكفر ؛ لأن توقيته دليل على فساد عقيدته .
قيل : فالحلف بالنذر إنما عليه فيه الكفارة فقط ، قيل : مثله فى الحلف
بالعتق ؛ وكذلك الحلف بالطلاق، كما لو قال فعلى أن أطلق امرأبى. ومن قال
إنه إذا قال : فعلى أن أطلق امرأتى. لا يلزمه شىء. فقياس قوله فى الطلاق
لا يلزمه شىء ؛ ولهذا توقف طاوس فى كونه يمينا . وإن قيل: إنه يخير
بين الوفاء به والتكفير فكذلك هنا يخير بين الطلاق والعتق وبين التكفير
فإن وطفى امرأته كان اختياراً للتكفير ؛ كما أنه فى الظهار يكون مخيرا بين
التكفير وبين تطليقها ؛ فإن وطئها لزمته الكفارة ؛ لكن فى الظهار لا يجوز
له الوطء حتى يكفر ، لأن الظهار منكر من القول وزور حرمها عليه . وأما
هنا فقوله : إن فعلت فهى طالق . بمنزلة قوله : فعلى أن أطلقها . أو قال
والله لأطلقنها . إن لم يطلقها فلا شيء عليه ؛ وإن طلقها فعليه كفارة يمين .
يبقى أن يقال: هل يجب الكفارة على الفور إذا لم يطلقها حينئذ ؟ كما
لو قال: والله لأطلقنها الساعة ولم يطلقها؟ أو لا يجب إلا إذا عزم على إمساكها؟
أو لا يجب حتى يوجد منه ما يدل على الرضا بها من قول أو فعل، كالذى يخير
٣٠٤

بين فراقها وإمسا كها لعيب ونحوه وكالمعتقة تحت عبده ؟ أو لا تجب بحال
حتى يفوت الطلاق؟ قيل الحكم فى ذلك كما لو قال : فثلث مالى صدقة أو هدى
ونحو ذلك ، والأقيس فى ذلك أنه مخير بينهما على التراخى ما لم يوجد منه ما
بدل على الرضا بأحدهما ، كسائر أنواع الخيار.
فصل
موجب ((نذر اللجاج، والغضب)) عندنا أحد شيئين على المشهور
إما التكفير ، وإما فعل المعلق . ولا ريب أن موجب اللفظ فى مثل قوله :
إن فعلت كذا فعلى صلاة ركعتين ، أو صدقة ألف ، أو فعلى الحج، أوصوم
شهر : هو الوجوب عند الفعل . فهو مخير بين هذا الوجوب وبين وجوب
الكفارة . فإذا لم يلتزم الوجوب المعلق ثبت وجوب الكفارة . فاللازم له
أحد الوجوبين ؛ كل منهما ثابت بتقدير عدم الآخر ؛ كما فى الواجب المخير .
وكذلك إن قال : إن فعلت كذا فعلى عتق هذا العبد ؛ أو تطليق هذه المرأة ،
أو على أن أتصدق أو أهدى . فإن ذلك يوجب استحقاق العبد للإعتاق ؛
والمال للتصدق ، والبدنة للهدى .
ولو أنه نجز ذلك فقال : هذا المال صدقة، وهذه البدنة هدى، وعلي
عتق هذا العبد : فهل يخرج عن ملكه بذلك ؟ أو يستحق الإخراج ؟ فيه خلاف
٣٠٥

وهو يشبه قوله : هذا وقف . فأما إذا قال: هذا العبد حر، وهذه المرأة
ء
طالق . فهو إسقاط ؛ بمنزلة قوله : ذمة فلان بريئة من كذا ، أو من دم
فلان ، أو من قذفى، فإن إسقاط حق الدم والمال والعرض من باب إسقاط حق
الملك بملك البضع وملك اليمين.
فإن قال : إن فعلت فعلى الطلاق ، أو فعلى العتق ، أو فامر أتى طالق
أو فعبيدى أحرار. وقلنا إن موجبه أحد الأمرين ؛ فإنه يكون مخيرا بين
وقوع ذلك وبين وجوب الكفارة ، كما لو قال : فهذا المال صدقة أو هذه
البدنة هدي ، ونظير ذلك ما لو قال : إذا طلعت الشمس فعبيدي أحرار ،
أو نسائى طوالق . وقلنا التخيير إليه ؛ فإنه إذا اختار أحدهما كان ذلك بمنزلة
اختياره أحد الأمرين من الوقوع أو وجوب الكفارة.
ومثال ذلك أيضا إذا أسلم وتحته أكثر من أربع ؛ أو أختان فاختار
إحداهما . فهذه المواضع التى تكون الفرقة أحد اللازمين: إما فرقة معين
أو نوع الفرقة ؛ لا يحتاج إنشاء طلاق ؛ لكن لا يتعين الطلاق إلا بما يوجب
تعيينه كما فى النظائر المذكورة .
ثم إذا اختار الطلاق فهل يقع من حين الاختيار؟ أو من حين الحنث ؟
يخرج على نظير ذلك . فلو قال فى جنس مسائل نذر اللجاج والغضب: اخترت
٣٠٦
١

التكفير ، أو اخترت فعل المنذور : هل يتعين بالقول ؟ أو لا يتعين إلا
بالفعل ؟ إن كان التخيير بين الوجو بين تعين بالقول ، كما فى التخيير بين الإنشاء
وبين الطلاق والعتق ، وإن كان بين الفعلين لم يتعين إلا بالفعل كالتخيير بين
خصال الكفارة ، وإن كان بين الفعل والحكم كما فى قوله : إن فعلت كذا
فعبدى حر ، أو امر أتى طالق، أو دمى هدر، أو مالى صدقة ، أو بدنتى هدي :
تعين الحكم بالقول ولم يتعين الفعل إلا بالفعل . والله أعلم.
وقال شيخ الإسلام رحمه اللّه تعالى
فصل جليل القدر
اليمين المتضمنة حضًاً أو منعا لنفسه كقوله؛ لأفعلن ، ولا أفعل . فيها
معنى الطلب والخبر ؛ وكذلك الوعد والوعيد ، بخلاف الخبر المحض كقوله
((والذى نفسى بيده لينزلن فيكم ابن مريم حكماً عدلا وإماما مقسطا)) أو والله
ليقدمن الركب. فإن هذا إخبار محض بأمر سيكون، كما يخبر عن الماضى بمثل
ذلك؛ وبخلاف الطلب المحض؛ كقوله لغيره : افعل ، أو بالله افعل، ونحو
ذلك . إذا لم يكن منه إلا مجرد الطلب وهو لا يدرى أيطيعه أم يعصيه؛
ولهذا لا يحسن الاستثناء فى هذا الضرب ، ولا كفارة فيه لعدم المخالفة ،
٣٠٧

فإنه طلب محض مؤكد بالله ، كقوله : سألتك بالله إلا ما فعلت، أوسألتك
بالله لا تفعل . فأما إذا كان المخصوص أو الممنوع ممن يغلب على ظنه موافقته
له - كعبده وزوجته وولده - فهو كنفسه فيها معنى الطلب والخبر ؛ فإنه
لكونه مطيعا له فى العادة جرى مجرى طاعة نفسه لنفسه ، فطلب الفعل منهما
طلبا قرنه بالإخبار عن كونه .
فقوله: لأقومن غداً. يتضمن [ أمرين] ((أحدهما)) أنى مريد
القيام غداً. و((الثانى)) سيكون القيام غداً؛ بخلاف القسم الخبري المحض
فإنه بمعنى سيكون ، وبخلاف القسم الطلبى المحض فإنه بمعنى أريد منك
وأطلب منك أن تقوم ، والحنث فى اليمين لم يجئ لمخالفة المطلوب كما تقدم
فى الطلب المحض، وإنما جاء لمخالفة الخبر ، كما لو كان خبراً محضاً عن مستقبل ،
والاستثناء يعلق الفعل بالمشيئة فيصير المعنى ليكونن هذا إن شاء الله ، فإن لم
يشأ الله لم يكن مخبراً بكونه ، فلا مخالفة، فلا حنث؛ ولهذا يصح الاستثناء
((فالخبر المحض)) كقوله: ((لأطوفن الليلة على تسعين امرأة،
فلتأتين كل امرأة بفارس يقاتل فى سبيل الله)) والولادة ليست من فعله
المقدور عليه ، وكما تقول : والله ليجيء زيد إن شاء الله.
فصار لقائل: لأفعلن كذا إن شاء الله ((ثلاث نيات))
٣٠٨

((تارة)) يكون غرضه تعليق الإرادة، والمعنى إن شاء الله كنت
الساعة مريداً له وطالبا ؛ وإلا فلا . فهذا لا يصح أن يكون مريداً ،
ولا ترتفع الكفارة بهذا وحده ، كما فى قوله : أنت طالق إن شئت ،
فقالت قد شئت إن شئت . أن المشيئة لا يصح تعليقها فكذا هذا . فمتى
قال هذا لم تكن إرادته حاصلة ، فهذا مثل الذى يطلب منه شىء فيقول :
أعطيك إن شاء الله . فلا وعد له ، وإذا نوى هذا فى اليمين صح لكن
لا يرفع الكفارة ؛ لأن مخالفة الطلب لم توجب الكفارة، وإنما أوجبه
مخالفة الخير ، فلو كان خبراً لا طلب معه غير تعليق وجبت الكفارة .
فأكثر ما فى هذا انتفاء الطلب والحض من اليمين.
((الثانى)) أن يكون غرضه تعليق الإخبار. والمعنى أن قيامى كان
إن شاء الله، أو أن قيامك كأن إن شاء الله ، فأنا مخبر بوقوعه إن شاء الله
وقوعه ، وإن لم يشأ فلا أخبر به . وإذا لم يخبر به فلا مخالفة فلا حنث
وإن كنت مريداً له الساعة جزما فهذا هو المعنى الذي يرفع الكفارة فكانه
قال : أنا شاك فى الوقوع فلست أخبر بوقوعه جزما ، وإنما أخبر بوقوعه
عند هذه الصفة . كقوله : لأقومن إن قدم زيد ، وإن أعطيتنى مائة ،
ونحو ذلك ، وهو وعد أو وعيد معلق بشرط ، وإن كان الواعد أو المتواعد
مريداً فى الحال لإنفاذه ؛ ولهذا قلنا إن قوله : لأصومن غداً إن شاء الله من
رمضان لا يقدح ؛ لأن التعليق عاد إلى الإخبار لا إلى الإرادة . ومن الفقهاء
٣٠٩

من قال : هذا يقدح فى إرادته. وهؤلاء يقولون إنه إذا نوى عود الاستثناء
إلى طلبه وإرادته نفعه فى الكفارة ، أو لاترتفع إلا بهذا الشرط. وعلى
خاطرى هنا قول لا أستثبته .
((الثالث)) أن لا يكون غرضه تعليق واحد منهما؛ لأنه جازم بإرادته
وجازم بأنه سيكون ، كما لوكان خبراً محضاً مثل قوله: لينزلن ابن مريم ،
وليخرجن الدجال، ولتقومن الساعة . وهذه أمان أمر الله رسوله بنوع منها
فهذا ماض وحاضر ،
كقوله: ( وَيَسْتَنِئُونَكَ أَحَقُّ هُوَّقُلْ إِى وَرَبَِّ )
وقال: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأْتِنَالسَّاعَةٌ قُلْ بَى وَرَبِّ لَتَأْتِيَنَّكُمْ)
فأمره أن
زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوْ أَنْ لَّنْ يُبْعَثُوْقُلْ بَلَى وَرَبِّ ◌َنُعَثْنَّ)
وقال : (
يحلف على وقوع إتيان الساعة وبعث الناس من قبورهم ، وهما مستقلان من
فعل غيره، وهذا كقول النبى صلى الله عليه وسلم لعمر: ((لآتينه، ولأطوفن
به)» فهنا إذا قال : إن شاء الله فقد لا يكون غرضه تعليق الإخبار وإنما
غرضه تحقيقه كقوله: ( لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ ) فإن هذا
كلام صحيح ؛ إذ الحوادث كلها لا تكون إلا بمشيئة الله ، مثل ما لوقال :
ليكونن إن اتفقت أسباب كونه . والناس يعلمون أنه إن شاء الله وإن
اتفقت أسباب كونه كان ، فإن لم يكن هو مخبراً لهم بذلك كان متكلما
عالا يفيد .
٣١٠

فهذا إذا نواه هل يرفع الكفارة ؟ فبالنظر إلى قصده وجزمه فى الخبر
قد حصلت المخالفة وبالنظر إلى لفظه وأنه إنما جزم بمشروط لا بمطلق لم تقع
المخالفة ؛ وإن أخطأ اعتقاده ، كما لو حلف على من يظنه كما حلف عليه فتبين
بخلافه، فإنه لما أخبر عن الماضى بموجب اعتقاده لم يحنث؛ بخلاف ما إذا
تعمد الكذب .
وكذلك هذا لم يتأل على الله ؛ لكن يقال : كان ينبغى له أن يشك،
فلما تألى على الله وأكد المشيئة قاصداً بها تحقيق جزمه بالإخبار صار
وجودها زائداً له فى التألى لا معلقا . فقد يقال في معارضة هذا : الجزم يرجع
إلى اعتقاده ؛ لا إلى كلامه ، وأما كلامه فلم يتأل فيه على الله ؛ بل أخبر أن
هذا يكون إن شاء الله، وقال مع ذلك : أنا معتقد أنه يكون جازم به .
فالكفارة وجبت لمخالفة خبرى مخبره ، أو لمخالفة اعتقادى معتقده ؟ إنما
وجبت لمخالفة الخبر ؛ فإنى لو قلت إنى أعتقد أن هذا يكون وأنا جازم
باعتقادى لم يكن على حنث إذا لم يكن . ومعنى كلامى أنى جازم بأن هذا
سيكون، وأخبركم أنه يكون إن شاء الله ، فعلقت لكم إخبارى لا اعتقادى
وإلا لم يكن فى قولى إن شاء الله فائدة؛ إذ لو كان المعنى أنى جازم بأنه سيكون
إن شاء الله لم أكن جازما مطلقا. وكذلك لو كان المعنى أن اعتقادى وإخبارى
إن شاء الله كان هو القسم الأول ؛ وإنما المعنى أن اعتقادى ثابت به ، وإخبارى
لكم معلق به ، علقته به لأنه لا ينبغى لأحد أن يخبر بالمستقبلات إلا معلقا
بمشيئة الله . فهذا فيه نظر .
٣١١

وبهذا التقسم يظهر قول من قال إن نوى بالاستثناء معنى قوله
( وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِِّ فَاعِلٌ ذَلِكَ عَدًا * إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ) فإن الرجل مأمور
أن لا يقول لأفعلنه غداً إلا أن يقول إن شاء الله.
ويتبين بهذا البحث الذى ذكر ناه أن الاستثناء الرافع الكفارة إنما
يعلق ما فى اليمين من معنى الخبر المحض أو المشوب ؛ لا يعلق ما فيها من معنى
الطلب المحض أو المشوب ؛ إذ مخالفة الطلب لا توجب كفارة وإنما يوجبها
مخالفة الخبر ، وذلك لأن الرفع إنما يكون إذا كان فى المشيئة تعليق ،
والتعليق إنما يكون فيما لم يقع ؛ بخلاف ما قد وقع .
ومن هنا يعلم أن الاستثناء لا يرفع الإنشاءات بأسرها لا الطلاق
ولاغيره ، كما لا يرفع موجب الطلب . وينبغى أن يؤخذ من هذه أن هذه
الصيغ المغلب عليها حكم الإنشاءات ؛ لامتناع الاستثناء فيها ، وأن الاستثناء
فيها بأسرها استثناء تحقيق ؛ لا تعليق ، كقوله : كان هذا مشيئة الله ،
وكان بقدرة الله .
ويخرج من هذا ((الاستثناء فى الأيمان)) إن عاد إلى الموافاة فعلى
بابه ؛ لأن إطلاق الاسم يقتضى استحقاق الجنة كما قاله ابن مسعود ، وخالفه
فيه صاحب معاذ بتأويل صحيح ، وتركه جائز. وإن كان فعله أحسن
٣١٢

من تركه . وهذا معنى كلام أحمد فى (١) ومن أصحابنا من أوجبه كما أن
المرجئة تحظره ، ومن الناس من قد يرى تركه أحسن . فالأقسام فيه :
إما واجب، أو مستحب ، أو ممنوع. حظراً ، أو كراهة، أو مسنونا،
أو مستوى الحالتين .
وبهذا الذي ذكرناه فى المين يظهر معنى الوعد والوعيد من جواز نسخ
ذلك أو الخلف فيه ؛ فإن من رآهما خبراً: قال النسخ يقتضى الكذب ،
والآخر يقول هو خبر متضمن معنى الطلب . فإذا قال : إن فعلت هذا
ضربتك. تضمن أنى مريد الساعة لضربك إذا فعلته ، ومخبرك به ؛ فليس هو
خبراً محضًاً فيكون النسخ عائداً إلى ما فيه من الطلب تغليبا للطلب على الخبر
كما أنه فى باب المشيئة والكفارة غلب الخبر على الطلب؛ لأن الكلام إذا
تضمن معنيين فقد يغلب أحدهما بحسب الضمائم ؛ ولهذا فرق فى الخلف بين
الوعد والوعيد ، لأن الواعد لما تضمن كلامه طلب الخبر الموعود به من نفسه
فى معرض المقابلة صار ذلك بمنزلة التزامه الأعواض من العقود ؛ فإنه أمر
وجب لغيره عليه فلا يجوز إبطاله ، والمتوعد تضمن كلامه طلب الشر المتوعدبه
فى معرض المقابلة ، بمنزلة إلزامه لغيره عوضا إذا بذل هو ما يجب عليه ،
وما وجب له على الغير فله التزامه وله ترك التزامه .
(١) بياض بالأصل
٣١٣

فقولك : بعتك هذا بألف . فى معنى المواعد بالألف عند حصول المبيع
وفى معنى المطالب بالمبيع عند بذل الألف . فيمطالبته بالوعيد الذى هو العقوبة
ليس بأحسن حالا من مطالبته بسائر الحقوق الواجبة له على سبيل المقابلة ؛ فإن
أخذ الحقوق من الناس فيها شوب الألم، فلا يخلص من نوع عقوبة وإن لم تسم
بها، فإنما الغرض تمثيل هذا بهذا فيما يجب للمتكلم وما يجب عليه ، فإذا
كان الوعد والوعيد وإن تضمنا خبرا فهما متضمنين طلباصيرهما ذلك بمنزلة
الإنشاء الذى وإن كان صيغته صيغة الخبر عن الماضى فهو إنشاء لأمر حاضر.
وهذان وإن كان لفظهما لفظ الخبر عن المستقبل فهما إنشاء للإرادة والطلب ،
فإذا كان وعد وجب فسمي خلفه كذبا، كما قال لمن قال: (لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ
وَلَا تُطِيعُ فِيَكُ أَحَدًا أَبَدًا ﴾ (وَاللَّهُ يَنْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ ) وإذا كان وعيداً لم
يجب إنفاذه لتضمنه معنى بيان الاستحقاق .
وعلى هذا فيجوز نسخ الوعيد ، كما ذكره السلف فى قوله : ( وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ
أَنْفُسِكُمْ أَوْتُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ) وأما الوعد بعد الاستحقاق فلا يجوز
نسخه، لأنه موجب المشروط . وأما قبل العمل فيتوجه جواز نسخه، كفسخ
التعليقات الجائزة غير اللازمة من الجمالة ونحوها ؛ فإنه إذا قال : من رد عبدى
الآبق فله درهم. فله فسخ ذلك قبل العمل . والفسخ كالنسخ. هذا فسخ
لإنشاءات هى العقود المتضمنة التزام إرادة له أو عليه ، وهذا فسخ لطلب
أيضا . وكما أن المتصور فى الفسخ أنه رفع الحكم الذى هو الطلب أو الإذن
٣١٤

فالفسخ رفع الحكم الذى هو الإرادة أو الإباحة ، وكذلك الوعد والوعيد
رفع الحكم الذى هو إرادة الإعطاء أو الإباحة .
فهذا كله إنما كان لأن من الكلام ما تضمن معنى الطلب والخبر ، وهو
الأمان والنذور، والوعد والوعيد، والعقود. فهذا ((القسم الثالث))
•٠
المركب هو الذى اضطرب الناس فى أحكامه ، ولهذا قسم بعضهم الكلام
إلى خبر وإنشاء ، ليكون الإنشاء أعم من الطلب؛ لأنه ينشئ طلباً وإذنًا
وماثم غير الطلب والإذن ؛ لأنه إما أن يطلب من نفسه أو من غيره وجوداً
أو عدمً . وقد يقال : الإذن يتضمن معنى الطلب ؛ لأنه طلب من نفسه تمكين
المأذون له ، كما أن الالتزام متضمن معنى الطلب لأنه جعل على نفسه حقاً يطلبه
المستحق وجوبا ، وهناك جعله له مباحاً . فهذا هذا . والله أعلم: فيعود
الأمر إلى طلب أو خبر ؛ أو مر كب منهما. والله أعلم. والحمد لله
رب العالمين .
فصل
وبما قدمناه من الأصل تظهر مسألة ((الاستثناء فى الظهار)) فإن قوله
أنت على حرام . وأنت على كظهر أى . قال أحمد: يصح فيه الاستثناء ؛
لأن موجبه الكفارة إذا حنث بالعود . وأصل أحمد : أن كل ما شرعت فيه
الكفارة شرع فيه اليمين وإلا فلا .
٣١٥

وقال طائفة من أصحابه منهم ابن بطة والعكبرى وابن عقيل : لا يصح
فيه الاستثناء ؛ لأنه إنشاء بمنزلة التطليق والإعتاق ؛ فإنه ليس من جملتين
كالقسم ؛ وإنما هو جملة واحدة كسائر الإنشاءات ؛ فقوله: أنت علي حرام
كقوله : أنت طالق . ليس هنا فعل مستقبل يعلق بالمشيئة ، كما فى قوله:
لأخرجن . وهذا فى بادئ الرأي أقوي للمشابهة الصورية .
لكن قول أحمد أفقه وأدخل فى المعنى. وإنما هو والله أعلم فى ذلك بمنزلة
من عد نذر اللجاج والغضب كنذر التبرر ؛ للاستواء فى الصورة اللفظية .
ومن عده يمينا لمشابهة اليمين فى معنى وصفها وهو المحلوف عليه ، ومن أعطاه
حكمهما لجمعه معناهما . فإن نصفه يشبه اليمين فى المعنى ونصفه يشبه النذر .
ولهذا سائر الألفاظ المعلق بها الأحكام قد ينظر ناظر إلى صورتها ، وآخر
إلى معناها ، وآخر إليهما معاً ، كما فى قوله لأفعلن . الصورة صورة الخبر ،
والمعنى قد يكون خبراً وقد يكون طلباً، وقد يجتمعان . فقوله : أنت علي
كظهر أمي . كان فى الجاهلية إنشاءاً محضاً للتحريم، والتحريم لا يثبت بدون
الطلاق ، فكان عندهم طلاقا على موجب ظاهر لفظه ؛ لأن الطلاق يستلزم
التحريم . فجعلوا اللازم دليلا على الملزوم ، فأبطل الله ذلك ؛ لأنه منكر من
القول وزور ، فإن الحلال لا يكون كالحرام المؤبد ولم يجعله طلاقا وإن عني
به الطلاق ، لأن الطلاق لا يثبت إلا بعد ثبوت المعنى الفاسد وهو المشابهة
٣١٦

المحرمة ؛ فصار كقوله: أنت يهودية أو نصرانية . إذا عنى به الطلاق ، فإن
هذا لا يثبت إلا بعد ثبوت الكفر الذي لا يجوز له أن يثبته فيها .
أو أنت أتان أو ناقة أو أنت علي كالأنان والناقة .
ومن هنا قال أكثر الصحابة إن قوله : أنت على حرام. أيضا يمين ليس
بطلاق ، وصرح بعضهم بأنه يمين مغلظة كالظهار. وهو مذهب أحمد .
فصار قوله أنت على كظهر أمى . بمنزلة لا أقربنك؛ لأن إثبات المشابهة
للأم يقتضى امتناعه من وطئها ، ويقتضى رفع العقد . فأبطل الشارع رفع
ء
العقد، لأن هذا إلى الشارع ؛ لا إليه ؛ فإن العقود والفسوخ إثبات الله
لا تثبت إلا بإذن الشارع ، وأثبت امتناعه من الفعل لأن فعل الوطء وتركه
إليه ، هو مخير فيه ، فلما صار بمنزلة قوله : لا ينبغى منى وطؤك . فهذا معنى
اليمين ؛ لكنه جعله يمينا كبرى ليس بمنزلة اليمين بالله، لأن تلك اليمين شرع
الحلف بها فلم يعص فى عقدها ، وهذه المين منكر من القول وزور؛ ولأن هذه
اليمين تركها واجب فكانت الكفارة عوضا عن ذلك.
ولهذا كانت اليمين بالله لا توجب تحريم الفعل إلى التكفير ، وهذهاليمين
توجب تحريم الحنث إلى التكفير ، فلم يكن له أن يحنث فيها حتى يحلها
ووجبت فيها الكفارة الكبرى . وكونها جملة واحدة لا يمتنع اندراجها فى
اسم اليمين ، كلفظ النذر هو يمين وجملة واحدة ؛ وإنما العبرة بما تضمن عهداً
٣١٧

وقد سمى الله كل تحريم ((يمينا)) بقوله: (لِمَ تُحُرُِّ مَا أَحَّ اللَّهُلَكَ - إِلى
قوله - قَدْ فَضَ اللَّهُ لَكُمْتَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ) كما سمى الصحابة نذر اللجاج
والغضب ((يمينا)) وهو جملة شرطية؛ نظراً إلى المعنى.
يوضح ذلك أن الظهار لو كان إنشاءاً محضًاً لأوجب حكمه؛ ولم يكن فيه
كفارة؛ إذ الكفارة لاتكون لرفع عقد أو فسخ؛ وإنما تكون لرفع إثم
المخالفة التى تضمنها عقده ؛ ولهذا لما كان كل من عقد اليمين وعقد الظهار
لا يوجب الكفارة إلا إذا وجدت المخالفة على أنه يمين . والشافعى يقول
يوجب لفظ الظهار ترك العقد، فإذا أمسكها مقدار ما يمكنه إزالته وجبت
الكفارة . وأما أحمد والجمهور فعنده يوجب لفظه الامتناع من الوطء على
وجه يكون حراماً ، فالكفارة ترفع هذا التحريم فلا يجوز الوطء
قبل ارتفاعه .
وكذلك يقول أحمد فى قوله : أنت على حرام . أن موجبه الامتناع
من الوطء على جهة التحريم ؛ لكن من يفرق بينهما يقول : إنه فى الظهار
ما كان يمكن أن يعطي اللفظ ظاهره ؛ فإنه لا تصير مثل أمه فى دين الإسلام
فاقتصر به على بعضه وهو ترك الوطء ؛ دون ترك العقد ، كما كانوا
فى الجاهلية .
٣١٨

ولفظ الحرام يمكن إثبات موجبه. وقد يقول أحمد: إن الحرام لا يمكن
إثبات موجبه ؛ فإن بحريم العين لا يثبت أبداً، والتحريم العارض لا يثبت
بدون شبيه؛ إذ ليس هو المفهوم من مطلق التحريم ؛ وإنما هو تحريم مقيد ،
فاستعمل بعض موجب اللفظ وهو تحريم الفعل الذي هو وطء ، ولأن
التحريم المضاف إلى العين إنما يراد به الفعل، فكأنه [قال](١) وطؤك حرام.
وهذا فى معنى قوله : والله لا أطؤك . فكما أن الإيلاء لا يكون طلاقا
ولو نوى به الطلاق فكذلك التحريم ؛ إذ الإيلاء نوع من الأيمان القسمية
والظهار نوع من الأيمان التحريمية . والبحث فيه يتوجه أن يقال : نضعه
على أدبى درجات التحريم ؛ لأن اللفظ مطلق فلا تثبت الزيادة إلا بسبب ،
كما فى قوله : أنت طالق . لا يقع إلا واحدة ؛ وكما اكتفي فى التشبيه
بالتحريم . أما إذا نوى الطلاق، فيقال: وإن نوى الطلاق بالظهار .
فصل
ويتصل بهذا ((إذا حلف بالظهار أو بالحرام)) على حظ أو منع، كقوله
إن فعلت هذا فأنت على كظهر أمى ، أو حرام؛ أو الحرام يلزمنى، أو
الظهار لا أفعله ، أو لأفعلنه. فهذا أصحابنا فيه إذا حنث بالظهار ، كما أنه
يقع به الطلاق والعتق؛ ولهذا قالوا فى أيمان المسلمين : منها الظهار .
(١) أضيفت حسب مفهوم السياق
٣١٩

وكنت أفي بهذا تقليداً؛ ولما ذكروه من الحجة من أنه حكم معلق بشرط
كما لو قال : إن فعلت هذا فأنت على حرام . عقوبة لها على فعله .
وأفتيت بعد هذا أن عليه كفارة يمين إذا كان مقصوده عدم الفعل وعدم
التحريم، كما قلناه فى مسألة ((نذر اللجاج والغضب)) وكما قلناه فى قوله:
هو يهودى أو نصرانى إن فعل كذا ، وقوله: هو يستحل الخمر والميتة
إن فعل كذا . فإنه لما لم يكن مقصوده الحكم عند الشرط ، وإنما الغرض
الامتناع من فعل ؛ فكذلك إذا قال الحل على حرام إن فعل كذا ؛ وليس
غرضه بحريم الحلال عند الفعل ؛ وإنما غرضه الامتناع من الفعل وذكر
التزام ذلك تقديراً تحقيقا للمنع ، كما ذكر التزام التهود والتنصر تقديراً، كما
أنه معنى المين بالله هتكت حرمة الأيمان بالله إن فعلت هذا، أو نقصت
حرمة الله ، أو استخففت بحرمة الله إن فعلت .
وموجب الأيمان كلها من جهة اللفظ الوفاء ، وأنه متى حنث فقد هتك
أيمانه ، وأنه تهود وتنصر ، كما أن موجب نذر اللجاج والغضب من
اللفظ وجوب الوفاء؛ فإن الحكم المعلق بشرط يجب عند وجوده، والحالف
بشىء على فعل قد التزم ذلك الفعل وجعله معلقا بمعظمه المحلوف به . فتى لم
يفعله فقد هتك تلك الحرمة .
٣٢٠