Indexed OCR Text

Pages 201-220

وقال شيخ الإسلام رحمه اللّه
فصل
إذا خلا الرجل بالمرأة فمنعته نفسها من الوطء ولم يطأها ؛ لم يستقر مهرها
فى مذهب الإمام أحمد - الذي ذكره أصحابه: كالقاضي أبي يعلى، وأبى
البركات ، وغيرهما - وغيره من الأئمة الأربعة : مالك، والشافعي ، وأبي
حنيفة . وإذا اعترفت بأنها لم تمكنه من وطئها لم يستقر مهرها باتفاقهم .
ولا يجب لها عليه نفقة ما دامت كذلك باتفاقهم . وإذا كانت مبغضة له
مختارة سواه فإنها تقتدى نفسها منه .
وسئل رحمه اللّه
عن مملوك فى الرق والعبودية : تزوج بامرأة من المسلمين ، ثم بعد
ذلك ظهرت عبوديته ؛ وكان قد اعترف أنه حر ؛ وأن له خيراً فى مصر ؛
وقد ادعوا عليه بالكتاب ، وحقوق الزوجية ، واقترض من زوجته شيئا :
فهل يلزمه شىء أولا ؟
فأجاب : الحمد لله . تزوج العبد بغير إذن سيده إذا لم يجزه السيد باطل
باتفاق المسلمين ، وفى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أيما عبد
تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر)) ؛ لكن إذا أجازه السيد بعد العقد صح فى
٢٠١

مذهب أبى حنيفة ومالك وأحمد فى إحدى الروايتين؛ ولم يصح فى مذهب
الشافعي وأحمد فى الرواية الأخرى .
وإذا طلب النكاح فعلى السيد أن يزوجه لقوله تعالى :
( وَأَنْكِحُواْ الْأَيَمَى مِنكُمْ وَالصَِّحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَا بِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن
فَضْلِهِ ). وإذا غر المرأة وذكر أنه حر ، وتزوجها ؛ ودخل بها : وجب المهر
لها بلا نزاع ؛ لكن هل يجب المسمى: كقول مالك فى رواية؟ أو مهر المثل
كقول أبى حنيفة، والشافعى، وأحمد فى رواية؟ أو يجب الخمسان: كأحمد
فى رواية ثالثة ؟ هذا فيه نزاع بين العلماء. وقد يتعلق هذا الواجب برقبته
كقول أحمد فى المشهور عنه ، والشافعى فى قول ؛ وأظنه قول أبي حنيفة
أو يتعلق ذلك بذمة العبد فيتبع به إذا أعتق، كقول الشافعي فى الجديد ،
وقول أبى يوسف ومحمد وغيرهما؟ والأول أظهر؛ فإن قوله لهم: إنه [حر] تلبيس
عليهم؛ وكذب عليهم ، ثم دخوله عليها بهذا الكذب عدوان منه عليهم.
والأئمة متفقون على أن المملوك لو تعدى على أحد فأتلف ماله؛ أو جرحه ، أو
قتله : كانت جنايته متعلقة برقبته ؛ لا يجب فى ذمة السيد ؛ بل يقال للسيد: إن
شئت أن تفك مملوكك من هذه الجناية ؛ وإن شئت أن تسلمه حتى تستوفى
هذه الجناية من رقبته . وإذا أراد أن يقتله، فعليه أقل الأمرين : من قدر
الجناية، أو قيمة العبد: فى مذهب الشافعى وأحمد فى المشهور عنه وغيرهما .
٢٠٢

وعند مالك وأحمد فى رواية يفديه بأرش الجناية بالغا ما بلغ . فهذا العبد ظالم
معتد جار على هؤلاء : فتتعلق جنايته برقبته . وكذلك ما اقترضه من مال
الزوجة مع قوله إنه حر : فهو عدوان عليهم ، فيتعلق برقبته فى أصح قولي
العلماء . والله أعلم.
وسئل رحمه اللّه تعالى
عن امرأة اعتاضت عن صداقها بعد موت الزوج ، فباعت العوض ،
وقبضت الثمن ، ثم أقرت أنها قبضت الصداق من غير ثمن الملك: فهل يبطل
حق المشتري ؟ أو يرجع عليها بالذي اعترفت أنها قبضته من غير الملك ؟
فأجاب : لا يبطل حق بمجرد ذلك ، وللورثة أن يطلبوا منها ثمن
الملك الذى اعتاضت به ؛ إذا أقرت بأن قبض صداقها قبل ذلك . وكان قد
أفتى طائفة بأنه يرجع عليها بالذى اعترفت بقبضه من التركة ، وليس بشىء ؛
لأن هذا الإقرار تضمن أنها استوفت صداقها ، وأنها بعد هذا الاستيفاء له
أحدثت ملكا آخر ؛ فإنما فوتت عليهم العقار ؛ لا على المشترى .
وسئل رحمه اللّه
عن رجل تزوج امرأة، وكتب كتابها ، ودفع لها الحال بكماله ؛ وبقي
المقسط من ذلك ، ولم تستحق عليه شيئا ؛ وطلبها للدخول فامتنعت ؛ ولها
خالة تمنعها : فهل تجبر على الدخول؟ ويلزم خالتها المذكورة تسليمها إليه ؟
٢٠٣

فأجاب: ليس لها أن تمتنع من تسليم نفسها والحال هذه باتفاق الأئمة ،
ولالحالتها ولاغير خالتها أن يمنعها ؛ بل تعزر الخالة على منعها من فعل ما أوجب
الله عليها، وتجبر المرأة على تسليم نفسها للزوج .
وسئل رحمه الله
عن رجل تزوج بامرأة فطلقها ثلاثا ، ولها كتاب إلى مدة وهو معسر ؟.
فأجاب : إذا كان معسراً لم يجز مطالبتها له حتى يوسر ، وإذا شهدت
بينة بذلك سمعت ؛ بل القول قوله مع يمينه إذا لم يعرف له مال فى مذهب
الشافعي وأحمد وغيرهما
وسئل رحمه اللّه
عن رجل تزوج بامرأة وفى ظاهر الحال أنه حر ، فأقامت فى
صحبته إحدى عشرة سنة ، ثم طلقها ولم يردها ، وطالبته بحقوقها ، فقال :
أنا مملوك يجب الحجر على : فهل يلزمه القيام بحق الزوجة على حكم الشرع
الشريف فى المذاهب الأربعة ؟
٢٠٤

فأجاب : حق الزوجة ثابت لها المطالبة به لوجهين :
((أحدهما)) أن مجرد دعواه الرق لا يسقط حقها والحال ما ذكر؛ فإن
الأصل فى الناس الحرية، وإذا ادعى أنه مملوك بلا بينة ولم يعرف خلاف ذلك
ففى قبول قوله ثلاثة أقوال العلماء فى مذهب أحمد وغيره. ((أحدها)) يقبل فيما
عليه دون ماله على غيره، كمذهب أبى حنيفة والشافعي وأحمد فى قول لهم
(( والثانى)) لا يقبل بحال، كقول من قال ذلك من المالكية ، وهو إحدى
الروايتين عن أحمد. ((والثالث)) يقبل قوله مطلقا؛ وهو قول الشافعي
ورواية عن أحمد ، فإذا كان مع دعوى المدعى لرقه لا يقبل إقراره بما يسقط
حقها عند جمهور أئمة الإسلام : فكيف بمجرد دعواه الرق ؟ و كيف وله خير
وإقطاع ؛ وهو منتسب؛ وقد ادعى الحرية حتى زوج بها ؟
((الوجه الثانى)) أنه لو قدر أنه كذب ولبس عليها وادعى الحرية حتى
تزوج بها ودخل : فهذا قد جنى بكذبه وتلبيسه؛ والرقيق إذا جنى تعلقت جنايته
برقبته: فلها أن تطلب حقها من رقبته ، إلا أن يختار سيده أن يفديه بأداء
حقها : فله ذلك .
٢٠٥

باب وليمة العرس
وسئل رحمه الله تعالى
عن طعام الزواج ؟ وطعام العزاء ؟ وطعام الختان ؟ وطعام الولادة ؟ .
فأجاب: أما ((وليمة العرس)) فهى سنة، والإجابة إليها مأمور بها
وأما ((وليمة الموت)) فبدعة، مكروه فعلها، والإجابة إليها. وأما ((وليمة
الختان)» فهى جائزة: من شاء فعلها، ومن شاء تركها. وكذلك ((وليمة
الولادة)) إلا أن يكون قد عق عن الولد؛ فإن العقيقة عنه سنة . والله أعلم
وسئل رحمه اللّه
هل يكره طعام الطهور ، أم لا ؟ وهل فرق بينه وبين وليمة
العرس ، أم لا ؟
فأجاب: الحمدلله. أما (وليمة العرس)) فسنة مأمور بها باتفاق العلماء؛
حتى إن منهم من أوجبها ؛ فإنها تتضمن إعلان النكاح وإظهاره ، وذلك
يتضمن الفرق بينه وبين السفاح واتخاذ الأخدان ؛ ولهذا كانت الإجابة إليها
واجبة عند العلماء عند شروط ذلك وانتفاء موانعه. وأما ((دعوة الختان)) فلم
٢٠٦

تكن الصحابة تفعلها ، وهى مباحة ؛ ثم من العلماء أصحاب أحمد وغيره من
كرهها . ومنهم من رخص فيها ؛ بل يستحبها . وأما الإجابة إليها ؛ فإن كل
من فعلها أتم . ومنهم من استحبها . ومنهم من لم يستحبها . ومنهم من كره
الإجابة إليها أيضا . والله أعلم
وسئل رحمه اللّه تعالى
عن قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((من أكل مع مغفور غفر له)): هل
صح ذلك أم لا؟
فأجاب : الحمدلله . لم ينقل هذا أحد عن النبى صلى الله عليه وسلم فى
اليقظة ؛ وإنماذكروا أنه رؤي فى المنام يقول ذلك ؛ وليس هذا على
الإطلاق صحيح . والله أعلم .
وسئل
عن معنى قوله: (( من أتى إلى طعام لم يدع إليه فقد دخل سارقا، وخرج
مغيرا ))
فأجاب : الحمدلله . معناه الذى يدخل إلى دعوة بغير إذن أهلها ؛ فإنه يدخل
مختفياً كالسارق ، ويأكل بغير اختياره ، فيستحون من نهيه: فيخرج كالمغير
الذى يأخذ أموال الناس بالقهر . والله أعلم.
٢٠٧

وسئل شيخ الإسلام رحمه اللّه
عن (( شرب النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثا)) - يعنى تنفس ثلاثا - فلو
شرب أحد مرة هل يكون حراما؟ وهل ورد أنه لم يشرب مرة فقط؟ وقد جاء
فى بعض الكتب العشرة ((أنه شرب مرة واحدة)) وقد كتب فى هذا فتيا،
وقالو : إذا شرب مرة حرام؛ ولم يسمع أحد من أهل العلم هذا القول ، وقد
ورد الحديث أيضًا: ((أنه شرب صلى الله عليه وسلم قائما)) فهل هذا التنزيه؟
أو للتحريم؟ وهل إذا شرب من غير عذر قائما عليه إثم ؟ وهل إذا شرب مرة
واحدة هل يكون حراماً ؟
فأجاب : الحمد لله . الأفضل أن يتنفس فى الشرب ثلاثا ، ويكون
نفسه فى غير الإِناء ؛ فإن التنفس فى الإناء منهي عنه ، وإن لم يتنفس وشرب
بنفس واحد جاز؛ فإن فى الصحيح عن أنس. ((أن النبى صلى الله عليه وسلم
كان يتنفس فى الإناء ثلاثا)) وفى رواية لمسلم: ((كان يتنفس فى الشراب ثلاثا،
يقول: إنه أروى وأمرى)). فهذا دليل على استحباب التنفس ثلاثا. وفى
الصحيحين عن أبي قتادة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إذا شرب أحدكم
٢٠٨

فلا يتنفس فى الإناء)) فهذا فيه النهى عن التنفس فى الإناء. وعن أبى سعيد
الخدري: (( أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن التنفس فى الشراب)) فقال
الرجل: القذاة أراها فى الإناء؟ فقال: ((أهرقها)) قال: فإنى لا أروى عن نفس
واحد: قال: ((فأبن القدح عن فيك)) رواه الترمذى وصححه . فلم ينه النبى
صلى الله عليه وسلم عن الشرب بنفس واحد ؛ ولكن لما قال له الرجل : إنى
لا أروى من نفس واحد قال: ((أبن القدح عن فيك)) أي لتتنفس إذا احتجت
إلى النفس خارج الإناء. وفيه دليل على أنه لوروى فى نفس واحد ولم يحتج إلى
النفس جاز. وما علمت أحداً من الأئمة أوجب التنفس ، وحرم الشرب
بنفس واحد .
وفعله صلى الله عليه وسلم يدل على الاستحباب، كما كان ((يعجبه التيمن فى تنعله
وترجله وطهوره وفى شأنه كله)) ولو بدأ فى الطهارة بمياسره قبل ميامنه كان
تاركا للاختيار، وكان وضوؤه صحيحا من غير نزاع أعلمه بين الأئمة .
وأما ((الشرب قائما)) فقد جاءت أحاديث صحيحة بالنهي، وأحاديث صحيحة
بالرخصة ؛ ولهذا تنازع العلماء فيه ، وذكر فيه روايتان عن أحمد ؛ ولكن
الجمع بين الأحاديث أن تحمل الرخصة على حال العذر. فأحاديث النهي مثلها
فى الصحيح ((أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن الشرب قائما)) وفيه
٢٠٩

عن قتادة عن أنس: ((أن التى صلى الله عليه وسلم زجر عن الشرب قائماً))
قال قتادة : فقلنا : الأكل ؟ فقال : ذاك شر وأخبث .
وأحاديث ((الرخصة)) مثل حديث مافى الصحيحين عن علي وابن عباس
قال: ((شرب النى صلى الله عليه وسلم قائما من زمزم)) وفى البخارى عن علي :
أن عليا فى رحبة الكوفة شرب ، وهو قائم. ثم قال : إن ناسًاً يكرهون
الشرب قائما ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع كما صنعت. وحديث علي
هذا قدروي فيه أثر أنه كان ذلك من زمزم، كما جاء فى حديث ابن عباس ،
هذا كان فى الحج ، والناس هناك يطوفون ويشربون زمزم ، ويستقون
ويسألونه، ولم يكن موضع قعود، مع أن هذا كان قبل موته بقليل، فيكون
هذا ونحوه مستثنى من ذلك النهي ، وهذا جار عن أحوال الشريعة : أن
المنهي عنه يباح عند الحاجة ؛ بل ما هو أشد من هذا يباح عند الحاجة ؛ بل
المحرمات التى حرم أكلها وشربها كالميتة والدم تباح للضرورة. وأما ما حرم
مباشرته طاهراً - كالذهب والحرير - فيباح للحاجة ، وهذا النهي عن
صفة فى الأكل والشرب : فهذا دون النهى عن الشرب فى آنية الذهب
والفضة ، وعن لباس الذهب والحرير ؛ إذ ذاك قد جاء فيه وعيد، ومع هذا
فهو مباح للحاجة: فهذا أولى . والله أعلم .
٢١٠

وسئل رحمه اللّه تعالى
عن الأكل والشرب قائما: هل هو حلال؟ أم حرام ؟ أم مكروه
كراهية تنزيه؟ وهل يجوز الأكل والشرب إذا كان له عذر كالمسافر أو
الأكل والشرب فى الطريق ماشيا ؟
فأجاب : أما مع العذر فلا بأس : فقد ثبت أن النى صلى الله عليه وسلم
((شرب من ماء زمزم وهو قائم)) فإن الموضع لم يكن موضع قعود، وأما مع عدم
الحاجة فيكره ؛ لأنه ثبت أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عنه . وبهذا
التفصيل يحصل الجمع بين النصوص . والله أعلم
وسئل رحمه اللّه
عن رجل قال: ((إن النبي صلى الله عليه وسلم ما ا كل بطيخاً أصفر عمره))
وقال الآخر: ((إن النبى صلى الله عليه وسلم أكل العنب دو، دو))؟
فأجاب: الحمد لله. قوله: ((أكل العنب: دو، دو )) كذب ؛ لا أصل له
وأما البطيخ فقد كانوا يأكلون البطيخ ؛ لكن المشهور عندم كان البطيخ
٢١١

الأخضر ، وما ينقل عن الإمام أحمد: أنه امتنع عن أكل البطيخ ؛ لعدم عامه
بكيفية أكل النبى صلى الله عليه وسلم: كذب على الإمام أحمد كان صلى الله عليه
وسلم يأكل فاكهة بلده ماقدمت له فاكهة . فترك أ كلها لا على سبيل الزهد
الفاسد، ولا على سبيل الورع الفاسد، بل كان لايرد موجوداً، ولا يتكلف
مفقوداً، ويتبع قوله تعالى: ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَارَزَقْنَكُمْ
وَأَشْكُرُوْلِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ). فأمر بالأكل والشكر. فمن حرم
الطيبات عليه ، وامتنع من أكلها بدون سبب شرعى: فهو مذموم مبتدع ،
داخل فى قوله : ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّ مُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ) ومن
أكلها بدون الشكر الواجب فيها فهو مذموم، قال الله تعالى: (ثُمَّلَتُتْئَلُنَّ
يَوْمَيِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) أى شكر النعيم . وقدروى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه
قال. ((الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر)) وفى الصحيح عن النبى صلى الله
عليه وسلم أنه قال: ((إن الله ليرضى عن العبد بأن يأكل الأكلة فيحمده عليها.
أو يشرب الشربة فيحمده عليها)): وكذلك ((الإسراف فى الأكل)) مذموم،
وهو مجاوزة الحد. ومن أكل بنية الاستعانة على عبادة كان مأجوراً على ذلك
وكذلك ما ينفقه على أهل بيته ، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث
الصحيح. ((نفقة المسلم على أهله يحتسبها صدقة)) وقال لسعد: ((إنك لن
تنفق نفقة تبتغى بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة، حتى اللقمة تضعها
في فى امرأتك )» ؟
٢١٢

وسئل رحمه اللّه تعالى
عن قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((إنه مكتوب على قشر البطيخ: لا إله
إلا الله ، موسى كليم الله. لا إله إلالله، عيسى روح الله. لا إله إلا الله، محمد رسول
الله)). وأيضا (( من أكله بقشره كان له بكل نهشة عشر حسنات، وحط
عنه عشر سيئات، وإن أ كله بيزره فبكل ألف درجة فى الجنة )»؟ وأنه صلى
الله عليه وسلم قال لأبى هريرة: ((ألك قميصان؟ بع الواحد وكل به بطيخا
أصفر)) وهل صح عنه صلى الله عليه وسلم (( أكل البطيخ بالرطب ))، وما
معنى البطيخ بالرطب إن صح الحديث ؟
فأجاب : الحمد لله رب العالمين . الأحاديث المتقدمة فى البطيخ كلها مختلقة
لم يرغب النبى صلى الله عليه وسلم فى أكل البطيخ. وجميع ما يروى من هذا
الجنس فهو كذب. وأما أكل ((البطيخ بالرطب)) فهو كاكل القثاء بالرطب
والحديث بذلك أصح. والمرادبه حلاوة هذا ورطوبة هذا. وكان أحب
الشراب إليه الحلو البارد. فهذا بيان أكل البطيخ الأخضر بالرطب أو التمر .
فأما أكله بالرطب الأصفر فلا أصل له ؛ لا من نص؛ ولا قياس. والله أعلم.
٢١٣

وسئل رحمه اللّه تعالى
عن رجل حضر عنده جماعة ليطعمهم شيئا ، فلما أحضر المائدة والخبز عليها
وغاب ليأتى بالأدم، فقال رجل: ((إذا حضر الخبز، قال النبى صلى الله عليه وسلم:
((لا تنتظر واشيئا)) فأ كلوا الخبز؛ وحضر الإدام ، بقي بلاخبز، فقالواله كذبت
على النبى صلى الله عليه وسلم، وغرمت الرجل الخبز: فهل هذا الحديث الذى
ذكره صحيح أم لا؟
فأجاب . الحمد لله . لم يجئ فى هذا شيء عن النبى صلى الله عليه وسلم؛ ولكن
هذا يقوله بعض الناس ؛ ومعناه الأمر بالقناعة ، وأنه يكتفى بالخبز إذا حضر،
ولا ينتظر غيره ، ولا يطلب من المضيف غيره ؛ فإن ذلك من كرامته . فأما إن
كانوا منتظرين أدما يحضر ، وإذا أكلوا الخبز بقى الآدم وحده: فانتظارهم حتى
يأكلوا الأدم مع الخبز هو الذى يصلح. والله أعلم.
وسئل رحمه اللّه
عن الرجل إذا كان أكثر ماله حلالا، وفيه شبهة قليلة فإذا أضاف الرجل
أو دعاه هل يجيبه، أم لا؟
٢١٤

فأجاب . الحمد لله . إذا كان فى الترك مفسدة - من قطيعة رحم أو فساد
ذات البين ونحو ذلك - فإنه يجيبه ، لأن الصلة وصلاح ذات البين واجب
فإذا لم يتم إلا بذلك كان واجبا ، وليست الإجابة محرمة. أو يقال : إن مصلحة
ذلك الفعل راجحة على ما يخاف من الشبهة ، وإن لم يكن فيه مفسدة ؛ بل
الترك مصلحة توقيه الشبهة ؛ ونهي الداعى عن قليل الإثم . وكان فى الإجابة مصلحة
الإجابة فقط وفيها مفسدة الشبهة. فأيهما أرجح ؟ هذا فيه خلاف فيما
أظنه. وفروع هذه المسألة كثيرة قد نقل أصحابنا وغيرهم فيها مسائل ، قد
يرجح بعض العلماء جانب الترك والورع . ويرجح بعضهم جانب الطاعة
والمصلحة .
وسئل رحمه اللّه تعالى
عن رجل معه مال من حلال وحرام : فهل يجوز لأحد أن يأكل من
عيشه، أم لا ؟
فأجاب: إن عرف الحرام بعينه لم يأكل حتماً . وإن لم يعرف عينه لم
يحرم الأكل منه؛ لكن إذا كثر الحرام كان متروكاً ورعاً. والله أعلم.
٢١٥

وسئل رحمه الله تعالى
عن اللعب بالشطرنج : أحرام هو ؟ أم مكروه؟ أم مباح؟ فإن قلتم:
حرام ؛ فما الدليل على تحريمه؟ وإن قلتم : مكروه ؛ فما الدليل على كراهته ؟ أو
مباح، فما الدليل على إباحته ؟
فأجاب : الحمد لله رب العالمين . اللعب بها : منه ما هو محرم متفق
على تحريمه : ومنه ما هو محرم عند الجمهور ؛ ومكروه عند بعضهم ؛ وليس
من اللعب بها ما هو مباح مستوى الطرفين عند أحد من أئمة المسلمين ؛ فإن
اشتمل اللعب بها على العوض كان حراما بالاتفاق ؛ قال أبو عمر بن عبد البر
إمام المغرب: أجمع العلماء على أن اللعب بها على العوض قار لا يجوز . وكذلك
لو اشتمل اللعب بها على ترك واجب أو فعل محرم : مثل أن يتضمن تأخير
الصلاة عن وقتها ؛ أو ترك ما يجب فيها من أعمالها الواجبة باطنا أو ظاهرا؛
فإنها حينئذ تكون حراما باتفاق العلماء . وقد ثبت في الصحيح عن النبى
صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((تلك صلاة المنافق: يرقب الشمس حتى إذا
صارت بين قرني شيطان قام فنقر أربعا ، لا يذكر الله فيها إلا قليلا )» فجعل
النبى صلى الله عليه وسلم هذه الصلاة صلاة المنافقين. وقد ذم الله صلاتهم بقوله :
٢١٦

(إِنَّالْمُنَفِقِينَ يُخَدِ عُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوْ إِلَى الصَّلَوْةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُونَ
وقال تعالى : ( فَوَيْلٌ
النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَهِلَّ قَلِيلًا)
لِلْمُصَلّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) وقد فسر السلف ((السهو عنها))
بتأخيرها عن وقتها ، وبترك ما يؤمر به فيها ، كما بين النبي صلى الله عليه وسلم
أن صلاة المنافق تشتمل على التأخير والتطفيف : قال سلمان الفارسى : إن الصلاة
مكيال؛ فن وفى وفي له، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله فى ((المطففين)).
وكذلك فسروا قوله: ( ◌َلَفَ مِنْ بَعْدِمْ خَلْفُّ أَضَاعُواْ الصَّلَوةَ ) قال: إضاعتها
تأخيرها عن وقتها ، وإضاعة حقوقها، كما جاء فى الحديث ((إن العبد إذا
أكمل الصلاة بطهورها وقراءتها وخشوعها صعدت ولها برهان كبرهان
الشمس ، وتقول حفظك الله كما حفظتنى، وإذا لم يكمل طهورها وقراءتها
وخشوعها فإنها تلف كما يلف الثوب ؛ ويضرب بها وجه صاحبها ، وتقول:
((ضيعك الله كما ضيعتنى)).
والعبد وإن أقام صورة الصلاة الظاهرة فلا ثواب إلا على قدر ما حضر
قلبه فيه منها ، كما جاء فى السنن لأبى داود وغيره عن النبى صلى الله عليه وسلم
أنه قال: ((إن العبد لينصرف من صلاته ولم يكتب له منها إلا نصفها،
إلا ثلثها، إلا ربعها؛ إلا خمسها ، إلا سدسها؛ إلا سبعها؛ إلا ثمنها؛ إلا تسعها
إلا عشرها)). وقال ابن عباس رضى الله عنهما: ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت
منها . وإذا غلب عليها الوسواس ففى براءة الذمة منها ووجوب الإعادة قولان
٢١٧

معروفان للعلماء: ((أحدهما)) لا تبرأ الذمة ، وهو قول أبى عبد الله بن حامد
وأبى حامد الغزالى ، وغيرهما .
والمقصود أن ((الشطرنج)) متى شغل عما يجب باطنا أو ظاهرا حرام
باتفاق العلماء. وشغله عن إ كمال الواجبات أوضح من أن يحتاج إلى بسط
وكذلك لو شغل عن واجب من غير الصلاة : من مصلحة النفس ، أو الأهل
أو الأمر بالمعروف؛ أو النهي عن المنكر، أو صلة الرحم ؛ أو بر الوالدين،
أو ما يجب فعله من نظر فى ولاية أو إمامة أو غير ذلك من الأمور . وقل عبد
اشتغل بها إلا شغلته عن واجب . فينبغى أن يعرف أن التحريم فى مثل هذه
الصورة متفق عليه . وكذلك إذا اشتملت على محرم ، أو استلزمت محرما ،
فإنها يحرم بالاتفاق : مثل اشتمالها على الكذب ؛ واليمين الفاجرة ؛ أو الخيانة
هـ
التى يسمونها المغاضاة ، أو على الظلم ، أو الإعانة عليه، فإن ذلك حرام باتفاق
المسلمين . ولو كان ذلك فى المسابقة والمناضلة ، فكيف إذا كان بالشطرنج ،
والنرد ؛ ونحو ذلك؟! وكذلك إذا قدر أنها مستلزمة فسادا غير ذلك : مثل
اجتماع على مقدمات الفواحش ؛ أو التعاون على العدوان ، أو غير ذلك ؛ أومثل
أن يفضى اللعب بها إلى الكثرة والظهور الذي يشتمل معه على ترك واجب
أو فعل محرم : فهذه الصورة وأمثالها مما يتفق المسلمون على تحريمها فيها .
وإذا قدر خلوها عن ذلك كله : فالمنقول عن الصحابة المنع من ذلك؛
وصح عن على بن أبى طالب- رضى الله عنه - أنه مر بقوم يلعبون بالشطرنج
٢١٨

؟ شبههم بالعا كفين على
فقال: (مَاهَذِهِ التَّمَاثِلُ الَّيِّ أَنْتُمْلَا عَكِّفُونَ)
الأصنام ، كما فى المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((شارب الخمر
كعابدوتن)) والخمر والميسر قرينان فى كتاب الله تعالى. وكذلك النهي
عنها معروف عن ابن عمر ، وغيره من الصحابة .
والمنقول عن أبى حنيفة وأصحابه وأحمد وأصحابه ((تحريمها)). وأما
الشافعى فإنه قال: أكره اللعب بها ؛ للخبر ؛ واللعب بالشطرنج والحمام
بغير قمار وإن كرهناه أخف حالا من الفرد ، وهكذا نقل عنه غير هذا اللفظ
مما مضمونه : أنه يكرهها ، ويراها دون الفرد ، ولاريب أن كراهته
كراهة تحريم ؛ فإنه قال: للخبر. ولفظ الخبر الذى رواه هو عن مالك
((من لعب بالفرد فقد عصى الله ورسوله)) فإذا كره الشطر بج (١) وإن
كانت أخف من النرد . وقد نقل عنه أنه توقف فى التحريم ، وقال :
لا يتبين لي أنها حرام . وما بلغنا أن أحداً نقل عنه لفظا يقتضى نفى التحريم.
والأئمة الذين لم تختلف أصحابهم فى تحريمها أكثر ألفاظهم ((الكراهة))
قال ابن عبد البر: أجمع مالك وأصحابه على أنه لا يجوز اللعب بالفرد
ولا بالشطرنج ؛ وقالوا : لا يجوز شهادة المدمن المواظب على لعب الشطرنج
وقال يحيى: سمعت مالكا يقول : لاخير فى الشطرنج وغيرها ، وسمعته
يكره اللعب بها وبغيرها من الباطل، ويتلو هذه الآية: (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ
(١) بياض بأَصلين مختلفين
٢١٩

إِلَّا الضَّلَالُ ) وقال أبو حنيفة: أكره اللعب بالشطرنج والفرد . فالأربعة
يحرم كل اللهو .
وقد تنازع الجمهور فى مسئلتين: ((إحداهما)) هل يسلم على اللاعب
بالشطر مج ؟ فمنصوص أبى حنيفة وأحمد والمعافى بن عمران وغيرهم : أنه
لا يسلم عليه. ومذهب مالك وأبى يوسف ومحمد: أنه يسلم عليه. ومع هذا
فإن مذهب مالك أن الشطر مج شر من الفرد . ومذهب أحمد أن النردشر من
الشطرنج ، كما ذكره الشافعى . والتحقيق فى ذلك أنهما إذا اشتملا على عوض
أو خلوا عن عوض فالشطر بج شر من الفرد ؛ لأن مفسدة الفرد فيها وزيادة
مثل صد القلب عن ذكر الله ، وعن الصلاة ، وغير ذلك ، ولهذا يقال :
إن الشطرنج على مذهب القدر ؛ والفرد على مذهب الجبر . واشتغال القلب
بالتفكير فى الشطر بج أكثر . وأما إذا اشتمل الفرد على عوض فالنردشر .
وهذا هو السبب فى كون أحمد والشافعى وغيرهما جعلوا النرد شراً ،
لاستشعارهم أن العوض يكون فى الترد دون الشطرنج .
ومن هنا تبين الشبهة التى وقعت فى هذا الباب ؛ فإن الله تعالى حرم
الميسر فى كتابه، واتفق المسلمون على تحريم الميسر ، واتفقوا على أن المغالبات
المشتملة على القمار من الميسر ؛ سواء كان بالشطرنج أو بالفرد ، أو بالجوز ،
أو بالكعاب ، أو البيض ، قال غير واحد من التابعين: كعطاء، وطاووس
ومجاهد ؛ وإبراهيم النخعي : كل شىء من القمار فهو من الميسر ؛ حتى لعب
٢٢٠