Indexed OCR Text
Pages 281-300
. عن يده إلى من تصدق عليه ، وسلمها التسليم الشرعى : فهذه مسئلة معروفة عند العلماء ، فإن لم يكن المعطى أعطى بقية الأولاد مثل ذلك ، وإلا وجب عليه أن يرد ذلك، أو يعطى الباقين مثل ذلك؛ لما ثبت فى الصحيح عن النعمان ابن بشير قال : نحلني أبى غلاما ، فقالت أمى عمرة بنت رواحة : لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، وقلت : إنى نحلت ابني غلاما ، وإن أمه قالت لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لك ولد غيره؟)) قلت: نعم. قال: ((فكلهم أعطيت مثل ما أعطيته؟)) قلت: لا. قال: ((أشهد على هذا غيري)) وفى رواية ((لا تشهدنى؛ فإنى لا أشهد على جور، واتقوا الله واعدلوا بين أولادكم. اردده)) فرده . والله أعلم. دسئل عن دار لرجل ، وأنه تصدق منها بالنصف والربع على ولده الصلبه، والباقى وهو الربع تصدق به على أخته شقيقته ، ثم بعد ذلك توفي ولده الذي كان تصدق عليه بالنصف والربع، ثم إن المتصدق تصدق بجميع الدار على ابنته : فهل تصح الصدقة الأخيرة، ويبطل ما تصدق به أم لا ؟ فأجاب : إذا كان قد ملك أخته الربع تمليكا مقبوضا، وملك ابنه الثلاثة أرباع : فلك الأخت ينتقل إلى ورثتها ؛ لا إلى البنت ، وليس للمالك أن ينقله إلى ابنته . والله أعلم . ٢٨١ : وسئل رحمه الله تعالى عن امرأة ماتت ولها أب وأم وزوج وهي رشيدة . وقد أخذ أبوها القماش. ولم يعط الورثة شيئا؟ فأجاب : لا يقبل منه ذلك ؛ بل ما كان فى يدها من المال فهو لها ينتقل إلى ورثتها . وإن كان هو اشتراه وجهزها به على الوجه المعتاد فى الجهاز فهو تمليك لها . فليس له الرجوع بعد موتها . وسئل هل لمن أهدي كلب صيد فأهدى للمهدى عوضاهل له أكل هذه الهدية ؟ فأجاب : إذا أعطى الكلب المعلم، ولم يكن من نيته أن يأخذ عوضنا ولا قصد بالهدية الثواب ؛ بل إكراما للمهدى إليه ، ثم إن المهدي إليه أعطاه شيئا، فلا بأس . ٢٨٢ وسئل رحمه اللّه تعالى عما إذا وهب الإنسان شيئا ثم رجع فيه: هل يجوز ذلك أم لا؟ فأجاب: الحمد لله . فى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلمأنه قال : ((ليس لواهب أن يرجع فى هبته؛ إلا الوالد فيما وهبه لولده)). وهذا مذهب الشافعى ومالك وأحمد وغيره ؛ إلا أن يكون المقصود بالهبة المعاوضة : مثل من يعطى رجلا عطية ليعاوضه عليها، أو يقضى له حاجة: فهذا إذا لم يوف بالشرط المعروف لفظا أو عرفا فله أن يرجع فى هبته أو قدرها . والله أعلم . وسئل عن الرجل يهب الرجل شيئًا: إما ابتداء ؛ أويكون دينا عليه، ثم يحصل بينهما شنئان فيرجع فى هبته : فهل له ذلك ؟ وإذا أنكر الهبة وحلف الموهوب له أنه لا يستحق الواهب فى ذمته شيئا: هل يحنث أم لا ؟ ٢٨٣ فأجاب : الحمد لله . ليس لواهب أن يرجع فى هبته ، غير الوالد ؛ إلا أن تكون الهبة على جهة المعاوضة لفظا أو عرفا ، فإذا كانت لاجل عوض ولم يحصل فلواهب الرجوع فيها . والله أعلم . وسل عمن وهب لابنه هبة ، ثم تصرف فيها وادعى أنها ملكه : فهل ٠۵ يتضمن هذا الرجوع فى الهبة أم لا ؟ فأجاب : نعم ! يتضمن ذلك الرجوع. والله أعلم . وسئل عن رجل وهب لإنسان فرسا ، ثم بعد ذلك بمدة طلب الواهب منه أجرتها ، فقال له : ما أقدر على شيء ؛ وإلافرسك خذها . قال الواهب : ما آخذها إلا أن تعطينى أجرتها : فهل يجوز ذلك، وتجوز له أجرة أم لا؟ فأجاب: إذا أعاد إليه العين الموهوبة فلاشىء له غير ذلك ، وليس له المطالبة بأجرتها ، ولا مطالبته بالضمان ؛ فإنه كان ضامنا لها وكان يطعمها بانتفاعه بها مقابلة لذلك . ٢٨٤ وسئل رحمه اللّه عن رجل قدم لأمير مملوكا على سبيل التعويض المعروف بين الناس من غير مبايعة، فمكث الغلام عند الأمیر مدة سنة يخدمه ، ثممات الا مير : فهل ء لصاحب المملوك التعلق على ورثة الأمير بوجه : بثمن، أو أجرة خدمة ، أو بحال من الأحوال ؟ فأجاب: نعم ! إذا وهبه بشرط الثواب لفظا أو عرفا فله أن يرجع فى الموهوب، مالم يحصل له الثواب الذي استحقه ، إذا كان الموهوب باقيا ؛ وإن كان تالفا فله قيمته أو الثواب. والثواب هناهو العوض المشروط على الموهوب. وسئل عن رجل أهدى الأمير هدية لطلب حاجة ؛ أو التقرب أو للاشتغال بالخدمة عنده، أوما أشبه ذلك : فهل يجوز أخذ هذه الهدية على هذه الصورة أم لا؟ وإن أخذ الهدية انبعثت النفس إلى قضاء الشغل ، وإن لم يأخذ لم تنبعث النفس فى قضاء الشغل : فهل يجوز أخذها وقضاء شغله، أولا يأخذ ولا يقضى؟ ٢٨٥ ورجل مسموع القول عند مخدومه إذا أعطوه شيئا للأ كل أو هدية لغير قضاء حاجة : فهل يجوز أخذها ؟ وإن ردها على المهدى انكسر خاطره : فهل يحل أخذ هذا أم لا ؟ فأجاب الحمد لله. فى سنن أبي داود وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ((من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية فقبلها فقد أتى بابا عظما من أبواب الربا)) وسئل ابن مسعود عن السحت؟ فقال: هو أن تشفع لأخيك شفاعة فيهدى لك هدية فتقبلها . فقال له : أرأيت إن كانت هدية فى باطل ؟ فقال ذلك كفر (وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ ) ولهذا قال العلماء : إن من أهدى هدية لولي أمر ليفعل معه مالا يجوز كان حراما على المهدي والمهدى إليه . وهذه من الرشوة التى قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: ((لعن الله الراشى والمرتشى)) والرشوة تسمى ((البرطيل)). ((والبرطيل)» فى اللغة: هو الحجر المستطيل فاه . فأما إذا أهدى له هدية ليكف ظلمه عنه ، أو ليعطيه حقه الواجب : كانت هذه الهدية حراما على الآخذ ، وجاز للدافع أن يدفعها إليه، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنى لأعطى أحدم العطية فيخرج بها يتأبطها نارا)) قيل يارسول الله، فلم تعطيهم قال؟ ((يأبون إلا أن يسألونى، ويأبى الله لي البخل)» ومثل ذلك إعطاء من أعتق وكتم عتقه، أو أسر خبرا، أو كان ظالما للناس فإعطاء هؤلاء : جائز للمعطي حرام، عليهم أخذه. وأما الهدية فى الشفاعة : ٢٨٦ مثل أن يشفع لرجل عند ولي أمر ليرفع عنه مظلمة، أو يوصل إليه حقه، أو يوليه ولاية يستحقها، أو يستخدمه فى الجند المقاتلة - وهو مستحق لذلك - أويعطيه من المال الموقوف على الفقراء أو الفقهاء أو القراء أو النساك أو غيرم - وهو من أهل الاستحقاق. ونحو هذه الشفاعة التى فيها إعانة على فعل واجب أو ترك محرم: فهذه أيضا لا يجوز فيها قبول الهدية، ويجوز للمهدي أن يبذل فى ذلك ما يتوصل به إلى أخذ حقه ، أو دفع الظلم عنه . هذا هو المنقول عن السلف والأئمة الأكابر . ء وقد رخص بعض المتأخرين من الفقهاء فى ذلك ، وجعل هذا من « باب الجمالة )) وهذا مخالف للسنة وأقوال الصحابة والأئمة: فهو غلط ؛ لأن مثل هذا العمل هو من المصالح العامة التى يكون القيام بها فرضا؛ إما على الأعيان؛ وإما على الكفاية، ومتى شرع أخذ الجعل على مثل هذا لزم أن تكون الولاية وإعطاء أموال الفيء والصدقات وغيرها لمن يبذل فى ذلك ، ولزم أن يكون كف الظلم عمن يبذل فى ذلك، والذي لا يبذل لا يولى، ولا يعطى، ولا يكف عنه الظلم ، وإن كان أحق وأنفع للمسلمين من هذا . والمنفعة فى هذا ليست لهذا الباذل حتى يؤخذ منه الجعل على الآبق والشارد . وإنما المنفعة لعموم الناس : أعنى المسلمين؛ فإنه يجب أن يولى فى كل مرتبة أصلح من يقدر عليها ، وأن يرزق من رزق المقاتلة والأئمة والمؤذنين وأهل العلم الذين هم أحق الناس وأنفعهم للمسلمين . وهذا واجب على الإمام، وعلى الأمة أن يعاونوه على ذلك، فأخذ جعل من شخص معين على ذلك يفضي إلى أن تطلب هذه ٢٨٧ الأمور بالعوض ، ونفس طلب الولايات منهي عنه، فكيف بالعوض ؟! ولزم أن من كان ممكنا فيها يولى ويعطى وإن كان غيره أحق وأولى ؛ بل يلزم تولية الجاهل والفاسق والفاجر وترك العالم العادل القادر ؛ وأن يرزق فى ديوان المقاتلة الفاسق ، والجبان العاجز عن القتال، وترك العدل الشجاع النافع للمسلمين . وفساد مثل هذا كثير . وإذا أخذ وشفع لمن لا يستحق وغيره أولى فليس له أن يأخذ ولا يشفع؛ وتركهما خير. وإذا أخذ وشفع لمن هو الأحق الأولى وترك من لا يستحق فينئذ ترك الشفاعة والأخذ أضر من الشفاعة لمن لا يستحق . ويقال لهذا الشافع الذى له الحاجة التى تقبل بها الشفاعة: يجب عليك أن تكون ناصحالله ورسوله ولاً ئمة المسلمين وعامتهم. ولو لم يكن لك هذا الجاه والمال فكيف إذا كان لك هذا الجاه والمال ؟! فأنت عليك أن تنصح المشفوع إليه فتبين له من يستحق الولاية والاستخدام والعطاء ، ومن لا يستحق ذلك ؛ وتنصح للمسلمين بفعل مثل ذلك ، وتنصح لله ولرسوله بطاعته ؛ فإن هذا من أعظم طاعته ؛ وتنفع هذا المستحق بمعاونته على ذلك ، كما عليك أن تصلي ، وتصوم ، وتجاهد فى سبيل الله . وأما الرجل المسموع الكلام فإذا أكل قدرا زائدا عن الضيافة الشرعية فلابد له أن يكافئ المطعم بمثل ذلك ، أو لا يأكل القدر الزائد ؛ وإلا فقبوله الضيافة الزائدة مثل قبوله للهدية ؛ وهو من جنس الشاهد، والشافع إذا أدى الشهادة ، وقام بالشفاعة؛ لضيافة أو جعل ؛ فإن هذا من أسباب الفساد. والله أعلم. ٢٨٨ وسئل رحمه اللّه تعالى عن رجل قدم لبعض الأ كابر غلاما، والعادة جارية أنه إذا قدم يعطى منه أو نظير الثمن، فلم يعط شيئاً، وتزوج وجاءه أولاد، وتوفى: فهل أولاده أحرار أم لا؟ وهل يرث أولاد مالك الأصل صاحب العهدة أم لا؟ فأجاب: الحمدلله. إذا كانت العادة الجارية بالتعويض وأعطاه على هذا الشرط فإنه يستحق أحد الأمرين: إما التعويض ، وإما الرجوع فى الموهوب. وأما المملوك فإنه إذا لم يعتقه الموهوب له فإنه يكون باقياً على ملكه. وأما أولاده فيتبعون أمهم ، فإن كانت حرة فهم أحرار ، وإن كانت مملوكة فهم ملك لمالكها ؛ لالمالك الأب؛ إذ الأولاد فى المذاهب الأربعة وغيرها يتبعون أمهم فى الحرية والرق، ويتبعون أباه فى النسب والولاء. وإذا لم يرجع الواهب حتى فات الرجوع فله أن يطالب الموهوب له بالتعويض إن كان حياً ، وفى تركته إن كان ميتاً : كسائر الديون . وإن كان قدعتق وله أولاد من حرة فهم أحرار. ٢٨٩ وسئل رحمه اللّه تعالى عن رجل اشترى عبداً ووهبه شيئاً حتى أثرى العبد، ثم ظهر أن العبد كان حراً : فهل يأخذ منه ماوهبه ظناً منه أنه عبد؟ فأجاب: نعم له أخذه. وسئل عن رجل طلق زوجته ، وسألها الصلح ، فصالحها ، وكتب لها دينارين . فقال لها : هبينى الدينار الواحد ، فوهبته ، ثم طلقها : فهل لها الرجوع فى الهبة والحال هذه ؟ فأجاب : نعم: لها أن ترجع فيما وهبته والحال هذه ، فإنه سألها الهبة ، وطلقها مع ذلك ، وهي لم تطلب نفسها أن يأخذ مالها بسؤالها ويطلقها . والله أعلم. ٢٩٠ وسئل رحمه اللّه تعالى عن رجل وهب لزوجته ألف درهم ، وكتب عليه بها حجة ، ولم يقبضها شيئاً ، وماتت ، وقد طالبه ورثتها بالمبلغ : فهل له أن يرجع فى الحبة؟ فأجاب: الحمد لله. إذا لم يكن لها فى ذمته شىء قبل ذلك - لا هذا المبلغ، ولا ما يصلح أن يكون هذا المبلغ عوضاً عنه: مثل أن يكون قد أخذ بعض جهازها وصالحها عن قيمته بهذا المبلغ ، ونحو ذلك - فإنه لا يستحق ورثتها شيئاً من هذا الدين فى نفس الأمر ، فإن كان إقراراً فله أن يحلفهم أنهم لا يعلمون أن باطن هذا الإقرار يخالف ظاهره ، وإذا قامت بينة على المقر والمقرله بأن هذا الإقرار تلجئة فلا حقيقة له . ولو كان قيمة ما أقر به من مالها أقل من هذا المبلغ فصالحها على أكثر من قيمته : ففى لزوم هذه الزيادة نزاع بين العلماء: تبطله طوائف من أصحاب الشافعى وأحمد، ويصححه أبو حنيفة . وهو قياس قول أحمد وغيره ، وهو الصحيح . والله أعلم. ٢٩١ وسئل رحمه الله تعالى عن رجل عليه دين ، وله مال يستغرقه الدين، ويفضل عليه من الدين ، وأوهب فى مرض موته لمملوك معتوق من ذلك المال : فهل لأهل الدين استرجاعه أم لا؟ فأجاب : الحمد لله . نعم ! إذا كان عليه دين مستغرق لماله فليس له فى مرض الموت أن يتبرع لأحد بهية ؛ لامحاباة، ولا إبراء من دين إلا بإجازة الغرماء ؛ بل ليس للورثة حق إلا بعد وفاء الدين . وهذا باتفاق المسلمين ، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية ، والتبرع فى مرض الموت كالوصية باتفاق الأئمة الأربعة . وسئل عن رجل مات وخلف ولدين ذكرين ، وبنتاً ، وزوجة ، وقسم عليهم الميراث ؛ ثم إن لهم أختاً بالمشرق : فلما قدمت تطلب ميراثها فوجدت الولدين ماتا ، والزوجة أيضًا ، ووجدت الموجود عند أختها ، فلما ادعت عليها ، وألزمت بذلك ، خافت من القطيعة بينهما: فأشهدت على نفسها بأنها أبرأتها ٢٩٢ فلما حصل الإبراء منها حلف زوجها بالطلاق أن أختها لايجىء إلها ، ولا هي تروح لها؛ والمذكورة لم تهها المال إلا لتحصيل الصلة والمودة بينهما؛ ولم يحصل غرضها : فهل لها الرجوع فى الحبة؟ وهل يمنع الإبراء أن تدعى بذلك وتطلب أم لا؟ فأجاب : الحمد لله رب العالمين. إذا كانت قد قالت عند الهبة: أنا أهب أختى لتعيننى على أمورى ، ونتعاون أنا وهي فى بلاد الغربة . أو قالت لها أختها : هبينى هذا الميراث ، قالت : ما أوهبك إلا لتخدمينى فى بلاد الغربة؛ ثم أوهبتها ، أو جرى بينهما من الاتفاق ما يشبه ذلك؛ بحيث وهبتها لأجل منفعة تحصل لها منها ؛ فإذا لم يحصل لها الغرض فلها أن تفسخ الهبة ، وترجع فيها . فالعوض فى مثل هذه الهبة فيه قولان فى مذهب أحمد وغيره . قيل : إن منفعته تكون بقدر قيمة ذلك . والله أعلم. دسل عن امرأة لها زوج ؛ ولها عليه صداق ، فلما حضرتها الوفاة أحضرت شاهد عدل وجماعة نسوة ، وأشهدت على نفسها أنها أبرأته من الصداق : فهل يصح هذا الإبراء أم لا؟ فأجاب: الحمد لله . إن كان الصداق ثابتاً عليه إلى أن مرضت مرض الموت لم يصح ذلك إلا بإجازة الورثة الباقين . وأما إن كانت أبرأته فى الصحة ٢٩٣ جاز ذلك، وثبت بشاهد ويمين عند مالك والشافعي وأحمد . وثبت أيضاً بشهادة امرأتين ويمين عند مالك ، وقول فى مذهب أحمد . وإن أقرت فى مرضها أنها أبرأته فى الصحة لم يقبل هذا الإقرار عند أبى حنيفة وأحمد وغيرهما؛ ويقبل عند الشافعى. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله قدأعطى كل ذى حظ حظه فلا وصية لوارث)). وليس للمريض أن يخص الوارث بأكثر مما أعطاه الله. وسئل رحمه اللّه عن رجل خص بعض الأولاد على بعض ؟ فأجاب : ليس له فى حال مرضه أن يخص أحداً منهم بأكثر من قدر ميراثه باتفاق المسلمين ، وإذا فعل ذلك فلباقى الورثة رده وأخذ حقوقهم ؛ بل لو فعل ذلك فى صحته لم يجز ذلك فى أصح قولي العلماء ، بل عليه أن يرده كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يرده حياً وميتاً. ويرده المخصص بعد موته . ٢٩٤ وسئل رحمه اللّه تعالى عن رجل أعطى بعض أولاده شيئا ولم يعط الآخر ؛ لكون الأول طائعا له : فهل له بر من أطاعه ، وحرمان من عصاه ، وحلف الذى لم يعطه بالطلاق أنه لا يكلم أباه إن لم يواسه : فهل له مخرج ؟ وهل اليمين بالطلاق يجرى مجرى الأيمان أم لا ؟ فأجاب : على الرجل أن يعدل بين أولاده ، كما أمر الله ورسوله ، فقد ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال لبشير بن سعد لما نحل ابنه النعمان نحلا، وأتى النبي صلى الله عليه وسلم ليشهده على ذلك، فقال له: ((اتقوا الله واعدلوا بين أولاد كم)) وقال: ((لانشهدنى على هذا؛ فإنى لا أشهد على جور)) وقال له: ((اردده)) فرده بشير. وقال له على سبيل التهديد: ((أشهد على هذا غيرى)). لكن إذا خص أحدهما بسبب شرعي : مثل أن يكون محتاجا مطيعا لله، والآخر غنى عاص يستعين بالمال على المعصية، فإذا أعطى من أمر الله بإعطائه ومنع من أمر الله عنه فقد أحسن . ٢٩٥ وأما الذى حلف أنه لا يكلم أباه . فأيما يمين من أيمان المسلمين حلف بها الرجل فعليه إذا حنث كفارة يمين . وأي يمين حلف عليها ورأى الحنث خيرا من الإصرار عليها فإنه يكفر عن يمينه ويحنث ، كما دل عليه الكتاب والسنة وسواء حلف باسم الله، أو بالنذر، أو بالطلاق، أو العتاق ، أو الظهار ، أو الحرام ، كقوله : إن فعلت كذا فالي صدقة، وعلي عشر حجج ، وعلي صوم سنة ، ونسائي طوالق ، وعبيدي أحرار ، ونحو ذلك ، فكل ما كان من أيمان المسلمين أجزأت فيه كفارة . وما لم يكن من أيمان المسلمين : كالحلف بالكعبة، والمشايخ والملوك والآباء ؛ فإنها أيمان محرمة ، غير منعقدة ، ولاحرمة لها . وليس فى شرع الله ورسوله إلا يمينان : يمين : منعقدة ففيها الكفارة . ويمين غير منعقدة فلاشىء فيها إذا حنث . ومن أثبت من العلماء يمينا منعقدة غير مكفرة : فقوله ضعيف مخالف للكتاب والسنة وأقوال الصحابة والقياس الجلي . والله أعلم. وسئل عن رجل له أولاد: ذكور ، وإناث . فنحل البنات دون الذكور قبل وفاته : فهل يبقى فى ذمته شىء أم لا ؟ ٢٩٦ فأجاب : لا يحل له أن ينحل بعض أولاده دون بعض ؛ بل عليه أن يعدل بينهم، كما أمر النبى صلى الله عليه وسلم حيث قال: ((اتقوا الله: واعدلوا بين أولاد كم)) وكان رجل قد نحل بعض أولاده؛ وطلب أن يشهد فقال: ((إنى لاأشهد على جور، وأمره برد ذلك )) فإن كان ذلك بالكلام ولم يسلم إلى البنات ما أعطاهم حتى مات أو مرض مرض الموت فهذا مردود باتفاق الأئمة ، وإن كان فيه خلاف شاذ . وإن كان قد أقبضهم فى الصحة : ففي رده قولان للعلماء . والله أعلم . وسئل عن رجل ترك أولادا ذكورا وإناثا ، وتزوج الإناث قبل موت أبيهم فأخذوا الجهاز جملة كثيرة . ثم لما مات الرجل لم يرث الذكور إلا شيئا يسيرا فهل على البنات أن يتحاصوا هم والذ كور فى الميراث والذى معهم أولا ؟ فأجاب : يجب على الرجل أن يسوى بين أولاده فى العطية، ولا يجوز أن يفضل بعضا على بعض كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك حيث نهى عن الجور فى التفضيل ، وأمر برده. فإن فعل ومات قبل العدل كان الواجب على من فضل أن يتبع العدل بين إخوته ؛ فيقتسمون جميع المال - الأول والآخر - على كتاب الله تعالى (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأَنْشَيَيْنِ). والله أعلم. ٢٩٧ وسئل رحمه الله تعالى عن رجل وهب لأولاده مماليك، ثم قصد عتقهم : فهل الأفضل استرجاعهم منهم وعتقهم ، أو إبقاؤهم فى يد الأولاد ؟ فأجاب : الحمد لله . إن كان أولاده محتاجين إلى الماليك فتركهم لأولاده أفضل من استرجاعهم وعتقهم ؛ بل صلة ذى الرحم المحتاج أفضل من العتق ؛ كما ثبت فى الصحيح: أن ميمونة زوج النبى صلى الله عليه وسلم أعتقت جارية لها فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((لو أعطيتها أخوالك كان خيرا لك )) فإذا كان النبى صلى الله عليه وسلم قد فضل إعطاء الحال على العتق فكيف الأولاد المحتاجون ؟! وأما إن كان الأولاد مستغنين عن بعضهم فعتقه حسن ، وله أن يرجع فى هذه الهبة عند الشافعى وأحمد وغيرهما ؛ ولا يرجع فيها عند أبى حنيفة. والله أعلم. ٢٩٨ وسئل رحمه الله تعالى عنرجل توفیت زوجته ، وخلفت أولاداً ، وموجودا محت بده ، وليس له قدرة أن يتزوج : فهل له أن يشترى من موجود الأولاد جارية تخدمهم : ويطؤها ، ويتزوج من مالهم ؟ فأجاب: الحمدلله . إذا لم يكن ذلك مضرا بأولاده فله أن يتملك من مالهم ما يشترى به أمة يطؤها وتخدمهم . والله أعلم . وسئل عن امرأة أعطاها زوجها حقوقها فى حال حياته ، ولها منه أولاد ، وأعطاها مبلغا غير صداقها لتتفع به نفسها وأولادها . فإن ادعى عليها أحد وأراد أن يحلفها : فهل يجوز لها أن تحلف لنفى الظلم عنها ؟ فأجاب : الحمدلله . إذا وهب لأولاده منها ماوهبه ؛ وقبض ذلك ؛ ولم يكن فيه ظلم لأحد : كان ذلك هبة صحيحة ؛ ولم يكن لأحد أن ينتزعه ٢٩٩ منها . وإذا كان قد جعل نصيب الأولاد إلها حيا وميتا؛ وهى أهل لم يكن لأحد نزعه منها . وإذا حلفت : تحلف أن عندها للميت شىء. والله أعلم. وسئل عن رجل تصدق على ولده بصدقة ، ونزلها فى كتاب زوجته ؛ وقد ضعف حال الوالد ؛ وجفاه ولده : فهل له الرجوع فى هبته أم لا ؟ فأجاب : إذا كان قد أعطاه للمرأة فى صداق زوجته لم يكن للإنسان أن يرجع فيه باتفاق العلماء . وسئل عن رجل أعطى أولاده الكبار شيئا ، ثم أعطى لأولاده الصغار نظيره ؛ ثم إنه قال: اشتروا بالريع ملكا ؛ أوقفوه على الجميع بعد أن قبضوا ما أعطام : فهل يكون ذلك رجوعا أم لا ؟ فأجاب : الحمد لله . لا يزول ملك الولدين الملكين بما ذكر ؛ إذ ليس ذلك رجوعا فى الهبة ؛ ولو كان رجوعا فى الهبة لم يجز له الرجوع فى مثل هذه الهبة ؛ فإنه إذا أعطى الولدين الآخرين ما عدل به بينهما وبين ٣٠٠