Indexed OCR Text
Pages 61-80
فاجأب : إذا كان مصرا على الفسق فإنه لا ينبغى للولي تزويجها له ، كما قال بعض السلف : من زوج كريمته من فاجر فقد قطع رحمها . لكن إن علم أنه تاب فتزوج به إذا كان كفؤا لها وهى راضية به. وأما ((نكاح التحليل)) فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لعن الله المحلل والمحلل له)). ولا تجبر المرأة على نكاح التحليل باتفاق العلماء. وسل عن ((الرافضة)) هل تزوج ؟ فأجاب : الرافضة المحضة هم أهل أهواء وبدع وضلال ، ولا ينبغى للمسلم أن يزوج موليته من رافضى، وإن تزوج هو رافضية صح النكاح ، إن كان يرجو أن تتوب وإلا فترك نكاحها أفضل لئلا تفسد عليه ولده. واللهأعلم. وسئل رحمه اللّه عن الرافضي ، ومن يقول لا تلزمه الصلوات الخمس : هل يصح نكاحه من الرجال والنساء؟ فإن تاب من الرفض ولزم الصلاة حينا ثم عاد لما كان عليه : هل يقر على ما كان عليه من النكاح ؟ فأجاب : لا يجوز لأحد أن ينكح موليته رافضيا ، ولا من يترك الصلاة . ومتى زوجوه على أنه سني فصلى الخمس ثم ظهر أنه رافضى لا يصلى، أو عاد إلى الرفض وترك الصلاة : فإنهم يفسخون النكاح . ٦١ باب المحرمات فى النكاح (قاعدة فى المحرمات فى النكاح نسباً وجهداً)) سئل الشيخ رحمه الله عن بيانها مختصراً ؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين. أما المحرمات ((بالنسب)) فالضابط فيه أن جميع أقارب الرجل من النسب حرام عليه ؛ إلا بنات أعمامه؛ وأخواله وعماته، وخالاته . وهذه الأصناف الأربعة هن اللاتى أحلهن الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بقوله : (يَتَأَيُّهَا النَّبِىُّ ◌ِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ الَّتِىّ ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتٍ عَمْكَ وَبَنَاتِ عَمَّتِكَ وَبَنَاتٍ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَلَاِكَ الَّتِى هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَةً مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِ إِنْ أَرَادَالنَّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةٌ لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) الآية . فأحل سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم من النساء أجناسا أربعة؛ ولم يجعل خالصا له من دون المؤمنين إلا الموهوبة ؛ التى تهب نفسها للنبى ؛ فجعل هذه من خصائصه : له أن يتزوج الموهوبة بلا مهر ، وليس هذا لغيره باتفاق المسلمين؛ بل ليس لغيره أن يستحل بضع امرأة إلا مع وجوب مهر، كما قال تعالى: (وَأُحِزَّلَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُواْ بِأَمْوَلِكُمْ تُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِين ). واتفق العلماء على أن من تزوج امرأة ولم يقدر لها مهراً: صح النكاح ووجب لها المهر إذا دخل بها ؛ وإن طلقها قبل الدخول فليس لها مهر ؛ بل ٦٢ لها المتعة بنص القرآن، وإن مات عنها ففيها قولان. وهي ((مسألة بروع بنت واشق)) التي استفتى عنها ابن مسعود شهراً، ثم قال : أقول فيها يرأبي؛ فإن يكن صوابا فمن الله ؛ وإن يكن خطأ فمنى ومن الشيطان ، والله ورسوله بريئان منه : لها مهر نسائها ، لا وكس ، ولا شطط، وعليها العدة ولها الميراث. فقام رجال من أشجع فقالوا: نشهد (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فى بروع بنت واشق بمثل ما قضيت به فى هذه )) قال علقمة: فما رأيت عبد الله فرح بشىء كفرحه بذلك. وهذا الذي أجاب به ابن مسعود هو قول فقهاء الكوفة ، كابى حنيفة وغيره، وفقهاء الحديث كأحمد وغيره ، وهو أحد قولي الشافعي . والقول الآخر له، وهو مذهب مالك ، أنه لامهر لها ، وهو مروي عن علي، وزيد ، وغيرهما من الصحابة . وتنازعوا فى ((النكاح إذا شرط فيه نفي المهر)) هل يصح النكاح : على قولين فى مذهب أحمد وغيره: ((أحدهما)) يبطل النكاح، كقول مالك. و ((الثانى)» يصح، ويجب مهر المثل ، كقول أبي حنيفة والشافعي. والأولون يقولون: هو ((نكاح الشغار)» الذى أبطله النبي صلى الله عليه وسلم لأنه نقى فيه المهر ، وجعل البضع مهراً للبضع. وهذا تعليل أحمد بن حنبل فى غير موضع من كلامه ؛ وهذا تعليل أكثر قدماء أصحابه . والآخرون: منهم من يصحح نكاح الشغار ، كأبى حنيفة؛ وقوله أقيس على هذا الأصل ؛ لكنه مخالف للنص وآثار الصحابة ، فإنهم أبطلوا نكاح الشغار . ومنهم من يبطله ٦٣ ويعلل البطلان إما بدعوى التشريك فى البضع ، وإما بغير ذلك من العلل ، كما يفعله أصحاب الشافعي، ومن وافقهم من أصحاب أحمد : كالقاضى أبى يعلى وأتباعه. ((والقول الأول)) أشبه بالنص والقياس الصحيح ، كما قد بسط فى موضعه. وتنازعوا أيضا فى انعقاد النكاح مع المهر بلفظ ((المليك)) و((الهبة)) وغيرهما : نجوز ذلك الجمهور ؛ كمالك وأبى حنيفة ، وعليه تدل نصوص أحمد؛ وكلام قدماء أصحابه . ومنعه الشافعي وأكثر متأخرى أصحاب أحمد ، كابن حامد والقاضى ومن تبعهما؛ ولم أعلم أحداً قال هذا قبل ابن حامد من أصحاب أحمد . والمقصود هنا: أن الله تعالى لم يخص رسوله صلى الله عليه وسلم إلا بنكاح الموهوبة بقوله: (وَأَقْرَةً مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَالنَّبِىُّأَنْ يَسْتَنْكِحَهَا فدل ذلك على أن سائر ما أحله خَالِصَةٌ لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) لنبيه صلى الله عليه وسلم حلال لأمته ، وقد دل على ذلك قوله : ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرَّزَ وَحْتَكَهَا لِكَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِىّ أَزْوَجِ أَدْعِيَابِهِمْ فاما أحل امرأة المتبنى ، لاسيما للنبي صلى الله عليه وسلم إِذَا قَضَوْ مِنْهُنَّ وَطَرًا ) ليكون ذلك إحلالا للمؤمنين : دل ذلك على أن الإحلال له إحلال لأمته ؛ وقد أباح له من أقاربه بنات العم والعمات ؛ وبنات الخال والحالات ؛ وتخصيصهن بالذكر يدل على تحريم ماسواهن ـ لاسيما وقد قال بعد ذلك: أى من بعد هؤلاء (لَايَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَجِ) ٦٤ اللاتى أحللنا هن لك - وهن المذكورات فى قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَتُكُمْ وَعَمَّتُكُمْ وَخَلَئُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخْ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ) فدخل فى ((الأمهات)) أم أبيه، وأم أمه وإن علت بلا نزاع أعلمه بين العلماء. وكذلك دخل فى ((البنات)) بنت ابنه، وبنت ابن ابنته وإن سفلت بلا نزاع أعلمه. وكذلك دخل فى ((الأخوات)) الأخت من الأبوين، والأب، والأم. ودخل فى ((العمات)) و((الحالات)) عمات الأبوين، وخالات الأبوين. وفى ((بنات الأخ، والأخت)) ولد الأخوة وإن سفلن، فإذاً حرم عليه أصوله وفروعه وفروع أصوله البعيدة؛ دون بنات العم والعمات وبنات الخال والحالات . وأما ((المحرمات بالصهر)) فيقول: كل نساء الصهر حلال له، إلا أربعة أصناف ، بخلاف الأقارب. فأقارب الإنسان كلهن حرام ؛ إلا أربعة أصناف. وأقارب الزوجين كلهن حلال ؛ إلا أربعة أصناف ، وهن حلائل الآباء ، والأبناء، وأمهات النساء، وبناتهن. فيحرم على كل من الزوجين أصول الآخر وفروعه. ويحرم على الرجل أم امرأته ؛ وأم أمها وأبيها وإن علت. وتحرم عليه بنت امرأته، وهي الريبة ، وبنت بنتها وإن سفلت ، وبنت الربيب أيضا حرام ؛ كما نص عليه الامة المشهورون : الشافعي وأحمد وغيرهما ، ولا أعلم فيه نزاعا . ويحرم عليه أن يتزوج بامرأة أبيه وإن علا؛ وامرأة ابنه وإن سفل. فهؤلاء ((الأربعة)) هن المحرمات بالمصاهرة فى كتاب الله؛ وكل من الزوجين ٦٥ يكون أقارب الآخر أصهاراً له ، وأقارب الرجل أحماء المرأة؛ وأقارب المرأة أختان الرجل . وهؤلاء الأصناف الأربعة يحرمن بالعقد ؛ إلا الريبة ، فإنها لا تحرم حتى يدخل بأمها ، فإن الله لم يحمل هذا الشرط إلا فى الريبة ، والبواقى أطلق فيهن التحريم. فلهذا قال الصحابة : أبهموا ما أبهم الله. وعلى هذا الأمة الأربعة وجماهير العلماء . وأما بنات هاتين وأمهاتهما فلا يحرمن ، فيجوز له أن يتزوج بنت امرأة أبيه وابنه باتفاق العلماء ؛ فإن هذه ليست من حلائل الآباء والأبناء ، فإن ((الحليلة)) هى الزوجة. وبنت الزوجة وأمها ليست زوجة؛ بخلاف الربيبة فإن ولد الربيب ربيب؛ كما أن ولد الولد ولد، وكذلك أم أم الزوجة أم للزوجة وبنت أم الزوجة لم تحرم، فإنها ليست أما . فلهذا قال من قال من الفقهاء: بنات المحرمات محرمات ؛ إلا بنات العمات والخالات، وأمهات النساء، وحلائل الآباء والأبناء. فجعل بنت الربيبة محرمة ؛ دون بنات الثلاثة . وهذا ما لا أعلم فيه نزاعا. ومن وطئ امرأة بما يعتقده نكاحا فإنه يلحق به النسب ، ويثبت فيه حرمة المصاهرة باتفاق العلماء فيما أعلم ؛ وإن كان ذلك النكاح باطلا عند الله ورسوله : مثل الكافر إذا تزوج نكاحا محرما فى دين الإسلام ، فإن هذا يلحقه فيه النسب وتثبت به المصاهرة . فيحرم على كل واحد منهما أصول الآخروفروعه باتفاق العلماء ، وكذلك كل وطء اعتقد أنه ليس حراما وهو حرام : مثل ٦٦ من تزوج امرأة نكاحافاسداً ، وطلقها، وظن أنه لم يقع به الطلاق ، لخطئه أو خطأ من أفتاه، فوطئها بعد ذلك، فجاءه ولد: فهنا يلحقه النسب ، وتكون هذه مدخولا بها : فتحرم؛ وإن كانت لها أمّ لم يدخل بأمها باتفاق العلماء . فالكفار إذا تزوج أحدم امرأة نكاما يراه فى دينه وأسلم بعد ذلك ابنه - كما جرى للعرب الذين أسلم أولادهم، وكما يجرى فى هذا الزمان كثيراً - فهذا ليس له أن يتزوج بامرأة ابنه ؛ وإن كان نكاحها فاسداً باتفاق العلماء. فالنسب يتبع اعتقاد الواطئ للحل ؛ وإن كان مخطئا فى اعتقاده. والمصاهرة تتبع النسب . فإذا ثبت النسب فالمصاهرة بطريق الأولى. وكذلك ((حرية الولد )) يتبع اعتقاد أبيه؛ فإن الولد يتبع أباه فى ((النسب والحرية)) ويتبع أمه فى هذا باتفاق العلماء؛ ويتبع فى الدين خير هما دينا عند جماهير أهل العلم ، وهو مذهب أبى حنيفة والشافعي وأحمد؛ وأحد القولين فى مذهب مالك. فمن وطئ أمة غيره بنكاح أوزناً كان ولده مملوكا لسيدها ؛ وإن اشتراها ممن ظن أنه مالك لها أو تزوجها يظنها حرة فهذا يسمى ((المغرور)) وولدها حر باتفاق الأئمة ، لاعتقاده أنه يطأ من يصير الولد بوطئها حراً ، فالنسب والحرية يتبع اعتقاد الواطئ وإن كان مخطئا ؛ فكذلك حريم المصاهرة؛ وإنما تنازع العلماء فى الزنا المحض هل ينشر حرمة المصاهرة فيه نزاع مشهور بين السلف والخلف . التحريم قول أبي حنيفة وأحمد والجواز مذهب الشافعي ؛ وعن مالك روايتان . ٦٧ وسئل شيخ الإسلام وحمد الله عن رجل كان له سرية بكتاب ؛ ثم توفي إلى رحمة الله ؛ وله ابن ابن وقد تزوج سرية جده المذكور : فهل يحل ذلك ؟ فأجاب : لا يجوز له تزوج سرية جده التى كان يطؤها باتفاق المسلمين وإذا تزوجها فرق بينهما ؛ ولا يحل إبقاؤه معها ؛ وإن استحل ذلك استقيب ثلاثا ، فإن تاب وإلا قتل . وقال الشيخ رحمه اللّه تعالى فصل وأما تحريم ((الجمع)) فلا يجمع بين الأختين بنص القرآن؛ ولا بين المرأة وعمتها ؛ ولا بين المرأة وخالتها، لا تنكح الكبرى على الصغرى ؛ ولا الصغرى على الكبرى ؛ فإنه قد ثبت فى الحديث الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك؛ فروى أنه قال. ((إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم بين أرحامكم)) ولو رضيت إحداهما بنكاح الأخرى عليها لم يجز؛ فإن الطبع يتغير ؛ ولهذا لما عرضت أم حبيبة على النبى صلى الله عليه وسلم أن ينزوج أختها؛ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ((أو تحبين ذلك؟)) فقالت: ٦٨ لست لك بمخلية، وأحق من شركنى فى الخير أختى، فقال: ((إنها لا تحل لي)). فقيل له: إنا نتحدث أنك ناكح درة بنت أبي سلمة، فقال: ((لو لم تكن ريببتى فى حجرى لما حلت لى : فإنها بنت أخى من الرضاع ، أرضعتنى وأباها أبا سلمة ثويبة أمة أبى لهب، فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن)) وهذا متفق عليه بين العلماء . و((الضابط)) فى هذا: أن كل امرأتين بينهما رحم محرم فإنه يحرم الجمع بينهما، بحيث لو كانت إحداهما ذكراً لم يجز له التزوج بالأخرى ؛ لأجل النسب . فإن الرحم المحرم لها ((أربعة أحكام)) حكمان متفق عليهما. وحكمان متنازع فيهما ، فلا يجوز ملكهما بالنكاح ، ولا وطؤهما . فلا يتزوج الرجل ذات رحمه المحرم ؛ ولا يتسرى بها . وهذا متفق عليه ؛ بل هنا يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ؛ فلا تحل له بنكاح ؛ ولا ملك يمين ؛ ولا يجوز له أن يجمع بينهما فى ملك النكاح ، فلا يجمع بين الأختين؛ ولا بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها . وهذا أيضا متفق عليه. ويجوز له أن يملكها؛ لكن ليس له أن يتسراهما . فن حرم جمعهما فى النكاح حرم جمعهما فىالتسري ، فليس له أن يتسرى الأختين ولا الأمة وعمتها ؛ والأمة وخالتها . وهذا هو الذى استقر عليه قول أكثر الصحابة ؛ وهو قول أكثر العلماء . وم متفقون على أنه لا يتسرى من تحرم عليه بنسب أو رضاع (١) وإنما تنازعوا فى الجمع ، فتوقف بعض الصحابة فيها ، وقال : أحلتهما آية؛ وحر متهما (١) نسخة أو صهر. ٦٩ آية ، وظن أن تحريم الجمع قد يكون كتحريم العدد ؛ فإن له أن يتسرى ماشاءمن العدد، ولا يتزوج إلا بأربع. فهذا تحريم عارض، وهذا عارض؛ بخلاف تحريم النسب والصهر فإنه لازم؛ ولهذا تصير المرأة من ذوات المحارم بهذا ولا تصير من ذوات المحارم بذلك ؛ بل أخت امرأته أجنبية منه لا يخلو بها ولا يسافر بها كما لا يخلو مازاد على أربع من النساء؛ لتحريم مازاد على العدد. وأما الجمهور فقطعوا بالتحريم، وهو المعروف من مذاهب الأئمة الأربعة وغيرهم. قالوا: لأن كل ما حرم الله فى الآية بملك النكاح حرم بملك اليمين ، وآية التحليل وهى قوله : (أَوْمَامَلَكَتْ أَيْمَنُّكُمْ) إنما أبيح فيها جنس المملوكات، ولم يذكر فيها مايباح ويحرم من التسري، كما لم يذكر ما يباح ويحرم من الممهورات ، والمرأة يحرم وطؤها إذا كانت معتدة ومحرمة وإن كانت زوجة أو سرية . وتحريم العدد كان لأجل وجوب العدل بينهن فى القسم، كما قال تعالى : ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِى الْيَ فَنْكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَتُلَثَ وَرُبَعَ فَإِنْ خِفْتُمُ الََّعْدِلُواْ فَوَحِدَةً أَوْمَا مَلَكَتْ أَيْمَتُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَ أَلََّتَعُولُواْ ) أى : لا تجوروا فى القسم ، هكذا قال السلف وجمهور العلماء. وظن طائفة من العلماء أن المراد أن لا تكثر عيالكم. وقالوا : هذا يدل على وجوب نفقة الزوجة . وغلط أكثر العلماء من قال ذلك لفظا ومعنى. أما اللفظ فلأنه يقال: عال يعول إذا جار. وعال يعيل إذا افتقر. وأعال يعيل إذا كثر عياله . وهو سبحانه قال: ( تَعُولُوا ) لم يقل: تعيلوا. وأما المعنى فإن كثرة النفقة والعيال يحصل بالتسرى كما يحصل بالزوجات، ومع هذا فقد أباح ٧٠ مما ملكت اليمين ماشاء الإنسان بغير عدد؛ لأن المملوكات لا يجب لهن قسم، ولا يستحققن على الرجل وطئا؛ ولهذا يملك من لا يحل له وطؤها كأم امرأته وبنتها وأخته وابنته من الرضاع، ولو كان عنينا أوموليالم يجب أنيزال ملكه عنها. والزوجات عليه أن يعدل بينهن فى القسم، ((وخير الصحابة أربعة)) فالعدل الذى يطيقه عامة الناس ينتهى إلى الأربعة. وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الله قواه على العدل فما هو أكثر من ذلك - على القول المشهور - وهو وجوب القسم عليه، وسقوط القسم عنه على القول الآخر ، كما أنه لما كان أحق بالمؤمنين من أنفسهم أحل له التزوج بلامهر . قالوا: وإذا كان ((تحريم جمع العدد)) إنما حرم لوجوب العدل فى القسم ، وهذا المعنى منتف فى المملوكة ؛ فلهذا لم يحرم عليه أن يتسرى بأكثر من أربع ؛ بخلاف الجمع بين الأختين ؛ فإنه إنما كان دفعا القطيعة الرحم بينهما، وهذا المعنى موجود بين المملوكتين ، كما يوجد فى الزوجتين، فإذا جمع ينهما بالتسرى حصل بينهما من التغاير ما يحصل إذا جمع بينهما فى النكاح، فيفضى إلى قطيعة الرحم . ولما كان هذا المعنى هو المؤثر فى الشرع جاز له أن يجمع بين المرأتين إذا كان بينهما حرمة بلا نسب أو نسب بلاحرمة. فالأول مثل أن يجمع بين المرأة وابنة زوجها. كما جمع عبد الله بن جعفر لمامات على بن أبى طالب بين امرأة علي وابنته. ٧١ وهذا يباح عندأكثر العلماء الأئمة الأربعة وغيرهم . فإن هاتين المرأتين وإن كانت إحداهما تحرم على الأخرى فذاك تحريم بالمصاهرة لا بالرحم؛ والمعنى إنما كان بتحريم قطيعة الرحم ؛ فلم يدخل في آية التحريم لا لفظا ولا معنى. وأما إذا كان بينهما رحم غير محرم: مثل بنت العم والحال : فيجوز الجمع بينهما؛ لكن هل يكره؟ فيه قولان: هما روايتان عن أحمد ؛ لأن ينهارحما غير محرم وأما ((الحكمان المتنازع فيهما)) فهل له أن يملك ذا الرحم المحرم؟ وهل له أن يفرق بينهما فى ملك فيبيع أحدهما دون الآخر ؟ هاتان فيهما نزاع ، وأقوال ليس هذا موضعها . ((وتحريم الجمع)» يزول بزوال النكاح، فإذا ماتت إحدى الأربع، أو الأختين، أو طلقها، أو انفسخ نكاحها ، وانقضت عدتها: كان له أن يتزوج رابعة، ويتزوج الأخت الأخرى باتفاق العلماء ، وإن طلقها طلاقا رجعياً لم يكن له تزوج الأخرى عند عامة العلماء: الأئمة الأربعة وغيرهم، وقد روى عبيدة السلمانى، قال: لم يتفق أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم على شىء كاتفاقهم على أن الخامسة لا تنكح فى عدة الرابعة، ولا تنكح الأخت فى عدة أختها وذلك لأن الرجعية بمنزلة الزوجة، فإن كلا منهما يرث الآخر ، لكنها صائرة إلى البيئونة ، وذلك لا يمنع كونها زوجة، كما لوأحالها إلى أجل مثل أن يقول: إن أعطيتنى ألفا فى رأس الحول فأنت طالق. فإن هذه صائرة إلى بينونة ٧٢ صغرى؛ ومع هذا فهى زوجة باتفاق العلماء ، وإذا قيل لا يمكن أن تعطيه العوض المعلق به فيدوم النكاح؟ قيل: والرجعية يمكن أن يراجعها فيدوم النكاح. وكذلك لو قال: إن لم تلدي فى هذا الشهر فأنت طالق. وكانت قد بقيت على واحدة فهاهنا هى زوجة لا يزول نكاحها إلا إذا انقضى الشهر ولم تلد ، وإن كانت صائرة إلى بينونة. وإنما تنازع العلماء هل يجوز له وطؤها ، كما تنازعوا فى وطء الرجعية؟ وأما إذا كان الطلاق بائنا : فهل يتزوج الخامسة فى عدة الرابعة؟ والأخت فى عدة أختها؟ هذا فيه نزاع مشهور بين السلف والخلف. والجواز مذهب مالك والشافعي . والتحريم مذهب أبي حنيفة وأحمد . والله أعلم. ٧٣ وسئل رحمه الله تعالى عن قوم يتزوج هذا أخت هذا؛ وهذا أخت هذا أو ابنته، وكلما أنفق هذا أنفق هذا؛ وإذا كسا هذا كسا هذا، وكذلك فى جميع الأشياء . وفى الإرضاء والغضب : إذا رضي هذا رضي هذا، وإذا أغضب هذا أغضب الآخر : فهل يحل ذلك ؟ فأجاب : يجب على كل من الزوجين أن يمسك زوجته بمعروف أو يسرحها بإحسان؛ ولاله أن يعلق ذلك على فعل الزوج الآخر ؛ فإن المرأة لها حق على زوجها؛ وحقها لا يسقط بظلم أبيها وأخيها، قال الله تعالى: (وَلَ غَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) فإذا كان أحدهما يظلم زوجته وجب إقامة الحق عليه؛ ولم يحل للآخر أن يظلم زوجته لكونها بنتاً للأول. وإذا كان كل منهما يظلم زوجته لأجل ظلم الآخر فيستحق كل منهما العقوبة ؛ وكان لزوجة كل منهما أن تطلب حقها من زوجها ؛ ولو شرط هذا فى النكاح لكان هذا شرطاً باطلا من جنس ((نكاح الشغار)) وهو أن يزوج الرجل أخته أو ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته أو أخته، فكيف إذا زوجه على أنه إن أنصفها أنصف الآخر، وإن ظلمها ظلم الآخر زوجته؛ فإن هذا محرم بإجماع المسلمين، ومن فعل ذلك استحق العقوبة التى تزجره عن مثل ذلك . ٧٤ وسئل الشيخ رحمه الله عن رجل متزوج بخالة إنسان ، وله بنت ، فتزوج بها ، نجمع بين خالته وابنته : فهل يصح ؟ فأجاب : لا يجوز أن يتزوج خالة رجل وابنته بأن يجمع بينهما ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم: (( نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها)» وهذا متفق عليه بين الأئمة الأربعة ، وهم متفقون على أن هذا الحديث يتناول غالة الأب وخالة الأم والجدة، ويتناول عمة كل من الأبوين أيضا ، فليس له أن يجمع بين المرأة وخالة أبها ، ولا خالة أمها عند الأئمة الأربعة . وسئل عن رجل جمع فى نكاح واحد بين خالة رجل وابنة أخ له من الأبوين : فهل يجوز الجمع بينهما أم لا ؟ فأجاب : الجمع بين هذه المرأة وبين الأخرى هو الجمع بين المرأة وبين خالة أبيها ؛ فإن أباها إذا كان أخا لهذا الآخر من أمه، أو أمه وأبيه : كانت ٧٥ خالة هذا خالة هذا ؛ بخلاف ما إذا كان أخاه من أبيه فقط ؛ فإنه لاتكون خالة أحدهما خالة الآخر ؛ بل تكون عمته . والجمع بين المرأة وخالة أبيها وخالة أمها ، أو عمة أبيها ، أو عمة أمها : كالجمع بين المرأة وعمتها وخالتها عند اعة المسلمين ، وذلك حرام باتفاقهم . وإذا تزوج إحداهما بعد الأخرى كان نكاح الثانية باطلا، لا يحتاج إلى طلاق ، ولا يجب بعقد مهر ولا ميراث ، ولا يحل له الدخول بها ، وإن دخل بها فارقها، كما تفارق الأجنبية، فإن أراد نكاح الثانية فارق الأولى ، فإذا انقضت عدتها تزوج الثانية؛ فإن تزوجها فى عدة طلاق رجعى لم يصح العقد الثانى باتفاق الأمة ، وإن كان الطلاق بائنا لم يجز فى مذهب أبى حنيفة وأحمد وجاز فى مذهب مالك والشافعى . فإذا طلقها طلقة أو طلقتين بلا عوض كان الطلاق رجعيا ، ولم يصح نكاح الثانية حتى تنقضي عدة الأولى باتفاق الأعة فإن تزوجها لم يجز أن يدخل بها ، فإن دخل بها فى النكاح الفاسد وجب عليه أن يعتز لها ، فإنها أجنبية ، ولا يعقد علها حتى تنقضى عدة الأولى المطلقة باتفاق الأمة . وهل له أن يتزوج هذه الموطوءة بالنكاح الفاسد فى عدتها منه ؟ فيه قولان للعلماء : ((أحدهما)) يجوز ، وهو مذهب أبى حنيفة والشافعى. ((والثانى)) لا يجوز، وهو مذهب مالك ، وفى مذهب أحمد القولان . ٧٦ وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عن رجل اشترى جارية ، ووطنها ، ثم ملكها لولده . فهل يجوز لولده وطؤها ؟ فأجاب : الحمد لله . لا يجوز للابن أن يطأها بعد وطء أبيه والحال هذه باتفاق المسلمين . ومن استحل ذلك فإنه يستتاب فإن تاب وإلاقتل ، وفى السنن عن البراء بن عازب ، قال : رأيت خالي أبابردة ومعه رايته ، فقلت : إلى أين؟ فقال: ((بثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه ، فأمرنى أن أضرب عنقه، وأخمس ماله)) ولا نزاع بين الأمة أنه لافرق بين وطئها بالنكاح وبين وطئها بملك اليمين . وسئل رحمه اللّه عن رجل تزوج بامرأة من مدة سنة ولم يدخل بها ، وطلقها قبل الإصابة : فهل يجوز له أن يدخل بالأم بعد طلاق البنت ؟ فأجاب: لا يجوز تزويج أم امرأته؛ وإن لم يدخل بها . والله أعلم. ٧٧ وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عن رجل طلق امرأته وهى مرضعة لولده ، فلبثت مطلقة ثمانية أشهر ، ثم تزوجت برجل آخر ، فلبثت معه دورة شهر ، ثم طلقها ، فلبثت مطلقة ثلاثة أشهر، ولم تحض ؛ لافى الثمانية الأولى، ولا فى مدة ء عصمتها مع الرجل الثانى، ولا فى الثلاثة الأشهر الأخيرة، ثم تزوج بها المطلق الأول أبو الولد : فهل يصح هذان العقدان ؟ أو أحدهما ؟ فأجاب : الحمد لله . لا يصح العقد الأول ، والثانى ؛ بل علها أن ء تكمل عدة الأول . ثم تقضى عدة الثانى . ثم بعد انقضاء العدتين تزوج من شاءت منهما . والله أعلم . وسئل رحمه اللّه تعالى عن رجل تزوج امرأة من مدة ثلاث سنين، رزق منها ولدا له من العمر سنتان ، وذكرت أنها لما تزوجت لم يحض إلا حيضتين ، وصدقها الزوج ، وكان قد طلقها ثانيا على هذا العقد المذكور : فهل يجوز الطلاق على هذا العقد المفسوخ ؟ ٧٨ فأجاب : إن صدقها الزوج فى كونها تزوجت قبل الحيضة الثالثة : فالنكاح باطل ، وعليه أن يفارقها ، وعليها أن تكمل عدة الأول ، ثم تعتد من وطء الثانى. فإن كانت حاضت الثالثة قبل أن يطأها الثانى فقد انقضت عدة الأول ، ثم إذا فارقها الثانى اعتدت له ثلاث حيض ، ثم تزوج من شاءت بنكاح جديد ، وولده ولد حلال يلحقه نسبه ؛ وإن كان قد ولد بوط، فى عقد فاسد لا يعلم فساده . وسئل رحم الله عن مطلقة ادعت وحلفت أنها قضت عدتها ، فتزوجها زوج ثان ، ثم حضرت امرأة أخرى وزعمت أنها حاضت حيضتين ، وصدقها الزوج على ذلك ؟ فأجاب : إذا لم تحض إلا حيضتين فالنكاح الثانى باطل باتفاق الأئمة ، وإذا كان الزوج مصدقا لها وجب أن يفرق بينهما : فتكمل عدة الأول بحيضة، ثم تعتد من وطء الثانى عدة كاملة، ثم بعد ذلك إن شاء الثانى أن يتزوجها تزوجها . وسل عن امرأة بانت فتزوجت بعد شهر ونصف بحيضة واحدة ؟ فأجاب : تفارق هذا الثانى، وتتم عدة الأول بحيضتين ، ثم بعد ذلك تعتد من وطء الثانى بثلاث حيضات ، ثم بعد ذلك يتزوجها بعقد جديد . ٧٩ وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عن رجل عقد العقد على أنها تكون بالغا ، ولم يدخل بها ، ولم يصبها ، ثم طلقها ثلاثا ، ثم عقد عليها شخص آخر ، ولم يدخل بها ولم يصبها ؛ ثم طلقها ثلاثا : فهل يجوز للذى طلقها أولاً أن يتزوج بها ؟ فأجاب : إذا طلقها قبل الدخول فهو كما لو طلقها بعد الدخول عند الأئمة الأربعة ، لا يحل له حتى تنكح زوجا غيره ، ويدخل بها ، فإذا طلقها قبل الدخول لم تحل للأول. وسئل رحمه اللّه عن رجل تزوج بنتا بكرا ، ثم طلقها ثلاثا ولم يصبها : فهل يجوز أن يعقد عليها عقدا ثانيا ، أم لا ؟ فأجاب : طلاق البكر ثلاثا كطلاق المدخول بها ثلاثا عند أكثر الأئمة. ٨٠