Indexed OCR Text

Pages 41-60

الشخص : فهل للعاقد أن يعقد بمجرد قول الولي ؟ أم قولها ؟ وكيفية
الحكم فى هذه المسألة بين العلماء؟
فأجاب: الحمدلله . الإشهاد على إذنها ليس شرطا فى صحة العقد عند جماهير
العلماء ؛ وإنما فيه خلاف شاذ فى مذهب الشافعى وأحمد بأن ذلك شرط .
والمشهور فى المذهبين - كقول الجمهور - أن ذلك لا يشترط . فلو قال
الولي : أذنت لي فى العقد ؛ فعقد العقد، وشهد الشهود على العقد ، ثم صدقته
الزوجة على الإذن : كان النكاح ثابتا صحيحا باطنا وظاهرا ، وإن أنكرت
الإذن كان القول قولها مع يمينها ؛ ولم يثبت النكاح . دعواه الإذن عليها
كما لوادعى النكاح بعد موت الشهود ونحو ذلك. والذى ينبغى لشهود النكاح
أن يشهدوا على إذن الزوجة قبل العقد ، لوجوه ثلاثة :
((أحدها)) أن ذلك عقد متفق على صحته، ومهما أمكن أن يكون
العقد متفقا على صحته فلا ينبغي أن يعدل عنه إلى مافيه خلاف ، وإن كان
مرجوحا ؛ إلا لمعارض راجح.
((الوجه الثانى)) أن ذلك معونة على تحصيل مقصود العقد، وأمان من
جحوده، لاسما فى مثل المكان والزمان الذى يكثر فيه جحد النساء وكذبهن
فإن ترك الإشهاد عليها كثيرا ما يفضى إلى خلاف ذلك. ثم إنه يفضي إلى أن
تكون زوجة فى الباطن ، دون الظاهر . وفى ذلك مفاسد متعددة .
٤١

((والوجه الثالث)): أن الولي قد يكون كاذبا فى دعوى الاستئذان؛
وأن يحتال بذلك على أن يشهد أنه قد زوجها ، وأن يظن الجمال أن النكاح
يصح بدون ذلك ، إذا كان عند العامة أنها إذا زوجت عند الحاكم صارت
زوجة . فيفضى إلى قهرها وجعلها زوجة بدون رضاها .
وأما ((العاقد)) الذي هو نائب الحاكم إذا كان هو المزوج لها بطريق
الولاية عليها ؛ لا بطريق الوكالة للولي : فلا يزوجها حتى يعلم أنها قد أذنت.
وذلك بخلاف ما إذا كان شاهداً على العقد . وإن زوجها الولي بدون إذنها
فهو نكاح الفضولي . وهو موقوف على إذنها عند أبي حنيفة ومالك ، وهو
باطل مردود عند الشافعى ، وأحمد فى المشهور عنه .
وسئل رحمه اللّه
عن بنت زالت بكارتها بمكروه ، ولم يعقد عليها عقد قط ، وطلبها من
يتزوجها ؛ فذكر له ذلك فرضي : فهل يصح العقد بما ذكر إذا شهد
المعروفون أنها بنت ؛ لتسهيل الأمر فى ذلك ؟
فأجاب : إذا شهدوا أنها ما زوجت كانوا صادقين ، ولم يكن فى ذلك
تلبيس على الزوج ؛ لعامه بالحال . وينبغى استنطاقها بالأدب ؛ فإن العلماء
متنازعون: هل إذنها إذا زالت بكارتها بالزنا: الصمت، أو: النطق. و((الأول))
مذهب الشافعى ؛ وأحمد ، كصاحبي أبى حنيفة . وعند أبى حنيفة ومالك
إذنها الصمات ، كالتى لم تزل عذرتها .
٤٢

وسئل رحمه الله تعالى
عن بنت يتيمة ، ولها من العمر عشر سنين، ولم يكن لها أحد ، وهى
مضطرة إلى من يكفلها : فهل يجوز لأحد أن يتزوجها بإذنها ، أم لا؟
فأجاب : هذه يجوز تزويجها بكفؤ لها عندأ كثر السلف والفقهاء ،
وهو مذهب أبى حنيفة وأحمد فى ظاهر مذهبه ؛ وغيرهما. وقد دل على ذلك
الكتاب والسنة، كقوله تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ
فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِىِ الْكِتَبِ فِ يَتَمَى الْنِسَاءِ ) الآية . وقد أخرجا
تفسير هذه الآية فى الصحيحين عن عائشة ، وهو دليل فى اليتيمة ؛ وزوجها
من يعدل عليها فى المهر ؛ لكن تنازع هؤلاء : هل تزوج بإذنها أم لا ؟
فذهب أبو حنيفة أنها تزوج بغير إذنها ، ولها الخيار إذا بلغت ، وهى
رواية عن أحمد. وظاهر مذهب أحمد أنها تزوج بغير إذنها إذا بلغت تسع
سنين ، ولاخيار لها إذا بلغت ؛ لما فى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه
قال: ((اليقيمة تستأذن فى نفسها ، فإن سكتت فقد أذنت ، وإن أبت فلا
جواز عليها)) وفى لفظ: ((لا تنكح اليقيمة حتى تستأذن ، فإن سكتت
فقد أذنت وإن أبت فلا جواز عليها )).
٤٣

وسئل شيخ الإسلام رحمه اللّه
عن صغيرة دون البلوغ مات أبوها : هل يجوز للحاكم أو نائبه أن
يزوجها أم لا؟ وهل يثبت لها الخيار إذا بلغت أم لا ؟
فأجاب : إذا بلغت تسع سنين فإنه يزوجها الأولياء - من العصبات
والحاكم ونائبه - فى ظاهر مذهب أحمد، وهو مذهب أبى حنيفة وغيرهما
كما دل على ذلك الكتاب والسنة فى مثل قوله تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ
فِى الْنِسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِىِ الْكِتَبِ فِ يَتَمَى النِّسَاءِ
الَّتِ لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ)
وأخرجا فى
الصحيحين عن عروة بن الزبير ، أنه سأل عائشة عن قول الله عز وجل :
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِى الْيَ فَأَنكِحُواْ مَاطَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَتُلَثَ وَرُبَعَ )
قالت ؛ يا ابن أختى ! هذه اليقيمة فى حجر وليها تشاركه فى ماله ، فيعجبه
مالها وجمالها ؛ فيريد وليها أن يتزوجها من غير أن يقسط فى صداقها ؛
فيعطيها مثل ما يعطيها غيره ، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن
ويبلغوا بهن على سنتهن فى الصداق ، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم
من النساء سواهن . قال عروة : قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول
الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن؛ فأنزل الله عز وجل :
٤٤

(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِىِ النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ) الآية. قالت عائشة
والذى ذكر الله أنه (يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَبِ ) الآية الأولى التى قالها الله
(وَإِنْ خِقْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِي الَْى فَأَنْكِحُواْ مَاطَابَ لَكُمْ مِنَ
عز وجل :
النِّسَآءِ ) قالت عائشة: وقول الله عز وجل فى الآية الأخرى: (وَتَرْغَبُونَ
أَنْ تَنكِحُوهُنَّ ) رغبة أحدكم عن يقيمته التى تكون فى حجره حيث تكون
قليلة المال والحال . وفى لفظ آخر : إذا كانت ذات مال وجمال رغبوا فى
نكاحها فىإ كمال الصداق ؛ وإذا كانت مرغوبا عنها فى قلة المال والجمال
رغبوا عنها ؛ وأخذوا غيرها من النساء . قال : فكما يتركونها حتى يرغبوا
عنها؛ فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوافيها؛ إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها
من الصداق . فهذا يبين أن الله أذن لهم أن يزوجوا اليتامى من النساء إذا
فرضوا لهن صداق مثلهن؛ ولم يأذن لهم فى تزويجهن بدون صداق المثل ؛
لأنها ليست من أهل التبرع ؛ ودلائل ذلك متعددة .
ثم الجمهور الذين جوزوا إنكاحها لهم قولان :
((أحدهما)) وهو قول أبى حنيفة وأحمد فى إحدى الروايتين: أنها
تزوج بدون إذنها ؛ ولها الخيار إذا بلغت .
و ((الثانى)» وهو المشهور فى مذهب أحمد وغيره: أنها لا تزوج
إلا بإذنها ؛ ولا خيار لها إذا بلغت. وهذا هو الصحيح الذى دلت عليه السنة
كما روى أبو هريرة؛ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تستأذن
٤٥

اليقيمة فى نفسها ؛ فإن سكتت فهو إذنها ؛ وإن أبت فلا جواز عليها)) رواه
أحمد وأبو داود والترمذي والنسائى ، وعن أبى موسى الأشعرى : أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((تستأمر اليقيمة فى نفسها ، فإن
سكتت فقد أذنت ؛ وإن أبت فلا جواز عليها )) . فهذه السنة نص فى القول
الثالث الذى هو أعدل الأقوال أنها تزوج ؛ خلافا لمن قال: إنها لا تزوج
حتى تبلغ فلا تصير ((يتيمة)). والكتاب والسنة صريح فى دخول اليقيمة
قبل البلوغ فى ذلك ؛ إذ البالغة التى لها أمر فى مالها يجوز لها أن ترضى بدون
صداق المثل ؛ ولأن ذلك مدلول اللفظ وحقيقته ، ولأن ما بعد البلوغ وإن
سمي صاحبه يتيما مجازاً فغايته أن يكون داخلا فى العموم . وأما أن يكون
المراد باليقيمة البالغة دون التي لم تبلغ : فهذا لا يسوغ حمل اللفظ عليه
بحال . والله أعلم .
وسئل رحمه اللّه تعالى
عن بنت يتيمة ليس لها أب ؛ ولا لها ولي إِلا أخوها ، وسنها اثنتاعشرة
سنة ، ولم تبلغ الحلم ؛ وقد عقد عليها أخوها بإذنها: فهل يجوز ذلك أم لا؟
فأجاب : هذا العقد صحيح فى مذهب أحمد المنصوص عنه فى أكثر
أجوبته ، الذى عليه عامة أصحابه ، ومذهب أبى حنيفة أيضا ؛ لكن أحمد
فى المشهور عنه يقول : إذا زوجت بإذنها وإذن أخيها لم يكن لها الخيار إذا
٤٦

بلغت . وأبو حنيفة وأحمد فى رواية يقول : تزوج بلا إذنها ، ولها الخيار
إذا بلغت . وهذا أحد القولين فى مذهب مالك أيضا . ثم عنه رواية: إن
دعت حاجة إلى نكاحها ، ومثلها يوطأ جاز. وقيل: تزوج ولها الخيار إذا
بلغت . وقال ابن بشير : اتفق المتأخرون أنه يجوز نكاحها إذا خيف عليها
الفساد. والقول ((الثالث)) وهو قول الشافعى وأحمد فى الرواية الأخرى :
انها لا تزوج حتى تبلغ ، إذا لم یکن لها أب وجد . قالوا : لأنه ليس لها
ولي يجبر ، وهى فى نفسها لا إذن لها قبل البلوغ ؛ فتعذر تزويجها بإذنها
وإذن وليها .
و « القول الأول)» أصح بدلالة الكتاب والسنة والاعتبار ؛ فإن
الله تعالى يقول: ( وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى
عَلَيْكُمْ فِىِ الْكِتَبِ فِ يَتَمَى النِّسَاءِ الَّتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن
تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْلِلْيَتَمَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ
وقد ثبت عن عائشة
مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ، عَلِيمًا )
رضى الله عنها : أن هذه الآية نزلت فى اليتيمة تكون فى حجر وليها ، فإن
كان لها مال وجمال تزوجها ولم يقسط فى صداقها؛ فإن لم يكن لها مال لم
يتزوجها ، فنهى أن يتزوجها حتى يقسط فى صداقها ، من أجل رغبته عن
نكاحها إذا لم يكن لها مال . وقوله: ( قُلِ اَللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى
عَلَيْكُمْ فِ الْكِتَبِ ) يفتيكم ، ونفتيكم فى المستضعفين . فقد أخبرت
٤٧

عائشة فى هذا الحديث الصحيح الذى أخرجه البخارى ومسلم : أن هذه الآية
نزلت فى اليقيمة تكون فى حجر وليها ، وأن الله أذن له فى تزويجها إذا
أقسط فى صداقها ، وقد أخبر أنها فى حجره . فدل على أنها محجور عليها .
وأيضا فقد ثبت فى السنن من حديث أبي موسى ، وأبى هريرة، عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لا تنكح اليقيمة حتى تستأذن ، فإن
سكتت فقد أذنت ، وإن أبت فلا جواز عليها )» فيجوز تزويجها بإذنها ،
ومنعه بدون إذنها. وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((لا يتم بعد احتلام))
ولو أريد ((باليتيم)) ما بعد البلوغ : فبطريق المجاز ؛ فلا بد أن يعم ما قبل
البلوغ وما بعده. أما تخصيص لفظ ((اليتيم)) بما بعد البلوغ فلا يحتمله
اللفظ بحال ؛ ولأن الصغير المميز يصح لفظه مع إذن وليه ، كما يصح إحرامه
بالحج بإذن الولي ، وكما يصح تصرفه فى البيع وغيره بإذن وليه : عند أكثر
العلماء ، كما دل على ذلك القرآن بقوله: (وَأَبْلُواْ الْيَنَ حَّى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ)
فأمر بالابتلاء قبل البلوغ ؛ وذلك قد لا يأتى إلا بالبيع
ء
الآية .
- ولا تصح وصيته وتدبيره عند الجمهور - وكذلك إسلامه؛ كما يصح
صومه وصلاته وغير ذلك لما له فى ذلك من المنفعة . فإذا زوجها الولي باذنها
من كفؤ جاز ، وكان هذا تصرفا بإذنها، وهو مصلحة لها ، وكل واحد من
هذين مصحح لتصرف المميز. والله أعلم .
٤٨

وسئل شيخ الإسلام رحمه اللّه
عن بنت دون البلوغ ، وحضر من يرغب فى تزويجها : فهل يجوز
للحاكم أن يزوجها أم لا ؟
فأجاب: الحمدلله. إذا كان الخاطب لها كفؤًا جاز تزويجها فى أصح قولى
العلماء، وهو مذهب أبى حنيفة، وأحمد فى المشهور عنه . ثم منهم من يقول
تزوج بلا أمرها، ولها الخيار، كمذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد. ومنهم من
يقول: إذا بلغت تسع سنين زوجت بإذنها ، ولاخيار لها إذا بلغت . وهو ظاهر
مذهب أحمد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تنكح اليتيمة حتى تستأذن، فإن
سكتت فقد أذنت وإن أبت فلاجواز عليها )) رواه أبو داود والنسائى وغيرهما.
وتزويج ((اليتيمة)) ثابت بالكتاب والسنة، قال تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ
فِى النِّسَاءِ قُلِ اَللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فىِ الْكِتَبِ فِ يَتَمَى النِّسَاءِ
الَّتِ لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ)
وقد ثبت فى الصحيح عن عائشة رضى الله عنها : أنها نزلت فى اليتيمة
التى يرغب وليها أن ينكحها إذا كان لها مال ، ولاينكحها إذا لم يكن لها
مال ، قنهوا عن نكاحهن حتى يقسطوا لهن فى الصداق . فقد أذن الله للولي أن
ينكح اليتيمة؛ إذا أصدقها صداق المثل . والله أعلم.
٤٩

وسئل رحمه الله تعالى
عن رجل تزوج يتيمة صغيرة ، وعقد عقدها الشافعي المذهب ، ولم تدرك
إلا بعد العقد بشهرين : فهل هذا العقد جائز أم لا ؟
فأجاب: أما ((اليتيمة)) التى لم تبلغ قبل لايجبرها على تزويجها غير الأب.
والجد . والأخ ، والعم ، والسلطان الذى هو الحاكم أو نواب الحاكم فى
العقود : للفقهاء فى ذلك ثلاثة أقوال .
((أحدها)) لايجوز، وهو قول الشافعى، ومالك؛ والإمام أحمد
فى رواية .
((والثانى)) يجوز النكاح بلا إذنها ، ولها الخيار إذا بلغت ؛ وهو
مذهب أبى حنيفة ، ورواية عن أحمد .
و ((الثالث)) أنها تزوج بإذنها ؛ ولا خيار لها إذا بلغت . وهذاهو
المشهور من مذهب أحمد . فهذه التى لم تبلغ يجوز نكاحها فى مذهب
أبى حنيفة وأحمد وغيرهما . ولو زوجها حاكم يرى ذلك: فهل يكون تزويجه
٥٠

حكما لا يمكن نقضه؟ أو يفتقر إلى حاكم غيره يحكم بصحة ذلك؟ على وجهين
فى مذهب الشافعى وأحمد وغيرهما : أصحهما الأول . لكن الحاكم المزوج
هنا شافعى فإن كان قد قاد قول من يصحح هذا النكاح ، وراعى سائر شروطه
وكان ممن له ذلك : جاز . وإن كان قد أقدم على مايعتقد تحريمه كان فعله غير
جائز . وإن كان قد ظنها بالغا فزوجها فكانت غير بالغ لم يكن فى الحقيقة قد
زوجها ؛ ولا يكون النكاح صحيحا . والله أعلم .
وسئل رحمه اللّه
عن رجل وجد صغيرة فرباها ، فلما بلغت زوجها الحاكم له، ورزق منها
أولادا؛ ثم وجد لها أخ بعد ذلك : فهل هذا النكاح صحيح ؟
فأجاب : إذا كان لها أخ غائب غيبة منقطعة ، ولم يكن يعرف حينئذ
لها أخ ، لكونها ضاعت من أهلها حين صغرها إلى ما بعد النكاح: لم يبطل
النكاح المذكور . والله أعلم .
٥١

وسئل شيخ الإسلام رحمه الله
عن بنت يتيمة ، وقد طلبها رجل وكيل على جهات المدينة ، وزوج أمها كاره
فى الوكيل . فهل يجوز أن يزوجها عمها وأخوها بلا إذن منها أم لا ؟
فأجاب: الحمد لله. المرأة البالغ لا يزوجها غير الأب والجد بغير إذنها باتفاق
الأمة ؛ بل وكذلك لايزوجها الأب إلا بإذنها فى أحد قولى العلماء؛ بل فى أصحح)
وهو مذهب أبى حنيفة وأحمد فى إحدى الروايتين، كما قال النبي صلى الله عليه
وسلم: ((لا تنكح البكر حتى تستأذن، ولا الثيب حتى تستأمر)» قالوايا رسول الله
فإن البكر تستحي؟ قال: ((إذنها صماتها)) وفى لفظ ((يستأذنها أبوها وإذنها صماتها))
وأما العم والأخ فلا يزوجانها بغير إذنها باتفاق العلماء . وإذا رضيت رجلا وكان
كفؤا لها وجب على وليها - كالأخ ثم العم - أن يزوجها به ، فإن عضلها وامتنع
من تزويجها زوجها الولي الأبعد منه أو الحاكم بغير إذنه باتفاق العلماء ؛ فليس
للولي أن يجبرها على نكاح من لا ترضاه؛ ولا يعضلها عن نكاح من ترضاه
إذا كان كفؤا باتفاق الأئمة ؛ وإنما يجبرها ويعضلها أهل الجاهلية والظلمة الذين
يزوجون نساءهم لمن يختارونه لغرض؛ لا لمصلحة المرأة، ويكرهونها على ذلك
أو يخجلونها حتى تفعل. ويعضلونها عن نكاح من يكون كفؤا لها لعداوة
٥٢

أو غرض. وهذا كله من عمل الجاهلية والظلم والعدوان، وهو مما حرمه الله
ورسوله، واتفق المسامون على تحريمه، وأوجب الله على أولياء النساء أن ينظروا
فى مصلحة المرأة؛ لا فى أهوائهم كسائر الأولياء والوكلاء ممن تصرف لغيره
فإنه يقصد مصلحة من تصرف له، لا يقصد هواه، فإن هذا من الأمانة التى أمر
الله أن تؤدى إلى أهلها فقال: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم
بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُواْبِالْعَدْلِ )
وهذا من النصيحة الواجبة ، وقد قال
النبى صلى الله عليه وسلم: ((الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة. قالوا لمن
يارسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولا مة المسلمين وعامتهم)». والله أعلم.
وسئل رحمه اللّه
عن رجل تزوج امرأة، وقعدت معه أياما ، وجاء أناس ادعوا أنها فى
ملكهم، وأخذوها من بيته، ونهبوه؛ ولم يكن حاضرا : فهل يجوز أخذها
وهي حامل ؟
فأجاب : الحمد لله . إذا لم يبين للزوج أنها أمة ؛ بل تزوجها نكاحا مطلقا .
كما جرت به العادة؛ وظن أنها حرة؛ وقيل له : إنها حرة : فهو مغرور ،
وولده منها حر؛ لا رقيق. وأما ((النكاح)) فباطل إذا لم يجزه السيد باتفاق
المسلمين. وإن أجازه السيد صح فى مذهب أبى حنيفة ومالك فى إحدى
الروايتين؛ ولم يصح فى مذهب الشافعى وأحمد فى الرواية الأخرى ؛ بل يحتاج
٥٣

إلى نكاح جديد. وأما إن ظهرت حاملا من غير الزوج : فالنكاح باطل
بلا ريب؛ ولا صداق عليه إذا لم يدخل بها؛ وليس لهم أن يأخذوا شيئا من
ماله ؛ بل كل ما أخذ من ماله رد إليه .
وسئل شيخ الإسلام رحمه اللّه
عن تزويج الماليك بالجوارى من غير عتق إذا كانوا لمالك واحد ؟ ومن
يعقد طرفي النكاح فى الطرفين لهما ؟ ولأولادهما؟ وهل للسيد أن يتسرى بهن ؟
فأجاب : تزويج الماليك بالإماء جائز، سواء كانوا لمالك واحد ،
أو لمالكين، مع بقائهم على الرق . وهذا ما اتفق عليه أئمة المسلمين . والذى
نزوج الأمة سيدها أو وكيله . وأما المملوك فهو يقبل النكاح لنفسه إذا كان
كبيراً، أو يقبل له وكيله . وإن كان صغيراً فسيده يقبل له . فإذا كان الزوجان له
قال بحضرة شاهدين: زوجت مملوكى فلان بأمتى فلانة، وينعقد النكاح بذلك .
وأما العبد البالغ: فهل لسيده أن يزوجه بغير إذنه ، ويكرهه على ذلك ؟ فيه
قولان للعلماء ((أحدهما)) لا يجوز، وهو مذهب الشافعي وأحمد. (( والثانى))
يجبره، وهو مذهب أبى حنيفة، ومالك. والأمة والمملوك الصغير يزوجهما
بغير إذنهما بالاتفاق .
٥٤

وأما ((الأولاد)) فهم تبع لأمهم فى ((الحرية والرق)) وهم تبع لأبيهم فى
النسب والولاء باتفاق المسلمين. فمن كان سيدالأم كان أولادها له، سواء
ولدوا من زوج، أو من زنا. كما أن الهائم من الخيل والإبل والحمير إذا نزى
ذكرها على أنثاها كان الأولاد لمالك الأم. ولو كانت الأم معتقة أو حرة
الأصل والأب مملوكا كان الأولاد أحراراً. وأما ((النسب)) فإنهم ينتسبون
إلى أبيهم. وإذا كان الأب عتيقاً والأم عتيقة كانوا منتسبين إلى موالي الأب،
وإن كان الأب مملوكا انتسبوا إلى موالي الأم ، فإن عتق الأب بعد ذلك انجر
الولاء من موالي الأم إلى موالي الأب. وهذا مذهب الأئمة الأربعة. ومن
كان مالكا للأم ملك أولادها ، وكان له أن يتسرى بالبنات من أولاد إمائه؛
إذا لم يكن يستمتع بالأم فإنه يستمتع ببناتها ؛ فإن استمتع بالأم فلا يجوز أن
يستمتع بيناتها . والله أعلم.
وسئل رحمه اللّه تعالى
عن رجل شريف ، زوج ابنته وهى بكر بالغ لرجل غير شريف مغربي،
معروف بين الناس بالصلاح، برضا ابنته، وإذنها ، ولم يشهد عليها الأب بالرضا :
فهل يكون ذلك قادحا فى العقد أم لا ؟ مع استمرار الزوجة بالرضا ، وذلك
قبل الدخول وبعده ، وقدح قادح فأشهدت الزوجة أن الرضا والإذن صدرا
منها : فهل يحتاج فى ذلك تجديد العقد ؟
٥٥

فأجاب : لا يفتقر صحة النكاح إلى الإشهاد على إذن المرأة قبل النكاح
فى المذاهب الأربعة، إلا وجها ضعيفا فى مذهب الشافعي وأحمد ؛ بل قال: إذا
قال الولي: أذنت لي جاز عقد النكاح . والشهادة على الولي والزوج. ثم المرأة
بعد ذلك إن أنكرت : فالنكاح ثابت- هذا مذهب الشافعى وأحمد فى
المشهور عنه . وأما مذهب أبى حنيفة ومالك وأحمد فى رواية عنه إذا لم تأذن
حتى عقد النكاح جاز، وتسمى: ((مسألة وقف العقود))، كذلك العبد إذا
تزوج بدون إذن مواليه : فهو على هذا النزاع .
أما ((الكفاءة فى النسب)) فالنسب معتبر عند مالك. أما عند أبى
حنيفة والشافعي وأحمد فى إحدى الروايتين عنه: فعي حق للزوجة والأبوين،
فإذا رضوا بدون كفء جاز، وعند أحمد هي حق لله فلا يصح النكاح مع
فراقها . والله أعلم.
وسئل رحمه اللّه
عن رجل زوج ابنة أخيه من ابنه ، والزوج فاسق لا يصلى ، وخوفوها
حتى أذنت فى النكاح. وقالوا : إن لم تأذنى وإلا زوجك الشرع بغير اختيارك،
وهو الآن يأخذ مالها ؛ ويمنع من يدخل عليها لكشف حالها : كأنها،
وغيرها ؟
٥٦

فأجاب : الحمد لله ، ليس للعم ولا غيره من الأولياء أن يزوج موليته
بغير كفء إذا لم تكن راضية بذلك باتفاق الأمة ؛ وإذا فعل ذلك استحق
العقوبة الشرعية التي تردعه وأمثاله عن مثل ذلك ؛ بل لو رضيت هى بغير
كفء كان أولى آخر غير المزوج أن يفسخ النكاح؛ وليس للعم أن يكره
المرأة البالغة على النكاح بكفء؛ فكيف إذا أكرهها على التزويج بغير كفء؟!
بل لا يزوجها إلا بمن ترضاه باتفاق المسلمين .
وإذا قال لها : إن لم تأذنى وإلا زوجك الشرع بغير اختيارك . فأذنت
بذلك لم يصح هذا الإذن، ولا النكاح المترتب عليه؛ فإن الشرع لا يمكن
غير الأب والجد من إجبار الصغيرة باتفاق الأمة؛ وإنما تنازع العلماء فى
ء
((الأب والجد)) فى الكبيرة، وفى الصغيرة مطلقا. وإذا تزوجها بنكاح
صحيح كان عليه أن يقوم بما يجب لها ، ولا يتعدى عليها فى نفسها ، ولامالها .
وما أخده من ذلك ضمنه، وليس له أن يمنع من يكشف حالها إذا
اشتكت؛ بل إما أن يمكن من يدخل عليها ويكشف حالها : كالأم ،
وغيرها . وإما أن تسكن بجنب جيران من أهل الصدق والدين يكشفون
حالها . والله أعلم .
٥٧

وسئل رحمه اللّه
عن رجل له عبد ، وقد حبس نفسه ، وقصد الزواج : فهل له أن يتزوح
أم لا ؟
فأجاب : نعم له التزوج على أصل من يجبر السيد على تزويجه، كمذهب
أحمد والشافعى على أحد قوليه ؛ فإن تزويجه كالإنفاق عليه إذا كان محتاجاً إلى
ذلك، وقد قال تعالى: ( وَنكِحُواْأَنَى مِنكُمْ وَالصَِّحِينَ مِنْ عِبَادِكُمُ وَإِمَا بِكُمْ)
فأمر بتزويج العبيد والإماء ، كما أمر بتزويج الأيامى. وتزويج
الأمة إذا طلبت النكاح من كفء واجب باتفاق العلماء ، والذى يأذن له فى
النكاح مالك نصفه، أو وكيله، وناظر النصيب المحبس .
وسُّل
عن رجل تزوج عتيقة بعض بنات الملوك ، الذين يشترون الرقيق من
مالهم ومال المسلمين بغير إذن معتقتها: فهل يكون العقد صحيحا ، أم لا؟
فأجاب : أما إذا أعتقتهامن مالها عتقا شرعيا فالولاية لها باتفاق العلماء ،
وهى التى ترتها ، ثم أقرب عصباتها من بعدها .
٥٨

وأما تزويج هذه (( العتيقة)) بدون إذن المعتقة؟ فهذا فيه قولان
مشهوران للعلماء، فإن من لا يشترط إذن الولى: كأبى حنيفة ومالك فى إحدى
الروايتين يقول بأن هذا النكاح يصح عنده ؛ لكن من يشترط إذن الولى
كالشافعى وأحمد لهم قولان فى هذه المسألة، وهما روايتان عن أحمد ((إحداهما))
أنها لا تزوج إلا بإذن المعتقة، فإنها عصبتها. وعلى هذا: فهل للمرأة نفسها أن
تزوجها؟ على قولين: هما روايتان عن أحمد. و((الثانى)) أن تزويجها لا يفتقر
إلى إذن المعتقة ؛ لأنها لا تكون ولية لنفسها ، فلا تكون ولية لغيرها ؛
ولأنه لا يجوز تزويجها عندهم ، فلا يفتقر إلى إذنها، فعلى هذا يزوج هذه المعتقة
من يزوج معتقتها بإذن العتيقة : مثل أخ المعتقة ، ونحوه إن كان من أهل
ولاية النكاح؛ وإن لم يكن أهلا وزوجها الحاكم جاز؛ وإلا فلا . وإن
كانوا أهلا عند أبى حنيفة فالولاء لهم ، والحاكم يزوجها .
وسئل
عن رجل خطب امرأة، فسئل عن نفقته؟ فقيل له: من الجهات
السلطانية شىء، فأبى الولي تزويجها ، فذكر الخاطب أن فقهاء الحنفية جوزوا
تناول ذلك: فهل ذكر ذلك أحد فى جواز تناوله من الجهات ؟ وهل للولي المذكور
دفع الخاطب بهذا السبب مع رضاء المخطوبة ؟
٥٩

فأجاب : أما الفقهاء الأئمة الذين يفتى بقولهم فلم يذكر أحد منهم جواز
ذلك؛ ولكن فى أوائل الدولة ((السلجوقية)) أفتى طائفة من الحنفية والشافعية
بجواز ذلك، وحكى أبو محمد بن حزم فى ((كتابه)» إجماع العلماء على تحريم
ذلك، وقد كان ((نور الدين محمود الشهيد التركي)» قد أبطل جميع الوظائف
المحدثة بالشام، والجزيرة، ومصر، والحجاز، وكان أعرف الناس بالجهاد .
وهو الذى أقام الإسلام بعد استيلاء ((الإفريج، والقرامطة)) على أكثر من
ذلك. ومن فعل ما يعتقد حكمه متأولا تأويلا سائغاً - لا سما مع حاجته -
لم يجعل فاسقا بمجرد ذلك؛ لكن بكل حال فالولي له أن يمنع موليته ممن
يتناول مثل هذا الرزق الذى يعتقده حراما ؛ لا سما أن رزقها منه ، فإذا
كان الزوج يطعمها من غيره، أو تأكل هي من غيره : فله أن يزوجها إذا
كان الزوج متأولا فيما يأكله .
وسئل رحمه اللّه
عن رجل زوج ابنته لشخص، ولم يعلم ما هو عليه، فأقام فى صحبة الزوجة
سنين، فعلم الولى والزوجة ما الزوج عليه: من النجس والفساد وشرب الخمر
والكذب والأمان الخائنة ، فبانت الزوجة منه بالثلاث : فهل يجوز للولى
الإقدام على تزويجه أم لا؟ ثم إن الولى استتاب الزوج مرارا عديدة،
ونكث ولم يرجع : فهل يحل تزويجها ؟
٦٠