Indexed OCR Text

Pages 141-160

وسئل رحمه الله تعالى
عمن طلع إلى بيته ووجد عندامرأته رجلا أجنبيا ، فوفاها حقها ، وطلقها؛
ثم رجع وصالحها، وسمع أنها وجدت يجنب أجنبي؟
فأجاب: فى الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: ((أن الله سبحانه وتعالى لما
خلق الجنة قال: وعزتى وجلالى لايدخلك بخيل، ولا كذاب ، ولاديوث))
((والديوث)) الذى لاغيرة له . وفى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال: ((إن المؤمن يغار، وإن الله يغار، وغيرة الله أن يأتى العبد ما حرم عليه))
وقد قال تعالى: ( الَِّلَ يَنَكِيمُ إِلََّ زَانِيَةٌ أَوْ مُشْرِكَةٌ وَالزِّيَةُ لَا يَنْكُِّهَا إِلََّزَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ
وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) .
ولهذا كان الصحيح من قولي العلماء :
أن الزانية لا يجوز تزوجها إلا بعد التوبة، وكذلك إذا كانت المرأة تزنى لم يكن
له أن يمسكها على تلك الحال ؛ بل يفارقها وإلا كان ديونا .
١٤١

رسل
عن رجل تزوج ابنته من الزنى ؟
فأجاب: لا يجوز أن يتزوج بها عند جمهور أمة المسلمين. حتى إن
الإمام أحمد أنكر أن يكون فى ذلك نزاع بين السلف؛ وقال : من فعل ذلك
فإنه يقتل . وقيل له عن مالك: إنه أباحه ، فكذب النقل عن مالك . وتحريم
هذا هو قول أبى حنيفة وأصحابه، وأحمد وأصحابه؛ ومالك وجمهور أصحابه
وهو قول كثير من أصحاب الشافعى . وأنكر أن يكون الشافعى نص على
خلاف ذلك ؛ وقالوا : إنما نص على بنته من الرضاع ؛ دون الزانية التى زنى
بها . والله أعلم .
وسئل رحم الله
عن رجل زنى بامرأة ، ومات الزانى : فهل يجوز لولد المذكور أن
يُتزوج بها، أم لا؟
ء
فأجاب : هذه حرام فى مذهب أبى حنيفة وأحمد وأحد القولين فى مذهب
مالك، وفى القول الآخر يجوز ، وهو مذهب الشافعي.
١٤٢

وسئل شيخ الإسلام رحمه الله
عمن كان له أمة يطؤها ، وهو يعلم أن غيره يطؤها ولا يحصنها ؟
فأجاب: هو ديوث؛ ((ولا يدخل الجنة ديوث)). والله أعلم.
وسئل رحمه اللّه تعالى
عن رجل له جارية تزنى : فهل يحل له وطؤها ؟
فأجاب : إذا كانت تزنى فليس له أن يطأها حتى تحيض ويستبرها
ء
من الزنى ؛ فإن (الَِّ لَا يَنكِحُ إِلََّ زَانِيَةٌ أَوْ مُشْرِكَةً) : عقدا، ووطأ
ومتى وطئها مع كونها زانية كان ديونا . والله أعلى .
وسئل رحمه الله
عن حديث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه (( قال له رجل يا رسول الله
إن امرأبى لا تردكف لامس)) فهل هو ما ترد نفسها عن أحد؟ أو ما ترديدها
فى العطاء عن أحد؟ وهل هو الصحيح أم لا ؟
١٤٣

فأجاب: الحمد لله رب العالمين . هذا الحديث قد ضعفه أحمد وغيره
وقد تأوله بعض الناس على أنها لا ترد طالب مال؛ لكن ظاهر الحديث وسياقه
يدل على خلاف ذلك. ومن الناس من اعتقد ثبوته، وأن النبى صلى الله عليه
وسلم أمره أن يمسكها مع كونها لا تمنع الرجال، وهذا مما أنكره غير
واحد من الأمة ، فإن الله قال فى كتابه العزيز: (الزَِّ لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً
أَوْ مُشْرِكَةُ وَالزََِّةُ لَا يَنكِحُهَ إِلََّزَانٍ أَوْمُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)
وفى سنن أبى داود وغيره : أن رجلا كان له فى الجاهلية قرينة من البغايا يقال
لها: عناق، وأنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن تزوجها؛ فأنزل الله هذه الآية .
وقد قال سبحانه وتعالى: (وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًاً أَن يَنْكِحَ الْمُحْصَنَتِ
اُلْمُؤْمِنَتِ فَمِن ◌َا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ مِّن فَنَيَتِّكُمُ الْمُؤْمِنَتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَنِكُمْ
بَعْضُكُمْ مِّنْ بَعْضِ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَانُوهُنَ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ
غَيْرَ مُسَفِحَتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتٍ أَخْدَانِ ) فإنما أباح الله نكاح الإماء فى حال كونهن
غير مساحات ولا متخذات أخدان . والمسافة التى تسافح مع كل أحد .
والمتخذات الخدن التي يكون لها صديق واحد. فإذا كان من هذه حالهالا تنكح
فكيف بمن لا ترديد لامس؛ بل تسافح من اتفق؟! وإذا كان من هذه حالها
فى الإماء فكيف بالحرائر . وقد قال تعالى :
(وَاُلْمُحْصَنَتُ مِنَ المُؤْمِنَتِ
وَالْخُصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْالْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَاءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ
فاشترط هذه الشروط فى الرجال هنا
وَلَا مُتَّخِذِىّ أَخْدَانٍ )
١٤٤

كما اشترطه فى النساء هناك . وهذا يوافق ما ذكره فى سورة النور من قوله
تعالى: (الزِّلَ يَنْكِعُ إِلََّ زَانِيَةٌ أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَِّةُ لَا يَنْكِّمُهَا إِلَّزَانٍ أَوْ مُشْرِقْ وَحُرِّمَ
لأنه من تزوج زانية تزانى مع غير ملم يكن
ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ )
ماؤه مصونا محفوظاً، فكان ماؤه مختلطا بماء غيره. والفرج الذى يطؤه مشتركا
وهذا هو الزنى. والمرأة إذا كان زوجها نزنى بغيرها لا يميز بين الحلال
والحرام كان وطؤه لها من جنس وط. الزانى للمرأة التي يزنى بها وإن لم يطأها
غيره . وإن من صور الزنى اتخاذ الأخدان . والعلماء قد تنازعوا فى جواز
نكاح الزانية قبل توبتها ؟ على قولين مشهورين ؛ لكن الكتاب والسنة
والاعتبار يدل على أن ذلك لا يجوز . ومن تأول آية النور بالعقد وجعل
ذلك منسوخا فبطلان قوله ظاهر من وجوه . ثم المسلمون متفقون على ذم
الديانة. ومن نزوج بغيا كان ديوثا بالاتفاق. وفى الحديث: (( لا يدخل
الجنة بخيل ولا كذاب ولا ديوث)) قال تعالى: (الْخَبِيئَتُ لِلْخَبِيِينَ
أي الرجال
وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِشَتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلَِّبِينَ وَالطَِّبُونَ لِلَّيِّبَتِ)
الطيبون للنساء الطيبات ، والرجال الخبيثون للنساء الخبيثات ، وكذلك
فى النساء ؛ فإذا كانت المرأة خبيثة كان قريتها خبيثا . وإذا كان قرينها خييثا
كانت خبيثة، وبهذا عظم القول فيمن قذف عائشة ونحوها من أمهات المؤمنين
ولو لا ما على الزوج في ذلك من العيب ما حصل هذا التغليظ . ولهذا قال
السلف : ما بنت امرأة في قط ، ولو كان تزوج البني جائزًا لوجب تنزيه
١٤٥

الأنبياء عما يباح. كيف وفى نساء الأنبياء من هى كافرة ، كما فى أزواج
المؤمنات من هو كافر ؟! كما قال تعالى: ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ
أَمْرَأَتَ نُوحٍ وَأَمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَنَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَلِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا
عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ أَدْ خُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ * وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ أَبْنِ لِ عِندَكَ بَيْتًا فِ الْجَنَّةِ وَتَجِى مِنْ فِرْعَوْنَ
وأما البغايا فليس
وَعَمَلِهِ، وَتَجْنِ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).
فى الأنبياء ولا الصالحين من تزوج بغيا، لأن البغاء يفسد فراشه. ولهذا أبيح
للمسلم أن يتزوج الكتابية اليهودية والنصرانية، إذا كان محصنا غير مسافح
ولا متخذ خدن . فعلم أن تزوج الكافرة قد يجوز ، وتزوج البغي لا يجوز؛
لأن ضرر دينها لا يتعدى إليه. وأما ضرر بغائها فيتعدى إليه. والله أعلم.
فصل (١)
فى اعتبار ((النية فى النكاح)) قد بسط الكلام فى غير هذا الموضع،
وبين أن المقصود فى العقود معتبر . وعلى هذا ينبغي : إبطال الحيل ، وإبطال
نكاح المحلل إذا قصد التحليل ، والمخالع بخلع اليمين ؛ فإن هذا لم يقصد
(١) ((قاعدة فى اعتبار النية فى النكاح))
١٤٦

النكاح ، وهذا لم يقصد فراق المرأة ؛ بل هذا مقصوده أن تكون امرأته
وقصد الخلع مع هذا ممتنع. وذاك مقصوده أن تكون زوجة المطلق ثلاثا، وقصده
مع هذا أن تكون زوجة له ممتنع ؛ ولهذا لا يعطي مهراً؛ بل قد يعطونه من
عندم ، ولا يطلب استلحاق ولد ولا مصاهرة فى تزويجها ؛ بل قد يحلل الأم
وبنتها : إلى غير ذلك مما يبين أنه لم يقصد النكاح .
(( وأما نكاح المتعة)) إذا قصد أن يستمتع بها إلى مدة ثم يفارقها : مثل
المسافر الذي يسافر إلى بلد يقيم به مدة فيتزوج وفى نيته إذا عاد إلى وطنه
أن يطلقها؛ ولكن النكاح عقده عقداً مطلقا : فهذا فيه ثلاثة أقوال فى
مذهب أحمد. قبل : هو نكاح جائز ، وهو اختيار أبى محمد المقدسى ، وهو
قول الجمهور. وقيل : إنه نكاح تحليل لا يجوز ؛ وروي عن الأوزاعى؛ وهو
الذى نصره القاضى وأصحابه فى الخلاف . وقيل: هو مكروه ؛ وليس بمحرم.
والصحيح أن هذا ليس بنكاح متعة ولا يحرم ، وذلك أنه قاصد
للنكاح وراغب فيه ؛ بخلاف المحلل ؛ لكن لا يريد دوام المرأة معه . وهذا
ليس بشرط ؛ فإن دوام المرأة معه ليس بواجب ؛ بل له أن يطلقها . فإذا قصد
أن يطلقها بعد مدة فقد قصد أمراً جائزاً؛ بخلاف نكاح المتعة فإنه مثل
الإجارة تنقضى فيه بانقضاء المدة؛ ولا ملك له عليها بعد انقضاء الأجل. وأما
هذا فملكه ثابت مطلق وقد تتغير نيته فيمسكها دائما ؛ وذلك جائز له ، كما
أنه لو تزوج بنية إمسا كها دائما ثم بدا له طلاقها جاز ذلك ؛ ولو تزوجها
١٤٧

بنية أنها إذا أعجبته أمسكها وإلا فارقها: جاز؛ ولكن هذا لا يشترط فى العقد
لكن لو شرط أن يمسكها بمعروف أو يسرحها بإحسان: فهذا موجب العقد
شرعا ؛ وهو شرط صحيح عند جمهور العلماء ، ولزمه موجب الشرع :
كاشتراط النبى صلى الله عليه وسلم فى عقد البيع ((بيع المسلم للمسلم، لاداء
ولاغائلة ولا خبيئة)) وهذا موجب العقد. وقد كان الحسن بن علي كثير
الطلاق فلعل غالب من تزوجها كان فى نيته أن يطلقها بعد مدة ، ولم يقل
أحد : إن ذلك متعة .
وهذا أيضا لا ينوي طلاقها عند أجل مسمى ؛ بل عند انقضاء غر ضه
منها ، ومن البلد الذي أقام به ، ولو قدر أنه نواه فى وقت بعينه فقد تتغير
نيته ، فليس فى هذا مايوجب تأجيل النكاح ، وجعله كالإجارة المسماة .
ء
وعزم الطلاق لو قدر بعد عقد النكاح لم يبطله ، ولم يكره مقامه مع المرأة
- وإن نوى طلاقها - من غير نزاع نعلمه فى ذلك ، مع اختلافهم فيما حدث
من تأجيل النكاح : مثل أن يؤجل الطلاق الذى بينهما ، فهذا فيه قولان هما
روايتان عن أحمد: ((أحدهما)) تنجز الفرقة، وهو قول مالك؛ لئلا يصير
النكاح مؤجلا. ((والثانى)) لاتنجز، لأن هذا التأجيل طرأ على النكاح
والدوام أقوى من الابتداء . فالعدة والردة والإحرام تمنع ابتداءه؛ دون دوامه،
فلا يلزم إذا منع التأجيل فى الابتداء أن يمنع فى الدوام ؛ لكن يقال: ومن
الموانع ما يمنع الدوام والابتداء أيضا : فهذا محل اجتهاد . كما اختلف فى
١٤٨

العيوب الحادثة ، وزوال الكفاءة : هل تثبت الفسخ ؟ فأما حدوث نية
الطلاق إذا أراد أن يطلقها بعد شهر فلم نعلم أن أحدا قال إن ذلك يبطل النكاح
فإنه قد يطلق ؛ وقد لا يطلق عند الأجل. كذلك الناوي عندالعقد فى النكاح،
وكل منهما يتزوج الآخر إلى أن يموت فلابد من الفرقة ،
والرجل يتزوج الأمة التي يريد سيدها عتقها، ولو أعتقت كان الأمر
بيدها ، وهو يعلم أنها لا تختاره، وهو نكاح صحيح. ولو كان عتقها مؤجلا
أو كانت مديرة وتزوجها وإن كانت لها عند مدة الأجل اختيار فراقه .
والنكاح مبناه على أن الزوج يملك الطلاق من حين العقد . فهو بالنسبة إليه
ليس بلازم ، وهو بالنسبة إلى المرأة لازم . ثم إذا عرف أنه بعد مدة يزول
اللزوم من جهتها ويبقى جائزاً لم يقدح فى النكاح؛ ولهذ يصح نكاح المجبوب
والعنين ، وبشروط يشترطها الزوج ، مع أن المرأة لها الخيار إذا لم يوف
بتلك الشروط . فعلم أن مصيره جائزاً من جهة المرأة لا يقدح ، وإن كان هذا
يوجب انتفاء كمال الطمأنينة من الزوجين . فعزمه على الملك ببعض الطمأنينة .
مثل هذا إذا كانت المرأة مقدمة على أنه إن شاء طلق ، وهذا من لوازم النكاح
فلم يعزم إلا على ما يملكه بموجب العقد ، وهو كما لو عزم أن يطلقها إن فعلت
ذنبا أو إذا نقص ماله ونحو ذلك . فعزمه على الطلاق إذا سافر إلى أهله ، أو
قدمت امرأته الغائبة ، أو قضى وطره منها : من هذا الباب .
١٤٩

وزيد كان قد عزم على طلاق امرأته ، ولم تخرج بذلك عن زوجيته ؛
بل مازالت زوجته حتى طلقها ، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((اتق الله
وأمسك عليك زوجك)) وقيل: إن الله قد كان أعلمه أنه سيتزوجها، وكتم
هذا الإعلام عن الناس، فعاتبه الله على كتمانه، فقال: ( وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اللَّهُ
مُبْدِيهِ ) من إعلام الله لك بذلك. وقيل: بل الذى أخفاه أنه إن طلقها تزوجها .
وبكل حال لم يكن عزم زيد على الطلاق قادحا فى النكاح فى الاستدامة ،
وهذا مما لا نعرف فيه نزاعا . وإذا ثبت بالنص والإجماع أنه لا يؤثر العزم
على طلاقها فى الحال .
وهذا يرد على من قال : إنه إذا نوى الطلاق بقلبه وقع . فإن قلب زيد
كان قد خرج عنها ، ولم تزل زوجته إلى حين تكلم بطلاقها ، وقال النبي
صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها مالم تتكلم
أو تعمل به )) وهذا مذهب الجمهور: كأبى حنيفة والشافعى وأحمد ، وهو
إحدى الروايتين عن مالك . ولا يلزم إذا أبطله شرط التوقيت أن تبطله نية
التطليق فيما بعد ؛ فإن النية المبطلة ما كانت مناقضة لمقصود العقد ، والطلاق
بعد مدة أمر جائز لا يناقض مقصود العقد إلى حين الطلاق ؛ بخلاف المحلل
فإنه لارغبة له فى نكاحها ألبتة ، بل فى كونها زوجة الأول ، ولو أمكنه
ذلك بغير تحليل لم يحلها هذا . وإن كان مقصوده العوض فلو حصلله بدون
نكاحها لم يتزوج ، وإن كان مقصوده هنا وطأها ذلك اليوم : فهذا من
١٥٠

جنس البغي التى يقصد وطأها يوما أو يومين ، بخلاف المتزوج الذى
يقصد المقام والأمر بيده، ولم يشرط عليه أحد أن يطلقها كما شرط
على المحلل .
فإن قدر من تزوجها نكاحا مطلقا ليس فيه شرط ولاعدة ولكن كانت
نيته أن يستمتع بها أياما ثم يطلقها؛ ليس مقصوده أن تعود إلى الأول :
ء
فهذا هو محل الكلام ، وإن حصل بذلك تحليلها للأول فهو لا يكون محللا
إلا إذا قصده أو شرط عليه شرطا لفظيا أو عرفيا. سواء كان الشرط قبل العقد
أو بعده . وأما إذا لم يكن فيه قصد تحليل ولا شرط أصلا : فهذا نكاح
من الأنكحة .
وسئل رحمه اللّه تعالى
عن هذا ((التحليل)) الذى يفعله الناس اليوم: إذا وقع على الوجه الذى
يفعلونه ، من الاستحقاق ، والإشهاد ، وغير ذلك من سائر الحيل المعروفة:
هل هو صحيح ، أم لا ؟ وإذا قلد من قال به هل: يفرق بين اعتقاد واعتقاد ؟
وهل الأولى إمساك المرأة ، أم لا؟
فأجاب : التحليل الذى يتواطئون فيه مع الزوج - لفظاً أو عرفاً - على
أن يطلق المرأة ، أو ينوي الزوج ذلك : محرم . لعن النبي صلى الله عليه
١٥١

وسلم فاعله فى أحاديث متعددة، وسماه ((التيس المستعار)) وقال: ((لعن
الله المحلل والمحلل له)). وكذلك فعل عمر وعثمان وعلى وابن عمر وغيرهم لهم
بذلك آثار مشهورة : يصرحون فيها بأن من قصد التحليل بقلبه فهو محلل ؛
وإن لم يشترطه فى العقد. وسموه ((سفاحا)).
ولا تحل لمطلقها الأول بمثل هذا العقد ، ولا يحل للزوج المحلل إمسا كها
بهذا التحليل ؛ بل يجب عليه فراقها ؛ لكن إذا كان قد تبين باجتهاد أو
تقليد جواز ذلك ؛ فتحللت ، وتزوجها بعد ذلك ، ثم تبين له تحريم ذلك:
فالأقوى أنه لا يجب عليه فراقها ؛ بل يمنع من ذلك فى المستقبل، وقد عفا الله
فى الماضى عما سلف .
وسئل رحم الله تعالى
عن إمام عدل ، طلق امرأته ، وبقيت عنده فى بيته حتى استحلت تحليل
أهل مصر ، وتزوجها .
فأجاب : إذا زوجها الرجل بنية أنه إذا وطئها طلقها ليحلها لزوجها
الأول ، أو تواطآً على ذلك قبل العقد، أو شرطاه فى صلب العقد - لفظاً
أو عرفاً -: فهذا وأنواعه ((نكاح التحليل)) الذى اتفقت الأمة على بطلانه،
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لعن الله المحلل والمحلل له))
١٥٢

وسئل رحمه الله تعالى
عن رجل طلق زوجته ثلاثا، ثم أوفت العدة ، ثم تزوجت بزوج ثان،
وهو ((المستحل)): فهل الاستحلال يجوز بحكم ماجرى لرفاعة مع زوجته
فى أيام النبي صلى الله عليه وسلم، أم لا ؟ ثم إنها أتت لبيت الزوج الأول
طالبة لبعض حقها ، فغلبها على نفسها ، ثم إنها قعدت أياما وخافت ، وادعت
أنها حاضت ؛ لكي يردها الزوج الأول ، فراجعها إلى عصمته بعقد شرعي
وأقام معها أياما فظهر عليها الحمل ، وعلم أنها كانت كاذبة فى الحيض
فاعتزلها إلى أن يهتدى بحكم الشرع الشريف .
فأجاب : أما إذا تزوجها زوج ليحلها لزوجها المطلق فهذا المحلل،
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لعن الله المحلل والمحلل له)).
وأما حديث رفاعة فذاك كان قد تزوجها نكاحا ثابتا ؛ لم يكن قد تزوجها
ليحلها للمطلق . وإذا تزوجت بالمحلل ثم طلقها فعليها العدة باتفاق العلماء؛
إذ غايتها أن تكون موطوءة فى نكاح فاسد فعليها العدة منه .
وما كان يحل للأول وطؤها ؛ وإذا وطئها فهو زان عاهر ، ونكاحها
الأول قبل أن تحيض ثلاثا باطل باتفاق الأمة ، وعليه أن يعتزلها ، فإذا جاءت
١٥٣

بولد ألحق بالمحلل ؛ فإنه هو الذى وطئها فى نكاح فاسد، ولا يلحق الولد
فى النكاح الأول ؛ لأن عده انقضت وتزوجت بعد ذلك بمن وطئها ،
وهذا يقطع حكم الفراش بلا نزاع بين الأمة ، ولا يلحق بوطئه زنى؛
لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((الولد للفراش. وللعاهر الحجر)).
لكن إن على المحلل أن الولد ليس منه ؛ بل من هذا العاهر فعليه أن ينفيه
باللسان ، فيلاعنها لعانا ينقطع فيه نسب الولد . ويلحق نسب الولد بأمه.
ولا يلحق بالعاهر .
وسئل رحمه اللّه
هل تصح مسألة العبد أم لا ؟
فأجاب : الحمد لله. تزوج المرأة المطلقة بعبد يطؤّها ثم تباح الزوجة هي
من صور التحليل، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لعن الله
المحلل والمحلل له )).
وسئل
عن رجل حنث من زوجته ، فنكحت غيره ليحلها للاول : فهل هذا
ء
النكاح صميح ، أم لا ؟
١٥٤

فأجاب: قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((لعن
الله المحلل والمحلل له)) وعنه أنه قال: ((ألا أنبئكم بالتيس المستعار؟))
قالوا: بلى يا رسول الله. قال: ((هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له)).
واتفق على تحريم ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم
بإحسان : مثل عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ، وعلى بن أبى طالب
وعبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمر وغيرهم ؛ حتى
قال بعضهم : لا يزالا زانيين ؛ وإن مكثا عشرين سنة إذا علم الله من قلبه
أنه يريد أن يحلها له . وقال بعضهم: لا نكاح إلا نكاح رغبة؛ لانكاح
دلسة . وقال بعضهم : من يخادع الله يخدعه . وقال بعضهم : كنا نعدها
على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سفاحا . وقد اتفق أئمة الفتوى كلهم
أنه إذا شرط التحليل فى العقد كان باطلا . وبعضهم لم يجعل للشرط المتقدم
ولا العرف المطرد تأثيرا ، وجعل العقد مع ذلك كالنكاح المعروف نكاح
الرغبة . وأما الصحابة والتابعون وأكثر أئمة الفتيا فلا فرق عنده بين
هذا العرف واللفظ ، وهذا مذهب أهل المدينة ، وأهل الحديث، وغيرهما
والله أعلم.
وسئل رحمه اللّه
عن العبد الصغير إذا استحلت به النساء وهو دون البلوغ : هل يكون
ذلك زوجا وهو لا يدرى الجماع ؟
١٥٥

فأجاب: ثبت في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ((لعن آكل
الربا ، ومو كله ، وشاهديه ، وكاتبه ، ولعن الله المحلل ، والمحلل له))
قال الترمذى حديث صحيح. وثبت إجماع الصحابة على ذلك : كعمر ، وعثمان
وعلى، وابن مسعود، وابن عباس وغيرهم، حتى قال عمر: لاأوتى بمحلل ولا محلل
له إلا رجمتهما. وقال عثمان: لا نكاح إلا نكاح رغبة، لانكاح داسة. وسئل
ابن عباس عمن طلق امرأته مائة طلقة ؟ فقال : بانت منه بثلاث ،
وسائرها اتخذ بها آيات الله هزواً . فقال له السائل : أرأيت إن تزوجتها
وهو لا يعلم ؛ لأحلها ثم أطلقها ؟ فقال له ابن عباس : من يخادع الله يخدعه.
وسئل عن ذلك فقال: لا يزالان زانيين وإن مكثا عشرين سنة ؛ إذا علم الله
من قلبه أنه يريد أن يحلها له . وقد بسطنا الكلام فى هذه المسألة فى ((كتاب
بيان الدليل على بطلان التحليل)) وهذا لعمري إذا كان المحلل كبيرا يطؤها
ويذوق عسيلتها ، وتذوق عسيلته . فأما العبد الذى لاوطء فيه ، أوفيه
ولا يعد وطؤه وطأ ، كمن لا ينتشر ذكره : فهذا لانزاع بين الأئمة فى أن
هذا لا يحلها. ((ونكاح المحلل)) مما يعير به النصارى المسلمين، حتى
يقولون : إن المسلمين قال لهم نبيهم : إذا طلق أحدكم امرأته لم تحل له حتى
تزني. ونبينا صلى الله عليه وسلم بريء من ذلك هو وأصحابه والتابعون لهم
بإحسان وجمهور أئمة المسلمين . والله أعلم .
١٥٦

باب الشروط فى النكاح
قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه اللّه
الحمد لله نستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسناومن سيئات
أعمالنا . من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له . ونشهد أن
لا إله إلا الله وحده لاشريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله
عليه وعلى آله وسلم تسليما.
فصل
الشروط الفاسدة فى النكاح كثيرة: كـ ((نكاح الشغار))، ((والمحلل))
((والمتعة))؛ ومثل أن يتزوجها على ألا مهر لها، أو على مهر محرم، ونحو
ذلك من الشروط الفاسدة . وللعلماء فيها أقوال .
((أحدها)) أنه لا يصح النكاح. ثم هل يصح إذاً إمضاء الشرط
الفاسد بعد ذلك ؟ فيه نزاع . وهذا أحد القولين فى مذهب مالك وأحمد ،
وهو اختيار طائفة من أئمة أصحابه: كأبى بكر الخلال، وأبى بكر عبد العزيز.
١٥٧

((والثانى)) يصح النكاح ، ويبطل الشرط ؛ وهو مذهب أبى حنيفة
وأصحابه فى الجميع؛ وخرج ذلك طائفة من أصحاب أحمد: كأبي الخطاب
وابن عقيل وغيرهما قولا فى مذهبه ؛ حتى فى النكاح الباطل ؛ فإن أبا حنيفة
وصاحبيه يقولون ببطلانه ، وزفر يصحح العقد ويلغى الأصل ، وقد خرج
كلاهما قولا فى مذهب أحمد . وهذا التخريج من نصه فى قوله : إن جئتنى
بالمهر إلى وقت كذا ؛ وإلا فلا نكاح بيننا . فإنه حكي عنه فيه ثلاث
روايات : رواية بصحتهما . ورواية بفسادهما . ورواية بصحة العقد دون
الشرط. وكذلك فيما إذا تزوجها على أن ترد إليه المهر : فقد نص على صحة
العقد , وبطلان الشرط .
و ((القول الثالث)) فى الشروط الفاسدة: أنه يبطل نكاح الشغار
والمتعة ، ونكاح التحليل المشروط فى العقد ، ويصح النكاح مع المهر المحرم
ومع نفي المهر . وهذا مذهب الشافعى ؛ وهو الرواية الثانية عن أحمد
اختارها كثير من أصحابه : كالحربى ، والقاضى أبى يعلى ، وأتباعه .
وهؤلاء يفرقون بين ما صححوه من عقود النكاح مع الشرط الفاسد، وماأبطلوه
بأن الشرط إذا انتفى وقع النكاح؛ وإلا كان باطلا: ((كنكاح المتعة))
وكذلك ((نكاح التحليل)) إذا قدره بالفعل مثل أن يقول : زوجتكها
إلى أن تحلها . وأما إذا قال : على أنك إذا أحلتها فلا نكاح بينكما؛ أو على
أنك تطلقها إذا أحلتها : فهذا فيه نزاع فى مذهب الشافعى . وأبو يوسف
يوافق الشافعي على قوله ببطلانه .
١٥٨

وأما (( نكاح الشغار)» فلهم فى علة إبطاله أقوال : هل العلة التشريك
فى البضع ؟ أو تعليق أحد النكاحين على الآخر ؟ أو كون أحد العقدين
سلفا من الآخر ؟ إلى غير ذلك مما ذكر بأفلامهم فى غير هذا الموضع .
وأما ((النكاح بالمهر الفاسد)) و((شرط نفي المهر)) فصححوه
موافقة لأبي حنيفة : بناء على أن النكاح يصح بدون تسمية المهر، فيصح مع
نفي المهر . وهؤلاء جعلوا نكاح المتعة أصلا لما يبطلونه من الأنكحة ،
ونكاح المفوضة أصلا لما يصححونه ، ونكاح الشغار جعلوه نوعاً آخر
وهذا أصل قول أبي حنيفة فى الشروط الفاسدة فى النكاح ، والفرق بينها
وبين الشروط الفاسدة فى البيع والإجارة ؛ فإنه قال: إنه لا يصح مع عدم
تسمية العوض ، فلايصح مع الجهل به ، ولا مع الشروط الفاسدة ؛ لأن ذلك
يتضمن الجهل بالعوض ؛ لأنه يجب إسقاط الشرط الفاسد ، وإسقاط ما يقابله
من الثمن ؛ فيكون باقي الثمن مجهولا.
وقد احتج الأكثرون على هؤلاء بالنصوص الثابتة عن النبي صلى الله عليه
وسلم بنهيه عن نكاح الشغار، وعن نكاح التحليل ، كنهيه عن نكاح
المتعة . والنهى عن النكاح يقتضي فساده ، كنهيه عن النكاح في العدة ،
والنكاح بلا ولي ، ولا شهود. وبأن الصحابة أبطلوا هذه العقود، ففرقوا
بين الزوجين فى نكاح الشغار ، وجعلوا نكاح التحليل سفاحاً، وتوعدوا
المحلل بالرجم ، ومنعوا من غير نكاح الرغبة، كما ذكرنا الآثار الكثيرة عنهم بذلك
فى ((كتاب إبطال التحليل)). فتبين بالنصوص وإجماع الصحابة فسادهذه الأنكحة.
١٥٩

ولأن النكاح إذا قيل بصحته ولزومه : فإما أن يقال بذلك مع الشرط
المحرم الفاسد ، وهذا خلاف النص والإجماع . وإما أن يقال به مع إبطال
الشرط ، فيكون ذلك إلزاما للعاقد بعقد لم يرض به ولا ألزمه الله به.
ومعلوم أن موجب العقد : إما أن يلزم بإلزام الشارع ؛ أو إلزام العاقد .
فالأول كالعقود التى ألزمه الشارع بها ؛ كما ألزم الشارع الكافر الحربي
بالإسلام ، وكما ألزم من عليه يمين واجبة حنث فيها بواحدة بالإعتاق
أو الصوم ، وكما ألزم من احتاج إلى سوى ذلك (١) بالبيع والشراء فى صور
متعددة. و(الثانى)) المقابلة (٢) وكما يلزم الضامن دين المدين [مع](٣) بقائه فى ذمته،
وكما يلتزم كل من المتبايعين والمتصالحين والمتا جرين بما يلتزمه للآخر.
وإذا كان كذلك فالنكاح المشروط فيه شرط فاسدُ لم يلزم الشارع
صاحبه أن يعقده بدون ذلك الشرط ، ولا هو التزم أن يعقده مجرداً عن
الشرط. فإلزامه بما لم يلتزمه هو ولا ألزمه به الشارع إلزام للناس بعالم يلزمهم
الله به ولا رسوله ، وذلك لا يجوز ؛ ولأن الشروط فى النكاح أو كد منها
فى البيع: بدليل قوله فى الحديث الصحيح: ((إن أحق الشروط أن توفوا
به ما استحللتم به الفروج)». ثم البيع لا يجوز إلا بالتراضي ؛ لقوله تعالى:
( إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِحَرَةً عَن ◌َاضِ مِّنْكُمْ ) فالنكاح لا يجوز إلا بالتراضي
بطريق الأولى والأحرى . والعقد الفاسد لم يرض به العاقد إلا على تلك الصفة
(١) (٢) خرم بالأصل .
(٣) أضيفت حسب مفهوم السياق
١٦٠