Indexed OCR Text
Pages 81-100
وسئل رحمه الله تعالى عمن يقول : إن المرأة إذا وقع بها الطلاق الثلاث تباح بدون نكاح ثان للذى طلقها ثلاثا : فهل قال هذا القول أحد من المسلمين ، ومن قال هذا القول ماذا يجب عليه؟ ومن استحلها بعد وقوع الثلاث بدون نكاح ثان ماذا يجب عليه؟ وما صفة النكاح الثانى الذي يبيحها للأول؟ أفتونا مأجورين مثابين يرحمكم الله. فأجاب - رضى الله عنه - الحمد لله رب العالمين. إذا وقع بالمرأة الطلاق الثلاث فإنها تحرم عليه حتى تنكح زوجا غيره بالكتاب والسنة وإجماع الأمة ، ولم يقل أحد من علماء المسلمين إنها تباح بعد وقوع الطلاق الثلاث بدون زوج ثان ، ومن نقل هذا عن أحد منهم فقد كذب. ومن قال ذلك أو استحل وطأها بعد وقوع الطلاق الثلاث بدون نكاح زوج ثان ، فإن كان جاهلا يعذر بجهله - مثل أن يكون نشأ بمكان قوم لا يعرفون فيه شرائع الإسلام، أو يكون حديث عهد بالإسلام، أو نحو ذلك - فإنه يُعرَّف دن الإسلام ؛ فإن أصر على القول بأنها تباح بعد وقوع الثلاث بدون نكاح ثان أو على استحلال هذا الفعل: فإنه يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل ، كأمثاله من ٨١ المرتدين الذين يجحدون وجوب الواجبات ، وتحريم المحرمات ، وحل المباحات التى علم أنها من دين الإسلام، وثبت ذلك بنقل الأمة المتواتر عن نبيها عليه أفضل الصلاة والسلام. وظهر ذلك بين الخاص والعام ، كمن يجحد وجوب ((مباني الإسلام)) من الشهادتين، والصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان وحج البيت الحرام، أو جحد ((تحريم الظلم، وأنواعه)) كالربا والميسر، أو تحريم الفواحش ماظهر منها وما بطن، وما يدخل فى ذلك من تحريم ((نكاح الأقارب)) سوى بنات العمومة والخؤولة، وتحريم ((المحرمات بالمصاهرة)) وهن أمهات النساء وبناتهن وحلائل الآباء والأبناء ونحو ذلك من المحرمات، أو حل الخبز. واللحم ، والنكاح واللباس؛ وغير ذلك مما علمت إباحته بالاضطرار من دين الإسلام : فهذه المسائل مما لم يتنازع فيها المسلمون ، لاسنيهم ولا بدعيهم . ولكن تنازعوا فى مسائل كثيرة من ((مسائل الطلاق والنكاح)) وغير ذلك من الأحكام: كتنازع الصحابة والفقهاء بعدهم فى ((الحرام)» هل هو طلاق، أو عين، أو غير ذلك؟ وكتنازعهم فى ((الكنايات الظاهرة)) كالخلية ، والبرية، والبتة: هل يقع بها واحدة رجعية، أو بائن، أو ثلاث؟ أو يفرق بين حال وحال؟ وكتنازعهم فى ((المولي)»: هل يقع به الطلاق عند انقضاء المدة إذا لم يف فها ؟ أم يوقف بعد انقضائها حتى يفيء أو يطلق ؟ وكتنازع العلماء في طلاق السكران. والمكره، وفى الطلاق بالخط، وطلاق ٨٢ الصبي المميز ، وطلاق الأب على ابنه. وطلاق الحكم الذى هو من أهل الزوج بدون توكيله. كما تنازعوا فى بذل أجر العوض بدون توكيلها . وغير ذلك من المسائل التى يعرفها العلماء. وتنازعوا أيضا فى مسائل ((تعليق الطلاق بالشرط)) ومسائل ((الحلف بالطلاق، والعتاق والظهار، والحرام، والنذر)) كقوله : إن فعلت كذا فعلي الحج أوصوم شهر أو الصدقة بألف . وتنازعوا أيضاً فى كثير من مسائل ((الأيمان)» مطلقا فى موجب اليمين. وهذا كتنازعهم فى تعليق الطلاق بالنكاح : هل يقع أولا يقع : أو يفرق بين العموم والخصوص ؟ أو بين ما يكون فيه مقصود شرعي وبين أن يقع فى نوع ملك أو غير ملك ؟ وتنازعوا فى الطلاق المعلق بالشرط بعد النكاح ؟ على ثلاثة أقوال . فقيل: يقع مطلقا . وقيل : لا يقع وقيل : يفرق بين الشرط الذى يقصد وقوع الطلاق عند كونه، وبين الشرط الذى يقصد عدمه، وعدم الطلاق عنده. ((فالأول )) كقوله : إن أعطيتينى ألفا فأنت طالق. ((والثانى)) كقوله : إن فعلت كذا فعبيدى أحرار ، ونسائي طوالق، وعلي الحج . وأما النذر المعلق بالشرط ، فاتفقوا على أنه إذا كان مقصوده وجود الشرط كقوله: إن شفى الله مريضى، أو سلم مالي الغائب فعلي صوم شهر، أو الصدقة بمائة : أنه يلزمه . وتنازعوا فيما إذا لم يكن مقصوده وجود الشرط ؛ بل مقصوده عدم الشرط ، وهو حالف بالنذر ، كما إذا قال: لاأسافر ، وإن سافرت ٨٣ فعلي الصوم، أو الحج، أو الصدقة ، أو على عتق رقبة، ونحو ذلك ؛ على ثلاثة أقوال: فالصحابة وجمهور السلف على أنه يجزيه كفارة يمين ، وهو مذهب الشافعى وأحمد ، وهو آخر الروايتين عن أبى حنيفة ، وقول طائفة من المالكية : كابن وهب ، وابن أبي العمر ، وغيرهما . وهل يتعين ذلك ، أم يجزيه الوفاء ؟ على قولين فى مذهب الشافعى وأحمد . وقيل : عليه الوفاء ، كقول مالك ، وإحدى الروايتين عن أبى حنيفة ، وحكاه بعض المتأخرين قولا للشافعى ؛ ولا أصل له فى كلامه . وقيل : لا شىء عليه بحال ، كقول طائفة من التابعين ، وهو قول داود ، وابن حزم . وهكذا تنازعوا على هذه الأقوال الثلاثة فيمن حلف بالعتاق أو الطلاق أن لا يفعل شيئا كقوله: إن فعلت كذا فعبدي حر ، أو امرأتى طالق . هل يقع ذلك إذا حنث ، أو يجزيه كفارة يمين ، أولا شىء عليه ؟ على ثلاثة أقوال . ومنهم من فرق بين الطلاق والعتاق . واتفقوا على أنه إذا قال : إن فعلت كذا فعلي أن أطلق امرأتى لا يقع به الطلاق ؛ بل ولا يجب عليه إذلم يكن قربة؛ ولكن هل عليه كفارة يمين؟ على قولين. ((أحدهما)) يجب عليه كفارة يمين ، وهو مذهب أحمد فى المشهور عنه ، ومذهب أبى حنيفة فيما حكاه ابن المنذر والخطابى وابن عبد البر وغيرهم ، وهو الذى وصل إلينا فى كتب أصحابه ، وحكى القاضى أبو يعلى وغيره. وعنه أنه لا كفارة فيه، و ((الثانى)) لا شيء عليه، وهو مذهب الشافعى. ٨٤ فصل وأما إذا قال : إن فعلته فعلى إذاً عتق عبدى . فاتفقوا على أنه لا يقع العتق بمجرد الفعل ؛ لكن يجب عليه العتق . وهو مذهب مالك ، وإحدى الروايتين عن أبى حنيفة . وقيل : لا يجب عليه شىء ، وهو قول طائفة من التابعين ، وقول داود ، وابن حزم . وقيل : عليه كفارة يمين، وهو قول الصحابة وجمهور التابعين ، ومذهب الشافعى وأحمد ، وهو خير بين التكفير والإعتاق على المشهور عنهما . وقيل : يجب التكفير عينا ؛ ولم ينقل عن الصحابة شىء فى الحلف بالطلاق فيما بلغنا بعد كثرة البحث ، وتتبع كتب المتقدمين والمتأخرين؛ بل المنقول عنهم إما ضعيف؛ بل كذب من جهة النقل ، وإما ألايكون دليلا على الحلف بالطلاق ؛ فإن الناس لم يكونوا يحلفون بالطلاق على عهده ؛ ولكن نقل عن طائفة منهم فى الحلف بالعتق أن يجزيه كفارة يمين ، كما إذا قال : إن فعلت كذا فعبدي حر . وقد نقل عن بعض هؤلاء نقيض هذا القول وأنه يعتق. وقد تكلمنا على أسانيد ذلك فى غير هذا الموضع . ومن قال من الصحابة والتابعين: إنه لا يقع العتق فإنه لا يقع الطلاق بطريق الأولى، كما صرح بذلك من صرح به من التابعين. وبعض العلماء ظن أن الطلاق لانزاع فيه فاضطره ذلك إلى أن عكس موجب الدليل فقال: يقع الطلاق؛ دون العتاق ! وقد بسط الكلام على هذه المسائل ، وبين مافيها من مذاهب الصحابة والتابعين لهم ٨٥ ٠ بإحسان، والأئمة الأربعة ، وغيره من علماء المسلمين ، وحجة كل قوم فى غير هذا الموضع . وتنازع العلماء فيما إذا حلف بالله أو الطلاق أو الظهار أو الحرام أو النذر أنه لا يفعل شيئا ففعله ناسيا ليمينه، أو جاهلا بأنه المحلوف عليه: فهل يحنث، كقول أبى حنيفة ومالك وأحمد ، وأحد القولين الشافعى وإحدى الروايات عن أحمد ؟ أولا يحنث بحال ، كقول المكيين ، والقول الآخر للشافعى والرواية الثانية عن أحمد ؟ أو يفرق بين اليمين بالطلاق والعتاق وغيرهما ، كالرواية الثالثة عن أحمد ، وهو اختيار القاضى والخرقى وغيرهما من أصحاب أحمد ، والقفال من أصحاب الشافعى؟ وكذلك لو اعتقد أن امرأته بانت بفعل المحلوف عليه ، ثم تبين له أنها لم تبن ؟ ففيه قولان . وكذلك إذا حلف بالطلاق أو غيره على شيء يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه ؟ ففيه ثلاثة أقوال كما ذكر ، ولو حلف على شىء يشك فيه ثم تبين صدقه ؟ ففيه قولان ، عند مالك يقع، وعندالأكثرين لا يقع ، وهو المشهور من مذهب أحمد ، والمنصوص عنه فى رواية حرب التوقف فى المسألة ، فيخرج على وجهين ، كما إذا حلف ليفعلن اليوم كذاومضى اليوم ، أو شك فى فعله هل يحنث ؟ على وجهين . واتفقوا على أنه يرجع فى المين إلى نية الحالف إذا احتملها لفظه ، ولم يخالف الظاهر ، أو خالفه وكان مظلوما . وتنازعوا هل يرجع إلى سبب ٠٠ ٨٦ المين وسياقها وما هيجها ؟ على قولين: فذهب المدنيين كمالك وأحمد وغيره أنه يرجع إلى ذلك، والمعروف فى مذهب أبى حنيفة والشافعى أنه لا يرجع لكن فى مسائلهما ما يقتضي خلاف ذلك . وإن كان السبب أعم من اليمين عمل به عند من يرى السبب . وإن كان خاصا : فهل يقصر المين عليه ؟ فيه قولان فى مذهب أحمد وغيره. وإن حلف على معين يعتقده على صفة فتبين بخلافها ؟ ففيه أيضا قولان. وكذلك لو طلق امرأته بصفة ؛ ثم تبين بخلافها مثل أن يقول: أنت طالق أن دخلت الدار - بالفتح - أى لأجل دخولك الدار ؛ ولم تكن دخلت. فهل يقع به الطلاق ؟ على قولين فى مذهب أحمد وغيره. وكذلك إذا قال: أنت طالق لأنك فعلت كذا ونحو ذلك، ولم تكن فعلته ؟ ولو قيل له: امرأتك فعلت كذا ؛ فقال : هى طالق . ثم تبين أنهم كذبوا عليها ؟ ففيه قولان وتنازعوا فى الطلاق المحرم: كالطلاق فى الحيض؛ وكجمع الثلاث عند الجمهور الذين يقولون إنه حرام؛ ولكن الأربعة وجمهور العلماء يقولون: كونه حراما لا يمنع وقوعه، كما أن الظهار محرم وإذا ظاهر ثبت حكم الظهار؛ وكذلك (النذر)) قد ثبت فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم ((أنه نهى عنه)) ومع هذا يجب عليه الوفاء به بالنص والإجماع . والذين قالوا لا يقع : اعتقدوا أن كل مانهى الله عنه فإنه يقع فاسدا لا يترتب عليه حكم، والجمهور فرقوا بين أن يكون الحكم يعمه لا يناسب فعل ٨٧ المحرم: كحل الأموال والأبضاع وإجزاء العبادات وبين أن يكون عبادة تناسب فعل المحرم كالإيجاب والتحريم ؛ فإن المنهي عن شىء إذا فعله قد تلزمه بفعله كفارة أو حد ، أو غير ذلك من العقوبات : فكذلك قد ينهى عن فعل شىء فإذا فعله لزمه به واجبات ومحرمات ؛ ولكن لا ينهى عن شيء إذا فعله أحلت له بسبب فعل المحرم الطيبات ؛ فبرئت ذمته من الواجبات ؛ فإن هذا من ((باب الإكرام والإحسان)) والمحرمات لا تكون سببا محضا للإ كرام والإحسان؛ بل هى سبب للعقوبات إذا لم يتقوا الله تبارك وتعالى؛ كما قال تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيَّهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) وقال تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواحَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ ) إلى قوله تبارك وتعالى: ( ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِبَغْيِهِمْ) وكذلك ماذكره تعالى فى قصة البقرة من كثرة سؤالهم وتوقفهم عن امتثال أمره كان سببا لزيادة الإيجاب، ومنه قوله تعالى: (لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) وحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن أعظم المسلمين فى المسلمين جرما من سأل عن شىء لم يحرم نحرم من أجل مسألته )) ولما سألوه عن الحج: أفى كل عام؟ قال: ((لا . ولو قلت : نعم لوجب ؛ ولو وجب لم تطيقوه ؛ ذرونى ما تر كتم ؛ فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم؛ فإذا نهيتم عن شىء فاجتنبوه. وإذا أمر تكم بأمر فأتوامنه ما استطعتم». ومن هنا قال طائفة من العلماء : إن الطلاق الثلاث حرمت به المرأة عقوبة للرجل حتى لا يطلق ؛ فإن الله يبغض الطلاق؛ وإنما يأمر به الشياطين والسحرة كما قال تعالى فى السحر: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَايُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) وفى ٨٨ الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الشيطان ينصب عرشه على البحر ؛ ويبعث جنوده فأقربهم إليه منزلة أعظمهم فتنة ؛ فيأنى أحدهم فيقول مازلت به حتى شرب الخمر. فيقول الساعة يتوب ويأتى الآخر فيقول: ما زلت به حتى فرقت بينه وبين امرأته. فيقبله بين عينيه. ويقول: أنت! أنت!)). وقد روى أهل التفسير والحديث والفقه : أنهم كانوا فى أول الإسلام يطلقون بغير عدد: يطلق الرجل المرأة، ثم يدعها حتى إذا شارفت انقضاء العدة راجعها ثم طلقها ضرارا ، فقصرم الله على الطلقات الثلاث؛ لأن الثلاث أول حد الكثرة، وآخر حد القلة. ولولا أن الحاجة داعية إلى الطلاق لكان الدليل يقتضى بحريمه، كما دلت عليه الآثار والأصول ؛ ولكن الله تعالى أباحه ھے رحمة منه بعباده لحاجتهم إليه أحيانا . وحرمه فى مواضع باتفاق العلماء . كما إذا طلقها فى الحيض ولم تكن سألته الطلاق ؛ فإن هذا الطلاق حرام باتفاق العلماء. والله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بأفضل الشرائع وهى الحنيفية السمحة، كما قال: ((أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة)) فأباح لعباده المؤمنين الوطء بالنكاح. والوطء بملك اليمين . واليهود والنصارى لا يطئون إلا بالنكاح؛ لا يطئون بملك اليمين. و ((أصل ابتداء الرق)» إنما يقع من السبي . والغنائم لم تحل إلا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، كما ثبت فى الحديث ء الصحيح أنه قال: ((فضلنا على الانبياء بخمس: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة ٨٩ وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد كان قبلنا ، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ، وأعطيت الشفاعة)) فأباح سبحانه للمؤمنين أن ينكحوا وأن يطلقوا ، وأن يتزوجوا المرأة المطلقة بعد أن تتزوج بغير زوجها . (( والنصارى )) يحرمون النكاح على بعضهم، ومن أباحوا له النكاح لم يبيحوا له الطلاق. ((واليهود)) يبيحون الطلاق؛ لكن إذا تزوجت المطلقة بغير زوجها حرمت عليه عندهم. والنصارى لاطلاق عندهم. واليهود لا مراجعة بعد أن تتزوج غيره عندهم. والله تعالى أباح للمؤمنين هذا وهذا. ولو أبيح الطلاق بغير عدد - كما كان فى أول الأمر - لكان الناس يطلقون دائما : إذا لم يكن أمر يزجره عن الطلاق ؛ وفى ذلك من الضرر والفساد ما أوجب حرمة ذلك، ولم يكن فساد الطلاق لمجرد حق المرأة فقط: كالطلاق فى الحيض حتى يباح دائما بسؤالها؛ بل نفس الطلاق إذا لم تدع إليه حاجة منهي عنه باتفاق العلماء : إما نعى تحريم ، أو نهى تنزيه. وما كان مباحا للحاجة قدر بقدر الحاجة . والثلاث هى مقدار ما أبيح للحاجة، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( لا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذى يبدأ بالسلام)) وكما قال : ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث؛ إلا على زوج ٩٠ فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا)) وكما رخص للمهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا . وهذه الأحاديث فى الصحيح. وهذا مما احتج به من لا يرى وقوع الطلاق إلا من القصد ؛ ولا يرى وقوع طلاق المكره ؛ كما لا يكفر من تكلم بالكفر مكرها بالنص والإجماع ؛ ولو تكلم بالكفر مستهزئا بآيات الله وبالله ورسوله كفر؛ كذلك من تكلم بالطلاق هازلا وقع به . ولو حلف بالكفر فقال : إن فعل كذا فهو برىء من الله ورسوله ؛ أو فهو يهودي أو نصرانى . لم يكفر بفعل المحلوف عليه؛ وإن كان هذا حكما معلقا بشرط فى اللفظ ؛ لأن مقصوده الحلف به بعضاله ونفوراً عنه؛ لا إرادة له ؛ بخلاف من قال : إن أعطيتمونى ألفاً كفرت فإن هذا يكفر . وهكذا يقول من يفرق بين الحلف بالطلاق وتعليقه بشرط لا يقصد كونه ، وبين الطلاق المقصود عند وقوع الشرط . ولهذا ذهب كثير من السلف والخلف إلى أن الخلع فسخ النكاح؛ وليس هو من الطلقات الثلاث ، كقول ابن عباس ، والشافعى وأحمد فى أحد قولهما لأن المرأة افتدت نفسها من الزوج كافتداء الأسير ؛ وليس هو من الطلاق المكروه فى الأصل، ولهذا يباح فى الحيض ؛ بخلاف الطلاق . وأما إذا عدل هو عن الخلع وطلقها إحدى الثلاث بعوض فالتفريط منه . وذهب طائفة من السلف: كعثمان بن عفان وغيره ؛ ورووا فى ذلك حديثا مرفوعا . وبعض المتأخرين من أصحاب الشافعى وأحمد جعلوه مع الأجنبي فسخا . كالإ قالة . والصواب أنه مع الأجنبى كما هو مع المرأة؛ فإنه إذا كان افتداء المرأة كما يفدى ٩١ الأسير فقد يفتدي الأسير مال منه ومال من غيره ، وكذلك العبد يعتق مال يبذله هو وما يبذله الأجنبى، وكذلك الصلح يصح مع المدعى عليه ومع أجنبي فإن هذا جميعه من باب الإسقاط والإزالة . وإِذ کان الخلع رفعا للنكاح؛ وليس هو من الطلاق الثلاث : فلا فرق بين أن يكون المال المبذول من المرأة ، أو من أجنبى. وتشبيه فسخ النكاح بفسخ البيع : فيه نظر ؛ فإن البيع لا يزول إلا برضى المتبايعين ؛ لا يستقل أحدهما بإزالته ؛ بخلاف النكاح ؛ فإن المرأة ليس إليها إزالته ؛ بل الزوج يستقل بذلك ؛ لكن افتداؤها نفسها منه كافتداء الأجنبى لها . ومسائل الطلاق ومافيها من الإجماع والنزاع مبسوط فى غير هذا الموضوع . والمقصودهنا إذا وقع به الثلاث حرمت عليه المرأة بإجماع المسلمين، كما دل عليه الكتاب والسنة ، ولا يباح إلا بنكاح ثان ، وبوطئه لها عند عامة السلف والخلف ؛ فإن النكاح المأمور به يؤمر فيه بالعقد وبالوطء، بخلاف المنهى عنه ؛ فإنه ينعى فيه عن كل من العقد والوطء ؛ ولهذا كان النكاح الواجب والمستحب يؤمر فيه بالوطء من العقد ((والنكاح المحرم)) يحرم فيه مجرد العقد ، وقد ثبت فى الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لامرأة رفاعة القرظى لما أرادت أن ترجع إلى رفاعة بدون الوطء (( لاحتى تذوقى عسيلته، ويذوق عسيلتك)) وليس فى هذا خلاف إلا عن سعيد بن المسيب، فإنه - مع أنه أعلم التابعين - لم تبلغه السنة فى هذه المسألة. ((والنكاح المبيح)) هو النكاح المعروف عند المسلمين، وهو النكاح الذى جعل الله فيه بين ٩٢ الزوجين مودة ورحمة ؛ ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم فيه: « حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك)) فأما ((نكاح المحلل)) فإنه لا يحلها للأول عند جماهیر السلف ، وقد صح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لعن الله المحلل والمحلل له)) وقال عمر بن الخطاب: لا أوبى بمحلل ومحلل له إلا رجمتهما. وكذلك قال عثمان وعلي وابن عباس وابن عمر وغيرهم: إنه لا يبيحها إلا بنكاح رغبة ؛ لا نكاح ملل . ولم يعرف عن أحد من الصحابة أنه رخص فى نكاح التحليل . ولكن تنازعوا فى ((نكاح المتعة)) فإن نكاح المتعة خير من نكاح التحليل من ثلاثة أوجه . ((أحدها)) أنه كان مباحا فى أول الإسلام؛ بخلاف التحليل. ((الثانى)) أنه رخص فيه ابن عباس وطائفة من السلف؛ بخلاف التحليل فإنه لم يرخص فيه أحد من الصحابة . ((الثالث)) أن المتمتح له رغبة فى المرأة وللمرأة رغبة فيه إلى أجل ؛ بخلاف المحلل فإن المرأة ليس لها رغبة فيه بحال ، وهو ليس له رغبة فيها ؛ بل فى أخذ ما يعطاه، وإن كان له رغبة فهى من رغبته فى الوطء ؛ لا فى اتخاذها زوجة، من جنس رغبة الزابي ؛ ولهذا قال ابن عمر : لا يزالان زانيين ؛ وإن مكثا عشرين سنة. إذ الله علم من قلبه أنه يريد أن يحلها له . ولهذا تعدم فيه خصائص النكاح ؛ فإن النكاح المعروف كما قال تعالى : (وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجَا لِّتَسْكُنُوْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ ٩٣ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ) والتحليل فيه البغضة والنفرة ؛ ولهذا لا يظهره أصحابه ؛ بل يكتمونه كما يكتم السفاح. ومن شعائر النكاح إعلانه ، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالدف ؛ ولهذا يكفى فى إعلانه الشهادة عليه عند طائفة من العلماء، وطائفة أخرى توجب الإشهاد والإعلان ؛ فإذا تواصوا بكتمانه بطل . ومن ذلك الوليمة عليه ، والنثار، والطيب ، والشراب ، ونحو ذلك مما جرت به عادات الناس فى النكاح. وأما ((التحليل)) فإنه لا يفعل فيه شىء من هذا ؛ لأن أهله لم يريدوا أن يكون المحلل زوج المرأة، ولا أن تكون المرأة امرأته؛ وإنما المقصود استعارته لينزو عليها ، كما جاء فى الحديث المرفوع تسميته بالتيس المستعار ؛ ولهذا شبه بحمار العشريين الذى يكترى للتقفيز على الإناث؛ ولهذا لا تبقى المرأة مع زوجها بعد التحليل كما كانت قبله ؛ بل يحصل بينهما نوع من النفرة. ولهذا لما لم يكن فى التحليل مقصود صحيح يأمر به الشارع: صار الشيطان يشبه به أشياء مخالفة للإجماع ، فصار طائفة من عامة الناس يظنون أن ولادتها لذكر يحلها ، أو أن وطأها بالرجل على قدمها أو رأسها أو فوق سقف أو سلم هى بحته يحلها . ومنهم من يظن أنهما إذا التقيا بعرفات ، كما التقى آدم وامرأته أحلها ذلك . ومنهن من إذا تزوجت بالمحلل به لم تمكنه من نفسها؛ بل تمكنه من أمة لها . ومنهن من تعطيه شيئا، وتوصيه بأن يقر بوطئها . ومنهم من يحلل الأم وبنتها . إلى أمور أخر قد بسطت فى غير هذا الموضع ، يبناها ٩٤ فى ((كتاب بيان الدليل على بطلان التحليل)). ولا ريب أن المنسوخ من الشريعة وما تنازع فيه السلف خير من مثل هذا ؛ فإنه لو قدر أن الشريعة تأتى بأن الطلاق لا عدد له لكان هذا ممكنا وإن كان هذا منسوخا . وأما أن يقال : إن من طلق امرأته لا يحل له حتى يستكرى من يطؤها فهذا لا تأنى به شريعة . وكثير من أهل التحليل يفعلون أشياء محرمة باتفاق المسلمين ؛ فإن المرأة المعتدة لا يحل لغير زوجها أن يصرح بخطبتها، سواء كانت معتدة من عدة طلاق أو عدة وفاة ، قال تعالى : (وَلَاجُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُوبِهِ، مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْأَكْنَنْتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لَّا تُوَاعِدُ وهُنَّ ◌ِرًّا إِلَّ أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَبُ أَجَلَهُ) فنهى الله تعالى عن المواعدة سراً، وعن عزم عقدة النكاح ، حتى يبلغ الكتاب أجله . وإذا كان هذا فى عدة الموت فهو فى عدة الطلاق أشد باتفاق المسلمين ؛ فإن المطلقة قد ترجع إلى زوجها ؛ بخلاف من مات عنها. وأما ((التعريض)) فإنه يجوز فى عدة المتوفى عنها، ولا يجوز فى عدة الرجعية وفيما سواهما . فهذه المطلقة ثلاثا لا يحل لأحد أن يواعدها سراً، ولا يعزم عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله باتفاق المسلمين، وإذا تزوجت بزوج ثان وطلقها ثلاثا لم يحل للأول أن يواعدها سراً ، ولا يعزم عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله باتفاق المسلمين. وذلك أشد وأشد ٩٥ وإذا كانت مع زوجها لم يحل لأحد أن يخطبها، لا تصريحا ، ولا تعريضا : باتفاق المسلمين . فإذا كانت لم تتزوج بعد لم يحل للمطلق ثلاثا أن يخطبها؛ لا تصريحا ولا تعريضا. باتفاق المسلمين . وخطبتها فى هذه الحال أعظم من خطبتها بعد أن تتزوج بالثانى . وهؤلاء ((أهل التحليل)) قد يواعد أحدم المطلقة ثلاثا، ويعزمان قبل أن تنقضى عدتها وقبل نكاح الثاني على عقدة النكاح بعد النكاح الثانى نكاح المحلل ، ويعطيها ما تنفقه على شهود عقد التحليل ، وللمحلل ، وما ينفقه عليها فى عدة التحليل ، والزوج المحلل لا يعطيها مهراً، ولا نفقة عدة ، ولا نفقة طلاق : فإذا كان المسلمون متفقين على أنه لا يجوز فى هذه وقت نكاحها بالثانى أن يخطبها الأول . لا تصريحا ولا تعريضا - فكيف إذا خطبها قبل أن تتزوج بالثانى؟ أو إذا كان بعد أن يطلقها الثانى لا يحل للأول أن يواعدها سراً ، ولا يعزم عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله: فكيف إذا فعل ذلك من قبل أن يطلق؟! بل قبل أن يتزوج ! بل قبل أن تنقضى عدتها منه! فهذا كله يحرم باتفاق المسلمين. وكثير من أهل التحليل يفعله ، وليس فى التحليل صورة اتفق المسلمون على حلها ولا صورة أباحها النص ؛ بل من صور التحليل ما أجمع المسلمون على تحريمه ، ومنها ما تنازع فيه العلماء . وأما الصحابة فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن المحلل والمحلل له منهم؛ وهذا وغيره يبين أن من التحليل ما هو شر من نكاح المتعة وغيره ٩٦ من الأنكحة التي تنازع فيها السلف ؛ وبكل حال فالصحابة أفضل هذه الأمة وبعدهم التابعون، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((خير القرون القرن الذى بعثت فيهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم)) فنكاح تنازع السلف فى جوازه أقرب من نكاح أجمع السلف على تحريمه . وإذا تنازع فيه الخلف فإن أولئك أعظم علما ودينا ؛ وما أجمعوا على تعظيم تحريمه كان أمره أحق مما اتفقوا على تحريمه وإن اشتبه تحريمه على من بعده . والله تعالى أعلم . وسئل رحمه اللّه عن رجل تزوج بيتيمة ، وشهدت أمها ببلوغها ، فمكثت فى صحبته أربع سنين ، ثم بانت منه بالثلاث، ثم شهدت أخواتها ونساء أخر : أنها ما بلغت إلا بعد دخول الزوج بها بتسعة أيام ، وشهدت أمها بهذه الصورة ؛ والأم ماتت ، والزوج يريد المراجعة ؟ فأجاب: الحمدلله . لا يحل للزوج أن يتزوجها إذا طلقها ثلاثا عند جمهور العلماء ، فإن مذهب أبى حنيفة وأحمد فى المشهور عنه: أن نكاح هذه صحيح ، وإن كان قبل البلوغ . ومذهب مالك وأحمد فى المشهور أن الطلاق يقع فى النكاح الفاسد المختلف فيه . ومثل هذه المسائل يقبح فإنها ٩٧ من أهل البني ، فإنهم لا يتكلمون فى صحة النكاح حين كان يطؤها ويستمتع بها ، حتى إذا طلقت ثلاثا أخذوا يسعون فيما يبطل النكاح ، حتى لايقال : إن الطلاق وقع؟! وهذا من المضادة لله فى أمره، فإنه حين كان الوطء حراما لم يتحر ولم يسأل ، فلما حرمه الله أخذ يسأل عما يباح به الوطء . ومثل هذا يقع فى المحرم بإجماع المسلمين ، وهو فاسق ؛ لأن مثل هذه المرأة إما أن يكون نكاحها الأول صحيحا ، وإما ألا يكون. فإن كان صحيحا : فالطلاق الثلاث واقع، والوطء قبل نكاح زوج غيره حرام . وإن كان النكاح الأول باطلا : كان الوطء فيه حراما ، وهذا الزوج لم يتب من ذلك الوطء . وإنما سأل حين طلق ؛ لئلا يقع به الطلاق ، فكان سؤالهم عما به يحرم الوطء الأول ، لأجل استحلال الوطء الثانى . وهذه المضادة لله ورسوله . والسعي فى الأرض بالفساد ، فإن كان هذا الرجل طلقها ثلاثا فليتق الله ، وليجتنها ؛ وليحفظ حدود الله ؛ فإنه من يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه. والله أعلم . رسل عن رجل تزوج امرأة بولاية أجنبي ، ووليها فى مسافة دون القصر ؛ معتقدا أن الأجنبي حاكم ؛ ودخل بها واستولدها ، ثم طلقها ثلاثا، ثم أراد ٩٨ ردها قبل أن تنكح زوجا غيره: فهل له ذلك ؛ لبطلان النكاح الأول ، بغير إسقاط الحد ووجوب المهر ؛ ويلحق النسب ؛ ويحصل به الإحصان . فأجاب : لا يجب فى هذا النكاح حد إذا اعتقد صحته ؛ بل يلحق به النسب ويجب فيه المهر ؛ ولا يحصل الإحصان بالنكاح الفاسد . ويقع الطلاق فى النكاح المختلف فيه إذا اعتقد صحته . وإذا تبين أن المزوج ليس له ولاية بحال ففارقها الزوج حين علم فطلقها ثلاثا لم يقع طلاق والحال هذه ؛ وله أن يتزوجها من غير أن تنكح زوجا غيره. وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عمن تزوج امرأة من سنتين، ثم طلقها ثلاثا ، وكان ولي نكاحها فاسقا : فهل يصح عقد الفاسق ؛ بحيث إذا طلقت ثلاثًا لا تحل له إلا بعد نكاح غيره ؟ أو لا يصح عقده فله أن يتزوجها بعقد جديد ، وولي مرشد من غير أن ينكحها غيره ؟ فأجاب : الحمد لله. إن كان قد طلقها ثلاثا فقد وقع به الطلاق : وليس لأحد بعد الطلاق الثلاث أن ينظر فى الولي : هل كان عدلا أو فاسقاً ؛ ليجعل فسق الولي ذريعة إلى عدم وقوع الطلاق ؛ فإن أكثر ٩٩ الفقهاء يصححون ولاية الفاسق ، وأكثرهم يوقعون الطلاق فى مثل هذا النكاح؛ بل وفى غيره من الأنكحة الفاسدة . فإذا فرع على أن النكاح فاسد؛ وأن الطلاق لا يقع فيه ؛ فإنما يجوز أن يستحل الحلال من يحرم الحرام؛ وليس لأحد أن يعتقد الشىء حلالا حراما . وهذا الزوج كان وطئها قبل الطلاق، ولوماتت لورثها : فهو عامل على صحة النكاح ، فكيف يعمل بعد الطلاق على فساده ؟! فيكون النكاح صحيحا إذا كان له غرض فى صحته ، فاسدا إذ كان له غرض فى فساده ! وهذا القول يخالف إجماع المسلمين ؛ فإنهم متفقون على أن من اعتقد حل الشىء كان عليه أن يعتقد ذلك ، سواء وافق غرضه أو خالفه ، ومن اعتقد تحريمه كان عليه أن يعتقد ذلك فى الحالين. وهؤلاء المطلقون لا يفكرون فى فساد النكاح بفسق الولى إلا عند الطلاق الثلاث، لاعند الاستمتاع والتوارث ، فيكونون فى وقت يقلدون من يفسده ، وفى وقت يقلدون من يصححه بحسب الغرض والهوى ! ومثل هذا لا يجوز باتفاق الأمة . ونظير هذا أن يعتقد الرجل ثبوت ((شفعة الجوار)) إذا كان طالبا لها ، ويعتقد عدم الثبوت إذا كان مشتريا ؛ فإن هذا لا يجوز بالإجماع وهذا أمر مبني على صحة ولاية الفاسق فى حال نكاحه، وبني على فساد ولايته ١٠٠