Indexed OCR Text

Pages 221-240

بالاتفاق ، فقوله : فعبدي حر أولى أ لا يلزمه ، لأن قصد اليمين إذا منع
أن يلزمه الوجوب فى الإعتاق والعتق فلأن يمنع لزوم العتق وحده أولى
((وأيضًا)) فإن ثبوت الحقوق فى الذمم أوسع نفوذاً؛ فإن الصبي
والمجنون والعبد قد تثبت الحقوق فى ذممهم مع أنه لا يصح تصرفهم،
فإذا كان قصداليمين مع ثبوت العنق المعلق فى الذمة ممنوعا] فلأن يمنع وقوعه
أولى وأحرى وإذا كان العتق الذي يلزمه بالنذر لا يلزمه إذا قصد به
اليمين فالطلاق الذى لا يلزم بالنذر أولى أن لا يلزم إذا قصد به اليمين ؛
فإن التعليق إنما يلزم فيه الجزاء إذا قصد وجوب الجزاء عند وجوب
الشرط ، كقوله : إن أبرأتينى من صداقك فأنت طالق، وإن شفى الله
مريضي فثلث مالى صدقة . وأما إذا كان يكره وقوع الجزاء وإن وجد الشرط
وإنما التزمه ليحض نفسه أو يمنعها، أو يحض غيره أو يمنعه : فهذا
مخالف كقوله : إن فعلت كذا فأنا يهودي ، أو نصراني ، ومالى صدقة
وعبيدى أحرار ، ونسائي طوالق ، وعلي عشر حجج ، وصوم : فهذا
حالف باتفاق الصحابة والفقهاء وسائر الطوائف ، وقد قال الله تعالى :
(قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْشِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ) وقال تعالى: ( ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَنِّكُمْ
) وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم
إِذَا حَلَفْتُمْ وَأُحْفَظُواْأَيْمَنَّكُمْ
من غير وجه فى الصحيح أنه قال: (( من حلف على يمين فرأى غيرها
خيراً منها ، فليأت الذى هو خير ، وليكفر عن يمينه)) وهذا يتناول
٢٢١

[أيمان] جميع المسلمين لفظا ومعنى ؛ ولم يخصه نص ولا إجماع
ولا قياس ؛ بل الأدلة الشرعية تحقق عمومه .
واليمين فى كتاب الله وسنة رسوله ((نوعان)): نوع محترم
منعقد مكفر ، كالحلف بالله . ونوع غير محترم، ولامنعقد ، ولامكفر .
وهو الحلف بالمخلوقات . فإن كانت هذه اليمين من أيمان المسلمين
ففيها الكفارة . وهي من النوع الأول . وإن لم تكن من أيمان المسلمين
فهى من الثانى . وأما إثبات يمين منعقدة؛ غير مكفرة فهذا لا أصل له
فى الكتاب والسنة .
وتقسيم أيمان المسلمين إلى يمين مكفرة وغير مكفرة كتقسيم الشراب
المسكر إلى خمر، وغير خمر . وتقسيم السفر إلى طويل وقصير . وتقسيم
الميسر إلى محرم وغير محرم؛ بل الأصول تقتضى خلاف ذلك . وبسط
الكلام له موضع آخر
لكن هذا ((القول الثالث)» وهو القول بثبوت الكفارة فى جميع
أيمان المسلمين هو القول الذى تقوم عليه الأدلة الشرعية التى لا تتناقض،
وهو المأثور عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكابر التابعين:
٢٢٢

إما فى جميع الأيمان . وإما فى بعضها. وتعليل ذلك بأنه يمين . والتعليل
بذلك يقتضى ثبوت الحكم فى جميع أيمان المسلمين .
والصيغ ثلاثة ((صيغة تنجيز)) كقوله: أنت طالق . فهذه ليست
يمينا ، ولا كفارة فى هذا باتفاق المسلمين
((والثانى)) صيغة قسم ، كما إذا قال: الطلاق يلزمني لأفعلن كذا
فهذه يعين باتفاق أهل اللغة والفقهاء .
((والثالث)) صيغة تعليق. فهذه إن قصد بها اليمين فحكمها حكم
الثانى باتفاق العلماء . وأما إن قصد وقوع الطلاق عند الشرط : مثل
أن يختار طلاقها إذا أعطته العوض ، فيقول : إن أعطيتني كذا
فأنت طالق . ويختار طلاقها إذا أتت كبيرة ، فيقول : أنت طالق
إن زنيت ، أو سرقت . وقصده الإيقاع عند الصفة ؛ لا الحلف : فهذا
يقع به الطلاق باتفاق السلف ؛ فإن الطلاق المعلق بالصفة روي وقوع
الطلاق فيه عن غير واحد من الصحابة : كعلى ، وابن مسعود، وأبى ذر ، وابن
عمر، ومعاوية، وكثير من التابعين، ومن بعده؛ وحكي الإجماع على ذلك غير واحد
٢٢٣

وما علمت أحدا نقل عن أحد من السلف أن الطلاق بالصفة لا يقع ، وإنما
علم النزاع فيه عن بعض الشيعة ، وعن ابن حزم من الظاهرية .
وهؤلاء الشيعة بلغتهم فتاوى عن بعض فقهاء أهل البيت فيمن قصده
الحلف: فظنوا أن كل تعليق كذلك ، كما أن طائفة من الجمهور بلغتهم فتاوى
عن بعض الصحابة والتابعين فيمن علق الطلاق بصفة أنه يقع عندها : فظنوا أن
ذلك يمين. وجعلوا كل تعليق يمينا، كمن قصده اليمين ، ولم يفرقوا بين
التعليق الذى يقصد به اليمين ، والذى يقصد به الإيقاع ؛ كما لم يفرق أولئك
بينهما فى نفس الطلاق. وما علمت أحداً من الصحابة أفتى فى اليمين بلزوم
الطلاق. كما لم أعلم أحداً منهم أفتى فى التعليق الذى يقصد به اليمين ، وهو
المعروف عن جمهور السلف، حتى قال به داود وأصحابه . ففرقوا بين تعليق
الطلاق الذى يقصد به اليمين والذى يقصد به الإيقاع ، كما فرقوا بينهما فى
تعليق النذر وغيره. والفرق بينهما ظاهر ؛ فإن الحالف يكره وقوع الجزاء وإن
وجدت الصفة ، كقول المسلم: إن فعلت كذا فأنا يهودي ، أو نصراني :
فهو يكره الكفر وإن وجدت الصفة ؛ إنما التزامه لئلا يلزم ، وليمتنع به
من الشرط ؛ لالقصد وجوده عند الصفة . وهكذا الحلف بالإسلام لو قال الذمى :
إن فعلت كذا فأنا مسلم.
والحالف بالنذر والحرام والظهار والطلاق والعتاق إذا قال: إن فعلت
كذا فعلي الحج ، وعبيدى أحرار ، ونسائى طوالق ، ومالي صدقة فهو
٢٢٤

يكره هذه اللوازم وإن وجد الشرط ، وإنما علقها ليمنع نفسه من الشرط ؛
لالقصد وقوعها ، وإذا وجد الشرط فالتعليق الذى يقصد به الإيقاع من باب
الإيقاع ، والذى يقصد به اليمين من باب اليمين. وقد بين الله فى كتابه أحكام
الطلاق، وأحكام الأيمان . وإذا قال : إن سرقت . إن زنيت: فأنت طالق .
فهذا قد يقصد به اليمين ، وهو أن يكون مقامها مع هذا الفعل أحب إليه من
طلاقها؛ وإنما قصده زجرها وتخويفها لئلا تفعل: فهذا حلف لا يقع به الطلاق،
وقد يكون قصده إيقاع الطلاق وهو أن يكون فراقها أحب إليه من المقام
معها مع ذلك ، فيختار إذا فعلته أن تطلق منه : فهذا يقع به الطلاق .
والله أعلم.
وسل
عمن حلف لا يكلم صهر أخيه، وحلف بالثلاث ما يدخل منزله : ثم
دخل بغير رضاه ؟
فأجاب : إذا كان الحالف قد اعتقد أن المحلوف عليه يطيعه ، ويبر
يمينه ، ولا يدخل إذا حلف عليه ؛ فتبين له الأمر بخلاف ذلك، ولو علم أنه
كذلك لم يحلف. ففي حنثه نزاع بين العلماء. والأقوى أنه لا يحنث. والله أعلى.
٢٢٥

وسئل
عن رجل حلف بالطلاق الثلاث أنه لا يسكن فى المكان الذى هو فيه
وقد انتقل وأخلاه : فهل يجوز له أن يعود ؟ أم لا ؟
فأجاب : إن كان السبب الذي حلف لأجله قد زال فله أن يعود
والله أعلم .
وسئل شيخ الإسلام رحمه الله
عن رجل حلف على زوجته بالطلاق الثلاث أنها تحط يدها فى خريطته
ولا تأخذ منها شيئا ، وقال ذلك مدة أربعة شهور ؛ ثم بعد ذلك حلف
يمينا ثانيا أنها لا تنقل ماسمعت إلى أحد ؛ ثم بعد ذلك نقلته للناس ، فقال لها
زوجها : ماحلفت عليك بالطلاق أنك لا تنقليه إلى أحد وقد نقلته ؟ قالت :
نقلته ، وما علمت على يمينا . فقال: الآن قد وقع الطلاق . قومي أعطنى
خريطتي ، وأعطى منها الخيط ، فما بقى على يمين ، وقد وقع على الطلاق .
٢٢٦

قالت : أنا ما علمت أن علينا يمينا بالدائم؛ إنما اعتقدت اليمين مدة خمسة
أو ستة أيام . فقال لها : أنا ما أعرف ؛ أنت الساعة طالق مني بالطلاق
الثلاث : فهل يلزمها الطلاق من أول يمين ؟ أو من الثانى ؟
فأجاب : إن كانت قد اعتقدت أن حكم يمينه قدانقضى وفعلت المحلوف
عليه بعد ذلك : لم يحنث الحالف . وإن كان قد قال أنت الساعة طالق مني
ثلاثا؛ لاعتقاده أنه وقع به الطلاق: لم يقع بذلك شيء. والله أعلم .
وسئل رحمه الله تعالى
عن رجل كاتب عبده ، وحصل منه حرج أوجب أنه حلف بالطلاق
الثلاث أنه لا يفارقه من الضرب والترسيم إلى حيث يحضر إليه حسابه ، أو يعيد
إليه ما التمسه من الجامكية : فهل يجوز خلاصه بوجه من الوجوه الشرعية؟ أفتونا.
فأجاب رضى الله عنه : إن كان إحضار الحساب المطلوب قد عجز عنه المحلوف
عليه ، وعن إعادة المطلوب من الجامكية: لم يجز أن يطالب بواحد منهما ؛ بل
يلزم ولي الأمر الحالف بفراقه، وإذا ألزمه بذلك لم يحنث على الصحيح من
قولي العلماء ؛ ولم يكن عليه طلاق ، سواء ألزمه بذلك وإلي حرب السلطان
ونحوه ، أو والي حكم ، أو كاتب فوقه ينفذ حكمه فيه بالعدل وهكذا إن
٢٢٧

لم يجب عليه إحضار أحدهما، فإنه إذا لم يكن واجبا فى الشرع الذى بعث الله
به رسوله صلى الله عليه وسلم وجب إلزامه بفراقه ، وإذا فارقه والحال هذه
لم يحنث.
وكذلك إن اعتقد الحالف أن الأمر على صفة فتبين الأمر بخلافه: مثل أن
يعتقد أن فى الحساب كشف أمور يجب كشفها ، فتبين الأمر بخلافه،
فإنه لا يحنث عند كثير من العلماء إذا فارقه، وكذلك إن اعتقد أن إعادة
الجامكية واجب عليه ، خلف على ذلك؛ ثم تبين أنه ليس بواجب: فإنه لا يحنث
عند كثير من أهل العلم، وكذلك لو اعتقد أن المحلوف عليه قادر على الفعل
المطلوب فتبين أنه عاجز ؛ فإنه لا يحنث عند كثير من أهل العلم . وهو
أحسن القولين ، وأقواهما فى الشرع . وكذلك لو اعتقد أنه خان أو سرق
مالا : خلف على إعادته ، ثم تبين أنه لم يخن ، ولم يسرق فإنه لا يحنث فى
أصح قولي العلماء . والله أعلم.
وسئل رحم الله
عن رجل حلف بالطلاق الثلاث وهو غضبان : أنها ما تدخل بيت عمتها،
ورزقت زوجته ولداً ؛ ثم بعد ذلك دخلت المرأة المحلوف عليها بيت عمتها ،
وكان قد قال للحالف ناس: إنه إذا ولدت المرأة ودخلت فلا حنث عليه؟ أفتونا.
٢٢٨

فأجاب : إذا كان الحالف قد اعتقد أن المرأة إذا ولد لها ولد لا حنث
عليه ، ودخلت بهذا الاعتقاد : فلا حنث عليه ؛ لكن يمينه باقية ، فإذا فعل
المحلوف عليه عالما عامد آحنث. والله أعلم .
وسئل
عن رجل حلف على زوجته فقال لها : إن خرجت وأنا غائب فأنت
طالق ثلاثا ؛ فلما قدم من السفر قالت له: والله احتجت إلى الحمام ، ولم
أقدر للغسل بالبيت
فأجاب : إن كانت اعتقدت أن هذه الصورة ليست داخلة فى يمينه ،
وأنها لا تكون مخالفة ليمينه إذا فعلت ذلك : لم يحنث الحالف فى يمينه .
وسئل رحمه الله تعالى
عن رجل له زوجتان ، فعدم من بيته مبلغ ، خلف بالطلاق الثلاث من
الجديدة أنه إذا لم يطلع هذا المبلغ الذى عدم من بيته ما يخلى العتيقة فى بيته
وكان فى عقيدته أن العتيقة هى التى خانت فى المبلغ المحلوف عليه ؟
٢٢٩

فأجاب : - أيده الله - إذا كان قد اعتقد أن العتيقة قد خانته خلف
إن لم تأت بذلك لأخرجها ؛ لأجل ذلك ، ثم تبين أنها لم تخته : لم يكن
عليه أن يخرجها ، ولا حنث عليه . والله أعلم .
وسُل
عن رجل حلف بالطلاق الثلاث أنه ما يزوج ابنته لرجل معين ، ثم إنه
زوجها بغيره، ثم بانت من الثانى بالثلاث : فهل له أن يزوجها للرجل الذى
كان قد حلف عليه أم لا ؟
فأجاب : إن كان نية الحالف أو سبب اليمين يقتضى الحلف على ذلك
التزويج خاصة: جازأن يزوجها المرة الثانية : مثل أن يكون قد امتنع لتزويجه:
لكونه طلب منه جهازا كثيرا ، ثم فى المرة الثانية قنع بها بلاجهاز. وأما إن
كان السبب باقيا : حنث . والله أعلم.
وسئل رحمه اللّه تعالى
عن رجل حج له زوجتان ، وحلف بالطلاق الثلاث أنه لا يطعمهم شيئا
٢٣٠

فأجاب : إن كان نيته أن سبب اليمين يقتضي أنه امتنع لسبب وقد زال
ذلك السبب انحلت يمينه فى أظهر قولي العلماء. والله أعلم.
وسئل رحمه اللّه
عمن حلف بالطلاق الثلاث على زوجته أنها لا تنزل من بيته إلا بإذنه ،
ثم إنها قالت : أنا اليوم أتغدى أنا وأمك، فاعتقد أن أمه تجيء إلى عندها.
واعتقدت الزوجة أنه أذن لها : فذهبت إلى عند أمه .
فأجاب : الطلاق والحالة هذه لا يقع به فى أصح قولي العلماء ، كما هو
أحد قولي الشافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد؛ فإن هذه هى مسألة
الجاهل والناسى، والنزاع فيها مشهور هل يحنث؟ أم لا يحنث ؟ أم يفرق
بين اليمين المكفرة وغيرها ؟
والصواب أنه لا يحنث مطلقا؟ لأن البر والحنث فى اليمين بمنزلة
الطاعة والمعصية فى الأمر ؛ إذ كان المحلوف عليه جملة طلبية .
فإن المحلوف عليه: إما ((جملة خبرية)) فيكون مقصود الحالف
التصديق، والتكذيب. وإما ((جملة طلبية)) فيكون مقصود الحالف
٢٣١

الحض والمنع، فهو يحض نفسه أو من يحلف عليه ، ويمنع نفسه أو من يحلف
عليه ، فهو أمر ونهي مؤكد بالقسم . فالحنث فى ذلك كالمعصية فى الأمر
المجرد . ومعلوم أنه قد استقر فى الشريعة : أن من فعل المنهى عنه ناسيا أو
مخطئا معتقداً أنه ليس هو المنهى - كأهل التأويل السائغ - فإنه لا يكون
هذا الفاعل آنما ولا عاصيا، كما قد استجاب الله قول المؤمنين: (رَبَّنَا
لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَسِينَآ أَوْأَخْطَأَنَا ) فكذلك من نسى اليمين؛ أو اعتقد أن
الذى فعله ليس هو المحلوف عليه؛ لتأويل؛ أو غلط: كسمع ، ونحوه :
لم يكن مخالفا اليمين، فلا يكون حالفا. فلا فرق في ذلك بين أن يكون
الحلف بالله تعالى، أو بسائر الأيمان: إذ الأمان يفترق حكمها فى المحلوف به .
أما فى المحلوف عليه فلا فرق، والكلام هنا فى المحلوف عليه ؛ لا فى المحلوف به .
ومعلوم أن الحالف بالطلاق والعتاق لم يجعل ذلك تعليقا محضا : كالتعليق
بطلوع الشمس؛ ولا مقصوده وقوع الشرط والجزاء: كنذر التبرر، وكالتعليق
على العوض فى مثل الخلع ؛ وإنما مقصوده حض نفسه ، أو منع من حلف عليه
ومنع نفسه أو من حلف عليه ؛ كما يقصد ذلك الناذر: نذر الحجاج ، والغضب؛
ولهذا اتفق الفقهاء على تسمية ذلك يمينا ، وكان الصحيح فى مذهب أحمد
وغيره جواز الاستثناء فى ذلك ؛ بخلاف المحض فإنه إيقاع مؤقت ، فليس هو
يمين على الصحيح، ولا ينفع فيه الاستثناء منه عند من لا يجوز الاستثناء فى
الإيقاع: كما لك، وأحمد، وغيرهما . والله أعلم.
٢٣٢

وسئل رحمه اللّه تعالى
عن رجل وجد ابن خالته عند زوجته ، خلف بالطلاق : أن ابن خالته
كان عند زوجته ، وكذلك كان عندها ؟
فأجاب : إذا كان الحالف صادقا فى يمينه فلا حنث عليه . وكذلك إذا
اعتقد صدق نفسه فلا حنث عليه ؛ ولو كان الأمر فى الباطن بخلاف ذلك فى
أصح قولي العلماء . والله أعلم .
وسئل رحم الله
عن رجل حلف بالطلاق أنه ما يتزوج فلانة ؛ ثم بدا له أن ينكحها
فهل له ذلك ؟
فأجاب : نور الله مرقده وضريحه . الحمد لله رب العالمين : له أن
يتزوجها ؛ ولا يقع بها طلاق إذا تزوجها عند جمهور السلف؛ وهو مذهب
الشافعى وأحمد ، وغيرهما .
٢٣٣

وسئل رحم الله تعالى
عن رجل امتنعت عليه زوجته من مجامعتها ؛ فانجرح من امتناعها عليه،
خلف بالطلاق وكانت حاملا أن لا يجامعها بعد الولادة : فهل يقع عليه الطلاق
إن جامعها بعد الولادة ، أم لا ؟ وهل ينظر إلى السبب المهيج لليمين أم لا ؟
فأجاب : إذا جامعها بعد الولادة ينظر فى ذلك إلى نية الحالف وسبب
اليمين ، فإن كان حلف لسبب وزال السبب فلا حنث عليه : فى أظهر قولى
العلماء فى مذهب أحمد وغيره ؛ فإن من حلف على معين لسبب: كأن يحلف
أن لا يدخل البلد لظلم رآه فيه ، ثم يزول الظلم . أو لا يكلم فلانا ، ثم يزول
الفسق، ونحو ذلك: ففى حنثه حينئذ ((قولان)) فى مذهب أحمد وغيره
أظهرهما أنه لا حنث عليه ؛ لأن الحض والمنع فى اليمين كالأمر والنهي :
فالحلف على نفسه أو غيره بمنزلة الناهي عن الفعل . ومن نهى عن دخول بلد
أو كلام شخص لمعنى ثم زال ذلك المعنى زال المنهى عنه، كما إذا امتنع أن يبدأ
رجلا بالسلام؛ لكونه كافراً فأسلم، وأن لا يدخل بلداً؛ لكونه دار
حرب ، فصار دار إسلام . ويحو ذلك؛ فإن الحكم إذا ثبت بعلة
زال بزوالها
٢٣٤

فالرجل إذا حلف لا يواقع امرأته إذا كان قصده عقوبتها؛ لكونها تماطله
وتنشز عليه إذا طلب ذلك ؛ فإذا تابت من ذلك وصارت مطيعة موافقة زال
سبب الهجر الذى علقها به ، كما لو هجرها لنشوز ثم زال . وأما إن كان
قصده الامتناع من وطئها أبداً ؛ لأجل الذنب المتقدم . ثابت ، أو لم تتب
بحيث لو علم أنها تتوب توبة صحيحة كان مقصوده عقوبتها على ما مضى ، كما
يعاقب الرجل غيره لذنب ماض تاب منه أو لم يتب؛ لا لغرض الزجر عن
المستقبل ؛ بل لمجرد شفاء غيظه ؛ ونحو ذلك: فهذا نوع آخر
والله أعلم.
وسئل رحمه اللّه تعالى
عن رجل حلف على زوجته بالطلاق أنه ما يطؤها لستة شهور ، ولم يكن
بقي لها غير طلقة ، ونيته أن لا يطأها حتى تنقضى المدة : فإذا انقضت المدة
ماذا يفعل ؟
فأجاب : إذا انقضت المدة فله وطؤها ولا شيء عليه إذا لم تطالبه بالوطء
عند انقضاء أربعة أشهر . هذا مذهب مالك، وأحمد، والشافعى والجمهور.
وهو يسمى ((موليا)).
٢٣٥

وسئل رحم الله
عن رجل له زوجة وجارية ، فتسرى بالجارية ، فغارت المرأة : خلف
ألا يعود يطأ الجارية ، ثم أعتقها؛ وتزوجت الجارية ، فأقامت مع الزوج مدة
وتوفى عنها : فهل للمعتق أن يتزوجها ؟
فأجاب : إذا كانت نيته أو سبب المين يقتضي أنه لا يطؤها بملك
كان له أن يتزوجها ويطأها ؛ وإن كان ذلك يقتضى أنه لا يطؤها بحال لا
ملك ولا عقد حنث إذا فعل المحلوف عليه . والله أعلم .
وسئل رحم الله
عن رجل عليه مبلغ لشخصين قال : الطلاق الثلاث أن الشهر ما ينفصل
حتى يعطيهما المبلغ ، وإن لم يحلف حبسه . والآن ما حصل ، والشهر بتي فيه
اليوم ؛ وهو خائف أن يقع عليه الحنث : فإذا خالع الزوجة بطلقة واحدة
يفيده هذا، ولا يقع عليه الطلاق الثلاث ؛ أم لا ؟
فأجاب : إذا أكره على اليمين بغير حق؛ بأن يكون عاجزاً عن وفاء الدين
٢٣٦

وأكره على المين، وإلا حبس وضرب : لم ينعقد يمينه، ولا حنث فيها
والله أعلم
وسئل رحمه اللّه
عن رجل يشترى البقل بشىء نزن عليه الحق ؛ والبعض يشتريه بلا حق
وحضر له من يخاف منه ؛ حلف بالطلاق أنه أى شىء اشتريته تزن حقه : فهل
يجوز له أن يشترى الفلت ؟
فأجاب : إذا أكره على اليمين بغير حق لم تنعقد يمينه ؛ ولا حنث عليه
وإذا لم يمكن من أعوان الضمان فليس له عنده حق ؛ لا فى الشرع ؛ ولا فى
العادة . وإذا لم يكن له عنده حق لم يحنث بترك إعطائه . والله أعلم.
وسئل
عن رجل وضع حجة فى بيت أخيه فعدمت، ثم بعد أيام طلبها ولم يجدها
خلف بالطلاق أنه ما يدخل بيت أخيه حتى يعطى الحجة معتقداً وجودها ؟
فأجاب: إن كانت الحجة قد عدمت قبل اليمين، ولكن اعتقد بقاءها:
فإنه لا يحنث عند جمهور العلماء؛ لوجهين ((أحدهما)) أنه حلف على ممتنع
لذاته ، كما لوحلف ليشربن الماء الذى فى الكوز ولاماء فيه. وهذا لا يحنث
عند الأكثرين. و((الثاني)) اعتقد بقاءها وإمكان إعطائها ، خلف على
شىء يعتقده موصوفا بصفة فتبين بخلاف تلك الصفة .
٢٣٧

باب تعليق الطلاق بالشروط
مثل شيخ الإسلام رحمه الله
عن رجل حلف بالطلاق ، ثم استثنى بعد (١) هنيهة بقدر ما يمكن فيه
الكلام؟
فأجاب : لا يقع فيه الطلاق ، ولا كفارة عليه والحال هذه. ولو قيل
له : قل : إن شاء الله ينفعه ذلك أيضا؛ ولو لم يخطر له الاستثناء إلا لما قيل
له . والله أعلم
وسئل رحمه اللّه
عن رجل حنق من زوجته فقال: أنت طالق ثلاثا . قالت له زوجته : قل
الساعة قال الساعة، ونوى الاستثناء. ؟
(١) أضيفت حسب مفهوم السياق.
٢٣٨

فأجاب : إن كان اعتقاده أنه إذا قال: الطلاق يلزمنى إن شاء الله أنه لا يقع
به الطلاق ، ومقصوده تخويفها بهذا الكلام ؛ لا إيقاع الطلاق : لم يقع
الطلاق . فإن كان قد قال فى هذه الساعة : إن شاء الله فإن مذهب أبى حنيفة
والشافعي أن الطلاق المعلق بالمشيئة لا يقع، ومذهب مالك وأحمد يقع، كما
روى عن ابن عباس؛ لكن هذا لما كان مقصوده واعتقاده أنه لا يقع صار
الكلام عنده كلاما لا يقع به طلاق ، فلم يقصد التكلم بالطلاق . وإذا قصد المتكلم
بكلام لا يعتقد أنه يقع به الطلاق: مثل ما لو تكلم العجمى بلفظ وهو لايفهم
معناه [لم يقع]، وطلاق الهازل: وقع، لأن قصد المتكلم الطلاق وإن لم يقصد
إيقاعه . وهذا لم يقصد لا هذا؛ ولا هذا وهو يشبه ما لو رأى امرأة فقال:
أنت طالق يظنها أجنبية ؛ فبانت امرأته ؛ فإنه لا يقع به طلاق على الصحيح.
والله أعلم .
٢٣٩

وسئل رحمه الله تعالى
عن رجل اعتقد مسئلة ((الدور)) المسندة لا بن سريج، ثم حلف بالطلاق
على شىء لا يفعله ثم فعله، ثم رجع عن المسألة وراجع زوجته، ثم بعد ذلك
حلف على شىء بالطلاق الثلاث أن لا يفعله ، ثم بعد ذلك قال لزوجته : أنت
طالق : فهل يقع عليه الطلاق الثلاث؟ أم يستعمل المسألة الأولى: المشار إليها؟
فأجاب: ((المسئلة السريجية)) باطلة فى الإسلام، محدثة، لم يفت بها أحد
من الصحابة والتابعين ولا تابعيهم ؛ وإنماذكرها طائفة من الفقهاء بعد المائة
الثالثة ، وأنكر ذلك عليهم جمهور فقهاء المسلمين. وهو الصواب ؛ فإن ما قاله
أولئك يظهر فساده من وجوه .
منها أنه قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن الله أباح الطلاق كما أباح
النكاح، وأن دين المسلمين مخالف لدين النصارى الذين لا يبيحون الطلاق ، فلو
كان فى دين المسلمين ما يمتنع معه الطلاق لصار دين المسلمين مثل دين
النصارى .
٢٤٠