Indexed OCR Text

Pages 141-160

الانتقال عن دينه - إذا قال إن فعلت كذا فأنا يهودي . أو يقول اليهودى :
إن فعلت كذا فأنا مسلم : فهو يعين حكمه حكم الأول الذى هو بصيغة القسم
باتفاق الفقهاء .
فإن المين هى ما تضمنت حضا، أو منعا ، أو تصديقا ، أو تكذيبا
بالتزام ما يكره الحالف وقوعه عند المخالفة. فالحالف لا يكون حالفا إلا إذا
كره وقوع الجزاء عند الشرط . فإن كان يريد وقوع الجزاء عند الشرط لم
يكن حالفا ، سواء كان يريد الشرط وحده ولا يكره الجزاء عند وقوعه .
أو كان يريد الجزاء عند وقوعه غير مريد له ، أو كان مريدا لهما . فأما إذا
كان كارها للشرط وكارها للجزاء مطلقا - يكره وقوعه؛ وإنما التزمه عند
وقوع الشرط لمنع نفسه أو غيره ما التزمه من الشرط ؛ أو ليحض بذلك
- فهذا يمين .
وإن قصد إيقاع الطلاق عند وجود الجزاء كقوله ؛ إن أعطيتنى ألفا فأنت
طالق، وإذا طهرت فأنت طالق، وإذا زنيت فأنت طالق. وقصده إيقاع الطلاق
عند الفاحشة؛ لا مجرد الحلف عليها : فهذا ليس بيمين؛ ولا كفارة فى هذا عند
أحد من الفقهاء فما علمناه ؛ بل يقع به الطلاق إذا وجد الشرط عند السلف
وجمهور الفقهاء .
١٤١

فاليمين التى يقصد بها الحض، أو المنع ، أو التصديق ؛ أو التكذيب
- بالتزامه عند المخالفة ما يكره وقوعه - سواء كانت بصيغة القسم؛ أو
بصيغة الجزاء : يمين عند جميع الخلق من العرب وغيرهم ؛ فإن كون الكلام
يمينا مثل كونه أمراً أونهيا وخبراً. وهذا المعنى ثابت عند جميع الناس: العرب
وغيرهم ، وإنما تتنوع اللغات فى الألفاظ؛ لا فى المعاني ؛ بل ما كان معناه يمينا
أو أمراً أو نهيا عند العجم فكذلك معناه يمين أو أمرأو نهى عند العرب. وهذا
أيضا يمين الصحابة رضوان الله عليهم؛ وهو يمين فى العرف العام ، ويمين عند
الفقهاء كلهم .
وإذا كان ((يمينا)» فليس فى الكتاب والسنة لليمين إلا حكمان. إما
أن تكون اليمين منعقدة محترمة ففيها الكفارة. وإما أن لا تكون منعقدة
محترمة - كالحلف بالمخلوقات : مثل الكعبة ، والملائكة؛ وغير ذلك -
فهذا لا كفارة فيه بالاتفاق . فأما يمين منعقدة؛ محترمة، غير مكفرة : فهذا
حكم ليس فى كتاب الله ولا فى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولا يقوم دليل
شرعي سالم عن المعارض المقام . فإن كانت هذه اليمين من أيمان المسلمين
فقد دخلت فى قوله تعالى للمسلمين: ( قَدْ فَرَضَ اَللَّهُ لَكُمْتَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ). وإن
لم تكن من أيمانهم ؛ بل كانت من الحلف بالمخلوقات: فلا يجب بالحنث لا كفارة
ولا غيرها ، فتكون مهدرة .
١٤٢

فهذا ونحوه من دلالة الكتاب والسنة والاعتباريبين أن الإلزام بوقوع
الطلاق للحالف فى يمينه حكم يخالف الكتاب والسنة ، وحسب القول
الآخر أن يكون مما يسوغ الاجتهاد. فأما أن يقال إنه لم يجب على المسلمين
كلهم العمل بهذا القول، ويحرم عليهم العمل بذلك القول: فهذا لا يقوله أحد
من علماء المسلمين بعد أن يعرف مابين المسلمين من النزاع والأدلة . ومن
قال بالقول المرجوح وخفى عليه القول الراجح كان حسبه أن يكون قوله
سائغا لا يمنع من الحكم به والفتيا به .
أما إلزام المسلمين بهذا القول ، ومنعهم من القول الذى دل عليه الكتاب
والسنة : فهذا خلاف أمر الله ورسوله وعباده المؤمنين من الأئمة الأربعة
وغيرهم فمن منع الحكم والفتيا بعدم وقوع الطلاق وتقليد من نفى بذلك فقد
خالف كتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين. ولا يفعل ذلك إلا من لم يكن
عنده علم ، فهذا حسبه أن يعذر ؛ لا يجب اتباعه، ومعاند متبع لهواه لا يقبل الحق
إذا ظهر له ، ولا يصغي لمن يقوله ليعرف ما قال ؛ بل يتبع هواه بغير هدى
من الله ( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ أَتََّعَ هَوَنُهُ بِغَيْرِ هُدَّى مِنَ اللَّهِ ) فإنه: إما مقلد ، وإما
مجتهد. فالمقلد لا ينكر القول الذى يخالف متبوعه إنكار من يقول هو باطل
فإنه لا يعلم أنه باطل ؛ فضلا عن أن يحرم القول به، ويوجب القول بقول سلفه.
والمجتهد ينظر ويناظر ، وهو مع ظهور قوله لا يسوغ قول منازعيه الذى ساغ
فيه الاجتهاد، وهو مالم يظهر أنه خالف نصا ولا إجماعا، فمن خرج عن حد
١٤٣

التقليد السائغ والاجتهاد كان فيه شبه من الذين ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أَتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ
قَالُواْبَلْ تَتَّبِعُ مَا أَلْغَيْنَا عَلَيْهِءَابَآءَنآ ) وكان ممن أتبع هواه بغير هدى من الله.
(١) ومن قال إنه اتبع هذه الفتيا فولد له ولد بعد ذلك فهو ولد زنا : كان
هذا القائل فى غاية الجهل والضلال ، والمشاقة لله ولرسوله .
وعلى الجملة إذا كان الملتزم به قربة لله تعالى يقصد به القرب إلى الله تعالى :
لزمه فعله، أو الكفارة. ولو التزم ما ليس بقربة: كالتطليق، والبيع، والإجارة
ومثل ذلك : لم يلزمه ؛ بل يجزيه كفارة يمين عند الصحابة وجمهور المسلمين،
وهو قول الشافعي وأحمد، وإحدى الروايتين عن أبى حنيفة، وقول المحققين من
أصحاب مالك ؛ لأن الحلف بالطلاق على وجه اليمين يكره وقوعه إذا وجد
الشرط، كما يكره وقوع الكفر: فلا يقع، وعليه الكفارة. والله أعلم.
وسئل رحمه اللّه تعالى
عمن قال : الطلاق يلزمنى على المذاهب الأربعة ، أو نحو ذلك: هل يلزمه
الطلاق كما قال؟ أم كيف الحكم؟ .
فأجاب : وأما قول الحالف: الطلاق يلزمنى على مذاهب الأئمة الأربعة ، أو
على مذهب من يلزمه بالطلاق ؛ لا من يجوز فى الحلف به كفارة . أو فعلي
(١) آخر هذه الرسالة هو آخر رسالة مختصره من هذه.
١٤٤

الحج : على مذهب مالك بن أنس . أو فعلى كذا على مذهب من يلزمه من
فقهاء المسلمين. أو فعلي كذا على أغلظ قول قيل فى الإسلام. أو فعلى كذا أنى
لا أستفتى من يفتينى بالكفارة فى الحلف بالطلاق . أو الطلاق يلزمنى لاأفعل
كذا ولا أستفتى من يفتينى بحل يمينى أو رجعة فى يمنى، ونحو هذه الألفاظ
التى يغلظ فيها اللزوم تغليظا يؤكد به لزوم المعلق عند الحنث ؛ لئلا يحنث فى
بعينه؛ فإن الحالف عند اليمين يريد تأكيد يعينه بكل ما يخطر بباله من أسباب
التأكيد، ويريد منع نفسه من الحنث فيها بكل طريق يمكنه، وذلك كله
لا يخرج هذه العقود عن أن تكون أيمانا مكفرة، ولو غلظ الأيمان التى شرع
الله فيها الكفارة بما غلظ، ولو قصد ألا يحنث فيها بحال : فذلك لا يغير
شرع الله. وأيمان الحالفين لا تغير شرائع الدين ؛ بل ما كان الله قد أمر به قبل
يمينه فقد أمر به بعد اليمين، واليمين ما زادته إلا توكيدا .
وليس لأحد أن يفتى أحداً بترك ما أوجبه الله ، ولا بفعل ما حرمه الله
ولو لم يحلف عليه فكيف إذا حلف عليه ؟!
وهذا مثل الذى يحلف على فعل ما يجب عليه : من الصلاة، والزكاة ،
والصيام، والحج، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وطاعة السلطان ، ومناصحته
وترك الخروج، ومحاربته ، وقضاء الدين الذى عليه، وأداء الحقوق إلى مستحقيها
والامتناع من الظلم والفواحش ، وغير ذلك . فهذه الأمور كانت قبل اليمين
واجبة ، وهى بعد اليمين أوجب .
١٤٥

وما كان محرما قبل اليمين فهو بعد اليمين أشد تحريما؛ ولهذا كانت
الصحابة يبايعون النبى صلى الله عليه وسلم على طاعته والجهاد معه، وذلك
واجب عليهم ولو لم يبايعوه، فالبيعة أكدته، وليس لأحد أن ينقض مثل
هذا العقد. وكذلك مبايعة السلطان التى أمر الله بالوفاء بها ليس لأحد أن
ينقضها ولو لم يحلف ، فكيف إذا حلف ؟! بل لو عاقد الرجل غيره على بيع ،
أو إجارة أو نكاح: لم يجز له أن يغدر به ، ولوجب عليه الوفاء بهذا العقد
فكيف بمعاقدة ولاة الأمور على ما أمر الله به ورسوله : من طاعتهم،
ومناصحتهم ، والامتناع من الخروج عليهم. فكل عقد وجب الوفاء به بدون
اليمين إذا حلف عليه كانت اليمين موكدة له، ولو لم يجز فسخ مثل هذا العقد
بل قد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أربع من كن
فيه كان منافقا خالصا ، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق
حتى يدعها ، إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان ، وإذا عاهد غدر، وإذا
خاصم جر ))
وما كان مباحا قبل اليمين إذا حلف الرجل عليه لم يصر حراما ؛ بل له أن
يفعله ويكفر عن يمينه، وما لم يكن واجبا فعله إذا حلف عليه لم يصر واجبا عليه،
بل له أن يكفر يمينه ولا يفعله . ولو غلظ فى اليمين بأي شيء غلظها ؛ فأيمان
الحالفين لا تغير شرائع الدين ، وليس لأحد أن يحرم بيمينه ما أحله الله، ولا
يوجب بيمينه ما لم يوجبه الله. هذا هو شرع محمد صلى الله عليه وسلم
١٤٦

وأما شرع من قبله فكان فى شرع بنى إسرائيل إذا حرم الرجل شيئا حرم
عليه ، وإذا حلف ليفعلن شيئا وجب عليه، ولم يكن فى شرعهم كفارة، فقال
تعالى: (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلَّ لِبَنِىّ إِسْرَّهِ يلَ إِلَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَءِيلُ عَلَى نَفْسِهِ، مِن قَبْلِ
أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَنَةُ )
فإسرائيل حرم على نفسه شيئا فحرم عليه ، وقال الله تعالى
لنبينا: (يََّيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكَ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ *
وهذا الفرض هو المذكور فى قوله
قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ )
تعالى: ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَّدُ وَأَ إِنَّ اللَّهَ
لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ* وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ مَلًاً طَيِّبًا وَأَتَّقُوا اللَّهَ الَّذِىّ أَنْتُمِيِهِ، مُؤْمِنُونَ
: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِ أَيْمَنِّكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنَّ فَكَفَّرَتُهُ,
إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْكِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَّمْ
يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَنِكُمْ إِذَا حَفْتُهُ وَأَحْفَظُواْ أَيْمَنَّكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ
اَللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ نَشْكُرُونَ ).
ولهذا لما لم يكن فى شرع من قبلنا كفارة بل كانت اليمين توجب
عليهم فعل المحلوف عليه أمر الله أبوب أن يأخذ بيده ضغثا فيضرب به ولا
يحنث ، لأنه لم يكن فى شرعه كفارة يمين، ولو كان فى شرعه كفارة يمين
كان ذلك أيسر عليه من ضرب امرأته ولو بضغث ؛ فإن أيوب كان قد رد الله
عليه أهله ومثلهم معهم ؛ لكن لما كان ما يوجبونه باليمين بمنزلة ما يجب
١٤٧

بالشرع . كانت اليمين عندهم كالنذر . والواجب بالشرع قد يرخص فيه عند
الحاجة ، كما يرخص فى الجلد الواجب فى الحد إذا كان المضروب لا يحتمل
التفريق ؛ يخلاف ما التزمه الإنسان بيمينه فى شرعنا فإنه لا يلزم بالشرع
فليزمه ما التزمه ، وله مخرج من ذلك فى شرعنا بالكفارة .
ولكن بعض علمائنا لما ظنوا أن الأيمان مما لا مخرج لصاحبه منه بل
يلزمه ما التزمه ، فظنوا أن شرعنا فى هذا الموضع كشرع بني إسرائيل
احتاجوا إلى الاحتيال فى الأيمان: إما فى لفظ اليمين، وإما بخلع اليمين، وإما
بدور الطلاق، وإما يجعل النكاح فاسداً فلا يقع فيه الطلاق . وإن غلبوا
عن هذا كله دخلوا في التحليل ؛ وذلك لعدم العلم بما بعث الله به محمدا صلى الله
عليه وسلم فى هذا الموضع من الحنيفية السمحة ، وما وضع الله به من الآصار
والأغلال ، كما قال تعالى : (وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ
يَثَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِثَايَِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىِّ
اَلْأُمِنَّ الَّذِى يَجِدُ ونَهُ مَكْثُوبًا عِندَهُمْ فِىِ التَّوْرَةِ وَآلْإِنِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَمُهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَبِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ
إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيَّهِمَّ قَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ
النُّورَ الَّذِىَ أُنْزِلَ مَعَهُ, أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)
وصار ما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته هو الحق فى نفس الأمر،
وما أحدث غيره غايته أن يكون بمنزلة شرع من قبله مع شرعه ؛ وإن كان
١٤٨

الذين قالوه باجتهادهم لهم سعي مشكور وعمل مبرور ، وم مأجورون على ذلك
مثابون عليه ؛ فإنه كل ما كان من مسائل النزاع التى تنازعت فيه الأمة فأصوب
القولين فيه ما وافق كتاب الله وسنة رسوله : من أصاب هذا القول فله
آجران ، ومن لم يؤده اجتهاده إلا إلى القول الآخر كان له أجر واحد ؛
والقول الموافق لسنته مع القول الآخر بمنزلة طريق سهل مخصب يوصل إلى
المقصود ، وتلك الأقوال فيها بعد ، وفيها وعورة ، وفيها حدوثة . فصاحبها
يحصل له من التعب والجهد أكثر مما فى الطريقة الشرعية .
ولهذا أذاعوا ما دل عليه الكتاب والسنة على تلك الطريقة التى تتضمن
من لزوم ما يبغضه الله ورسوله: من القطيعة ، والفرقة ؛ وتشتيت الشمل ،
وتخريب الديار ، وما يحبه الشيطان والسحرة من التفريق بين الزوجين
وما يظهر ما فيها من الفساد لكل عاقل . ثم إما أن يلزموا هذا الشر العظيم
ويدخلوا فى الآصار والأغلال. وإما أن يدخلوا فى منكرات أهل الاحتيال ،
وقد نزه الله النبي وأصحابه من كلا الفريقين بما أغنام به من الحلال.
((فالطرق ثلاثة)): إما الطريقة الشرعية المحضة الموافقة للكتاب
والسنة ، وهى طريق أفاضل السابقين الأولين، وتابعيهم بإحسان. وإما
طريقة الآصار والأغلال والمكر والاحتيال ، وإن كان من سلكها من
سادات أهل العلم والإيمان ، وهم مطيعون لله ورسوله فيما أتوا به من الاجتهاد
١٤٩

المأمور به ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا). وهذا كالمجتهد فى القبلة
إذا أدى اجتهاد كل فرقة إلى جهة من الجهات الأربع : فكلهم مطيعون لله
ورسوله مقيمون للصلاة ؛ لكن الذى أصاب القبلة فى نفس الأمر له أجران
والعلماء ورثة الأنبياء، وقال تعالى: ( وَدَاوُدَوَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَرَّثِ إِذْ
نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُتَّالِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ * فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ وَكُلًا ءَانَيْنَا
وكل مجتهد مصيب: بمعنى أنه مطيع لله؛ ولكن
حُكْمًا وَعِلْمًا )
الحق فى نفس الأمر واحد .
والمقصود هنا أن ما شرع الله تكفيره من الأيمان هو مكفر ، ولو غلظه
بأي وجه غلظ ، ولو التزم أن لا يكفره كان له أن يكفره ؛ فإن التزامه أن
لا يكفره التزام لتحريم ما أحله الله ورسوله ؛ وليس لأحد أن يحرم ما أحله
الله ورسوله ؛ بل عليه فى يمينه الكفارة.
فهذا الملتزم لهذا الالتزام الغليظ هو يكره لزومه إياه ، وكلما غلظ كان
لزومه له أكره إليه ؛ وإنما التزمه لقصده الحظر والمنع ؛ ليكون لزومه له
مانعا من الحنث ؛ لم يلتزمه لقصد لزومه إياه عند وقوع الشرط ؛ فإن هذا
القصد يناقض عقد اليمين ؛ فإن الحالف لا يحلف إلا بالتزام ما يكره وقوعه عند
المخالفة ؛ ولا يحلف قط إلا بالتزامه ما يريد وقوعه عند المخالفة ، فلا يقول حالف
إن فعلت كذا غفر الله لي ، ولا أماتنى على الإسلام ؛ بل يقول : إن فعلت
١٥٠

كذا فأنا يهودي ، أو نصراني ، أو نسائي طوالق ، أو عبيدي أحرار .
أو كلما أملكه صدقة ، أو علي عشر حجج حافيا مكشوف الرأس على مذهب
مالك بن أنس ، أو فعلى الطلاق على المذاهب الأربعة ، أو فعلى كذا على
أغلظ قول
وقد يقول مع ذلك : على أن لاأستفتى من يفتينى بالكفارة ، ويلتزم
عند غضبه من اللوازم مايرى أنه لامخرج له منه إذا حنث . ليكون لزوم
ذلك مانعاً من الحنث ، وهو فى ذلك لا يقصد قط أن يقع به شىء من تلك
اللوازم وإن وقع الشرط أو لم يقع ، وإذا اعتقد أنها تلزمه التزمها لاعتقاده
لزومها إياه مع كراهته لأن يلتزمه؛ لا مع إرادته أن يلتزمه، وهذا هو الحالف
واعتقاد لزوم الجزاء غير قصده للزوم الجزاء .
فإن قصد لزوم الجزاء عند الشرط : لزمه مطلقا ؛ ولو كان بصيغة القسم
فلو كان قصده أن يطلق امرأته إذا فعلت ذلك الأمر ، أو إذا فعل هو ذلك
الأمر ، . فقال: الطلاق يلزمنى لا تفعلين كذا . وقصده أنها تفعله فتطلق:
ليس مقصوده أن ينهاها عن الفعل ، ولاهو كاره لطلاقها ؛ بل هو مريد
لطلاقها : طلقت فى هذه الصورة ، ولم يكن هذا فى الحقيقة حالفا ؛
بل هو معلق للطلاق على ذلك الفعل بصيغة القسم ، ومعنى كلامه معنى
التعليق الذي يقصد به الإيقاع ، فيقع به الطلاق هنا عند الحنث فى اللفظ
الذي هو بصيغة القسم . ومقصوده مقصود التعليق . والطلاق هنا
١٥١

إنما وقع عند الشرط الذى قصد إيقاعه عنده ؛ لاعند ماهو حنث فى الحقيقة :
إذ الاعتبار بقصده ومراده ؛ لا بظنه واعتقاده : فهو الذى تبنى عليه الأحكام
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل
امرئ مانوى»
والسلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وجماهير الخلف من أتباع
الأئمة الأربعة وغيرهم متفقون على أن اللفظ الذى يحتمل الطلاق وغيره إذا قصد
به الطلاق فهو طلاق ، وإن قصد به غير الطلاق لم يكن طلاقا . وليس
للطلاق عندهم لفظ معين ؛ فلهذا يقولون : إنه يقع بالصريح والكناية . ولفظ
الصريح عندهم كلفظ الطلاق لو وصله بما يخرجه عن طلاق المرأةلم يقع به الطلاق
كما لو قال لها : أنت طالق من وثاق الحبس ، أو من الزوج الذى كان
قبلي ونحو ذلك .
والمرأة اذا أبغضت الرجل كان لها أن تفتدي نفسها منه ، كما قال تعالى
(وَلَا يَحِلُ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُ واْمِمَآءَ اتَّيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّ أَنْ يَخَافَآ أَلََّ يُقِيمَاحُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ
خِفْتُمْ أَلََّيُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِهِءُ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُ وهَا وَمَن يَنَعَذَّ
وهذا الخلع تبين
حُدُ ودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)
به المرأة ، فلا يحل له أن يتزوجها بعده إلا برضاها ، وليس هو كالطلاق
المجرد ؛ فإن ذلك يقع رجعيا له أن يرتجعها فى العدة بدون رضاها؛ لكن
تنازع العلماء فى هذا الخلع : هل يقع به طلقة بائنة محسوبة من الثلاث ؟ أو
١٥٢

تقع به فرقة بائنة وليس من الطلاق الثلاث بل هو فسخ ؟ على قولين
مشهورين .
و ((الأول)) مذهب أبى حنيفة ومالك وكثير من السلف ، ونقل
عن طائفة من الصحابة ؛ لكن لم يثبت عن واحد منهم ، بل ضعف أحمد بن
حنبل وابن خزيمة وابن المنذر وغيرهم جميع ماروي فى ذلك عن الصحابة .
و ((الثانى)) أنه فرقة بائنة ، وليس من الثلاث وهذا ثابت عن ابن
عباس باتفاق أهل المعرفة بالحديث ، وهو قول أصحابه : كطاوس وعكرمة
وهو أحد قولي الشافعى ، وهو ظاهر مذهب أحمد بن حنبل وغيره من فقهاء
الحديث ، وإسحق بن راهويه ؛ وأبى ثور ، وداود، وابن المنذر ، وابن
خزيمة وغيرهم . واستدل ابن عباس على ذلك بأن الله تعالى ذكرالخلع بعدطلقتين
ثم قال: (فَإِنِ طَلَّقَهَا فَلَا تَجِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجَا غَيْرَهُ ) فلو كان الخلع
طلاقا لكان الطلاق أربعا .
ثم أصحاب هذا القول تنازعوا : هل يشترط أن يكون الخلع بغير لفظ
الطلاق ؟ أو لا يكون إلا بلفظ الخلع والفسخ والمفاداة ، ويشترط مع ذلك
أن ينوى الطلاق ؟ أولا فرق بين أن ينويه أو لا ينويه ، وهو خلع بأي لفظ
وقع بلفظ الطلاق أو غيره ؟ على أوجه فى مذهب أحمد وغيره : أصحها الذى
دل عليه كلام ابن عباس وأصحابه ، وأحمد بن حنبل وقدماء أصحابه ، وهو
الوجه الأخير ، وهو : أن الخلع هو الفرقة بعوض ، فمتى فارقها بعوض فهي
١٥٣

مفتدية لنفسها به ، وهو خالع لها بأى لفظ كان ، ولم ينقل أحد قط لاعن
ابن عباس وأصحابه ولا عن أحمد بن حنبل أنهم فرقوا بين الخلع بلفظ الطلاق
وبين غيره ؛ بل كلامهم لفظه ومعناه يتناول الجميع .
والشافعي رضي الله عنه لما ذكر القولين فى الخلم هل هو طلاق أم لا؟
قال: وأحسب الذين قالوا هو طلاق هو فيما إذا كان بغير لفظ الطلاق ؛ ولهذا
ذكر محمد بن نصر والطحاوي أن هذا لا نزاع فيه ، والشافعي لم يحك عن
أحد هذا ؛ بل ظن أنهم يفرقون . وهذا بناه الشافعي على أن العقود وإن
كان معناها واحدا فإن حكمها يختلف باختلاف الألفاظ . وفى مذهبه نزاع فى الأصل
وأما أحمد بن حنبل فإن أصوله ونصوصه وقول جمهور أصحابه أن
الاعتبار فى العقود بمعانها لا بالألفاظ، وفى مذهبه قول آخر: أنه تختلف
الأحكام باختلاف الألفاظ ، وهذا يذكر فى التكلم بلفظ البيع، وفى المزارعة
بلفظ الإجارة ، وغير ذلك . وقد ذكرنا ألفاظ ابن عباس وأصحابه ، وألفاظ
أحمد وغيره ، وبينا أنها بينة فى عدم التفريق . وأن أصول الشرع لا تحتمل
التفريق، وكذلك أصول أحمد. وسببه ظن الشافعى أنهم يفرقون. وقد
ذكرنا فى غير هذا الموضع وبينا أن الآثار الثابتة فى هذا الباب عن النبي صلى الله
عليه وسلم وابن عباس وغيره تدل دلالة بينة أنه خلع ؛ وإن كان بلفظ الطلاق،
وهذه الفرقة توجب البينونة . والطلاق الذى ذكره الله تعالى فى كتابه هو
الطلاق الرجعي .
١٥٤

قال هؤلاء وليس فى كتاب الله طلاق بائن محسوب من الثلاث أصلا ،
بل كل طلاق ذكره الله تعالى فى القرآن فهو الطلاق الرجعى . وقال هؤلاء:
ولوقال لامرأته: أنت طالق طلقة بائنة لم يقع بها إلا طلقة رجعية ؛ كما هو
مذهب أكثر العلماء ؛ وهو مذهب مالك والشافعى وأحمد فى ظاهر مذهبه.
قالوا : وتقسيم الطلاق إلى رجعي وبائن تقسيم مخالف لكتاب الله ، وهذا
قول فقهاء الحديث ، وهو مذهب الشافعى ، وظاهر مذهب أحمد ؛ فإن
كل طلاق بغير عوض لا يقع إلا رجعياً . وإن قال : أنت طالق طلقة بائنة
أو طلاقا بائنا : لم يقع به عندهما إلا طلقة رجعية . وأما الخلع ففيه نزاع فى
مذهبهما. فمن قال بالقول الصحيح طرد هذا الأصل ، واستقام قوله ، ولم
يتناقض كما يتناقض غيره ؛ إلا من قال من أصحاب الشافعي وأحمد : إن الخلع
بلفظ الطلاق يقع طلاقا بائنا ، فهؤلاء أثبتوا فى الجملة طلاقا بائنا محسوبا من الثلاث
فنقضوا أصلهم الصحيح الذى دل عليه الكتاب والسنة . وقال بعض
الظاهرية : إذا وقع بلفظ الطلاق كان طلاقا رجعيا ؛ لابائنا ؛ لأنه لم يمكنه
أن يجعله طلاقا بائنا لمخالفة القرآن ؛ وظن أنه بلفظ الطلاق يكون طلاقا فجعله
رجعيا ، وهذا خطأً ؛ فإن مقصود الاقتداء لا يحصل إلا مع البينونة ؛ ولهذا
كان حصول البينونة بالخلع مما لم يعرف فيه خلاف بين المسلمين ؛ لكن
بعضهم جعله جائزاً ؛ فقال : للزوج أن يرد العوض ويراجعها ؛ والذى عليه
الأئمة الأربعة والجمهور أنه لا يملك الزوج وحده أن يفسخه ، ولكن لواتفقا
على فسخه كالتقايل : فهذا فيه نزاع آخر ، كما بسط فى موضعه .
١٥٥

والمقصود هنا أن كتاب الله يبين أن الطلاق بعد الدخول لا يكون
إلا رجعيا ، وليس فى كتاب الله طلاق بائن إلا قبل الدخول . وإذا انقضت
العدة فإذا طلقها ثلاثا فقد حرمت عليه ، وهذه البينونة الكبرى ، وهي إنما
تحصل بالثلاث لا بطلقة واحدة مطلقة ؛ لا يحصل بها لا بينونة كبرى ،
ولا صغرى . وقد ثبت عن ابن عباس أنه قيل له. إن أهل اليمن عامة طلاقهم
الفداء ، فقال ابن عباس : ليس الفداء بطلاق . ورد المرأة على زوجها
بعد طلقتين وخلع مرة. وبهذا أخذ أحمد بن حنبل فى ظاهر مذهبه والشافعى فى
أحد قوليه؛ لكن تنازع أهل هذا القول: هل يختلف الحكم باختلاف
الألفاظ ؟ والصحيح أن المعنى إذا كان واحداً فالاعتبار بأى لفظ وقع ؛ وذلك
أن الاعتبار بمقاصد العقود وحقائقها لا باللفظ وحده ، فما كان خلما فهو خلع بأي
لفظ كان ، وما كان طلاقا فهو طلاق بأي لفظ كان ، وما كان يمينا فهو يمين
بأى لفظ كان ، وما كان إيلاء فهو إيلاء بأي لفظ كان ، وما كان ظهاراً فهو
ء
ظهار بأى لفظ كان .
والله تعالى ذكر فى كتابه ((الطلاق)) و((المين)) و((الظهار))
و ((الإيلاء)) و((الافتداء)) وهو الخلع، وجعل لكل واحد حكما ، فيجب
أن نعرف حدود ما أنزل الله على رسوله ، وندخل فى الطلاق ما كان طلاقا ،
وفى المين ما كان يمينا ، وفى الخلع ما كان خلما ، وفى الظهار ما كان
ظهاراً؛ وفى الإيلاء ما كان إيلاء . وهذا هو الثابت عن أمة الصحابة
وفقهائهم والتابعين لهم بإحسان. ومن العلماء من اشتبه عليه بعض ذلك ببعض،
١٥٦

فيجعل ما هو ظهار طلاقا : فيكثر بذلك وقوع الطلاق الذى يبغضه الله
ورسوله ، ويحتاجون إما إلى دوام المكروه ؛ وإما إلى زواله بما هو أكره
إلى الله ورسوله منه، وهو ((نكاح التحليل)).
وأما الطلاق الذى شرعه الله ورسوله فهو أن يطلق امرأته إذا أراد
طلاقها طلقة واحدة فى طهر لم يصبها فيه ، أو كانت حاملا قد استبان حملها ، ثم
يدعها تتربص ثلاثة قروء ، فإن كان له غرض راجعها فى العدة ، وإن لم يكن
له فيها غرض :؟ سرحها بإحسان . ثم إن بدا له بعد هذا إرجاعها يتزوجها
بعقد جديد، ثم إذا أراد ارتجعها أو تزوجها ، وإن أراد أن يطلقها طلقها
فهذا طلاق السنة المشروع
ومن لم يطلق إلا طلاق السنة لم يحتج إلى ما حرم الله ورسوله من نكاح
التحليل وغيره ؛ بل إذا طلقها ثلاث تطليقات له فى كل طلقة رجعة ، أو عقد
جديد : فهنا قد حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره ، ولا يجوز عودها إليه
بنكاح تحليل أصلا؛ بل قد ((لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل
له )) واتفق على ذلك أصحابه وخلفاؤه الراشدون وغيرهم ، فلا يعرف فى
الإسلام أن النبى صلى الله عليه وسلم أو أحداً من خلفائه أو أصحابه أعاد المطلقة
ثلاثا إلى زوجها بعد نكاح تحليل أبداً ، ولا كان نكاح التحليل ظاهرا على
عهد النبي صلى الله عليه وسلم ؛ بل كان من يفعله سرا، وقد لا تعرف المرأة ولاوليها
وقد (لعن النبي صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له)) وفى الربا قال: ((لعن الله آكل
الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه)) فلعن الكاتب والشهود، لأنهم كانوا
يشهدون على دين الربا، ولم يكونوا يشهدون على نكاح التحليل .
١٥٧

و (( أيضا)) فإن النكاح لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم
يكتب فيه صداق كما تكتب الديون ، ولا كانوا يشهدون فيه لأجل
الصداق ؛ بل كانوا يعقدونه بينهم ، وقد عرفوابه ، ويسوق الرجل المهر
للمرأة فلا يبقى لها عليه دين ؛ فلهذا لم يذكر رسول الله فى نكاح التحليل
الكاتب والشهود كما ذكره فى الربا .
ولهذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فى الإشهاد على النكاح حديث .
ونزاع العلماء فى ذلك على أقوال فى مذهب أحمد وغيره . فقيل : يجب الإعلان
أشهدوا أو لم يشهدوا ، فإذا أعلنوه ولم يشهدوا تم العقد، وهو مذهب
مالك وأحمد فى إحدى الروايات . وقيل: يجب الإشهاد: أعلنوه أو لم يعلنوه،
فتى أشهدوا وتواصوا بكتمانه لم يبطل ، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي ،
وأحمد فى إحدى الروايات . وقيل: يجب الأمران الإشهاد والإعلان. وقيل :
يجب أحدهما . وكلاهما يذكر فى مذهب أحمد.
وأما ((نكاح السر)) الذى يتواصون بكتمانه ولا يشهدون عليه أحداً:
فهو باطل عند عامة العلماء ، وهو من جنس السفاح قال الله تعالى: (وَأُحِلَ
لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُواْ بِأَمْوَلِكُمْ تُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىّ
أَخْدَانٍ ). وهذه المسائل مبسوطة فى موضعها .
١٥٨

وإنما المقصودهنا التنبيه على الفرق بين الأقوال الثابتة بالكتاب والسنة .
ومافيها من العدل والحكمة والرحمة ؛ وبين الأقوال المرجوحة ، وأن ما بعث
الله به نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم من الكتاب والحكمة يجمع مصالح العباد
فى المعاش والمعاد على أكمل وجه ؛ فإنه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، ولا نبي
بعده ، وقد جمع الله فى شريعته مافرقه فى شرائع من قبله من الكمال ؛ إذ ليس
بعده نبي ، فكمل به الأمر ، كما كمل به الدين. فكتابه أفضل الكتب،
وشرعه أفضل الشرائع ، ومنهاجه أفضل المناهج ، وأمته خير الأم ، وقد
عصمها الله على لسانه فلا تجتمع على ضلالة؛ ولكن يكون عند بعضها من العلم
والفهم ماليس عند بعض ، والعلماء ورثة الأنبياء ، وقد قال تعالى :
(وَدَاوُدَوَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَرَّثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّالِحُكْمِهِمْ
شَهِدِينَ * فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ وَكُلَّاءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) فهذان نبيان كريمان
حكما فى قصة خص الله أحدهما بالفهم؛ ولم يعب الآخر ؛ بل أثنى عليهما جميعاً
بالحكم والعلم. وهكذا حكم العلماء المجتهدين ورثة الأنبياء ، وخلفاء الرسل
العاملين بالكتاب .
وهذه القضية التى قضى فيها داود وسليمان لعلماء المسلمين فيها وما يشبهها
أيضاً قولان . منهم من يقضي بقضاء داود. ومنهم من يقضى بقضاء سلمان ،
وهذا هو الصواب ، وكثير من العلماء أو أكثرم لا يقول به ؛ بل قد
لا يعرفه . وقد بسطنا هذا فى غير هذا الجواب. والله أعلم بالصواب
١٥٩

وأما إذا ( حلف بالحرام)) فقال: الحرام يلزمنى لا أفعل كذا ، أو الحل
علي حرام لا أفعل كذا ، أو ما أحل الله علي حرام إن فعلت كذا ، أو مايحل
على المسلمين يحرم على إن فعلت كذا ، أو نحو ذلك ، وله زوجة . ففى هذه
المسألة نزاع مشهور بين السلف والخلف ؛ لكن القول الراجح أن هذه يمين
لا يلزمه بها طلاق ، ولو قصد بذلك الحلف بالطلاق ، وهو مذهب أحمد
المشهور عنه ، حتى لو قال: أنت علي حرام ونوى به الطلاق لم يقع به
الطلاق عنده .
ولو قال أنت على كظهر أمى وقصد به الطلاق فإن هذا لا يقع به الطلاق
عند عامة العلماء ، وفى ذلك أنزل الله القرآن ، فإنهم كانوا يعدون الظهار
طلاقا ، والإِيلاء طلاقا : فرفع الله ذلك كله ، وجعل فى الظهار الكفارة
الكبرى ، وجعل الإيلاء يمينا يتربص فيها الرجل أربعة أشهر. فإما أن يمسك
بمعروف ، أو يسرح بإحسان. وكذلك قال كثير من السلف والخلف : إنه
إذا كان منوجا فحرم امرأته أو حرم الحلال مطلقا كان مظاهراً ، وهو
مذهب أحمد .
وإذا حلف بالظهار ، أو الحرام لا يفعل شيئا ، وحنث فى يمينه: أجزأته
الكفارة فى مذهبه ؛ لكن قيل : إن الواجب كفارة ظهار ، سواء حلف
١٦٠