Indexed OCR Text
Pages 21-40
طلاقها . والطلاق فى الأصل مما يبغضه الله ، وهو أبغض الحلال إلى الله، وإنما أباح منه ما يحتاج إليه الناس كما تباح المحرمات للحاجة ؛ فلهذا حرمها بعد الطلقة الثالثة حتى تنكح زوجا غيره عقوبة له لينتهي الإنسان عن إ كثار الطلاق . فإذا طلقها لم تزل فى العدة متربصة ثلاثة قروء ، وهو مالك لها يرثها وترثه، وليس له فائدة فى تعجيل الطلاق قبل وقته؛ كما لا فائدة فى مسابقة الإمام ؛ ولهذا لا يعتدله بما فعله قبل الإمام ؛ بل تبطل صلاته إذا تعمد ذلك فى أحد قولي العلماء ، وهو لا يزال معه فى الصلاة حتى يسلم . ولهذا جوزاً كثر العلماء الخلع فى الحيض ؛ لأنه على قول فقهاء الحديث ليس بطلاق ؛ بل فرقة بائنة ، وهو فى أحد قوليهم تستبرأ بحيضة لا عدة عليها ، وهذه إحدى الروايتين عند أحمد؛ ولأنها تملك نفسها بالاختلاع فلهما فائدة فى تعجيل الإبانة لرفع الشر الذى بينهما ؛ بخلاف الطلاق الرجعي فإنه لا فائدة فى تعجيله قبل وقته ؛ بل ذلك شر بلا خير . وقد قيل : إنه طلاق في وقت لا يرغب فيها ، وقد لا يكون محتاجا إليه ؛ بخلاف الطلاق وقت الرغبة فإنه لا يكون إلا عن حاجة . وقول النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمر: ((مره فليراجعها)) مما تنازع العلماء فيه فى مراد النبي صلى الله عليه وسلم : ففهم منه طائفة من العلماء : أن الطلاق قد لزمه ، فأمره أن يرتجعها ؛ ثم يطلقها فى الطهر إن شاء . وتنازع ٢١ هؤلاء: هل الارتجاع واجب ، أو مستحب؟ وهل له أن يرتجعها فى الطهر الأول أو الثانى؟ وفى حكمة هذا النعي؟ أقوال: ذكرناها وذكرنا مأخذها فى غير هذا الموضع . وفهم طائفة أخرى : أن الطلاق لم يقع ، ولكنه لما فارقها ببدنه كماجرت العادة من الرجل إذا طلق امرأته اعتزلها ببدنه واعتزلته ببدنها ؛ فقال لعمر : ((مره فليراجعها)) ولم يقل: فلير تجعها. ((والمراجعة)) مفاعلة من الجانبين: أى ترجع إليه يبدنها فيجتمعان كما كانا ؛ لأن الطلاق لم يلزمه ، فإذا جاء الوقت الذى أباح الله فيه الطلاق طلقها حينئذ إن شاء . قال هؤلاء : ولو كان الطلاق قد لزم لم يكن فى الأمر بالرجعة ليطلقها طلقة ثانية فائدة ؛ بل فيه مضرة عليهما ؛ فإن له أن يطلقها بعد الرجعة بالنص والإجماع ، وحينئذ يكون فى الطلاق مع الأول تكثير الطلاق ؛ وتطويل العدة ، وتعذيب الزوجين جميعا ؛ فإن النبى صلى الله عليه وسلم لم يوجب عليه أن يطأها قبل الطلاق ؛ بل إذا وطئها لم يحل له أن يطلقها حتى يتبين حملها؛ أو تطهر الطهر الثانى . وقد يكون زاهداً فيها يكره أن يطأها فتعلق منه ؛ فكيف يجب عليه وطؤها ؟! ولهذا لم يوجب الوطء أحد من الأئمة الأربعة وأمثالهم من أئمة المسلمين ؛ ولكن أخر الطلاق إلى الطهر الثانى. ولولا أنه طلقها أولاً لكان له أن يطلقها فى الطهر الأول؛ لأنه لو أبيح له الطلاق فى ٢٢ الطهر الأول لم يكن فى إمسا كها فائدة مقصودة بالنكاح إذا كان لا يمسكها إلا لأجل الطلاق؛ فإنه لو أراد أن يطلقها فى الظهر الأول لم يحصل إلا زيادة ضرر عليهما، والشارع لا يأمر بذلك، فإذا كان ممتنعا من طلاقها فى الطهر الأول ليكون متمكنا من الوطء الذى لا يعقبه طلاق ؛ فإن لم يطأها ، أو وطئها ء أو حاضت بعد ذلك : فله أن يطلقها؛ ولأنه إذا امتنع من وطئها فى ذلك الطهر ثم طلقها فى الطهر الثانى: دل على أنه محتاج إلى طلاقها؛ لأنه لا رغبة له فيها إذلو كانت له فيها رغبة لجامعها فى الطهر الأول . قالوا لأنه لم يأمر ابن عمر بالإشهاد على الرجعة كما أمر الله ورسوله، ولو كان الطلاق قد وقع وهو يرتجعها لأمر بالإشهاد؛ ولأن الله تعالى لما ذكر الطلاق فى غير آية لم يأمر أحداً بالرجعة عقيب الطلاق؛ بل قال: (فَإِذَابَغْنَ غير الزوج إذا قارب أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْفَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ) انقضاء العدة بين أن يمسكها بمعروف - وهو الرجعة - وبين أن يسيها فيخلي سبيلها إذا انقضت العدة ؛ ولا يحبسها بعد انقضاء العدة كما كانت محبوسة عليه فى العدة، قال الله تعالى: (لَا تُخْرِجُوهُنَ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبِنَةٍ ) . وأيضا فلو كان الطلاق المحرم قد لزم لكان حصل الفساد الذي كرهه الله ورسوله ، وذلك الفساد لا يرتفع برجعة يباح له الطلاق ٢٣ بعدها ، والأمر برجعة لا فائدة فيها مما تنزه عنهالله ورسوله ؛ فإنه إن كان راغباً فى المرأة فله أن يرتجعها ، وإن كان راغبا عنها فليس له أن يرتجعها ، فليس فى أمره برجعتها مع لزوم الطلاق له مصلحة شرعية؛ بل زيادة مفسدة ، ويجب تنزيه الرسول صلى الله عليه وسلم عن الأمر بما يستلزم زيادة الفساد ، والله ورسوله إنما نهى عن الطلاق البدعي لمنع الفساد ، فكيف يأمر بما يستلزم زيادة الفساد ؟! وقول الطائفة الثانية أشبه بالأصول والنصوص ؛ فإن هذا القول ء متناقض ؛ إذ الأصل الذى عليه السلف والفقهاء : أن العبادات والعقود المحرمة إذا فعلت على الوجه المحرم لم تكن لازمة صحيحة، وهذا وإن كان نازع فيه طائفة من أهل الكلام فالصواب مع السلف وأئمة الفقهاء ؛ لأن الصحابة والتابعين لهم بإحسان كانوا يستدلون على فساد العبادات والعقوبة بتحريم الشارع لها ، وهذا متواتر عنهم . وأيضا فإن لم يكن ذلك دليلا على فسادها لم يكن عن الشارع ما يبين الصحيح من الفاسد ، فإن الذين قالوا: النهي لا يقتضى الفساد. قالوا : نعلم صحة العبادات والعقود وفسادها يجعل الشارع هذا شرطا أو مانعاً ونحو ذلك . وقوله ٢٤ هذا صحيح. وليس بصحيح من خطاب الوضع والإخبار. ومعلوم أنه ليس في كلام الله ورسوله . وهذه العبارات مثل قوله: الطهارة شرط فى الصلاة، والكفر مانع من صحة الصلاة، وهذا العقد، وهذه العبادة لا تصح. ونحو ذلك؛ بل إنما فى كلامه الأمر والنهى، والتحليل والتحريم ، وفى نفي القبول والصلاح، كقوله: ((لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول)) وقوله: ((هذا لا يصلح)) وفى كلامه: ((إن الله يكره كذا)» وفى كلامه: الوعد، ونحو ذلك من العبارات فلم نستفد الصحة والفساد إلا بما ذكره ، وهو لا يلزم أن يكون الشارع بين ذلك، وهذا مما يعلم فساده قطعاً . وأيضًاً فالشارع يحرم الشىء لما فيه من المفسدة الخالصة ، أو الراجحة . ومقصوده بالتحريم المنع من ذلك الفساد، وجعله معدوما. فلو كان مع التحريم يترتب عليه من الأحكام ما يترتب على الحلال فيجعله لازما نافذاً كالحلال لكان ذلك إلزاما منه بالفساد الذى قصد عدمه . فيلزم أن يكون ذلك الفساد قد أراد عدمه مع أنه ألزم الناس به، وهذا تناقض ينزه عنه الشارع صلى الله عليه وسلم . وقد قال بعض هؤلاء: إنه إنما حرم الطلاق الثلاث لئلا يندم المطلق : دل على لزوم الندم له إذا فعله. وهذا يقتضى صحته . ٢٥ فيقال له : هذا يتضمن أن كل ما نعى الله عنه يكون صحيحا، كالجمع بين المرأة وعمتها ؛ لئلا يفضي إلى قطيعة الرحم. فيقال: إن كان ماقاله هذا صحيحاهنا دليل على صحة العقد ؛ إذ لو كان فاسدا لم يحصل القطيعة ، وهذا جهل ؛ وذلك أن الشارع بين حكمته فى منعه مما نهي عنه ، وأنه لو أباحه للزم الفساد ، فقوله تعالى: (لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) وقوله عليه السلام: ((لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها؛ فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم» ونحو ذلك يبين أن الفعل لو أبيح لحصل به الفساد ، فحرم منعاً من هذا الفساد . ثم الفساد ينشأ من إباحته ومن فعله. إذا اعتقد الفاعل أنه مباح، أو أنه صحيح فأما مع اعتقاد أنه محرم باطل والتزام أمر الله ورسوله فلا تحصل المفسدة وإنما يحصل المفسدة من مخالفة أمر الله ورسوله ، والمفاسد فيها فتنة وعذاب قال الله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمَرٍ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْيُصِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) وقول القائل : لو كان الطلاق غير لازم لم يحصل الفساد . فيقال : هذا هو مقصود الشارع صلى الله عليه وسلم، فنهى عنه، وحكم بيطلانه، ليزول الفساد ، ولولا ذلك لفعله الناس واعتقدوا صحته فيلزم الفساد . وهذا نظير قول من يقول : النهي عن الشىء يدل على أنه مقصود، وأنه شرعي، وأنه يسمى بيعا ، ونكاحا ، وصوما. كما يقولون فى نهيه عن نكاح الشغار ، ولعنه المحلل والمحلل له ، ونهيه عن بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها ٢٦ ومهيه عن صوم يوم العيدين، ونحو ذلك . فيقال: أما تصوره حسا فلا ريب فيه. وهذا كنهيه عن نكاح الأمهات والبنات، وعن بيع الخمر والميتة ولحم الخنزير والأصنام، كما فى الصحيحين عن جابر أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام)) فقيل: يارسول الله! أرأيت شحوم الميتة ، فإنه يطلى بها السفن؛ ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس. فقال: ((لا هو حرام)) ثم قال: «قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم جملوها وباعوها وأ كلوا أثمانها)) فتسميته لهذا نكاحا ويبعالم يمنع أن يكون فاسدا باطلا؛ بل دل على إمكانه حساً . وقول القائل: إنه شرعي. إن أراد أنه يسمى بما أسماه به الشارع : فهذا صحيح. وإن أراد أن الله أذن فيه: فهذا خلاف النص، والإجماع. وإن أراد أنه رتب عليه حكمه، وجعله يحصل المقصود، ويلزم الناس حكمه؛ كما فى المباح فهذا باطل بالإجماع فى أكثر الصور التى هي من موارد النزاع ، ولا يمكنه أن يدعى ذلك فى صورة مجمع عليها ؛ فإن أكثر ما يحتج به هؤلاء بنهه صلى اللّه عليه وسلم عن الطلاق فى الحيض، ونحو ذلك مما هو من موارد النزاع ؛ فليس معهم صورة قد ثبت فيها مقصوده؛ لا بنص، ولا إجماع. وكذلك ((المحلل)) الملعون لعنه لأنه قصد التحليل للأول بعقده ؛ لا لأنه أحلها فى نفس الأمر فإنه لو تزوجها بنكاح رغبة لكان قد أحلها بالإجماع ؛ وهذا غير ملعون بالإجماع ٢٧ فعلم أن اللعنة لمن قصد التحليل . وعلى أن الملعون لم يحللها فى نفس الأمر ودلت اللعنة على تحريم فعله ، والمنازع يقول فعله مباح فتبين أنه لا حجة معهم ؛ بل الصواب مع السلف وأئمة الفقهاء، ومن خرج عن هذا الأصل من العلماء المشهورين فى بعض المواضع فإن لم يكن له جواب صحيح وإلا فقد تناقض، كما تناقض فى مواضع غير هذه. والأصول التى لا تناقض فيها ما أثبت بنص أو إجماع ، وما سوى ذلك فالتناقض موجود فيه ، وليس هو حجة على أحد. والقياس الصحيح الذى لا يتناقض هو موافق للنص والإجماع ؛ بل ولا بد أن يكون النص قد دل على الحكم؛ كما قد بسط فى موضع آخر . وهذا معنى العصمة ؛ فإن كلام المعصوم لا يتناقض ، ولا نزاع بين المسلمين أن الرسول صلى الله عليه وسلم معصوم فيما بلغه عن الله تعالى، فهو معصوم فيما شرعه للأمة بإجماع المسلمين. وكذلك الأمة أيضا معصومة أن تجتمع على ضلالة ؛ بخلاف ماسوى ذلك؛ ولهذا كان مذهب أئمة الدين أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنه الذى فرض الله على جميع الخلائق الإيمان به وطاعته ، وتحليل ما حلله وتحريم ما حرمه ، وهو الذى فرق الله به بين المؤمن والكافر ، وأهل ٠٠ الجنة وأهل النار، والهدى والضلال، والغي والرشاد فالمؤمنون أهل الجنة وأهل الهدى والرشاد : هم متبعون. والكفار أهل النار ، وأهل الغي ، والضلال م الذين لم يتبعوه . ٢٨ ومن آمن به باطنا وظاهرا ، واجتهدفى متابعته : فهو من المؤمنين السعداء وإن كان قد أخطأ وغلط فى بعض ما جاء به ، فلم يبلغه أو لم يفهمه . قال الله تعالى عن المؤمنين: (رَبََّا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا) وقد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أن الله قال: ((قد فعلت)) وفى السنن عنه صلى الله ء عليه وسلم أنه قال: ((العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم؛ فمن أخذ به أخذ بحظ وافر)) وقد قال تعالى: (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَرَّثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّالِحُكْمِمْ شَهِدِينَ* فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ وَكُلَّ ءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) فقد خص أحد النبیین الكريمين بالتفهم مع ثنائه على كل منهما بأنه أوتي علما وحكما . فهكذا إذا خص الله أحد العالمين بعلم أمر وفهمه لم يوجب ذلك ذم من لم يحصل له ذلك من العلماء . بل كل من اتقى الله ما استطاع فهو من أولياء الله المتقين؛ وإن كان قد خفي عليه من الدين ما فهمه غيره وقد قال واثلة بن الأسقع - وبعضهم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم - من طلب علما فادركه فله أجران ، ومن طلب علما فلم يدركه فله أجر . وهذا يوافق ما فى الصحيح عن عمرو بن العاص، وعن أبي هريرة: عن النبى صلى الله عليه وسلم ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران ، وإذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر)). وهذه الأصول لبسطها موضع آخر. وإما المقصود هنا التنبيه على هذا ؛ لأن الطلاق المحرم مما يقول فيه كثير من الناس. إنه لازم. والسلف أئمة الفقهاء والجمهور يسلمون: أن النهى يقتضي ٢٩ الفساد . ولا يذكرون فى الاعتذار عن هذه الصورة فرقا صحيحا . وهذا مما تسلط به عليهم من نازعوهم فى أن النهي يقتضى الفساد. واحتج بما سلموه له من الصور ؛ وهذه حجة جدلية لا تفيد العلم بصحة قوله؛ وإنما تفيد أن منازعيه أخطؤوا: إما فى صور النقض وإما فى محل النزاع . وخطؤهم فى إحداهما لا يوجب أن يكون الخطأ فى محل النزاع ؛ بل هذا الأصل أصل عظيم عليه مدار كثير من الأحكام الشرعية ، فلا يمكن نقضه بقول بعض العلماء الذين ليس معهم نص ولا إجماع ؛ بل الأصول والنصوص لا توافق ؛ بل تناقض قولهم . ومن تدبر الكتاب والسنة تبين له أن الله لم يشرع الطلاق المحرم جملة قط . وأما الطلاق البائن فإنه شرعه قبل الدخول ، وبعد انقضاء العدة . وطائفة من العلماء يقول لمن لم يجعل الثلاث المجموعة إلا واحدة: أنّم خالفتم عمر ؛ وقد استقر الأمر على التزام ذلك فى زمن عمر، وبعضهم يجعل ذلك إجماعا، فيقول لهم: أنتم خالفتم عمر فى الأمر المشهور عنه الذى اتفق عليه الصحابة ؛ بل وفي الأمر الذي معه فيه الكتاب والسنة ، فإن منكم من يجوز التحليل . وقد ثبت عن عمر أنه قال: لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما . وقد اتفق الصحابة على النهي عنه: مثل عثمان، وعلي ، وابن مسعود ، وابن عباس، وابن عمر ، وغيرهم؛ ولا يعرف عن أحد من الصحابة أنه أماد المرأة إلى زوجها بنكاح تحليل. وعمر وسائر الصحابة معهم الكتاب ٣٠ والسنة (( كلعن النبى صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له)) وقد خالفهم من خالفهم فى ذلك اجتهاداً. والله يرضى عن جميع علماء المسلمين. وأيضا فقد ثبت عن عمر أنه كان يقول فى الخلية والبرية ونحو ذلك : إنها طلقة رجعية . وأكثرم يخالفون عمر فى ذلك وقد ثبت عن عمر : أنه خير المفقود إذا رجع فوجد امرأته قد تزوجت خيره بين امرأته وبين المهر . وهذا أيضا معروف عن غيره من الصحابة: كعثمان، وعلى. وذكره أحمد عن ثمانية من الصحابة ، وقال: إلى أي شيء يذهب الذى يخالف هؤلاء؟! ومع هذا فأكثرهم يخالفون عمر وسائر الصحابة فى ذلك، ومنهم من ينقض حكم من حكم به . وعمر والصحابة جعلوا الأرض المفتوحة عنوة؛ كأرض الشام، ومصر، والعراق، وخراسان، والمغرب: فيئا للمسلمين؛ ولم يقسم عمر ولا عثمان أرضاً فتحها عنوة، ولم يستطب عمر أنفس جميع الفامين فى هذه الأرضين؛ وإن ظن بعض العلماء أنهم استطابوا أنفسهم فى السواد ؛ بل طلب منهم بلال والزبير وغيرهما قسمة أرض العنوة فلم يجبهم ، ومع هذا فطائفة منهم يخالف عمر والصحابة فى مثل هذا الأمر العظيم الذى استقر الأمر عليه من زمنهم ؛ بل ينقض أيضا . فأبو بكر وعمر وعثمان وعلي لم يخمسوا قط مال فيء حكم من حكم بمكـ ولا خمسه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا جعلوا خمس الغنيمة خمسة أقسام متساوية ، ومع هذا: فكثير منهم يخالف ذلك . ونظائر هذا متعددة . ٣١ والأصل الذى اتفق عليه علماء المسلمين: أن ما تنازعوا فيه وجبرده إلى الله والرسول، كما قال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُواْالرَّسُولَ وَأُوْلِ اُلْأَمَِّ مِنكُمْ فَإِن تَزَعْتُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ). ولا يجوز لأحد أن يظن بالصحابة أنهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعوا على خلاف شريعته؛ بل هذا من أقوال أهل الإلحاد ؛ ولا يجوز دعوى نسخ ما شرعه الرسول بإجماع أحد بعده، كما يظن طائفة من الغالطين، بل كل ما أجمع المسلمون عليه فلا يكون إلا موافقا لما جاء به الرسول ؛ لامخالفا له ؛ بل كل نص منسوخ بإجماع الأمة فع الأمة النص الناسخ له ؛ تحفظ الأمة النص الناسخ كما تحفظ النص المنسوخ، وحفظ الناسخ أم عندها وأوجب عليها من حفظ المنسوخ ، ويمنع أن يكون عمر والصحابة معه أجمعوا على خلاف نص الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ولكن قد يجتهد الواحد وينازعه غيره ، وهذا موجود فى مسائل كثيرة . هذا منها، كما بسط فى موضع غير هذا . ولهذا لما رأى عمر رضى الله عنه: أن المبتوتة لها السكنى والنفقة فظن أن القرآن يدل عليه نازعه أكثر الصحابة ، فمنهم من قال : لها السكنى فقط . ومنهم من قال : لانفقة لها ولا سكنى . وكان من هؤلاء ابن عباس وجابر وفاطمة بنت قيس ، وهي التى روت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ليس لك نفقة ولا سكنى)) فلما احتجوا عليها بحجة عمر، وهى قوله تعالى: (لَا تُخْرِجُوهُرَّ ٣٢ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِنَةٍ) قالت هى وغيرها من الصحابة - كابن عباس وجابر وغيرهما - هذا فى الرجعية لقوله تعالى: (لَا تَدْرِى لَعَلَّ اَللَّهَ يُحدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ) فأي أمر يحدث بعد الثلاث ؟! وفقهاء الحديث كأحمد ابن حنبل فى ظاهر مذهبه وغيره من فقهاء الحديث مع فاطمة بنت قيس . وكذلك أيضا فى ((الطلاق)) لما قال تعالى: (لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ) قال غير واحد من الصحابة والتابعين والعلماء هذا يدل على أن الطلاق الذى ذكره الله هو الطلاق الرجمي ؛ فإنه لو شرع إيقاع الثلاث عليه لكان المطلق يندم إذا فعل ذلك ، ولا سبيل إلى رجعتها : فيحصل له ضرر بذلك ، والله أمر العباد بما ينفعهم ، ونهام عما يضرم ؛ ولهذا قال تعالى أيضا بعد ذلك: ( فَإِذَابَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْفَارِقُوهُنَّبِمَعْرُوفٍ ( وهذا إنما يكون فى الطلاق الرجعي ؛ لا يكون فى الثلاث ، ولا فى البائن. وقال تعالى ( وَأَشْهِدُ واْذَوَىْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ وَفِيِمُواْالشَّهَدَةَلِلِّ ) فأمر بالإشهاد على الرجعة ، والإشهاد عليها مأموربه باتفاق الأمة: قيل: أمر إيجاب. وقيل أمر استحباب . وقدظن بعض الناس: أن الإشهاد هو الطلاق، وظن أن الطلاق الذى لا يشهد عليه لا يقع. وهذا خلاف الإجماع، وخلاف الكتاب والسنة، ولم يقل أحد من العلماء المشهورين به ؛ فإن الطلاق أذن فيه أولاً ، ولم يأمر فيه ٣٣ بالإشهاد، وإنما أمر بالإشهاد حين قال: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ) والمراد هنا بالمفارقة خلية سبيلها إذا قضت العدة ، وهذا ليس بطلاق ولا برجعة ولا نكاح . والإشهاد فى هذا باتفاق المسلمين، فعلم أن الإشهاد إنما هو على الرجعة. ومن حكمة ذلك: أنه قد يطلقها ويرتجعها ، فيزين له الشيطان كتمان ذلك حتى يطلقها بعد ذلك طلاقا محرما ولا يدري أحد، فتكون معه حراما ، فأمر الله أن يشهد على الرجعة ليظهر أنه قد وقعت به طلقة، كما أمر النى صلى الله عليه وسلم من وجد اللقطة أن يشهد عليها ؛ لئلايزين الشيطان كتمان اللقطة؛ وهذا بخلاف الطلاق فإنه إذا طلقها ولم يراجعها بل خلى سبيلها فإنه يظهر للناس أنها ليست امرأته؛ بل هي مطلقة ؛ بخلاف ما إذا بقيت زوجة عنده فإنه لا يدرى الناس أطلقها أم لم يطلقها وأما النكاح فلا بد من التمييز بينه وبين السفاح واتخاذ الأخدان ، كما أمر الله تعالى ؛ ولهذا مضت السنة بإعلانه ، فلا يجوز أن يكون كالسفاح مكتوما؛ لكن : هل الواجب مجرد الإشهاد؟ أو مجرد الإعلان وإن لم يكن إشهاد؟ أو يكفى أيهما كان؟ هذا فيه نزاع بين العلماء، كما قد ذكر فى موضعه . وقال الله تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْنَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَلِغُ أَمْرِهِ، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا) وهذه الآية عامة فى كل من يتق الله. وسياق الآية يدل على أن التقوى مرادة من هذا النص العام، فمن اتقى الله فى الطلاق فطلق كما ٣٤ أمر الله تعالى جعل الله له مخرجا مما ضاق على غيره ، ومن يتعد حدود الله فيفعل ما حرم الله عليه فقد ظلم نفسه ، ومن كان جاهلا بتحريم طلاق البدعة ، فلم يعلم أن الطلاق فى الحيض محرم ، أو أن جمع الثلاث محرم: فهذا إذا عرف التحريم وتاب صار ممن اتقى الله فاستحق أن يجعل الله له مخرجا. ومن كان يعلم أن ذلك حرام ، وفعل المحرم وهو يعتقد أنها تحرم عليه ، ولم يكن عنده إلا من يفتيه بأنها تحرم عليه : فإنه يعاقب عقوبة بقدر ظلمه ، كمعاقبة أهل السبت بمنع الحيتان أن تأتيهم، فإنه ممن لم يتق الله فعوقب بالضيق. وإن هداه الله فعرفه الحق ، وألهمه التوبة ، وتاب : فالتائب من الذنب كمن لاذنب له ، وحينئذ فقد دخل فیمن يتقى الله ، فيستحق ان يجعل الله له فرجا ومخرجا ، فإن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة ، ونبي الملحمة . فكل من تاب فله فرج فى شرعه ؛ بخلاف شرع من قبلنا فإن التائب منهم كان يعاقب بعقوبات : كقتل أنفسهم ، وغير ذلك ؛ ولهذا كان ابن عباس إذا سئل عمن طلق امرأته ثلاثا يقول له : لو اتقيت الله لجعل لك مخرجا . وكان تارة يوافق عمر فى الإلزام بذلك المكثرين من فعل البدعة المحرمة عليهم ؛ مع علمهم بأنها محرمة. وروي عنه أنه كان تارة لا يلزم إلا واحدة . وكان ابن مسعود يغضب على أهل هذه البدعة ، ويقول: أيها الناس من أتى الأمر على وجهه فقد تبين له ؛ وإلا فوالله مالنا طاقة بكل ما تحدثون . ٣٥ ولم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولا أبى بكر، ولا عمر : ولاعثمان؛ ولا على ((نكاح تحليل)) ظاهر تعرفه الشهود والمرأة والأولياء ولم ينقل أحد عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ولا خلفائه الراشدين أنهم أعادوا المرأة على زوجها بنكاح تحليل ، فإنهم إنما كانوا يطلقون فى الغالب طلاق السنة . ولم يكونوا يحلفون بالطلاق ؛ ولهذا لم ينقل عن الصحابة نقل خاص فى الحلف ؛ وإنما نقل عنهم الكلام فى إيقاع الطلاق؛ لا فى الحلف به. والفرق ظاهر بين الطلاق وبين الحلف به ، كما يعرف الفرق بين النذر وبين الحلف بالنذر ، فإذا كان الرجل يطلب من الله حاجة فقال: إن شفى الله مرضي، أو قضى دينى ، أو خلصنى من هذه الشدة ؛ فلله علي أن أتصدق بألف درهم. أو أصوم شهراً ؛ أو أعتق رقبة : فهذا تعليق نذر يجب عليه الوفاء به بالكتاب والسنة والإجماع . وإذا علق النذر على وجه اليمين فقال: إن سافرت معكم إن زوجت فلانا . أن أضرب فلانا . إن لم أسافر من عندكم: فعلي الحج . أو : فمالي صدقة . أو: فعلى عتق . فهذا عند الصحابة وجمهور العلماء هو حالف بالنذر ؛ ليس بناذر: فإذا لم يف بما التزمه أجزأه كفارة يمين، وكذلك أفتى الصحابة فيمن قال : إن فعلت كذا فكل مملوك لي حر. أنه يمين يجزيه فيها كفارة اليمين ؛ وكذلك قال كثير من التابعين فى هذا كله لما أحدث الحجاج بن يوسف تحليف الناس بأيمان البيعة - وهو التحليف بالطلاق ؛ والعتاق؛ والتحليف باسم الله؛ وصدقة المال. وقيل: كان فيها التحليف بالحج - ٣٦ تكلم حينئذ التابعون ومن بعدهم فى هذه الأيمان ، وتكلموا فى بعضها على ذلك . فمنهم من قال : إذا حنث بها لزمه ما النزمه . ومنهم من قال : لا يلزمه إلا الطلاق، والعتاق . ومنهم من قال: بل هذا جنس أيمان أهل الشرك؛ لا يلزم بها شىء . ومنهم من قال : بل هي من أيمان المسلمين يلزم فيها ما يلزم فى سائر أيمان المسلمين. واتبع هؤلاء ما نقل فى هذا الجنس عن الصحابة ، وما دل عليه الكتاب والسنة ، كما بسط فى موضع آخر . و ((المقصودهنا)) أنه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين لم تكن امرأة ترد إلى زوجها بنكاح تحليل، وكان إنما يفعل سرا؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لعن الله آكل الربا، وموكله؛ وشاهديه، وكاتبه ولعن المحلل ، والمحلل له )) قال الترمذي: حديث صحيح. ولعن صلى الله عليه وسلم فى الربا: الآخذ، والمعطى، والشاهدين، والكاتب ؛ لأنه دين يكتب ويشهد عليه، ولعن فى التحليل: المحلل، والمحلل له، ولم يلعن الشاهدين والكاتب لأنه لم يكن على عهده تكتب الصداقات فى كتاب ، فإنهم كانوا يحملون الصداق فى العادة العامة قبل الدخول ، ولا يبقى دينار فى ذمة الزوج، ولا يحتاج إلى كتاب وشهود، وكان المحلل يكتم ذلك هو والزوج المحلل له. والمرأة والأولياء والشهود لا يدرون بذلك. ((ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له)) إذ كانوا هم الذين فعلوا المحرم؛ دون هؤلاء. والتحليل لم يكونوا يحتاجون إليه فى الأمر الغالب، إذ كان الرجل إنما يقع منه الطلاق الثلاث إذا طلق بعد رجعة أو عقد فلا يندم بعد الثلاث إلا نادر من الناس ؛ وكان ٣٧ يكون ذلك بعد عصيانه وتعديه لحدود الله فيستحق العقوبة ، فيلعن من يقصد تحليل المرأة له ؛ ويلعن هؤلاء أيضا: لأنهما تعاونا على الإثم والعدوان. فلما حدث ((الحلف بالطلاق)) واعتقد كثير من الفقهاء أن الحانث يلزمه ما ألزمه نفسه ، ولا تجزيه كفارة يمين، واعتقد كثير منهم أن الطلاق المحرم يلزم، واعتقد كثير منهم أن جمع الثلاث ليس بمحرم، واعتقد كثير منهم أن طلاق السكران يقع واعتقد كثير منهم أن طلاق المكره يقع. وكان بعض هذه الأقوال مما تنازع فيه الصحابة ؛ وبعضها مما قيل بعده: كثر اعتقاد الناس لوقوع الطلاق، مع ما يقع من الضرر العظيم والفساد فى الدين والدنيا بمفارقة الرجل امرأته ، فصار الملزمون بالطلاق فى هذه المواضع المتنازع فيها ((حزبين)). ((حزبا)) اتبعوا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة فى تحريم التحليل، حرموا هذا مع تحريهم لما لم يحرمه الرسول صلى الله عليه وسلم من تلك الصور ، فصار فى قولهم من الأغلال والآصار والحرج العظيم المفضي إلى مفاسد عظيمة فى الدين والدنيا أمور منها : ردة بعض الناس عن الإسلام لما أفتى بلزوم ما التزمه . ومنها سفك الدم المعصوم. ومنها زوال العقل . ومنها العداوة بين الناس . ومنها تنقيص شريعة الإسلام. إلى كثير من الآثام. إلى غير ذلك من الأمور العظام . ((وحزبا)) رأوا أن يزيلوا ذلك الحرج العظيم بأنواع من الحيل التى بها تعود المرأة إلى زوجها . ٣٨ وكان مما أحدث أولاً ((نكاح التحليل)). ورأى طائفة من العلماء أن فاعله يثاب ؛ لما رأى فى ذلك من إزالة تلك المفاسد بإعادة المرأة إلى زوجها، وكان هذا حيلة فى جميع الصور لرفع وقوع الطلاق. ثم أحدث فى ((الأمان)) حيل أخرى. فأحدث أولاً الاحتيال فى لفظ اليمين ، ثم أحدث الاحتيال بخلع اليمين؛ ثم أحدث الاحتيال بدور الطلاق ، ثم أحدث الاحتيال بطلب إفساد النكاح. وقد أنكر جمهور السلف والعلماء وأئمتهم هذه الحيل وأمثالها، ورأوا أن فى ذلك إبطال حكمة الشريعة، وإبطال حقائق الأمان المودعة فى آيات الله، وجعل ذلك من جنس المخادعة والاستهزاء بآيات الله، حتى قال أيوب السختياني فى مثل هؤلاء: يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان، أو أتوا الأمر على وجهه لكان أهون على ! ثم تسلط الكفار والمنافقون بهذه الأمور على القدح فى الرسول صلى الله عليه وسلم وجعلوا ذلك من أعظم ما يحتجون به على من آمن به ونصره وعزره، ومن أعظم ما يصدون به عن سبيل الله ويمنعون من أراد الإيمان به، ومن أعظم ما يمتنع الواحد منهم به عن الإيمان، كما أخبر من آمن منهم بذلك عن نفسه ، وذكر أنه كان يتبين له محاسن الإسلام إلاما كان من جنس ((التحليل)) فإنه الذى لا يجد فيه ما يشفى الغليل، وقد قال تعالى: (وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَنَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُم بِثَايَئِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَقَِّعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىِّ الْأُمِنَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْنُوبَا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَّةِ وَالْإِنِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنُهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ ٣٥ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمَّ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْبِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِىّ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) فوصف رسوله بأنه يأمر بكل معروف، وينهى عن كل منكر، ويحل كل طيب ويحرم كل خبيث ويضع الآصار والأغلال التى كانت على من قبله . وكل من خالف ماجاء به من الكتاب والحكمة من الأقوال المرجوحة فهي من الأقوال المبتدعة التى أحسن أحوالها أن تكون من الشرع المنسوخ الذى رفعه الله بشرع محمد صلى الله عليه وسلم، إن كان قائله من أفضل الأمة وأجلها ، وهو فى ذلك القول مجتهد قداتقى الله ما استطاع ، وهو مثاب على اجتهاده وتقواه ، مغفور له خطؤه ، فلا يلزم الرسول قول قاله غيره باجتهاده. وقد ثبت عنه فى الصحيحين أنه قال: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر)) وثبت عنه فى الصحيح أنه كان يقول لمن بعثه أميراً على سرية وجيش: ((وإذا حاصرت أهل حصن فسألوك أن تزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، فإنك لا تدري ماحكم الله فيهم، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك)). وهذا يوافق ما ثبت فى الصحيح: أن سعد بن معاذ لما حكمه النبي صلى الله عليه وسلم فى بني قريظة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد حاصرهم، فنزلوا على حكمه . فأنزلهم على حكم سعد بن معاذ لما طلب منهم حلفا وهم من الأنصار أن يحسن إليهم . وكان سعد بن معاذ خلاف ما يظن به بعض قومه : كان مقدمالرضا الله ورسوله على رضا ٤٠