Indexed OCR Text
Pages 221-240
وغيرهما من اليهود : فلا أعرف عن أحمد فى حل ذبائحهم نزاعا؛ ولا عن الصحابة ولا عن التابعين وغيرهم من السلف ؛ وإنما كان النزاع بينهم فى بنى تغلب خاصة؛ ولكن من أصحاب أحمد من جعل فيهم روايتين كبنى تغلب. والحل مذهب الجمهور كأبي حنيفة ومالك ، وما أعلم للقول الآخر قدوة من السلف . ثم هؤلاء المذكورون من أصحاب أحمد [ قالوا ] من كان أحد أبويه غير كتابي بل مجوسيالم تحل ذبيحته ومنا كمة نسائه. وهذا مذهب الشافعى فيما إذا كان الأب مجوسيا . وأما الأم فله فيها قولان ، فإن كان الأبوان مجوسيين حرمت ذبيحته عند الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد ، وحكى ذلك عن مالك . وغالب ظنى أن هذا غلط على مالك ؛ فإنى لم أجده فى كتب أصحابه ، وهذا تفريع على الرواية المخرجة عن أحمدفى سائر اليهود والنصارى من العرب . وهذا مبنى على إحدى الروايتين عنه فى نصارى بنى تغلب، وهو الرواية التى اختارها هؤلاء . فأما إذا جعل الروايتين فى بنى تغلب دون غيرهم من العرب ، أوقيل إن النزاع عام وفرعنا على القول بحل ذبائح بني تغلب ونسائهم كما هو قول الأكثرين : فإنه على هذه الرواية لاعبرة بالنسب ؛ بل لو كان الأبوان جميعا مجوسيين أو وثنيين والولد من أهل الكتاب فحكمه حكم أهل الكتاب على هذا القول بلا ريب ، كما صرح بذلك الفقهاء من أصحاب أحمد وأبي حنيفة وغيرهم . ٢٢١ ومن ظن من أصحاب أحمد وغيرهم أن تحريم نكاح من أبواه مجوسيان أو أحدهما مجوسي قول واحد فى مذهبه فهو مخطىء خطأً لاريب فيه ، لأنه لم يعرف أصل النزاع فى هذه المسألة ؛ ولهذا كان من هؤلاء من يتناقض فيجوز أن يقر بالجزية من دخل فى دينهم بعد النسخ والتبديل ، ويقول مع هذا بتحريم نكاح نصرانى العرب مطلقاً ومن كان أحد أبو يه غير كتابى، كما فعل ذلك طائفة من أصحاب أحمد. وهذا تناقض . والقاضى أبو يعلى وإن كان قد قال هذا القول هو وطائفة من أتباعه فقد رجع عن هذا القول فى ((الجامع الكبير)) وهو آخر كتبه، فذكر فيمن انتقل إلى دين أهل الكتاب من عبدة الأوثان : كالروم وقبائل من العرب، وهم تنوخ؛ وبهراء، ومن بنى تغلب هل تجوز منا كمتهم؛ وأكل ذبائحهم ؟ وذكر أن المنصوص عن أحمد أنه لا بأس بنكاح نصارى بنى تغلب ، وأن الرواية الأخرى مخرجة على الروايتين عنه فى ذبائحهم ؛ واختار أن المنتقل إلى دينهم حكمه حكمهم ، سواء كان انتقاله بعد مجيء شريعتنا أو قبلها ، وسواء انتقل إلى دين المبدلين أو دين لم يبدل ، ويجوز منا كمته وأكل ذبيحته . وإذا كان هذا فيمن أبواه مشركان من العرب والروم فمن كان أحد أبويه مشركا فهو أولى بذلك . هذا هو المنصوص عن أحمد فإنه قد نص على أنه من دخل فى دينهم بعد النسخ والتبديل كمن دخل فى دينهم فى هذا الزمان فإنه يقر بالجزية . قال أصحابه: وإذا أقررناه بالجزية حلت ذبائحهم ونساؤهم، وهو مذهب أبى حنيفة ومالك وغيرهما . ٢٢٢ وأصل النزاع فى هذه المسألة ما ذكرته من نزاع علي وغيره من الصحابة فى بنى تغلب والشافعى وأحمد فى إحدى الروايتين عنه (١) والجمهور أحلوها وهي الرواية الأخرى عن أحمد . ثم الذين كرهوا ذبائح بني تغلب تنازعوا فى مأخذ علي. فظن بعضهم أن عليّاً إنما حرم ذبائحهم ونساءهم، لكونه لم يعلم أن آباءهم دخلو في دين أهل الكتاب قبل النسخ والتبديل . وبنوا على هذا أن الاعتبار فى أهل الكتاب بالنسب لا بنفس الرجل ، وأن من شككنا فى أجداده هل كانوا من أهل الكتاب أم لا ؟ أخذنا بالاحتياط فقنا دمه بالجزية احتياطا ، وحرمنا ذبحته ونساءه احتياطا. وهذا مأخذ الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد . وقال آخرون: بل على لم يكره ذبائح بنى تغلب إلا لكونهم ما تدينوا بدين أهل الكتاب فى واجباته ومحظوراته ؛ بل أخذوا منه حل المحرمات فقط ؛ ولهذا قال: إنهم لم يتمسكوا من دين أهل الكتاب إلا بشرب الخمر. وهذا المأخذ من قول على هو المنصوص عن أحمد وغيره، وهو الصواب . ((وبالجملة)) فالقول بأن أهل الكتاب المذكورين فى القرآن م من كان دخل جده فى ذلك قبل النسخ والتبديل قول ضعيف . والقول بأن على بن أبي طالب رضى الله عنه أراد ذلك قول ضعيف ؛ بل الصواب المقطوع به أن كون (١) بياض بالأصلين ٢٢٣ الرجل كتابيا أو غير كتابى هو حكم مستقل بنفسه لا بنسبه ، وكل من تدين بدين أهل الكتاب فهو منهم ، سواء كان أبوه أو جده دخل فى دينهم أو لم يدخل ، وسواء كان دخوله قبل النسخ والتبديل أو بعد ذلك. وهذا مذهب جمهور العلماء كأبى حنيفة ومالك، والمنصوص الصريح عن أحمد، وإن كان بين أصحابه فى ذلك نزاع معروف . وهذا القول هو الثابت عن الصحابة رضي الله عنهم، ولا أعلم بين الصحابة فى ذلك نزاعا، وقد ذكر الطحاوى أن هذا إجماع قديم، واحتج بذلك فى هذه المسئلة على من لا يقر الرجل فى دينهم بعد النسخ والتبديل، كمن هو فى زماننا إذا انتقل إلى دين أهل الكتاب، فإنه تؤ كل ذبيحته ، وتنكح نساؤه. وهذا يبين خطأ من يناقض منهم . وأصحاب هذا القول الذى هو قول الجمهور يقولون من دخل هو أو أبواه أو جده فى دينهم بعد النسخ والتبديل أقر بالجزية ، سواء دخل فى زماننا هذا أو قبله . وأصحاب القول الآخر يقولون: متى علمنا أنه لم يدخل إلا بعد النسخ والتبديل لم تقبل منه الجزية؛ كما يقوله بعض أصحاب أحمد مع أصحاب الشافعى . والصواب قول الجمهور ؛ والدليل عليه وجوه : ((أحدها)) أنه قد ثبت أنه كان من أولاد الأنصار جماعة تهودوا قبل مبعت النبى صلى الله عليه وسلم بقليل ، كما قال ابن عباس . إن المرأة كانت مقلاتا - والمقلات التى لا يعيش لها ولد . كثيرة القلت، والقلت الموت والهلاك، كما يقال : امرأة مذكار ومينات إذا كانت كثيرة الولادة ٢٢٤ للذكور والإناث والسما (١) الكثيرة الموت . قال ابن عباس - فكانت المرأة تنذر إن عاش لها ولدان تجعل أحدهما يهوديا، لكون اليهود كانوا أهل علم وكتاب ، والعرب كانوا أهل شرك وأوثان ؛ فلما بعث الله محمدا كان جماعة من أولاد الأنصار تهودوا، فطلب آباؤهم أن يكرهوهم على الإسلام، فأنزل الله تعالى : (لَاَ إِكْرَاهَ فِ الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ) الآية . فقد ثبت أن هؤلاء كان آباؤهم موجودين تهودوا. ومعلوم أن هذا دخول بأنفسهم فى اليهودية قبل الإسلام وبعد مبعث المسيح صلوات الله عليه، وهذا بعد النسخ والتبديل ، ومع هذا نهى الله عز وجل عن إكراه هؤلاء الذين تهودوا بعد النسخ والتبديل على الإسلام وأقرهم بالجزية . وهذا صريح فى جواز عقد الذمة لمن دخل بنفسه فى دين أهل الكتاب بعد النسخ والتبديل . فعلم أن هذا القول هو الصواب دون الآخر . ومتى ثبت أنه يعقد له الذمة ثبت أن العبرة بنفسه لا بنسبه ، وأنه تباح ذبيحته وطعامه باتفاق المسلمين ؛ فإن المانع لذلك لم يمنعه إلا بناء على أن هذا الصنف ليسوا من أهل الكتاب فلا يدخلون فإذا ثبت بنص السنة أنهم من أهل الكتاب دخلوا فى الخطاب بلانزاع . ((الوجه الثانى)) أن جماعة من اليهودالذين كانوا بالمدينة وحولها كانوا عربا ودخلوا فى دين اليهود؛ ومع هذا فلم يفصل النبي صلى الله عليه وسلم فى أكل طعامهم ، وحل نسائهم، وإقرارهم بالذمة : بين من دخل أبواه بعد مبعث عيسى عليه السلام ؛ ومن دخل قبل ذلك ؛ ولا بين المشكوك فى نسبه ؛ بل حكم (١) بياض بالاصلين ٢٢٥ فى الجميع حكما واحدا عاما. فعلم أن التفريق بين طائفة وطائفة ، وجعل طائفة لا تقر بالجزية وطائفة تقر ولا تؤكل ذبائحهم ، وطائفة يقرون وتؤكل ذبائحهم: تفريق ليس له أصل فى سنة رسول [الله]( صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه. وقد علم بالنقل الصحيح المستفيض أن أهل المدينة كان فيهم يهود كثير من العرب وغيرهم من بنى كنانة وحمير وغيرهما من العرب ؛ ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن: ((إنك تأتى قوما أهل كتاب)) ((وأمره أن يأخذ من كل حالم دينارا أو عدله معافريا» ولم يفرق بين من دخل أبوه قبل النسخ أو بعده. وكذلك وفد نجران وغيرهم من النصارى الذين كان فيهم عرب كثيرون أقرم بالجزية، وكذلك سائر اليهود والنصارى من العرب لم يفرق رسول اللهصلى الله عليه وسلم ولا أحد من خلفائه وأصحابه بين بعضهم وبعض بل قبلوا منهم الجزية ، وأباحوا ذباتحهم ، ونساءم . وكذلك نصارى الروم وغيرهم لم يفرقوا بين صنف وصنف. ومن تدبر السيرة النبوية علم كل هذا بالضرورة ، وعلم أن التفريق قول محدث لا أصل له فى الشريعة ((الوجه الثالث)) أن كون الرجل مسلما أو يهوديا أو نصرانيا ونحوذلك من أسماء الدين هو حكم يتعلق بنفسه ؛ لاعتقاده وإرادته وقوله وعمله ؛ لا يلحقه هذا الاسم بمجرد انصاف آبائه بذلك؛ لكن الصغير حكمه فى أحكام الدنيا حكم أبويه؛ لكونه لا يستقل بنفسه، فإذا بلغ وتكلم بالاسلام أو بالكفر كان حكمه معتبرا بنفسه باتفاق المسلمين ، فلو كان أبواه (١) أضيفت حسب مفهوم السياق . ٢٢٦ هودا أو نصارى فأسلم كان من المسلمين باتفاق المسلمين؛ ولو كانوا مسلمين فكفر كان كافرا باتفاق المسلمين ؛ فإن كفر بردة لم يقر عليه لكونه مرتدا لأجل آبائه. وكل حكم علق بأسماء الدين من إسلام وإيمان وكفر ونفاق وردة وتهود وتنصر إنما يثبت لمن الصف بالصفات الموجبة لذلك. وكون الرجل من المشركين أو أهل الكتاب هو من هذا الباب ؛ فمن كان بنفسه مشر كا فحكمه حكم أهل الشرك وإن كان أبواه غير مشر كين ، ومن كان أبواه مشر كين وهو مسلم فحكمه حكم المسلمين لا حكم المشركين، فكذلك إذا كان يهوديا أو نصرانيا وآباؤه مشركين فحكمه حكم اليهود والنصارى. أما إذا تعلق عليه حكم المشركين مع كونه من اليهود والنصارى لأجل كون ابائه قبل النسخ والتبديل كانوا مشركين فهذا خلاف الأصول . ((الوجه الرابع)) أن يقال: قوله تعالى: (لَمْ يَكُنِ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ (وَقُل لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَالْأُمِِّنَ وقوله : اُلْكِتَبِ وَالْمُشْرِكِينَ ) ءَأَسْلَمْتُمَّ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَوَأَ) وأمثال ذلك إنما هو خطاب لهؤلاء الموجودين وإخبار عنهم . والمراد بالكتاب هو الكتاب الذي بأيديهم الذى جرى عليه من النسخ والتبديل ما جرى، ليس المراد به من كان متمسكا به قبل النسخ والتبديل فإن أولئك لم يكونوا كفارا؛ ولا هم ممن خوطبوا بشرائع القرآن ولا قيل لهم فى القرآن: (يَأَهْلَ الْكِتَبِ ) فإنهم قد ماتوا قبل نزول القرآن. وإذا كان كذلك فكل من تدين بهذا الكتاب الموجود عند ٢٢٧ أهل الكتاب فهو من أهل الكتاب، وهم كفار تمسكوا بكتاب مبدل منسوخ؛ وهم مخلدون فى نار جهنم كما يخلدسائر أنواع الكفار ، والله تعالى مع ذلك شرع إقرارهم بالجزية ، وأحل طعامهم ونساءهم (الوجه الخامس)) أن يقال: هؤلاء الذين كفروا من أهل الكتاب بالقرآن هم كفار وإن كان أجدادهم كانوا مؤمنين ، وليس عذابهم فى الآخرة بأخف من عذاب من كان أبوه من غير أهل الكتاب : بل وجود النسب الفاضل هو إلى تغليظ كفرهم أقرب منه إلى تخفيف كفرهم . فمن كان أبوه مسلما وارتد كان كفره أغلظ من كفر من أسلم هو ثم ارتد ؛ ولهذا تنازع الناس فيمن ولد على الفطرة إذا ارتد ثم عاد إلى الإسلام : هل تقبل توبته ؟ على قولين . هما روايتان عن أحمد . وإذا كان كذلك فمن كان أبوه من أهل الكتاب قبل النسخ والتبديل ثم إنه لما بعث الله عيسى ومحمدا صلى الله عليه وسلم كفر بهما وبما جاءا به من عند الله واتبع الكتاب المبدل المنسوخ كان كفره من أغلظ الكفر ، ولم يكن كفره أخف من كفر من دخل بنفسه فى هذا الدين المبدل ، ولا له بمجرد نسبه حرمة عند الله ولا عند رسوله ، ولا ينفعه دين آبائه إذا كان هو مخالفا لهم ، فإن آباءه كانوا إذ ذاك مسلمين؛ فإن دين الله هو الإسلام فى كل وقت فكل من آمن بكتب الله ورسله فى كل زمان فهو مسلم ، ومن كفر بشىء من كتب الله ورسله فليس مسلما فى أي زمان كان . ٢٢٨ وإذا لم يكن لأولاد بني إسرائيل إذا كفروا مزية على أمثالهم من الكفار الذين ما ثلوهم فى اتباع الدين المبدل المنسوخ علم بذلك بطلان الفرق بين ء الطائفتين ، وإكرام هؤلاء بإقرارهم بالجزية وحل ذبا تحهم ونسائهم دون هؤلاء وأنه [ثم](١) فرق، مخالف لأصول الإسلام، وأنه لوكان الفرق بالعكس كان أولى، ولهذا يوبخ الله بنى إسرائيل على تكذيهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ما لا توبخه غيرهم من أهل الكتاب : لأنه تعالى أنعم على أجدادهم نعما عظيمة فى الدين والدنيا فكفروا نعمته ، وكذبوا رسله وبدلوا كتابه ، وغيروا دينه (ضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَاتُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِنَاللَّهِ وَضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوْيَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْيَعْتَدُونَ ) . فم مع شرف آبائهم وحق دين أجدادهم من أسوأ الكفار عند الله وهو أشد غضبا عليهم من غيرهم ؛ لأن فى كفرهم من الاستكبار والحسد والمعاندة والقسوة وكتمان العلم وتحريف الكتاب وتبديل النص وغير ذلك ما ليس فى كفر هؤلاء ، فكيف يحمل لهؤلاء الأرجاس الأتجاس الذين هم من أبغض الخلق إلى الله مزية على إخوانهم الكفار ، مع أن كفرهم إما مماثل لكفر إخوانهم الكفار ، وإما أغلظ منه ؛ إذلا يمكن أحداً أن يقول : إن كفر الداخلين أغلظ من كفر هؤلاء مع تماثلهما فى الدين بهذا الكتاب الموجود . (١) أضيفت حسب مفهوم السياق ٢٢٩ ((الوجه السادس)) أن تعليق الشرف فى الدين بمجرد النسب هو حكم من أحكام الجاهلية ، الذين اتبعتهم عليه الرافضة وأشباههم من أهل الجهل ؛ فإن الله تعالى قال : (يَأَيُّهَا النّاسُ إِنَّا خَفْتَكُمْ مِّن ذَكَرٍ وَأُنْتَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَِّلَ لِتَعَارَ فُوَ إِنَّ أَكْرَ مَكُرْ عِندَاللّهِأَنْقَنَّكُمْ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( لا فضل لعربى على عجمي ، ولا لعجمي على عربى، ولا لأسود على أبيض ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى. الناس من آدم وآدم من تراب) ولهذا ليس فى كتاب الله آية واحدة يمدح فيها أحدا بنسبه ، ولا يذم أحدا بنسبه ؛ وإنما يمدح بالإيمان والتقوى ، ويذم بالكفر والفسوق والعصيان وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم فى الصحيح أنه قال: ((أربع من أمر الجاهلية فى أمتى لن يدعو هن: الفخر بالأحساب . والطعن فى الأنساب ، والنياحة ، والاستسقاء بالنجوم)) . جعل الفخر بالأحساب من أمور الجاهلية ، فإذا كان المسلم لا نخر له على المسلم يكون أجداده لهم حسب شريف ، فكيف يكون الكافر من أهل الكتاب خير على كافر من أهل الكتاب يكون أجداده كانوا مؤمنين، وإذا لم تكن مع التماثل فى الدين فضيلة [ لأحد الفريقين] على الآخرين فى الدين لأجل النسب علم أنه لا فضل لمن كان من اليهود والنصارى آباؤه مؤمنين متمسكين بالكتاب الأول قبل النسخ والتبديل على من كان أبوه داخلافيه بعد النسخ والتبديل. وإذا تماثل دينهما تماثل حكمه فى الدين . ٢٣٠ والشريعة إنما علقت بالنسب أحكاما مثل كون الخلافة من قريش ، وکون ذوى القربى لهم الخمس، وتحريم الصدقة على آل محمد صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك ؛ لأن النسب الفاضل مظنة أن يكون أهله أفضل من غيرهم؛ كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم فى الجاهلية خيارهم فى الإسلام إذا فقهوا)) والمظنة تعلق الحكم بما إذا خفيت الحقيقة أو انتشرت. فأما إذا ظهر دين الرجل الذى به تتعلق الأحكام وعرف نوع دينه وقدره لم يتعلق بنسبه الأحكام الدينية ، ولهذا لم يكن لأبى لهب مزية على غيره، لما عرف كفره كان أحق بالذم من غيره ؛ ولهذا جعل لمن يأتي بفاحشة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ضعفان من العذاب ، كما جعل لمن يقنت منهن لله ورسوله أجران من الثواب . فذوو الأنساب الفاضلة إذا أساءوا كانت إساءتهم أغلظ من إساءة غيرم، وعقوبتهم أشد عقوبة من غيرم . فكفر من كفر من بنى إسرائيل إن لم يكن أشد من كفر غيرهم وعقوبتهم أشد عقوبة من غيرم فلا أقل من المساواة بينهم ؛ ولهذا لم يقل أحد من العلماء إن من كفر وفسق من قريش والعرب تخفف عنه العقوبة فى الدنيا أو فى الآخرة ؛ بل إما أن تكون عقوبتهم أشد عقوبة من غيرم فى أشهر القولين ؛ أو تكون عقوبتهم أغلظ فى القول الآخر ؛ لأن من أكرمه بنعمته ورفع قدره إذا قابل حقوقه بالمعاصي وقابل نعمه بالكفر كان أحق بالعقوبة ممن لم ينعم عليه كما أنعم عليه . ٢٣١ ((الوجه السابع)) أن يقال: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتحوا الشام والعراق ومصر وخراسان وغيرهم كانوا يأكلون ذبائحهم : لا يميزون بين طائفة وطائفة ؛ ولم يعرف عن أحد من الصحابة الفرق بينهم بالأنساب ؛ وإنما تنازعوا فى بنى تغلب خاصة ؛ الأمر يختص بهم كما أن عمر ضعف عليهم الزكاة وجعل جزيتهم مخالفة لجزية غيرهم ، ولم يلحق بهم سائر العرب ، وإنما ألحق بهم من كان بمنزلتهم . ((الوجه الثامن)) أن يقال: هذا القول مستلزم ألا يحل لنا طعام جمهور من أهل الكتاب ؛ لأنا لانعرف نسب كثير منهم ، ولا نعلم قبل أيام الإسلام أن أجداده كانوا بهودا أو نصارى قبل النسخ والتبديل ومن المعلوم أن حل ذباتحم ونسائهم ثبت بالكتاب والسنة والإجماع ، فإذا كان هذا القول مستلزما رفع ما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع علم أنه باطل . ((الوجه التاسع)) أن يقال: مازال المسلمون فى كل عصر ومصر يأكلون ذبائحهم ، فمن أنكر ذلك فقد خالف إجماع المسلمين . وهذه الوجوه كلها لبيان رجحان القول بالتحليل ، وأنه مقتضى الدليل . فأما أن مثل هذه المسئلة أو نحوها من مسائل الاجتهاد يجوز لمن تمسك فيها بأحد القولين أن ينكر على الآخر بغير حجة ودليل فهذا خلاف إجماع المسلمين . ٢٣٢ فقد تنازع المسلمون فى جبن المجوس والمشركين ، وليس لمن رجح أحد القولين أن ينكر على صاحب القول الآخر إلا بحجة شرعية . وكذلك تنازعوا فى متروك التسمية ، وفى ذبائح أهل الكتاب إذا سموا علها غير الله ، وفى شحم الترب والكليتين، وذبحهم لذوات الظفر كالإبل والبط ونحو ذلك مما حرمه الله عليهم ، وتنازعوا فى ذبيح الكتابى للضحايا ونحو ذلك من مسائل ، وقد قال بكل قول طائفة من أهل العلم المشهورين فمن صار إلى قول مقلداً لقائله لم يكن له أن ينكر على من صار إلى القول الآخر مقلداً لقائله ؛ لكن إن كان مع أحدهما حجة شرعية وجب الانقياد للحجج الشرعية إذا ظهرت . ولا يجوز لأحد أن يرجح قولا على قول بغير دليل ، ولا يتعصب لقول على قول ولا قائل على قائل بغير حجة؛ بل من كان مقلدا لزم حكم التقليد؛ فلم يرجح ؛ ولم يزيف؛ ولم يصوب؛ ولم يخطئ : ومن كان عنده من العلم والبيان ما يقوله سمع ذلك منه ، فقبل ماتبين أنه حق ، ورد ما تبين أنه باطل ، ووقف مالم يتبين فيه أحد الأمرين . والله تعالى قد فاوت بين الناس فى قوى الأذهان ، كما فاوت بينهم فى قوى الأبدان . وهذه المسئلة ونحوها فيها من أغوار الفقه وحقائقه مالا يعرفه إلا من عرف أقاويل العلماء ومآخذهم ، فأما من لم يعرف إلا قول عالم واحد وحجته دون قول العالم الآخر وحجته فإنه من العوام المقلدين ؛ لا من العلماء الذين يرجحون ويزيفون . والله تعالى يهدينا وإخواننا لما يحبه ويرضاه : وبالله التوفيق . والله أعلم . ٢٣٣ وقال رحمه اللّه تعالى وتجوز ذكاة المرأة والرجل ، وتذبح المرأة وإن كانت حائضاً؛ فإن حيضتها ليست فى يدها . وذكاة المرأة جائزة باتفاق المسلمين ، وقد ذبحت امرأة شاة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأ كلها . وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عن الدابة كالجاموس وغيره فى الماء فيذبح ويموت فى الماء : هل يؤكل ؟ فأجاب : إذا كان الجرح غير موح وغاب رأس الحيوان فى الماء لم يحل أ كله؛ فإنه اشترك فى حكمه [الحاضر](١) والمبيح، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم: ((إن خالط كلبك كلاب فلا تأكل؛ فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره )). وإن كان بدنه فى الماء ورأسه خارج الماء لم يضر ذلك شيئا . وإن كان الجرح موحيا ففيه نزاع معروف . (١) هكذا ورد في المطبوع ولعل الصواب [ الحاظر ] ٢٣٤ وسئل رحمه اللّه تعالى عن دابة ذبحت ؛ فرج منها دم كثير، ولم تتحرك ؟ فأجاب : إذا خرج منها الذى يخرج من الحي المذبوح فى العادة هو دم الحي فإنه يحل أكلها فى أظهر قولي العلماء . والله تعالى أعلم. وسئل رحمه اللّه تعالى عن ((المنخنقة، وأخواتها)) إذا بلغت مبلغا لا تعيش بعده: هل تعمل فيها الذ كاة ؟ وفى المتردية فى البئر أو النهر إذا لم يقدر على تذكيتها ؟ فأجاب : الحمد لله رب العالمين. هذه المسألة فيها نزاع معروف . وأظهر الأقوال أنها إذا تحر كت عند الذبح وجرى دمها أكلت ؛ فهذا هو المنقول عن الصحابة ، وعليه يدل الكتاب والسنة ؛ فإن الله تعالى قال: (والمنخنقة - إلى قوله - إلا ما ذكيتم) وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل )). ٢٣٥ وأما ما وقع فى بئر ونحوها ولم يوصل إلى مذبحه فتجرح حيث أمكن مثل الطعن فى خذها ، كما يفعل بالصيد الممتنع ، وتباح بذلك عند جمهور العلماء ؛ إلا أن يكون أعان على موتها سبب آخر : مثل أن يكون رأسها غاطسا فى الماء ، فتكون قد ماتت بالجرح والغرق ؛ فلا تباح حينئذ . والله أعلم . وسئل رحم اللّه عن ((الغنم، والبقر)) ونحو ذلك إذا أصابه الموت وأتاه الإنسان هل يذكى شيئا منه وهو متيقن حياته حين ذبحه، وأن بعض الدواب لم يتحرك منه جارحة حين ذ كاته : فهل الحركة تدل على وجود الحياة، وعدمها يدل على عدم الحياة ، أم لا ؟ فإن غالب الناس يتحقق حياة الدابة عند ذبحها وإراقة دمها ولم تتحرك ، فيقول : إنها مينة فيرميها ؟ وهل الدم الأحمر الرقيق الجارى حين الذبح يدل على أن فيها حياة مستقرة ، والدم الأسود الجامد القليل دم الموت ، أم لا ؟ وما أراد النبى صلى الله عليه وسلم بقوله : (( ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا)) ؟ (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ فأجاب : الحمد لله رب العالمين . قال الله تعالى : وَاُلَّمُ وَحُمُ الْخِنِزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، وَاَلْمُنْخَيِقَةُ وَاُلْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ ٢٣٦ أَكَلَ السَّبُعُ إِلََّ مَاذَّكَّيْتُ). (إِلَّامَاذَكَّيْثُمْ ) وقوله تعالى : ء عائد إلى ما تقدم: من المنخنقة ، والموقوذة، والمتردية ، والنطيحة ، وأ كيلة السبع : عند عامة العلماء؛ كالشافعى ، وأحمد بن حنبل ، وأبى حنيفة، وغيرهم فا أصابه قبل أن يموت أبيح. لكن تنازع العلماء فيما يذكى من ذلك. فمنهم من قال : ما تيقن موته لا يذكى، كقول مالك، ورواية عن أحمد. ومنهم من يقول: ما يعيش معظم اليوم ذكي. ومنهم من يقول: ما كانت فيه حياة مستقرة ذكي، كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعى وأحمد. ثم من هؤلاء من يقول: الحياة المستقرة ما يزيد على حركة المذبوح. ومنهم من يقول : ما يمكن أن يزيد على حياة المذبوح. والصحيح: أنه إذا كان حيا فذكي حل أكله، ولا يعتبر فى ذلك حركة مذبوح؛ فإن حركات المذبوح لا تنضبط ؛ بل فيها ما يطول زمانه وتعظم حر كته . وقد قال صلى الله عليه وسلم ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا)) فتى جرى الدم الذى يجرى من المذبوح الذى ذبح وهو حي حل أكله . والناس يفرقون بين دم ما كان حيا ودم ما كان ميتا ؛ فإن الميت يجمد دمه ويسود ؛ ولهذا حرم الله الميتة ؛ لاحتقان الرطوبات فيها ؛ فإذا جرى منها الدم الذى يخرج من المذبوح الذى ذيح وهو حي حل آ كله؛ وإن تيقن ٢٣٧ أنه يموت ؛ فإن المقصود ذبح ما فيه حياة فهو حى وإن تيقن أنه يموت بعد ساعة . فعمر بن الخطاب رضي الله عنه تيقن أنه يموت وكان حيا ، جازت وصيته ، وصلاته وعهوده . وقد أفتى غير واحد من الصحابة رضى الله عنهم بأنها إذا مصعت بذنبها أو طرفت بعينها، أو ركضت برجلها بعد الذبح ؛ حلت ؛ ولم يشرطوا أن تكون حر كتها قبل ذلك أكثر من حركة المذبوح . وهذا قاله الصحابة لأن الحركة دليل على الحياة ، والدليل لا ينعكس ، فلا يلزم إذا لم يوجد هذا منها أن تكون ميتة ؛ بل قد تكون حية وإن لم يوجد منها مثل ذلك. والإنسان قد يكون نائما فيذبح وهو نائم ولا يضطرب، وكذلك المغمى عليه يذبح ولا يضطرب ، وكذلك الدابة قد تكون حية فتذبح ولا تضطرب لضعفها عن الحركة وإن كانت حية؛ ولكن خروج الدم الذى لا يخرج إلا من مذبوح وليس هو دم الميت دليل على الحياة . والله أعلم. ٢٣٨ وقال شيخ الإسلام قدس اللهروحه فصل و ((التسمية على الذبيحة)) مشروعة ؛ لكن قيل: هى مستحبة كقول الشافعي . وقيل: واجبة مع العمد وتسقط مع السهو كقول أبى حنيفة ومالك وأحمد فى المشهور عنه . وقيل: تجب مطلقا ؛ فلا تؤكل الذبيحة بدونها ، سواء تركها عمداً أو سهوا كالرواية الأخرى عن أحمد اختارها أبو الخطاب وغيره، وهو قول غير واحد من السلف. وهذا أظهر الأقوال ؛ فإن الكتاب والسنة قد علق الحل بذكر اسم الله فى غير موضع، كقوله: (فَكُواْمَّاً أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَأَذْكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ) وقوله (فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ) (وَلَاتَأْكُلُواْمِمَّا (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُواْ مِمَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ) لَمْيُذْكَرٍ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) وفى الصحيحين أنه قال: (( ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا)) وفى الصحيح أنه قال لعدي: ((إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فقتل فكل ، وإن خالط كلبك كلاب أخر فلا تأكل ؛ فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره)). ٢٣٩ وثبت فى الصحيح أن الجن سألوه الزاد لهم ولدوابهم فقال: ((لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه أوفر مايكون لهما ، وكل بعرة علقا لدوا بكر)) قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((فلا تستنجوا بهما؛ فإنهما زاد إخوانكم من الجن)) فهو صلى الله عليه وسلم لم يبح للجن المؤمنين إلا ما ذكر اسم الله عليه؛ فكيف بالإنس ؛ ولكن إذا وجد الإنسان لما قد ذبحه غيره جاز له أن يا كل منه ، ويذكر اسم الله عليه ؛ لحمل أمر الناس على الصحة والسلامة ، كما ثبت فى الصحيح أن قوما قالوا يارسول الله إن ناسا حديثى عهد بالإسلام يأتون باللحم ولا ندرى أذكروا اسم الله عليه أم لم يذكروا؟ فقال: ((سموا أنتم وكلوا)) وسئل رحمه اللّه تعالى عن ((الذبيحة)) التى يتيقن أنه ما سمي عليها : هل يجوز أ كلها ؟ وهل تنجس الأوانى ؟ فأجاب: الحمد لله. ((التسمية)) عليها واجبة بالكتاب والسنة ، وهو قول جمهور العلماء؛ لكن إذا لم يعلم الإنسان هل سمى الذابح أم لم يسم أكل منها ، وإن تيقن أنه لم يسم لم يأكل ، وكذلك الأضحية . ٢٤٠