Indexed OCR Text
Pages 181-200
وسئل رحمه الله تعالى عن امرأة قوادة تجمع الرجال والنساء ، وقد ضربت ، وحبست؛ ثم عادت تفعل ذلك ، وقد لحق الجيران الضرر بها : فهل لولي الأمر نقلها من بينهم ، أم لا؟ فأجاب : نعم ! لولي الأمر كصاحب الشرطة أن يصرف ضررها بما يراه مصلحة : إما بحبسها ، وإما بنقلها عن الحرائر؛ وإما بغير ذلك مما يرى فيه المصلحة ، وقد كان عمر بن الخطاب يأمر العزاب أن لا تسكن بين المتأهلين ، وأن لا يسكن المتأهل بين العزاب؛ وهكذا فعل المهاجرون لما قدموا المدينة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ؛ ونفوا شابا خافوا الفتنة بهمن المدينة إلى البصرة ، وثبت فى الصحيحين . أن النبى صلى الله عليه وسلم ((نفى المخشين)) و((أمر بنفيهم من البيوت)) خشية أن يفسدوا النساء. فالقوادة شرمن هؤلاء ، والله يعذبها مع أصحابها . وسُل عن ((الفاعل، والمفعول به)) بعد إدراكها ما يجب عليهما ؟ وما يطهرهما ؟ وما ينويان عند الطهارة ؟ ١٨١ فأجاب : أما الفاعل والمفعول به فيجب قتلهما رجما بالحجارة ، سواء كانا محصنين أو غير محصنين؛ لما فى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من وجد تموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به)) ولأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم اتفقوا على قتلهما . وعليهما الاغتسال من الجنابة ، وترتفع الجنابة من الاغتسال ؛ لكن لا يطهران من نجاسة الذنب إلا بالتوبة ، وهذا معنى ماروى: ((أنهما لو اغتسلا بالماء ينويان رفع الجنابة واستباحة الصلاة .... )). وسئل رحمه الله عن قوله فى ((التهذيب)): من أتى بهيمة فاقتلوا المفعول ، واقتلوا الفاعل بها : فهل يجب ذلك أم لا ؟ فأجاب : الحمد لله . هذا فيه حديث رواه أبو داود فى السنن ؛ وهو قوله: ((من أتى بهيمة فاقتلوه، واقتلوها)) وهو أحد قولي العلماء؛ كأحد القولين فى مذهب أحمد ، ومذهب الشافعى. ١٨٢ باب حد القذف وسئل شيخ الإسلام رحمه اللّه عمن قذف رجلا لأنه ينظر إلى حريم الناس ، وهو كاذب عليه : فما يجب على القاذف ؟. الجواب : إذا كان الأمر على ما ذكر فإنه يعزر على افترائه على هذا الشخص بما يزجره وأمثاله ، إذا طلب المقذوف ذلك . وسئل رحمه اللّه تعالى عن رجل تزوج امرأة من أهل الخير وله مطلقة ، وشرط إن رد مطلقته كان الصداق حالا ، ثم إنه رد المطلقة ، وقذف هو ومطلقته عرض الزوجة ، ورموها بالزنا ؛ بأنها كانت حاملا من الزنا ، وطلقها بعد دخوله بها : فما الذى يجب عليهما ؟ وهل يقبل قولهما ؟ وهل يسقط الصداق ، أم لا ؟ ١٨٣ فأجاب : الحمد للهرب العالمين. أما مطلقته فتحد على قذفها ثمانين جلدة إذا طلبت ذلك المرأة المقذوفة، ولا تقبل لها شهادة أبداً، لأنها فاسقة . وكذلك الرجل عليه ثمانون جلدة إذا طلبت المرأة ذلك، ولا تقبل له شهادة. أبداً، وهو فاسق إذا لميتب . وهل له إسقاط الحد باللعان؟ فيه للفقهاء ((ثلاثة أقوال)) فى مذهب أحمد وغيره. قيل: يلاعن. وقيل: لا يلاعن. وقيل: إن كان ثم ولد يريد نفيه لاعن؛ وإلا فلا . وصداقها باق عليه لا يسقط باللمان، كما سن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهذا كله باتفاق الأئمة؛ إلا ما ذكرناه من جواز اللعان ففيه الأقوال الثلاثة ((أحدها)) لا يلاعن؛ بل يحد حد القذف، وتسقط شهادته، وهذا مذهب أحمد فى أشهر الروايات عنه، وأحد الوجهين فى مذهب الشافعى. و (الثانى)) يلاعن، وهو مذهب أبى حنيفة، وأحمدفى رواية عنه. و ((الثالث)) إن كان هناك حمل لاعن ؛ لنفيه؛ وإلا فلا . وهو أحد الوجهين فى مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد . والله أعلم دسُل عن رجل قال لرجل: أنت فاسق شارب الخمر ، ومنعه من أجرة ملكه الذى ملك انتفاعه شرعا ؟ ١٨٤ فأجاب : إذا كان المقذوف محصنا وجب على القاذف حد القذف إذا طلبه المقذوف ، وأما شتمه بغير ذلك إذا كان كاذبا فعليه أن يعزر على ذلك . وأما ضربه وحبسه إذا كان ظالما ؛ فإنه يفعل به كما فعل، وما عطله عليه من المنفعة ضمنه . وسئل رحمه اللّه تعالى عن رجل قذف رجلا ، وقال له: أنت علق ، ولد زنا : فما الذى يجب عليه ؟ فأجاب : إذا قذفه بالزنا أو اللواط كقوله : أنت علق وكان ذلك الرجل حراً مسلما لم يشتهر عنه ذلك فعليه حد القذف إذا طلبه المقذوف وهو ثمانون جلدة إن كان القاذف حراً ؛ وأربعون إن كان رقيقا عند الأئمة الأربعة . ١٨٥ باب حد المسكر قال شيخ الإسلام رضى الله عنه أما((الأشربة المسكرة)) فمذهب جمهور علماء المسلمين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر العلماء أن كل مسكر خمر ، وكل ثمر حرام ، وما أسكر كثيره فقليله حرام . وهذا مذهب مالك وأصحابه ، والشافعى وأصحابه ، وأحمد بن حنبل وأصحابه ، وهو أحد القولين فى مذهب أبى حنيفة، وهو اختيار محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة ، واختيار طائفة من المشايخ : مثل أبى الليث السمر قندى ، وغيره . وهذا قول الأوزاعى وأصحابه ، والليث ابن سعد وأصحابه ، وإسحاق بن راهويه وأصحابه ، وداود بن علي وأصحابه وأبى ثور وأصحابه ، وابن جرير الطبرى وأصحابه ، وغير هؤلاء من علماء المسلمين وأئمة الدين . وذهب طائفة من العلماء من أهل الكوفة كالنخعي والشعبي وأبى حنيفة وشريك وغيرهم إلى أن ما أسكر من غير الشجرتين - النخل والعنب - كنبيذ الحنطة والشعير والذرة والعسل ، ولبن الخيل وغير ذلك ، فإنما يحرم ١٨٦ منه القدر الذى يسكر . وأما القليل الذى لا يسكر فلا يحرم . وأما عصير العنب الذى إذا غلا واشتد وقذف بالزبد فهو خمر يحرم قليله وكثيره بإجماع المسلمين. وأصحاب ((القول الثاني)) قالوا : لا يسمى خمراً إلا ما كان من العنب . وقالوا: إن نبيذ التمر والزبيب إذا كان نيئاً مسكرا حرم قليله وكثيره ولا يسمى خمرا ، فإن طبخ أدنى طبخ حل . وأما عصير العنب إذا طبخ وهو مسكر لم يحل ، إلا أن يذهب ثلثاه ، ويبقى ثلثه. فأما بعد أن يصير خمرا فلا يحل وإن طبخ إذا كان مسكرا بلا نزاع . و ((القول الأول)) الذى عليه جمهور علماء المسلمين هو الصحيح الذى بدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار ؛ فإن الله تعالى قال فى كتابه: (إِنَّمَا الْخَقُرُ وَالْمَيْسِرُ وَاُلْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَغِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِ اْخَمْرِوَالْمَيْسِ وَيَصُدَّكُمْعَن ذِكْرِ اللَّهِوَ عَنِ الصَّلَوَةِ فَهَلْ أَنْهُمُّنَهُونَ ) . واسم ((الخمر)) فى لغة العرب الذين خوطبوا بالقرآن كان يتناول المسكر من التمر وغيره ، ولا يختص بالمسكر من العنب ؛ فإنه قدثبت بالنقول الصحيحة أن الخمر لما حرمت بالمدينة النبوية وكان تحريمها بعد غزوة أحد فى السنة الثالثة من الهجرة لم يكن من عصير العنب شيء ، فإن المدينة ليس فيها ١٨٧ شجر عنب ؛ وإنما كانت خمرم من التمر. فلما حرمها الله عليهم أراقوها بأمر النبى صلى الله عليه وسلم ؛ بل وكسروا أوعيّتها ، وشقوا ظروفها؛ وكانوا يسمونها ((خمرا)). فعلم أن اسم ((الخمر)) فى كتاب الله عام لا يختص بعصير العنب . فروى البخارى فى صحيحه عن ابن عمر رضى الله عنهما ؛ قال : نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة ؛ ما منها شراب العنب . وفى الصحيحين عن أنس رضى الله عنه قال: إن الخمر حرمت يومئذمن البسروالتمر. وفى لفظ لمسلم: لقد أنزل الله هذه الآية التي حرم فيها الخمر؛ وما بالمدينة شراب إلامن تمر وبسر . وفى لفظ للبخارى : وحرمت علينا حين حرمت وما نجد خمر الأعناب إلا قليلا ؛ وعامة خمرنا البسر والمر . وفى الصحيحين عن أنس رضى الله عنه قال: كنت أستي أبا عبيدة وأبي بن كعب من فريخ زهو وتمر فاءم آت فقال: إن الخمر قد حرمت ، فقال أبو طلحة: يا أنس ! قم إلى هذه الجرار فأهرقها ، فأمرقتها . وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضى الله عنهم: أن الخمر يكون من الحنطة والشعير ؛ كما يكون من العنب ؛ ففي الصحيحين عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب رضى الله عنهما قال على منبر النبى صلى الله عليه وسلم : أما بعد أيها الناس! إنه نزل تحريم الخمر وهى من خمسة: من العنب، والمر ؛ ١٨٨ والعسل؛ والحنطة؛ والشعير؛ والخمر ما خاص العقل. وروى أهل السنن أبو داود والترمذى وابن ماجه عن النعمان بن بشير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن من الحنطة خمرا ؛ ومن الشعير خمراً ومن الزبيب خمرا؛ ومن التمر خمراً ومن العسل خمراً)) زاد أبو داود: ((وأنا أنهى عن كل مسكر)). وقد استفاضت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن كل مسكر خمر، وهو حرام، كما فى الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البتع ، وهو نبيذ العسل ، وكان أهل اليمن يشربونه ، فقال: ((كل شراب أسكر فهو حرام )) وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه قال: قلت يارسول الله ! أفتنا فى شرايين كنا نصنعهما باليمن : البتع . وهو من العسل ينبذ حتى يشتد ؟ قال : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطى جوامع الكلم بخواتيمه فقال: ((كل مسكر حرام)) وفى صحيح مسلم عن جابر أن رجلا ((من حبشان)). وحبشان من اليمن سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن شراب يشربونه بأراضيهم من الذرة يقال له : ((المزر)) فقال: ((أمسكر هو؟)) قال: نعم. قال: ((كل مسكر حرام؛ إن على الله عهداً لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال)» قالوا : يارسول الله ! وما طينة الخبال؟ قال: ((عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار)) وفى صحيح مسلم وغيره عن ابن عمر رضى الله عنهما: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((كل مسكر خمر ، وكل مسكر حرام)» وفى رواية له: « كل مسكر خمر ، وكل خمر ١٨٩ حرام)) وعن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام)) رواه ابن ماجة، والدار قطنى، وصححه ، وقد روى أهل السنن مثله من حديث جابر ومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده . والأحاديث كثيرة صحيحة فى هذا الباب . ولكن عذر من خالفها من أهل العلم أنها لم تبلغهم ، وسمعوا أن من الصحابة من شرب النبيذ ، وبلغتهم فى ذلك آثار: فظنوا أن الذي شربوه كان مسكراً، وإنما كان الذى تنازع فيه الصحابة هو مانبذ فى الأوعية الصلبة ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم ((نهى عن الانتباذ فى الدباء)) وهو القرع، وفى (الحنتم)) وهو ما يصنع من التراب من الفخار، ((ونهى عن النقير)) وهو الخشب الذى ينقر، ((ونهى عن المزفت)) وهو الظرف المزفت ((وأمرهم أن ينتبذوا فى الظروف الموكاة )) وهو أن ينقع التمر أو الزييب فى الماء حتى يحلو ، فيشرب حلواً قبل أن يشتد. فهذا حلال باتفاق المسلمين . ونهام أن ينتبذوا هذا النبيذ الحلال فى تلك الأوعية ؛ لأن الشدة تدب فى الشراب شيئا فشيئا ، فيشربه المسلم وهو لا يدرى أنه قد اشتد ، فيكون قد شرب محرما، وأمرهم أن ينتبذوا فى الظرف الذى يربطون فمه، لأنه إن اشتد الشراب انشق الظرف فلا يشربون مسكراً . والنهي عن ((نبيذ الأوعية القوية)) فيه أحاديث كثيرة مستفيضة ؛ ثم روى عنه إباحة ذلك ، كما فى صحيح مسلم عن بريدة بن الحصيب ؛ قال : قال ١٩٠ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كنت نهيتكم عن الأشربة إلا فى ظروف الأدم ، فاشربوا فى كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكراً)) وفى رواية ((نهيتكم عن الظروف ، وإن ظرفا لا يحل شيئا ولا يحرمه، وكل مسكر حرام» فمن الصحابة والتابعين من لم يثبت عنده النسخ فأخذ بالأحاديث الأول. ومنهم من اعتقد صحة النسخ فأباح الانتباذ فى كل وعاء ، وهذا مذهب أبى حنيفة والشافعي . والنهي عن بعض الأوعية قول مالك. وعن أحمد روايتان . فلما سمع طائفة من علماء الكوفة أن من السلف من شرب النبيذ ظنوا أنهم شربوا المسكر: فقال طائفة منهم: كالشافعي ، والنخعي وأبى حنيفة ، وشريك ، وابن أبى ليلى، وغيرهم : يحل ذلك، كما تقدم. وم فى ذلك مجتهدون، قاصدون للحق ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران ، وإذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر)). وأما سائر العلماء فقالوا بتلك الأحاديث الصحيحة . وهذا هو الثابت عن الصحابة ، وعليه دل القياس الجلي ؛ فإن الله تعالى قال : ( إِنَّمَايُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْتَكُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِ الْخَمْرِوَاَلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِاللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوةَ فَهَلْ أَنُنَهُونَ ) فإن المفسدة التى لأجلها حرم الله سبحانه وتعالى الخمر ، هى أنها تصد عن ذكر الله، وعن الصلاة ، وتوقع العداوة والبغضاء. وهذا أمر تشترك فيه جميع المسكرات ؛ لافرق فى ذلك بين مسكر ومسكر، ١٩١ والله سبحانه وتعالى حرم القليل؛ لأنه يدعو إلى الكثير ، وهذا موجود فى جميع المسكرات. وسئل رحمه اللّه تعالى عن ((الخمر والميسر)) هل (فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنَفِعُ لِلنَّاسِ)؟ وما هى المنافع؟ فأجاب: هذه الآية أول ما نزلت فى الخمر ؛ فانهم سألوا عنها النبى صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية؛ ولم يحرمها، فأخبرهم أن فيها ((إنما)) وهو ما يحصل بها من ترك المأمور وفعل المحظور، وفيها ((منفعة)) وهو ما يحصل من اللذة ، ومنفعة البدن ، والتجارة فيها ، فكان من الناس من لم يشربها ، ومنهم من شرب؛ ثم بعد هذا شرب قوم الخمر فقاموا يصلون وهم سكارى؛ خلطوا فى القراءة؛ فأنزل الله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ اُلْضَّلَوةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ ) فنهاهم عن شربها قرب الصلاة ؛ فكان منهم من تركها . ثم بعد ذلك أنزل الله تعالى : ( إِنََّا ◌ْخَفُرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَأَجْتِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ). نحرمها الله فى هذه الآية من وجوه متعددة؛ فقالوا: انتهينا. انتهينا. ومضى حينئذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم ياراقتها ؛ فكسرت الدنان والظروف؛ ولعن عاصرها؛ ومعتصرها؛ وشاربها ؛ وآكل ثمنها . ١٩٢ وسئل رحمه اللّه تعالى هل يجوز شرب قليل ما أسكر كثيره من غير خمر العنب: كالصرماء والقمز ، والمزر ؟ أولا يحرم إلا القدح الأخير ؟ فأجاب : الحمد لله . قد ثبت فى الصحيحين عن أبى موسى قال : قلت يا رسول الله! أفتنا فى شرابين كنا نصنعهما بالمن ((البتع)» وهو العسل ينبذ حتى يشتد. و((المزر)) وهو من الذرة ينبذ حتى يشتد ، قال: وكان رسول اللهصلى الله عليه وسلم قد أعطي جوامع الكلم، فقال: ((كل مسكر حرام)) وعن عائشة قالت : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ((البتع)) وهو نبيذ العسل، وكان أهل اليمن يشربونه ، فقال: ((كل شراب أسكر فهو حرام)) وفى صحيح مسلم عن جابر أن رجلا من المن سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة، يقال له: ((المزر)) فقال: ((أمسكر هو؟)) قال: نعم. فقال: ((كل مسكر حرام، إن على الله عهداً لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال)) قالوا : يارسول الله ! وما طينة الخبال؟ قال: ((عرق أهل النار ؛ أو عصارة أهل النار)). ١٩٣ ففى هذه الأحاديث الصحيحة أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل عن أشربة من غير العنب كالمزر وغيره فأجابهم بكلمة جامعة، وقاعدة عامة: ((إن كل مسكر حرام )) وهذا يبين أنه أراد كل شراب كان جنسه مسكراً حرام سواء سكر منه أو لم يسكر، كما فى ثمر العنب . ولو أراد بالمسكر القدح الأخير فقط لم يكن الشراب كله حراما ؛ ولكان بين لهم ؛ فيقول اشربوا منه ولا تسكروا. ولأنه سألهم عن المزر ((أمسكر هو؟)) فقالوا: نعم. فقال. ((كل مسكر حرام)). فلما سألهم ((أمسكر هو؟)) إنما أراد يسكر كثيره كما يقال. الخبز يشبع؛ والماء يروى، وإنما يحصل الري والشبع بالكثير منه لا بالقليل. كذلك المسكر إنما يحصل السكر بالكثير منه ، فلما قالوا له : هو مسكر. قال: ((كل مسكر حرام)) فبين أنه أراد بالمسكر كما يراد بالمشبع والمروي ونحوهما، ولم يرد آخر قدح؛ وفى صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((كل مسكر ثمر؛ وكل خمر حرام)) وفى لفظ: ((كل مسكر حرام)) ومن تأوله على القدح الأخير لا يقول : إنه خمر ، والنبى صلى الله عليه وسلم جعل كل مسكر حراما . وفى السنن عن النعمان بن بشير . قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إن من الحنطة خمرا ، ومن الشعير خمرا ، ومن الزييب خمرا ، ومن العسل خمرا )) وفى الصحيح أن عمر بن الخطاب قال على منبر النبي صلى اللّه عليه ١٩٤ وسلم : أما بعد أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر ، وهى من خمسة أشياء : من العنب ، والتمر ، والعسل ، والحنطة ، والشعير؛ والخمر ما خاص العقل. والأحاديث فى هذا الباب كثيرة عن النبى صلى الله عليه وسلم تبين أن الخمر التى حرمها اسم لكل مسکر ، سواء كان من العسل ، أو التمر ، أو الحنطة ، أو الشعير ؛ أو لبن الخيل ، أو غير ذلك. وفى السنن عن عائشة ؛ قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( كل مسكر حرام، وما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام)) قال الترمذى حديث حسن، وقد روى أهل السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم: (( ما أسكر كثيره فقليله حرام)) من حديث جابر ، وابن عمر ؛ وعمر وبن شعيب، عن أبيه ، عن جده ، وغيرهم ، وصححه الدارقطنى وغيره وهذا الذى عليه جماهير أئمة المسلمين : من الصحابة ، والتابعين ، وأ ئمة الأمصار ، والآثار ، ولكن بعض علماء المسلمين سمعوا أن النبى صلى الله عليه وسلم رخص فى النبيذ؛ وأن الصحابة كانوا يشربون النبيذ: فظنوا أنه المسكر ؛ وليس كذلك ؛ بل النبيذ الذى شربه النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة هو أنهم كانوا ينبذون التمر أو الزبيب أو نحو ذلك فى الماء حتى يحلو ، فيشربه أول يوم ، وثانى يوم ؛ وثالث يوم ؛ ولا يشربه بعد ثلاث ؛ لئلا تكون الشدة قدبدت فيه ؛ وإذا اشتد قبل ذلك لم يشرب . وقد ١٩٥ روى أهل السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ليشرين ناس من أمتى الخمريسمونها بغير اسمها )) وروي هذا عن النبى صلى الله عليه وسلم من أربعة أوجه ، وهذا يتناول من شرب هذه الأشربة التى يسمونها الصرما وغير ذلك؛ والأمر فى ذلك واضح ؛ فإن خمر العنب قد أجمع المسلمون على تحريم قليلها وكثيرها ؛ ولا فرق فى الحس ولا العقل بين خمر العنب والنمر والزبيب والعسل؛ فإن هذا يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ؛ وهذا يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ؛ وهذا يوقع العداوة والبغضاء ؛ وهذا يوقع العداوة والبغضاء. والله سبحانه قد أمر بالعدل والاعتبار؛ وهذا هو ((القياس الشرعي)) وهو التسوية بين المتماثلين ؛ فلايفرق الله ورسوله بين شراب مسكر وشراب مسكر فيبيح قليل هذا ولا يبيح قليل هذا ؛ بل يسوى بينهما وإذا كان قد حرم القليل من أحدهما حرم القليل منهما ؛ فإن القليل يدعو إلى الكثير، وأنه سبحانه أمر باجتناب الخمر ، ولهذا يؤمر بإراقتها ؛ ويحرم اقتناؤها ، وحكم بنجاستها ؛ وأمر يجلد شاربها ؛ كل ذلك حسما لمادة الفساد ؛ فكيف يبيح القليل من الأشربة المسكرة !! والله أعلم. ١٩٦ وسئل رحمه اللّه تعالى عن نبيذ التمر؛ والزبيب، والمزر، ((والسويفة)) التى تعمل من الجزر ، والذى يعمل من العنب، يسمى ((النصوح)): هل هو حلال؟ وهل يجوز استعمال شىء من هذا ، أم لا ؟ فأجاب : الحمد لله رب العالمين . كل شراب مسكر فهو خمر ، فهو حرام بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المستفيضة عنه باتفاق الصحابة كما ثبت عنه فى الصحيح من حديث أبى موسى: أنه سئل عن شراب يصنع من الذرة يقال له ((المزر)) وشراب يصنع من العسل يقال له (( البتع)) وكان قد أوتى النبى صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم ، فقال: ((كل مسكر حرام)) وفى الصحيحين عن عائشة عنه أنه قال: ((كل شراب أسكر فهو حرام)) وفى الصحيح عن ابن عمر عنه أنه قال: ((كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام» وفى لفظ الصحيح: ((كل مسكر خمر ؛ وكل خمر حرام)» وفى السنن عنه أنه قال: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام)) وقد صحح ذلك غير واحد من الحفاظ والله عز وجل حرم عصير العنب النيء إذا غلا واشتد وقذف بالزيد ؛ لما فيه من الشدة المطربة التى تصد عن ذكر الله وعن الصلاة ، وتوقع العداوة والبغضاء. وكل ما كانت فيه هذه الشدة المطربة فهو خمر من أى مادة كان : من الحبوب ؛ والثمار ؛ وغير ذلك . وسواء كان نيئاً أو مطبوخا ؛ ١٩٧ لكنه إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقى ثلثه لم يبق مسكرا؛ اللهم إلا أن يضاف إليه أفاويه أو نوع آخر . والأصل فى ذلك ((أن كل ما أسكر فهو حرام)) وهذا مذهب جماهير العلماء الأئمة ، كما قال الشافعي وأحمد وغيرهم ، وهذا المسكر يوجب الحد على شاربه ؛ وهو نجس عند الأئمة . وكذلك ((الحشيشة)) المسكرة يجب فيها الحد ؛ وهي نجسة فى أصح الوجوه ؛ وقد قيل : إنها طاهرة . وقيل : يفرق بين يابسها ومائعها: والأول الصحيح ، لأنها تسكر بالاستحالة كالخمر النيء ؛ بخلاف مالا يسكر بل يغيب العقل كالبنج ؛ أو يسكر بعد الاستحالة كجوزة الطيب ؛ فإن ذلك ليس بنجس. ومن ظن أن الحشيشة لا تسكر وإنما تغيب العقل بلا لذة فلم يعرف حقيقة أمرها ؛ فإنه لولا مافيها من اللذة لم يتناولوها ولا أكلوها ؛ بخلاف البنج ونحوه مما لا لذة فيه . والشارع فرق فى المحرمات بين ما تشتهيه النفوس وما لاتشتهيه فما لا تشتهيه النفوس كالدم والميتة اكتفى فيه بالزاجر الشرعى ؛ فجعل العقوبة فيه التعزير. وأما ما تشتهيه النفوس نجعل فيه مع الزاجر الشرعى زاجراً طبيعيا وهو الحد. ((والحشيشة)) من هذا الباب. وسئل رحم الله عن ((النصوح)) هل هو حلال ، أم حرام ؟ وهم يقولون: إن عمر بن الخطاب رضى الله عنه كان يعمله. ((وصورته)) أن يأخذ ثلاثين رطلا من ماء عنب ، ويغلى حتى يبقى ثلثه ؛ فهل هذه صورته ؟ وقد نقل ١٩٨ من فعل بعض ذلك أنه يسكر ؛ وهو اليوم جهاراً فى الإسكندرية ومصر ؛ ونقول لهم : هو حرام ؛ فيقولون : كان على زمن عمر ؛ ولو كان حراما لنهى عنه ؟ فأجاب : الحمد لله . قد ثبت بالنصوص المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم فى الصحاح والسنن والمسانيد أنه حرم كل مسكر، وجعله نمراً ، كما فى صحيح مسلم عن ابن عمر، عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( كل مسكر خمر، وكل خمر حرام)) وفى لفظ ((كل مسكر حرام)) وفى الصحيحين عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((كل شراب أسكر فهو حرام )) وفى الصحيحين عن أبى موسى ، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه سئل عن شراب العسل، يسمى ((البتع)) وكان قد أوتي جوامع الكلم ؛ فقال: ((كل مسكر حرام)). وفى الصحيحين عن عمر بن الخطاب أنه قال على المنبر - منبر النبي صلى الله عليه وسلم - إن الله حرم الخمر ، وهي من خمسة أشياء: من الحنطة، والشعير ؛ والعنب، والتمر ، والزبيب؛ والخمر ما خاص العقل. وهو فى السنن مسند عن ابن عمر ، عن النبى صلى الله عليه وسلم . وروى عنه من غير وجه أنه قال: (( ما أسكر كثيره فقليله حرام)) وقد صححه طائفة من الحفاظ . والأحاديث فى ذلك كثيرة . فذهب أهل الحجاز ، والمن ؛ ومصر ؛ والشام ، والبصرة ، وفقهاء الحديث: كمالك ، والشافعى ؛ وأحمد بن حنبل، وغيرهم : أن كل ما أسكر ١٩٩ كثيره فقليله حرام ؛ وهو خمر عنده من أي مادة كانت : من الحبوب ، والثمار، وغيرها ، سواء كان من العنب؛ أو التمر ؛ أو الحنطة ، أو الشعير، أو لبن الخيل ؛ أو غير ذلك ، وسواء كان نيئاً أو مطبوخا، وسواء ذهب ثلثاه ، أو ثلثه؛ أو نصفه، أو غير ذلك . فمتى كان كثيره مسكراً حرم قليله بلا نزاع بينهم . ومع هذا فهم يقولون بما ثبت عن عمر ؛ فإن عمر رضى الله عنه لما قدم الشام ، وأراد أن يطبخ للمسلمين شرابا لا يسكر كثيره طبخ العصير حتى ذهب ثلثاه وبقى ثلثه ، وصار مثل الرب ، فأدخل فيه أصبعه فوجده غليظا ، فقال : كأنه الطلا . يعنى الطلا الذى يطلى به الإبل ، فسمواذلك ((الطلا)). فهذا الذى أباحه عمر لم يكن يسكر، وذكر ذلك أبو بكر عبد العزيز بن جعفر صاحب الخلال : أنه مباح بإجماع المسلمين ، وهذا بناء على أنه لا يسكر ولم يقل أحد من الأئمة المذكورين إنه يباح مع كونه مسكراً ولكن نشأت ((شبهة)) من جهة أن هذا المطبوخ قد يسكر ؛ لأشياء إما لأن طبخه لم يكن تاما ؛ فإنهم ذكروا صفة طبخه أنه يغلى عليه أولاحتى يذهب وسخه ، ثم يغلى عليه بعد ذلك حتى يذهب ثلثاه ، فإذا ذهب ثلثاه والوسخ فيه كان الذاهب منه أقل من الثلثين ؛ لأن الوسخ يكون حينئذ من غير الذاهب . وإما من جهة أنه قد يضاف إلى المطبوخ من الأفاويه وغيرها ٢٠٠