Indexed OCR Text
Pages 221-240
الصبيان بالجوز . فالذين لم يحرموا الشطرنج كطائفة من أصحاب الشافعى وغيرهم اعتقدوا أن لفظ ((الميسر)) لا يدخل فيه إلا ما كان قاراً؛ فيحرم لما فيه من أكل المال بالباطل ، كما يحرم مثل ذلك فى المسابقة والمناضلة ، لو أخرج كل منهما السبق ، ولم يكن بينهما محلل : حرموا ذلك لأنه قار . وفى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أدخل فرسا بینفرسین وهو آمن أن يسبق فهو قار ؛ ومن أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فليس بقمار)) والنبي صلى الله عليه وسلم ((حرم يبوع الغرر)) لأنها من نوع القمار : مثل أن يشترى العبد الآبق والبعير الشارد ؛ فإن وجدهكان قد قمر البائع ، وإن لم يجده كان البائع قد قره، فلما اعتقدوا أن هذه المغالبات إنما حرمت لما فيها من أكل المال بالباطل لم يحرموها إذا خلت عن العوض . ولهذا طردهذا طائفة من أصحاب الشافعى المتقدمين فى ((الفرد)) فلميحرموها إلا مع العوض ؛ لكن المنصوص عن الشافعى وظاهر مذهبه تحريم الفرد مطلقا وإن لم يكن فيها عوض ؛ ولهذا قال : أكرهها ؛ للخبر . فبين أن مستنده فى ذلك الخبر ؛ لا القياس عنده . وهذا مما احتج به الجمهور عليه ، فإنه إذا حرم النرد ولا عوض فيها فالشطرنج إن لم يكن مثلها فليس دونها . وهذا يعرفه من خبر حقيقة اللعب بها ، فإن مافى الفرد من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة ؛ ومن إيقاع العداوة والبغضاء : هو فى الشطر مج أكثر بلا ريب ، وهي تفعل فى النفوس ، فعل حميا الكؤوس. فتصد عقولهم ٢٢١ وقلوبهم عن ذكر الله وعن الصلاة أكثر مما يفعله بهم كثير من أنواع الخمور والحشيشة . وقليلها يدعو إلى كثيرها ، فتحريم الفرد الحالية عن عوض مع إباحة الشطرنج مثل تحريم القطرة من خمر العنب وإباحة الغرفة من نبيذ الحنطة . وكما أن ذلك القول فى غاية التناقض من جهة الاعتبار والقياس والعدل فهكذا القول فى الشطرنج . ((وتحريم النرد)) ثابت بالنص، كما فى السنن عن أبى موسى، عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من لعب بالفرد فقد عصى الله ورسوله)) وقد رواه مالك فى الموطأ ، وروايته عن عائشة رضى الله عنها : أنه بلغها أن أهل بيت فى دارها كانوا سكانا لها عندم فرد، فأرسلت إليهم: إن لم تخرجوها لأخرجنكم من دارى ، وأنكرت ذلك عليهم . ومالك عن نافع عن عبد الله ابن عمر : أنه كان إذا وجد من أهله من يلعب بالفرد ضربه ، وكسرها . وفى بعض ألفاظ الحديث عن أبى موسى ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت عنده؛ فقال: ((عصى الله ورسوله من ضرب بكعابها يلعب بها )) فعلق المعصية بمجرد اللعب بها ، ولم يشترط عوضا : بل فسر ذلك بأنه الضرب بكمابها. وقد روى مسلم فى صحيحه عن أبى بريدة رضى الله عنه ، عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من لعب بالفرد شير فكأنما غمس يدهفى لحم خنزيرودمه)) وفى لفظ آخر: ((فليشقص الخنازير)) جعل النبى صلى الله عليه وسلم فى هذا ٢٢٢ الحديث الصحيح اللاعب بها كالغامس يده فى لحم الخنزير ودمه ، وكالذى يشقص الخنازير : يقصبها . ويقطع حمها ، كما يصنع القصاب . وهذا التشبيه متناول اللعب بها باليد ، سواء وجداً كل، أو لم يوجد ، كما أن غمس اليد فى لحم الخنزير ودمه وتشقيص لحمه متناول لمن فعل ذلك ، سواء كان معه أكل بالفم أو لم يكن ، فكما أن ذلك ينهى عنه وإن لم يكن معه أكل مال بالباطل فكذلك النرد ينهى عنه وإن لم يكن معه أكل [مال] بالباطل . وهذا يتقرر بوجوه يتبين بها تحريم ((الفرد)) والشطرنج)) ونحوهما. ((أحدها)) أن يقال: النهي عن هذه الأمور ليس مختصا بصورة المقامرة فقط ؛ فإنه لو بذل العوض أحد المتلاعبين أو أجنبى لكان من صور الجعالة ؛ ومع هذا فقد نعي عن ذلك ؛ إلا فيما ينفع : كالمسابقة ، والمناضلة كما فى الحديث: ((لاسبق إلا فى خف، أو حافر، أو نصل)) لأن بذل المال فيما لا ينفع فى الدين ولافى الدنيا منهي عنه ؛ وإن لم يكن قارا . وأكل المال بالباطل حرام بنص القرآن ، وهذه الملاعب من الباطل لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل؛ إِلا رميه بقوسه ، أو تأديبه فرسه ، أو ملاعبته امرأته فإنهن من الحق)). قوله ((من الباطل)) أي مما لا ينفع ، فإن الباطل ضد الحق. والحق يراد به الحق الموجود اعتقاده ء والخبر عنه. ويراد به الحق المقصود الذى ينبغى أن يقصد ، وهو الأمر النافع فما ليس من هذا فهو باطل ؛ ليس بنافع . ٢٢٣ وقد يرخص فى بعض ذلك إذا لم يكن فيه مضرة راجحة ؛ لكن لا يؤكل به المال، ولهذا جاز السباق بالأقدام، والمصارعة ، وغير ذلك، وإن نهي عن أكل المال به . وكذلك رخص فى الضرب بالدف فى الأفراح ، وإن نهي عن أكل المال به . فتبين أن ما نهي عنه من ذلك ليس مخصوصا بالمقامرة ، فلا يجوز قصر النهي على ذلك . ولو كان النهي عن النرد وتحوه لمجرد المقامرة لكان الفرد مثل سباق الخيل ، ومثل الرمي بالنشاب ، ونحو ذلك ؛ فإن المقامرة إذا دخلت فى هذا حرموه مع أنه عمل صالح واجب أو مستحب ، كما فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ارموا واركبوا ، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا))، ((ومن تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا)) وكان هو وخلفاؤه يسابقون بين الخيل ، وقرأ على المنبر: ( وَأَعِدُوْلَهُم مَّا أُسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَ مِنْ رِّبَاطِ الْخَيْلِ ) الآية ثم قال: ((ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي )) فكيف يشبه ما أمر الله به ورسوله واتفق المسلمون على الأمر به بما نهى الله ورسوله وأصحابه من بعده؟! وإذا لم يجعل الموجب للتحريم إلا مجرد المقامرة كان الفرد والشطرنج كالمناضلة . ((الوجه الثانى)) أن يقال: هب أن علة التحريم فى الأصل هى المقامرة لكن الشارع قرن بين الخمر والميسر فى التحريم؛ فقال تعالى: ( إِنَّمَا الْخَفُرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَايُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِى الْخَمْرِوَلْمَيْسِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِاللَّهِوَعَنِ الصَّلَوَةَ فَهَلْ ٢٢٤ فوصف الأربعة أَنْتُم مُنَهُونَ ) ؟ بأنها رجس من عمل الشيطان ؛ وأمر باجتنابها ، ثم خص الخمر والميسر بأنه بريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر ، ويصدكم عن ذكر الله، وعن الصلاة . ويهدد من لم ينته عن ذلك بقوله تعالى: ( فَهَلَ أَنْثُم مُّنْنَهُونَ ) كما علق الفلاح بالاجتناب فى قوله: ( فَأَجْتِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) ولهذا يقال : إن هذه الآية دلت على تحريم الخمر والميسر من عدة أوجه. ومعلوم أن ((الخمر)) لما أمر باجتنابها حرم مقاربتها بوجه ، فلا يجوز اقتناؤها ، ولا شرب قليلها ؛ بل كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بإراقتها ، وشق ظروفها ، وكسر دنانها ، ونهى عن تخليلها وإن كانت ليتامى . مع أنها اشتريت لهم قبل التحريم ؛ ولهذا كان الصواب الذي هو المنصوص عن أحمد وابن المبارك وغيرهما: أنه ليس فى الخمر شيء محترم ؛ لا خمرة الخلال ولا غيرها، وأنه من اتخذ خلا فعليه أن يفسده قبل أن يتخمر : بأن يصب فى العصير خلا، وغير ذلك مما يمنع تخميره؛ بل كان النبي صلى الله عليه وسلم ((نهى عن الخليطين)) لئلا يقوى أحدهما على صاحبه ، فيفضى إلى أن يشرب الخمر المسكر من لا يدرى. ونهى عن الانتباذ فى الأوعية التى يدب السكر فيها ولا يدرى مابه، كالدباء ، والحنتم ، والظرف المزفت ، والمنقور من الخشب، وأمر بالانتباذ فى السقاء الموكى ، لأن السكر ينظر : إذا كان فى الشراب انشق الظرف ؛ وإن كان فى نسخ ذلك أو بعضه نزاع ليس هذا موضع ذكره . فالمقصود سد الذرائع المفضية إلى ذلك بوجه من الوجوه . ٢٢٥ وكذلك كان يشرب النبيذ ثلاثا، وبعد الثلاث يسقيه، أو يريقه. لأن الثلاث مظنة سكره، بل كان أمر بقتل الشارب فى الثالثة أو الرابعة . فهذا كله (١) [ سدا للذريعة]؛ لأن النفوس لما كانت تشتعی ذلك، وفى اقتنائها - ولو للتخليل - ماقد يفضى إلى شربها، كما أن شرب قليلها يدعو إلى كثيرها فنهي عن ذلك . فهذا ((الميسر)) المقرون ((بالخمر)) إذا قدر أن علة حرمه أكل المال بالباطل ، وما فى ذلك من حصول المفسدة ، وترك المنفعة. ومن المعلوم أن هذه الملاعب تشتهها النفوس ، وإذا قويت الرغبة فيها أدخل فيها العوض ، كما جرت به العادة ، وكان من حكم الشارع أن ينهى عما يدعو إلى ذلك لو لم يكن فيه مصلحة راجحة ، وهذا بخلاف المغالبات التى قد تنفع : مثل المسابقة . والمصارعة ، ونحو ذلك ، فإن تلك فيها منفعة راجحة لتقوية الأبدان فلمينه عنها لأجل ذلك، ولم يجر عادة النفوس بالاكتساب بها . وهذا المعنى نبه عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ((من لعب بالفردشير فكأنما صبغ يده فى لحم خنزير ودمه)) فإن الغامس يده فى ذلك يدعوه إلى أكل الخنزير ، وذلك مقدمة أكله وسببه وداعيته ، فإذا حرم ذلك فكذلك اللعب الذى هو مقدمة أكل المال بالباطل وسببه وداعيته . (١) بياض بأحد الأصلين. ٢٢٦ وبهذا يتبين ماذكر العلماء من أن المغالبات ثلاثة أنواع . فما كان معينا على ما أمر الله به فى قوله: (وَأَِدُواْلَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِنْ رِّبَاطِ الْخَيْلِ) جاز يجعل وبغير جعل. وما كان مفضياً إلى ما نهى الله عنه: كالفرد، والشطرنج: فمنهي عنه يجعل ، وبغير جعل . وماقد يكون فيه منفعة بلا مضرة راجحة : كالمسابقة ، والمصارعة : جاز بلا جعل . ((الوجه الثالث)) أن يقال: قول القائل إن الميسر إنما حرم لمجرد المقامرة دعوى مجردة، وظاهر القرآن والسنة والاعتبار يدل على فسادها. وذلك أن الله تعالى قال: ( إِنَّمَايُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِ اْخَمْرِوَالْمَيْسِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَةِ ) . فنبه على علة التحريم ، وهي ما فى ذلك من حصول المفسدة ، وزوال المصلحة الواجبة والمستحبة ، فإن وقوع العداوة والبغضاء من أعظم الفساد . وصدود القلب عن ذكر الله وعن الصلاة اللذين كل منهما إما واجب وإما مستحب من أعظم الفساد . ومن المعلوم أن هذا يحصل فى اللعب بالشطرنج والفرد ونحوهما، وإن لم يكن فيه عوض، وهو فى الشطر مج أقوى ؛ فإن أحدهم يستغرق قلبه وعقله وفكره فما فعل خصمه ، وفيما يريد أن يفعل هو ، وفى لوازم ذلك ، ولوازم لوازمه، حتى لا يحس بجوعه ولا عطشه، ولابمن يسلم عليه، ولا بحال أهله ، ولا بغير ذلك من ضرورات نفسه وماله، فضلا أن يذكر ربه أو الصلاة . ٢٢٧ وهذا كما يحصل لشارب الخمر؛ بل كثير من الشراب يكون عقله أصحى من كثير من أهل الشطرنج والفرد. واللاعب بها لا تنقضى نهمته منها إلا بدست بعددست، كما لا تنقضى نهمة شارب الخمر إلا بقدح بقدح، وتبقى آثارها فى النفس بعد انقضائها أكثر من آثار شارب الخمر، حتى تعرض له فى الصلاة، والمرض، وعند ركوب الدابة ؛ بل وعند الموت ، وأمثال ذلك من الأوقات التى يطلب فيها ذكره لربه وتوجهه إليه. تعرض له تماثيلها، وذكر الشاه، والرخ، والفرزان، ونحو ذلك. فصدها للقلب عن ذكر الله قد يكون أعظم من صد الخمر ، وهي إلى الشرب أقرب ، كما قال أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه للاعبيها: (مَاهَذِهِ التَّمَاثِلُ الَّ أَنْتُمْلَهَا عَكِّفُونَ ) وقلب الرقعة؟! وكذلك العداوة والبغضاء بسبب غلبة أحد الشخصين للآخر ، وما يدخل فى ذلك من التظالم ، والتكاذب ، والخيانة التي هى من أقوى أسباب العداوة والبغضاء ، وما يكاد لا عبها يسلم عن شىء من ذلك. والفعل إذا اشتمل كثيرا على ذلك وكانت الطباع تقتضيه ولم يكن فيه مصلحة راجحة حرمه الشارع قطعا، فكيف إذا اشتمل على ذلك غالبا ؟! وهذا أصل مستمر فى أصول الشريعة، كما قد بسطناه فى ((قاعدة سد الذرائع)) وغيرها ، وبينا أن كل فعل أفضى إلى المحرم كثيرا : كان سببا للشر والفساد ؛ فإذا لم يكن فيه مصلحة راجحة شرعية ، وكانت مفسدته راجحة : نهي عنه؛ بل كل سبب يفضي إلى الفساد نهي عنه ، إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة ، ٢٢٨ فكيف بماكثر إفضاؤه إلى الفساد؛ ولهذا نعي عن الخلوة بالأجنبية. وأما النظر فلما كانت الحاجة تدعو إلى بعضه رخص منه فيما تدعو له الحاجة ؛ لأن الحاجة سبب الإباحة ، كما أن الفساد والضرر سبب التحريم، فإذا اجتمعارجح أعلاهما، كما رجح عند الضرر أكل الميتة ؛ لأن مفسدة الموت شر من مفسدة الاغتذاء بالخبيث. ((والنرد، والشطرنج)) ونحوهما من المغالبات فيها من المفاسد ما لا يحصى ، وليس فيها مصلحة معتبرة ؛ فضلا عن مصلحة مقاومة . غايته أن يلعي (١) [ النفس] ويريحها، كما يقصد شارب الخمر ذلك. وفى راحة النفس بالمباح الذي لا يصد عن المصالح ولا يجتلب المفاسد غنية ، والمؤمن قد أغناه الله بحلاله عن حرامه ، وبفضله عمن سواه (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَايَحْتَسِبُ ). وفى سنن ابن ماجه وغيره ، عن أبى ذر: أن هذه الآية لما نزلت قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( يا أباذر ! لو أن الناس كلهم عملوا بهذه الآية لوسعتهم)) وقد بين سبحانه فى هذه الآية أن المتقى يدفع عنه المضرة، وهو أن يجعل له مخرجا مما ضاق على الناس ، ويجلب له المنفعة ويرزقه من حيث لا يحتسب وكل ما يتغذى به الحي مما تستريح به النفوس وتحتاج إليه فى طيبها وانشراحها فهو من الرزق، والله تعالى يرزق ذلك لمن اتقاه بفعل المأمور وترك المحظور. ومن طلب ذلك بالفرد والشطرنج ونحوهما من الميسر : فهو بمنزلة من طلب ذلك بالخمر ، وصاحب الخمر يطلب الراحة ولا يزيده إلا تعبا وغما؛ وإن كانت تفيده (١) بياض بالأصل. ٢٢٩ مقدارا من السرور: فما يعقبه من المضار ويفوته من المسار أضعاف ذلك، كما جرب ذلك من جربه ، وهكذا سائر المحرمات. ومما يبين أن ((الميسر)) لم يحرم لمجرد أكل المال بالباطل - وإن كان أكل المال بالباطل محرما ، ولو تجرد عن الميسر، فكيف إذا كان فى الميسر؟! - بل فى الميسر علة أخرى غير أكل المال بالباطل ، كما فى الخمر : أن الله قرن بين الخمر والميسر ، وجعل العلة فى تحريم هذا هى العلة فى تحريم هذا ، ومعلوم أن الخمر لم تحرم لمجرد أكل المال بالباطل ، وإن كان أكل ثمنها من أكل المال بالباطل : فكذلك الميسر . يبين ذلك أن الناس أول ما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخمر والميسر: أنزل الله تعالى: (يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِنَّمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا) و((المنافع)) التى كانت، قيل هي المال. وقيل : هى اللذة. ومعلوم أن الخمر كان فيها كلا هذين؛ فإنهم كانوا ينتفعون بثمنها والتجارة فيها ، كما كانوا ينتفعون باللذة التى فى شربها؛ ثم إنه صلى الله عليه وسلم لما حرم الخمر ((لعن الخمر وعاصرها، ومعتصرها، وبائعها، ومشتريها، ، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وشاربها، وأكل ثمنها)). وكذلك ((الميسر)) كانت النفوس تنتفع بما يحصله به من المال ، وما يحصل به من لذة اللعب. ثم قال تعالى: (وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا) لأن الخسارة فى ٢٣٠ المقامرة أكثر، والألم والمضرة فى الملاعبة أكثر. ولعل المقصود الأول لأكثر الناس بالميسر إنما هو الانشراح بالملاعبة والمغالبة، وأن المقصود الأول لأكثر الناس بالخمر إنما هو ما فيها من لذة الشرب، وإنما حرم العوض فها لأنه أخذ مال بلا منفعة فيه ، فهو أكل مال بالباطل، كما حرم ثمن الخمر، والميتة ، والخنزير، والأصنام. فكيف تجعل المفسدة المالية هي حكمة النعي فقط، وهي تابعة ، وتترك المفسدة الأصلية التى هى فساد العقل والقلب ؟! والمال مادة البدن ، والبدن تابع القلب ، وقال النبى صلى الله عليه وسلم: (( ألا إن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح بها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد بها سائر الجسد، ألا وهى القلب)). والقلب هو محل ذكر الله تعالى وحقيقة الصلاة . فأعظم الفساد فى تحريم الخمر والميسر إفساد القلب الذى هو ملك البدن: أن يصدعما خلق له من ذكر الله والصلاة، ويدخل فيما يفسد من التعادى والتباغض . والصلاة حق الحق. والتحاب والموالاة حق الخلق. وأن هذا من أكل مال بالباطل؟! ومعلوم أن مصلحة البدن مقدمة على مصلحة المال ، ومصلحة القلب مقدمة على مصلحة البدن ؛ وإنما حرمة المال لأنه مادة البدن ؛ ولهذا قدم الفقهاء فى كتبهم ربع العبادات على ربع المعاملات، وبهما تتم مصلحة القلب والبدن. ثم ذكروا ربع المنا كمات ؛ لأن ذلك مصلحة الشخص . وهذا مصلحة النوع الذى يبقى بالنكاح. ثم لما ذكروا المصالح ذكروا ما يدفع المفاسد فى ربع الجنايات . ٢٣١ وقد قال تعالى: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاْلْإِنسَ إِلَّ لِيَعْبُدُونِ)، و((عبادة الله تتضمن معرفته، ومحبته ، والخضوع له ؛ بل تتضمن كل ما يحبه ويرضاه. وأصل ذلك وأجله ما فى القلوب: الإيمان ، والمعرفة، والمحبة الله، والخشية له ، والإنابة إليه ، والتوكل عليه والرضا يحكمه، مما تضمنه الصلاة والذكر والدعاء وقراءة القرآن، وكل ذلك داخل فى معنى ذكر الله والصلاة، وإنما الصلاة وذكر الله من باب عطف الخاص على العام، كقوله تعالى: (وَمَلَئِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ) وقوله تعالى: (وَإِذْأَ خَذْنَا مِنَ النَّبِِّنَ مِشَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُوجِ ) كما قال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اَللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ) نجعل السعي إلى الصلاة سعياً إلى ذكر الله . ولما كانت الصلاة متضمنة لذكر الله تعالى الذى هو مطلوب لذاته ، والنهي عن الشر الذى هو مطلوب لغيره: قال تعالى: (إِنَ الضَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِّ وَلَذِكْرُ اللَّهِأَكْبَرُ) أى ذكر الله الذى فى الصلاة أكبر من كونها تنهى عن الفحشاء والمنكر ؛ وليس المراد أن ذكر الله خارج الصلاة أفضل من الصلاة وما فيها من ذكر الله؛ فإن هذا خلاف الإجماع . ولما كان ذكر الله هو مقصود الصلاة قال أبو الدرداء: مادمت تذكر الله فأنت فى صلاة، ولو كنت فى السوق. ولما كان ذكر الله ٢٣٢ يعم هذا كله قالوا : إن مجالس الحلال والحرام ونحو ذلك مما فيه ذكر أمر الله ونهيه ووعده ووعيده ونحو ذلك هى من مجالس الذكر . والمقصودهنا: أن يعرف ((مراتب المصالح والمفاسد)) وما يحبه الله ورسوله ومالا يبغضه مما أمر الله به ورسوله : كان لما يتضمنه من تحصيل المصالح التى يحبها ويرضاها ، ودفع المفاسد التى يبغضها ويسخطها ؛ ومانهي عنه كان لتضمنه ما يبغضه ويسخطه ، ومنعه مما يحبه ويرضاه . وكثير من الناس يقصر نظره عن معرفة ما يحبه الله ورسوله من مصالح القلوب والنفوس ومفاسدها ، وما ينفعها من حقائق الإيمان ، وما يضرها من من الغفلة والشهوة، كما قال تعالى: (وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ,عَن ذِكْرِنَا وَآَتَّبَعَ هَوَنُهُ وقال تعالى (فَأَعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلَّ عَن ذِكْرِنَاوَلَمْ يُرِدُ إِلَّا الْحَيَوةَ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) فتجد كثيرا من هؤلاء فى كثير من الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ الْعِلْمِ) الأحكام لا يرى من المصالح والمفاسد إلا ماعاد لمصلحة المال والبدن . وغاية كثير منهم إذا تعدى ذلك أن ينظر إلى ((سياسة النفس، وتهذيب الأخلاق)) بمبلغهم من العلم، كما يذكر مثل ذلك المتفلسفة والقرامطة مثل أصحاب ((رسائل إخوان الصفا)) وأمثالهم؛ فإنهم يتكلمون فى سياسة النفس وتهذيب الأخلاق بمبلغهم من علم الفلسفة ، وما ضموا إليه مما ظنوه من الشريعة ، وهم فى غاية ما ينتهون إليه دون اليهود والنصارى بكثير ، كما بسط فى غير هذا الموضع . ٢٣٣ وقوم من الخائضين فى ((أصول الفقه)) وتعليل الأحكام الشرعية بالأوصاف المناسبة إذا تكلموا فى المناسبة ، وأن ترتيب الشارع للأحكام على الأوصاف المناسبة يتضمن تحصيل مصالح العباد ودفع مضارهم ، ورأوا أن المصلحة (( نوعان)) أخروية، ودنيوية: جعلوا الأخروية ما فى سياسة النفس وتهذيب الأخلاق من الحكم؛ وجعلوا الدنيوية ما تضمن حفظ الدماء والأموال والفروج والعقول والدين الظاهر ، وأعرضوا عما فى العبادات الباطنة والظاهرة من أنواع المعارف بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله ، وأحوال القلوب وأعمالها : كمحبة الله، وخشيته، وإخلاص الدين له ، والتوكل عليه، والرجالرحمته ، ودعائه. وغير ذلك من أنواع المصالح فى الدنيا والآخرة . وكذلك فيما شرعه الشارع من الوفاء بالعهود. وصلة الأرحام ؛ وحقوق الماليك ، والجيران ، وحقوق المسلمين بعضهم على بعض ، وغير ذلك من أنواع ما أمر به ونهى عنه ، حفظا للأحوال السنية ، وتهذيب الأخلاق . ويتبين أن هذا جزء من أجزاء ماجاءت به الشريعة من المصالح . فهكذا من جعل تحريم الخمر والميسر لمجرد أكل المال بالباطل ؛ والنفع الذى كان فيهما بمجرد أخذ المال . يشبه هذا (١) أن هذه المغالبات تصد عن ذكر الله وعن الصلاة من جهة كونها عملا؛ لا من جهة أخذ المال؛ فإنها لا تصد عن ذكر الله وعن الصلاة إلا كما يصدسائرأنواع أخذ المال؛ ومعلوم أن الأموال التى يكتسب بها المال لا ينهى عنها مطلقا ؛ لكونها تصد عن ذكر الله وعن (١) بياض بالأصلين ٢٣٤ الصلاة؛ بل بنهى منها عما يصد عن الواجب، كما قال تعالى: (يَأَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْإِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ) وقال ( فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَانْتَشِرُ واْ فِىِ الْأَرْضِ وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ ) تعالى : وقال تعالى: ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُلْهِكُمْ أَمْوَ لُكُمْ وَلَا أَوْلَدُ كُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ) وقال تعالى: (لَا نُّصِهِمْ بِحَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِاللّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوةِ وَإِنَاءِ الزَّكَوَةِ) فما كان ملهيا وشاغلاعما أمر الله تعالى به من ذكره والصلاة له فهو منهي عنه ؛ وإن لم يكن جنسه محرما: كالبيع ؛ والعمل فى التجارة، وغير ذلك. فلو كان اللعب بالشطرنج والنرد ونحوهما فى جنسه مباحا ؛ وإنما حرم إذا اشتمل على أكل المال بالباطل : كان تحريمه من جنس بحريم ما نهي عنه من المبيعات والمؤاجرات المشتملة على أكل المال بالباطل ، كبيوع الغرر . فإن هذه لا يعلل النهي عنها بأنها تصدعما يجب من ذكر الله وعن الصلاة، فإن البيع الصحيح منه ما كان يصد، وأن المعاملات الفاسدة: لا يعلل تحريمها بأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، فيمكن أن يقال تلك المعاملات الصحيحة ينهى منها عما يصد عن الواجب فتبين أن تحريم الميسر ليس لكونه من المعاملات الفاسدة ، وأن نفس العمل به منهي عنه لأجل هذه المفسدة ، كما حرم شرب الخمر . وهذا بين لمن تدبره . ألا ترى أنه لما حرم الربا لما فيه من الظلم وأكل المال بالباطل قرن بذلك ذكر البيع الذى هو عدل، وقدم عليه ذكر الصدقة التى هى إحسان . فذكر فى آخر سورة البقرة حكم الأموال: المحسن، والعادل، والظالم : ٢٣٥ ذكر الصدقة ، والبيع ، والربا. والظلم فى الربا، وأكل المال بالباطل به أبين منه فى الميسر ؛ فإن ((المرابى)) يأخذ فضلا محققا من المحتاج؛ ولهذا عاقبه الله بنقيض قصده، فقال: ( يَمْحَقُ اللَّهُ الْرّبَواْ وَيُرْبِ الصَّدَقَتِ) وأما ((المقامر)) فإنه قد يغلب فيظلم ، فقد يكون المظلوم هو الغنى، وقد يكون هو الفقير ، وظلم الفقير المحتاج أشد من ظلم الغني. وظلم يتعين فيه الظالم القادر أعظم من ظلم لا يتعين فيه الظالم؛ فإن ظلم القادر الغني للعاجز الضعيف أقبح من تظالم قادرين غنيين لا يدرى أيهما هو الذى يظلم. فالربا فى ظلم الأموال أعظم من القمار، ومع هذا فتأخر تحريمه، وكان آخر ما حرم الله تعالى فى القرآن ، فلو لم يكن فى الميسر إلا مجرد القمار لكان أخف من الربا، لتأخر تحريمه. وقد أباح الشارع أنواعا من الغرر للحاجة . كما أباح اشتراط ثمر النخل بعد التأثير تبعا للأصل، وجوز بيع المجازفة وغير ذلك. وأما الربا فلم يبح منه؛ ولكن أباح العدول عن التقدير بالكيل إلى التقدير بالخرص عند الحاجة ، كما أباح التيمم عند عدم الماء للحاجة؛ إذ الخرص تقدير بظن، والكيل تقدير بعلم. والعدول عن العلم إلى الظن عند الحاجة جائز . فتبين أن الربا أعظم من القمار الذى ليس فيه إلا مجرد أكل المال بالباطل ؛ لكن الميسر تطلب به الملاعبة والمغالبة نهي عنه الإنسان [ لفساد عقله] مع فساد ماله . مثل ما فيه من الصدود عن ذكر الله وعن الصلاة. وكل من الخمر والميسر فيه إيقاع العداوة والبغضاء، وفيه الصد عن ذكر الله، وعن الصلاة : أعظم من الربا وغيره من المعاملات الفاسدة . ٢٣٦ فتبين أن ((الميسر)) اشتمل على ((مفسدتين)): مفسدة فى المال. وهى أ كله بالباطل . ومفسدة فى العمل ، وهى ما فيه من مفسدة المال وفساد القلب والعقل وفساد ذات البين وكل من المفسدتين مستقلة بالنهي، فينهى عن أكل المال بالباطل مطلقا ولو كان بغير ميسر كالربا ، وينهى عما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ويوقع العداوة والبغضاء ولو كان بغير أكل مال . فإذا اجتمعا عظم التحريم : فيكون الميسر المشتمل عليهما أعظم من الربا . ولهذا حرم ذلك قبل تحريم الربا، ومعلوم أن الله تعالى لما حرم الخمر حرمها ولو كان الشارب يتداوى بها، كما ثبت ذلك فى الحديث الصحيح . وحرم بيعها لأهل الكتاب وغيرهم، وإن كان أكل ثمنها لا يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ، ولا يوقع العداوة والبغضاء ؛ لأن الله تعالى إذا حرم على قوم أكل شىء حرم عليهم ثمنه ، كل ذلك مبالغة فى الاجتناب . فهكذا الميسر منهي عن هذا وعن هذا . والمعين على الميسر كالمعين على الخمر ؛ فإن ذلك من التعاون على الإثم والعدوان. وكما أن الخمر تحرم الإعانة عليها يبيع أو عصر أو سقي أو غير ذلك: فكذلك الإعانة على الميسر: كبائع آلاته ، والمؤجر لها ، والمذبذب الذى يعين أحدهما : بل مجرد الحضور عند أهل الميسر كالحضور عند أهل شرب الخمر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم. «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يشرب عليها الخمر)) وقد رفع إلى عمر بن ٢٣٧ عبد العزيز رضى الله عنه قوم يشربون الخمر فأمر بضربهم ، فقيل له : إن فيهم صائما . فقال ابدأوا به! ثم قال : أما سمعت قوله تعالى: (وَقَدْنَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِىِ الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ اللَّهِ يُكْفَرُبِهَا وَيُسْنَهْزَأْبِهَا فَلَ نَفْعُدُ واْ مَعَهُمْ حَتَّى فاستدل عمر بالآية ؛ لأن يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِإِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمْ) الله تعالى جعل حاضر المنكر مثل فاعله ؛ بل إذا كان من دعا إلى دعوة العرس لا تجاب دعوته إذا اشتملت على منكر حتى يدعه مع أن إجابة الدعوة حق: فكيف بشهود المنكر من غير حق يقتضى ذلك . فإن قيل : إذا كان هذا من الميسر، فكيف استجازه طائفة من السلف ؟ قيل له : المستجيز للشطرنج من السلف بلا عوض كالمستجيز للفرد بلا عوض من السلف ، وكلاهما مأثور عن بعض السلف ؛ بل فى الشطر مج قد تبين عذر بعضهم ، كما كان الشعبي يلعب به لما طلبه الحجاج لتولية القضاء . رأى أن يلعب به ليفسق نفسه، ولا يتولى القضاء للحجاج ، ورأى أن يحتمل مثل هذا ليدفع عن نفسه إعانة مثل الحجاج على مظالم المسلمين . وكان هذا أعظم محذوراً عنده ؛ ولم يمكنه الاعتذار إلا بمثل ذلك. ثم يقال : من المعلوم أن الذين استحلوا النبيذ المتنازع فيه من السلف والذين استحلوا الدرهم بالدرهمين من السلف أكثر وأجل قدرا من هؤلاء ؛ فإن ابن عباس ومعاوية وغيرهما رخصوا فى الدرهم بالدرهمين ، وكانوا متأولين أن الربا لا يحرم إلا فى النساء؛ لا فى اليد باليد. وكذلك من ظن أن الخمر ٢٣٨ ليست إلا المسكر من عصير العنب: فهؤلاء فهموا من الخمر نوعا منه دون نوع ، وظنوا أن التحريم مخصوص به . وشمول الميسر لأنواعه كشمول الخمر والربا لأنواعهما . وليس لأحد أن يتبع زلات العلماء ، كما ليس له أن يتكلم فى أهل العلم والإيمان إلا بماهمله أهل؛ فإن الله تعالى عفا للمؤمنين عما أخطأوا كما قال تعالى : ( رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن ◌َسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَ ) قال الله: قد فعلت . وأمرنا أن نتبع ما أنزل إلينا من ربنا ولا تتبع من دونه أولياء ، وأمرنا أن لا نطيع مخلوقا فى معصية الخالق، ونستغفر لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان. فنقول : (رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيْنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَنِ) الآية. وهذا أمر واجب على المسلمين فى كل ما كان يشبه هذا من الأمور. ونعظم أمره تعالى بالطاعة لله ورسوله ؛ ونرعى حقوق المسلمين ؛ لا سيما أهل العلم منهم ، كما أمر الله ورسوله . ومن عدل عن هذه الطريق فقد عدل عن اتباع الحجة إلى اتباع الهوى فى التقليد، وأذى المؤمنين والمؤ منات بغير مااكتسبوا : فهو من الظالمين. ومن عظم حرمات الله وأحسن إلى عباد الله كان من أولياء الله المتقين . والله سبحانه أعلم ٠ ٢٣٩ وسئل رحمه اللّه تعالى عن رجلين اختلفا فى ((الشطر بج)) فقال أحدهما: هى حرام. وقال الآخر: ء هى ترد عن الغيبة ، وعن النظر إلى الناس ، مع أنها حلال : فأيهما المصيب؟ فأجاب : الحمد لله رب العالمين . أما إذا كان بعوض، أو يتضمن ترك واجب : مثل تأخير الصلاة عن وقتها ، أو تضييع واجباتها ، أو ترك ما يجب من مصالح العيال ، وغير ذلك مما أوجب على المسلمين ؛ فإنه حرام بإجماع المسلمين . وكذلك إذا تضمن كذبا، أو ظلما ، وغير ذلك من المحرمات ؛ فإنه حرام بالإجماع . وإذا خلا عن ذلك جمهور العلماء: كمالك وأصحابه ، وأبى حنيفة وأصحابه، وأحمد بن حنبل وأصحابه ، وكثير من أصحاب الشافعي: أنه حرام . وقال هؤلاء : إن الشافعى لم يقطع بأنه حلال ؛ بل كرهه. وقيل: إنه قال: لم يتبين إلى تحريمه. والبيهقى أعلم أصحاب الشافعى بالحديث وأنصرم الشافعي. ذكر إجماع الصحابة على المنع منه: عن على بن أبى طالب، وأبى سعيد، وابن عمر ، وابن عباس ، وأبى موسى ، وعائشة - رضي الله عنهم - ولم يحك عن الصحابة فى ذلك نزاعا . ومن نقل عن أحد من الصحابة أنه رخص فيه فهو غالط. والبيهقى وغيره من أهل الحديث أعلم بأقوال الصحابة ممن ينقل أقوالا بلا إسناد، قال البيهقي : جعل الشافعي اللعب بالشطرنج من المسائل المختلف فيها . ٢٤٠