Indexed OCR Text

Pages 141-160

عمومه ؛ وإنما الكلام فى صفة عمومه ؛ بل ما حملناه عليه أبلغ فى عمومه
لأن أولاد الأولاد يأخذ كل منهم فى حياة أعمامه وبعد موتهم . وعلى ذلك
التقدير إنما يأخذ فى حياتهم فقط . واللفظ المتناول لهم فى حالين أعم من
المتناول لهم فى أحدهما .
الثالث: لو فرض أن هذا من ((باب تعارض العموم والمفهوم))
فالصواب أن مثل هذا المفهوم يقدم على العموم ، كما هو قول أكثر المالكية
والشافعية والحنبلية وقد حكاه بعض الناس إجماعا من القائلين بالمفهوم ؛ لأن
المفهوم دليل خاص ، والدليل الخاص مقدم على العام . ولا عبرة بالخلاف
فى المفهوم ؛ فإن القياس الجلي مقدم على المفهوم ؛ مع أن المخالفين فى القياس
قريبون من المخالفين فى المفهوم ؛ وخبر الواحد يخص به عموم الكتاب ؛
مع أن المخالفين فى خبر الواحد أكثر من المخالفين عموم الكتاب .
فإن قيل : هذا الذى ذكر تموه مبني على أن الضمير فى قوله : على
أنه من مات . عائد إلى جميع من تقدم ؛ وهذا ممنوع ؛ فإن من
الفقهاء المعتبرين من قال : إن الاستثناء فى شروط الواقف إذا تعقب جملا
معطوفة (١) وإذا كان الضمير عائدا إلى الجملة الأخيرة فتبقى الجمل الأولى
على ترتيبها ؟ .
(١) بياض بالأصل
١٤١

قيل : هذا باطل من وجوه .
أحدها : أن لازم هذا القول أنه لو قال : على أولادى ، ثم أولادهم
ثم أولاد أولادهم ، ثم أولاد أولاد أولادهم ، ونسلهم ، وعقبهم ؛ على أنه
من مات منهم عن ولد كان نصيبه لولده ، ومن مات منهم عن غير ولد كان
نصيبه لمن فى درجته : لكان هذا الشرط فى الطبقة الآخرة ، وأن الطبقة
الأولى والثانية والثالثة إذا مات الميت منهم لم ينتقل نصيبه إلى ولده ؛ بل إلى
ذوى الطبقة ، عملا بمقتضى مطلق الترتيب ؛ فإن التزم المنازع هذا اللازم
وقال : كذلك أقول . كان هذا قولا مخالفا لما عليه عمل المسلمين قديما
وحديثا ، فى كل عصر ، وكل مصر ؛ فإن الوقوف المشرطة بهذه الشروط
لا يحصى عددها إلا الله تعالى.
وما زال المسلمون من قضاتهم ومفتيهم وخاصتهم وعامتهم يجعلون مثل
هذا الشرط ثابتا فى جميع الطبقات من غير نكير لذلك ولا منازع فيه . فمن
قال خلاف ذلك علم أنه قد ابتدع قولا يخالف ما أجمعت عليه القرون السالفة ،
والعلم بهذا ضرورى .
ثم لو فرض أن فى هذا خلافا لكان خلافا شاذا معدودا من الزلات ،
وبحسب قول من الضعف أن يبنى على مثل هذا . ومن لوازم هذا القول أنه
لو قال . وقف على أولادى ، ثم أولادهم ؛ ثم أولاد أولاده ؛ على أنه من
١٤٢

كان منهم فقيراً صرف إليه . ومن كان منهم غنيا لم يصرف إليه . فإنه
يصرف إلى الطبقة الأولى ؛ والثانية ، سواء كانوا أغنياء أو فقراء؛
أو يختص التفصيل بالطبقة الثالثة . وكذلك لو قال : على أنه من تزوج
منهم أعطي ، ومن لم يتزوج لم يعط . وكذلك لو قال: ومن شرط الوقف
على أنه يصرف إلى الفقراء منهم دون الأغنياء . أو بشرط أن يصرف إلى
فقرائهم دون أغنيائهم .
وهكذا صور كثيرة لا يأتي عليها الإحصاء من التزم فيها قياس هذا
القول كان قد أتى بداهية دهيا !! وإن قال : بل يعود الشرط إلى جميع
الطبقات ؛ كما هو المعلوم عند الناس فقد علم بالاضطرار أن مسئلتنا واحدة
من هذا النوع ؛ ليس بينها وبين هذه الصور من الفرق ما يجوز أن
يذهب على مميز .
الوجه الثانى : أن الناس لا يفهمون من هذا الكلام إلا الاشتراط فى
جميع الطبقات . والدليل عليه أن الوقوف المشروطة بمثل هذا أكثر من
أن تحصى ، ثم لم يفهم الناس منها إلا هذا ، ولعله لم يخطر الاختصاص
بالطبقة الأخيرة بيال واقف ، ولا كاتب ، ولاشاهد ، ولامستمع ،
ولاحاكم ، ولاموقوف عليه . وإذا كان هذا هو المفهوم من هذا الكلام
فى عرف الناس وجب حمل كلام المتكلمين على عرفهم فى خطابهم ؛ سواء
كان عرفهم موافقا للوضع اللغوى ، أو مخالفا له . فإن كان موجب اللغة
١٤٣

عود الشرط إلى الطبقات كلها فالعرف مقررله . وإن فرض أن موجب اللغة
قصره على الطبقة الأخيرة كان العرف مغيرا لذلك الوضع .
وكلام الواقفين والحالفين والموصين ونحوهم محمول على الحقائق العرفية
دون اللغوية ، على أنا نقول : هذا هو المفهوم من هذا الكلام فى العرف
والأصل تقرير اللغة لا تغييرها ، فيستدل بذلك على ان هذا هو مفهوم اللفظ
ء
فى اللغة ؛ إذ الأصل عدم النقل . ومن نازع فى أن الناس خاصتهم وعامتهم
يفهمون من هذا الكلام عند الإطلاق عود الشرط إلى جميع الطبقات علم أنه
مكابر ، وإذا سلمه ونازع فى حمل كلام المتصرف على المعنى الذى يفهمونه
علم أنه خارج عن قوانين الشريعة . فهاتان مقدمتان يقينيتان ؛ والعلم بهما
مستلزم لعود الشرط إلى جميع الطبقات .
الوجه الثالث: أنه إذا حمل الكلام على عود الشرط إلى الجملة الأخيرة
فقط : كانت فائدته على رأي المنازع أنه لولاهذا الشرط لاشترك
العقب فى جميع الوقف الذى انتقل إليهم من الطبقة التى فوقهم ، والذى
انتقل إليهم ممن مات منهم عن ولد، أو عن غير ولد . فإذا قال : فمن مات
منهم عن غير ولد فنصيبه لذوي طبقته . أفاد ذلك أن يختص ذوو
الطبقة بنصيب المتوفى إذا لم يكن له ولد ؛ دون من فوقهم ومن دونهم .
وهذا لم يكن مفهوما من اللفظ ، وإذا كان له ولد اشترك جميع
أهل الوقف فى نصيب المتوفى ولده وغير ولده . وإذا حمل الكلام
١٤٤

على عود الشرط إلى الطبقات كلها أفاد أن ينتقل نصيب المتوفى إلى طبقته إذا
لم يكن له ولد . وإلى ولده إذا كان له ولد.
ومعلوم قطعا من أحوال الخلق أن من شرك بين جميع الطبقات لا ينقل
نصيب الميت إلى ذوى طبقته فقط دون من هو فوقه، وإذا كان له ولد لم ينقله
إلى ولده ؛ بل يجعله كأحدهم ؛ فإنه على هذا التقدير يكون قد جعل ذوى
الطبقة أولى من ولد الميت ، مع أنه لم يراع ترتيب الطبقات ، ومعلوم أن
هذا لا يقصده عاقل ؛ فإن العاقل إما أن يراعى ترتيب الطبقات فلا يشرك
أو ينقل نصيب المتوفى إلى ولده ، كالإرث . أما أنه مع التشريك يخص
نصيب المتوفى إخوته دون ولده : فهذا خلاف المعلوم من أحوال الناس .
ولو فرض أن الضمير متردد بين عوده إلى الجميع وعوده إلى الطبقة الأخيرة كانت
هذه الدلالة الحالية العرفية معينة لأحد الاحتمالين .
فإن قيل : هذا يلزمكم إذا أعدتم الضمير إلى الجميع ؛ فإن اللفظ يقتضى
الترتيب فى أربع طبقات ، والتشريك فى الباقية . فأنتم تقولون فى بقية
الطبقات مثلما نقوله .
قلنا : هذا فيه خلاف ؛ فإن الطبقات الباقية هل يشرك بينها عملا بما
تقتضيه الواو من مطلق التشريك ، أو يرتب بينها استدلالا بالترتيب فما
١٤٥

ذكره على الترتيب في الباقى ، كما هو مفهوم عامة الناس من مثل هذا الكلام .
فإن الواو كما أنها لا تقتضى الترتيب فهى لا تنفيه ، فإن كان فى الكلام قرينة
تدل عليه وجب رعايتها . وقد تنازع الناس فى هذا . فإن قلنا بالثانى فلا
كلام . وإن قلنا بالأول قلنا أيضا: إنه يقتضى انتقال نصيب الميت إلى ولده
فى جميع الطبقات ؛ فإن نقل نصيب الميت إلى ذوى طبقته إذا لم يكن له ولد
دون سائر أهل الوقف تنبيه على أنه ينقله إلى ولده إن كان له ولد ، والتنبيه
دليل أقوى من النص حتى فى شروط الواقفين .
ولهذا لو قال : وقفت على ولدى على أنه من كان فاسقا لا يعطى درهما
واحداً . فإنه لا يجوز أن يعطى درهمين بلاريب ؛ فإنه نبه بحرمانه القليل
على حرمانه الكثير ، كذلك نبه بنقل نصيب الميت إذا لم يكن له ولد
إلى إخوته على نقله إلى الولد إذا كانا موجودين ، فيكون منع الإخوة
مع الولد مستفاداً من التقييد ، وإعطاء الولد مستفاداً من تنبيه الخطاب
وخواه.
وإيضاح ذلك أن إعطاء نصيب الميت لذوى طبقته دون سائر أهل الوقف
ودون تخصيص الأقرب إلى الميت : دليل على أنه جعل سبب الاختصاص
القرب إلى الميت ؛ لا القرب إلى الواقف ، ولا مطلق الاستحقاق . ومعلوم
١٤٦

أن الولد عندوجودهم أقرب إلى الميت، فيكون سبب استحقاقهم أو كد، فيكون
ذلك دليلا على أن الواقف قصد إعطاءهم . وسنذكر إن شاء الله ما يرد على هذا .
الوجه الرابع : أن الضمير يجب عوده إلى جميع ما تقدم ذكره . فإن
تعذر عوده إلى الجميع أعيد إلى أقرب المذكورين ، أو إلى ما يدل دليل على
تعيينه . فأما اختصاصه ببعض المذكور من غير موجب فمن باب التخصيص
المخالف للأصل الذى لا يجوز حمل الكلام عليه إلا بدليل . وذلك لأن الأسماء
المضمرة إضمار الغيبة هى فى الأمر العام موضوعة لما تقدم ذكره من غير أن
يكون لها فى نفسها دلالة على جنس أو قدر . فلو قال : أدخل على بنى هاشم
ثم بنى المطلب ، ثم سائر قريش ، وأكرمهم ، وأجلسهم ، ونحو هذا
الكلام : لكان الضمير عائداً إلى ما تقدم ذكره . وليس هذا من باب
اختلاف الناس فى الاستثناء المتعقب هملا: هل يعود إلى جميعها أو إلى أقربها ؟
لأن الخلاف هناك إنما نشأ لأن الاستثناء يرفع بعض مادخل فى اللفظ ، فقال
من قصره على الجملة الأخيرة : إن المقتضى للدخول فى الجمل السابقة قائم ،
والمخرج مشكوك فيه ، فلا يزال عن المقتضى بالشك . وهذا المعنى غير
موجود فى الضمير ؛ فإن الضمير اسم موضوع لما تقدم ذكره ، وهو صالح
للعموم على سبيل الجمع ؛ فإنه يجب حمله على العموم إذا لم يقم مخصص ، وعلى
هذا فحمل الضمير على العموم حقيقة فيه ، وحمله على الخصوص مثل تخصيص
اللفظ العام.
١٤٧

الوجه الخامس : أنه إذا قال : وقفت على أولادي ، ثم على أولادهم
ثم على أولاد أولادهم ، على أنه من توفى منهم عن ولد أو عن غير ولد . فإن
إعادة الضمير إلى الطبقة الثالثة ترجيح من غير مرجح. والظاهر ؛ بل المقطوع
به من حال العاقل : أنه لا يفعل ذلك ؛ فإن العاقل لا يفرق بين المتماثلات من
غير سبب : فإما أن يكون مقصوده إعطاء الأقرب إليه فالأقرب فى جميع
الطبقات إذا نقل نصيب الميت إلى ابنه فى جميع الطبقات . أما كونه فى
بعض الطبقات يخص الأقربين إليه وفى بعضها ينقل النصيب إلى ولد الميت
أو إلى ذوى طبقته : فما يكاد عاقل يقصد هذا ، وإذا دار حمل اللفظ بين
ما الظاهر إرادته وبين ما الظاهر عدم إرادته : كان حمله على ماظهرت إرادته
هو الواجب ؛ فإن اللفظ إنما يعمل به لكونه دليلا على المقصود . فإذا كان
فى نفسه محتملا وقد ترجح أحد الاحتمالين تمين الصرف إليه ، فإذا انضم إلى
ذلك أنه تخصيص للعموم ببعض الأفراد التى نسبتها ونسبة غيرها إلى غرض
الواقف سواء كان كالقاطع فى العموم .
الوجه السادس : أن هذه الصفة فى معنى الشرط ، والشرط المتعقب
جملا يعود إلى جميعها باتفاق الفقهاء ، ولاعبرة فى هذا المقام بمن خالف ذلك
من بعض المتأخرين ؛ فإن الفقهاء قد نصوا أن رجلا لو قال : والله لأفعلن
كذا ، ولأفعلن كذا - إن شاء الله - أن كلا الفعلين يكون معلقا
١٤٨

بالمشيئة . وكذلك لو قال : لاضربن زيدا؛ ثم عمراً، ثم بكرا - إن
شاء الله. وكذلك لو قال: الطلاق يلزمه ليفعلن كذا ، وعبده حر ليفعلن
كذا، أو امرأته كظهر أمه ليفعلن كذا - إن شاءالله. وإنما اختلفوا
فى الاستثناء المخصص ؛ لافى الاستثناء المعلق . وهذا من باب الاستثناء
المعلق : مثل الشروط ؛ لأوجه :
أحدها : أن الاستثناء بالا ونحوها متعلق بالأسماء ؛ لابالكلام .
ء
والاستثناء بحروف الجزاء متعلق بالكلام . وقوله : على أنه ونحوه.
متعلق بالكلام، فهو بحروف الجزاء أشبه منه بحروف الاستثناء: إلا واخواتها.
وذلك أن قوله : وقفت على أولادى إلا زيداً . الاستثناء فيه متعلق
بأولادى . وقوله : وقفت على أولادى إن كانوا فقراء . الشرط فيه متعلق
بقوله : وقفت . وهو الكلام ، وهو المعنى المركب . وكذلك قوله
على أن يكونوا فقراء. حرف الاستعلاء معلق لمعنى الكلام ، وهو وقفت.
وهذا قاطع لمن تدبره .
١
الثانى . أن هذا بيان لشروط الوقف التى يقف الاستحقاق عليها ؛ ليس
المقصود بها إخراج بعض مادخل فى اللفظ ، فهى شروط معنوية .
الثالث: أن قوله : من مات منهم عن غير ولد كان نصيبه لمن فى درجته.
جملة شرطية جزائية مجمولة خبر أن المفتوحة ، واسم أن ضمير
١٤٩

الشأن ، وأن وما في خبرها فى تأويل المصدر . فيصير التقدير : وقفت
على هذا .
الرابع: أن حرف ((على)) للاستعلاء . فإذا قال الرجل : وقفت
على أنه يكون كذا . أو بعتك على أن ترهنى . كان المعنى وقفت وقفا
مستعليا على هذا الشرط ، فيكون الشرط أساسا وأصلا ، لما على عليه وصار
فوقه ، والأصل متقدم على الفرع . وهذا خاصية الشرط ؛ ولهذا فرق من
فرق بين الشرط والاستثناء بأن الشرط منزلته التقدم على المشروط ، فإذا
أخر لفظا كان كالمتصدر فى الكلام ، ولو تصدر فى الكلام تعلقت به جميع
الجمل ، فكذلك إذا تأخر . فلو قال : وقفت على أولادي ، ثم على أولادهم
ثم على أولاد أولادهم ، إن كانوا فقراء . كان بمنزلة قوله : على أن يكونوا
فقراء . وأحد اللفظين موجب لعود الضمير إلى جميع الطبقات ، فكذلك
الآخر .
واعلم أن هذه الدلائل توجب أن الضمير يعود إلى جميع الطبقات فىهذه
المسألة عند القائلين بأن الاستثناء المتعقب جملا يعود إلى جميعها، والقائلين بأنه
يعود إلى الأخيرة منها ، كما اتفقوا على مثل ذلك فى الشرط .
الوجه السابع . أن هذا السؤال فاسد على مذهب الشافعى
خصوصاً ، وعلى مذهب غيره أيضا: وذلك أن الرجل لو قال لامر أته
١٥٠

أنت طالق، ثم طالق، ثم طالق، إن دخلت الدار ؛ فإنه لا يقع بها طلاق حتى
تدخل الدار ، فطلق حينئذ ثلاثاً إن كانت مدخولا بها؛ أو واحدة إن كانت
غير مدخول بها. هذا قول أبى يوسف ومحمد. وقيل عن أبى يوسف ومحمد
تطلق غير المدخول بها ثلاثاً، كالواو عندهما؛ وهو مذهب الشافعى ؛ وأقوى
الوجهين فى مذهب أحمد . وقال أبو حنيفة والقاضى أبو يعلى من أصحاب أحمد
وطائفة معه : بل تتعلق بالشرط الجملة الأخيرة فقط . فإن كانت مدخولا بها
تنجز طلقتان، وتعلق بالشرط واحدة. وإن كانت غير مدخول بها تنجزت
طلقة بانت بها ؛ فلم يصح إيقاع الأخير تين لا تنجيزا ولا تعليقا .
قالوا : لأن ثم للترتيب مع التراخى ، فيصير كأنه قال: أنت طالق ؛ ثم
سكت، ثم قال : أنت طالق إن دخلت الدار .
وأما الأولون فقالوا: ((ثم)) حرف عطف يقتضى التشريك بين
المعطوف والمعطوف عليه، كالواو ؛ لكن الواو تقتضى مطلق الجمع
والتشريك من غير دلالة على تقدم أو تأخر أو مقارنة، وثم تقتضى التشريك
مع التأخر . وافتراقهما فى المعنى لا يوجب افتراقهما فى نفس التشريك . وأما
كونها للتراخى فعنه جوابان .
أحدهما . أن مقتضاها مطلق الترتيب ؛ فيعطف بها المتعقب والمتراخى
١٥١

لكن لما كان للمتعقب حرف يخصه - وهو الفاء - صارت ((ثم))
علامة على المعنى الذى انفردت به ، وهو التراخى ؛ وإلا فلو قال لمدخول
بها: أنت طالق، ثم طالق . أو أنت طالق فطالق : لم يكن بين هذين
الكلامین فرق هنا .
الثانى أن ما فيها من التراخى إنما هو فى المعنى لا فى اللفظ . فإذا قال
الرجل : جاء زيد، ثم عمرو . فهذا كلام متصل بعضه ببعض. لا يجوز أن
يقال هو: بمنزلة من سكت ، ثم قال: عمرو. فمن قال : إن قوله : أنت طالق
ثم طالق. بمنزلة من سكت . ثم قال طالق . فقد أخطأ ؛ وإنما غايته أن
يكون بمنزلة من قال: أنت طالق طلاقا يتراخى عنه طلاق آخر . وهذا
لا يمنع من تعلق الجميع بالشرط: تقدم أو تأخر.
فإذا كان من مذهب الشافعى وهؤلاء أن قوله : أنت طالق ثم طالق
ثم طالق إن دخلت الدار . بمنزلة قوله : أنت طالق فطالق فطالق إن دخلت
الدار. وقوله . أنت طالق وطالق وطالق إن دخلت الدار فى المدخول بها .
وكذلك قوله: أنتن طوالق؛ ثم أنتن طوالق: إن دخلتن الدار. وأن الشرط
تعلق بالجميع ؛ فكيف يجوز أن ينسب إلى مذهبه أن العطف بما يقتضى
الترتيب يوجب الصرف إلى من يليه الشرط دون السابقين ؟! وهلا قيل هنا :
إذا ثبت وقوع الطلاق نصا باللفظين الأولين؛ ولم يثبت ما يغيره : وجب
١٥٢

تقرير الطلاق الواقع ؛ بل مسئلة الطلاق أولى بقصر الشرط على الجملة الأخيرة
لأن إحدى الطلقتين ليس لها تعلق بالأخرى من حيث الوجود؛ بل يمكن
إيقاعها معا ؛ بخلاف ولد الولد، فإنهم لايوجدون إلامتعاقبين. فالحاجة هنا
داعية إلى الترتيب مالا تدعو إليه فى الطلاق .
وأيضا فإن جواز تعقيب البيع والوقف وبحوهما بالشروط متفق عليه؛
بخلاف الطلاق ؛ فإن مذهب شريح وطائفة معه - وهي رواية مرجوحة
عن أحمد - أن الطلاق لايصح تعليقه بشرط متأخر، كما ذهب بعض الفقهاء
من أصحاب (١) وغيرهم إلى أنه لايصح الاستثناء من الطلاق. فإذا كانوا
قد أمادوا الشرط إلى جميع الجمل المرتبة بثم. فالقول بذلك فى غيرها
أولى .
وهذا الكلام لمن تدبره يجتث قاعدة من نسب إلى مذهب الشافعي
ما يخالف هذا .
فإن قيل : فقد قال به بعض الفقهاء من الحنفية والحنبلية : فهؤلاء
يقولون به هنا؟ قلنا : قد أسلفنا فيما مضى أن الضمير عائد إلى الجميع
على أصول الجميع ؛ لدليل دل على الرجوع من جهة كون الضمير حقيقة
(١) بياض قدر كلمتين.
١٥٣

فى جميع ما تقدم، وأن هذا هو المفهوم من الكلام. ثم الذى يقول بهذا
يفرق بين هذا وبين الطلاق من وجوه .
أحدها : أن الشرط فى الطلاق متعلق بالفعل الذي هو (١) وتلك
الأسماء المعطوفة بعضها على بعض كلها داخلة فى حيز هذا الفعل؛ وهي
من جهة المعنى مفاعيل له ؛ بمنزلة الشرط فى القسم . فإنه إذا قال : والله
لأفعلن كذا ، وكذا ، ثم كذا : إن شاء الله . كان الشرط متعلقا بالفعل
فى جواب القسم. والمفاعيل داخلة فى مستثناه . وتناول الفعل لمفاعيله
على حد واحد ، فإذا كان قد قيد تناوله لها بقيد تقيد تناوله للجميع
بذلك القيد؛ بخلاف قوله : أنت طالق ، ثم طالق : إن شاء زيد .
فإن المتعلق بالشرط هنا اسم الفاعل ؛ لانفس المبتدأ . والخبر الثانى
ليس بداخل فى خبر الخبر الآخر ؛ بل كلاهما داخل فى خبر المبتدأ ؛ فلهذا خرج
هنا خلاف ، وهذا فرق بين لمن تأمله .
الوجه الثانى : أن الشرط فى الطلاق ، وهو قوله : إن دخلت الدار. ليس
فيه مايوجب تعلقه بجميع الجمل ؛ بخلاف قوله : على أنه من مات منهم . فإن
الضمير يقتضى العود إلى جميع المذكور.
الثالث: أن إحدى الجملتين فى الطلاق لا تعلق لها بالأخرى ؛ فإن
(١) بياض قدر كلمتين.
١٥٤

الطلقة تقع مع وجود الأولى وعدمها . فإذا علقت بالشرط لم تستلزم تعليق
الأولى؛ لانفصالها عنها. وقد اعتقدوا أن ((ثم)) بمنزلة التراخى فى
اللفظ فيزول التعلق اللفظى والمعنوى فتبقى الجملة الأولى أجنبية عن
الشرط على قولهم . وأما قوله : ثم على أولادهم . فإنه متعلق بالجملة
الأولى من جهة الضمير ومن جهة الوجود ، ومن جهة الاستحقاق. فلا يصح
اللفظ بهذه الجملة إلا بعد الأولى ، ولا وجود لمعناها إلا بعد الأولى ،
ولا استحقاق لهم إلا بعد الأولى ؛ سواء قدر التراخى فى اللفظ أو لم يقدر
فلا يمكن أن تجعل الأولى أجنبية عن الثانية حتى تعلق الثانية وحدها بالشرط .
والذى تحقق أن النزاع إنما هو فى الطلاق فقط: أنه لو قال : والله
لأضربن زيداً ، ثم عمراً ، ثم بكراً - إن شاء الله - عاد استثناؤه إلى
الجميع . فقوله : وقفت على أولادى ، ثم على أولادهم ، ثم على أولاد
أولادهم إن كانوا فقراء. أبلغ من قوله: إن شاء الله . من حيث إن هنا
تعلق الضمير .
الوجه الثامن : أن هذا الفرق الذى ذكره بعض الفقهاء بين العطف
بالحرف المرتب والحرف الجامع إنما ذكره فى الاستثناء ، ثم قال :
وكذلك القول فى الصفة . والصفة إذا أطلقت فكثيراً ما يراد بها الصفة
الصناعية النحوية . وهو الاسم التابع لما قبله فى إعرابه : مثل أن تقول :
١٥٥

وقفت على أولادى. ثم على الفقراء العدول . فإن اختصاص الجملة هنا بالصفة
الأخيرة قريب. ومسئلتنا شروط حكمية. وهي إلى الشروط اللفظية أقرب
منها إلى الاستثناء. وإن سميت صفات من جهة المعنى .
والدليل على أنه قصد هذا أنه قال: وإن كان العطف بالواو ولا فاصل
فذهب الشافعي رجوع الاستثناء إلى الجميع . وكذلك القول فى الصفة .
فعلم أنه قصد أن هذا مذهب الشافعي مشيراً إلى خلاف أبى حنيفة ؛ فإنه إنما
يعيد ذلك إلى الجملة الأخيرة. وهذا إنما يقوله أبو حنيفة فى الاستثناء والصفات
التابعة ؛ لا يقوله فى الشروط والصفات التى يجرى مجرى الشروط . فصار هنا
أربعة أقسام .
أحدها: الاستثناء بحرف ((إلا)) المتعقب جملا؛ والخلاف فيه مشهور.
الثانى: الاستثناء بحروف الشرط؛ فالاستثناء هنا عائد إلى الجميع .
الثالث: الصفات التابعة للاسم الموصوف بها وما أشبها (١) وعطف
البيان ؛ فهذه توابع مخصصة للأسماء المتقدمة ، فهى بمنزلة الاستثناء .
الرابع : الشروط المعنوية بحرف الجر : مثل قوله : على أنه . أو :
تشرط أن يفعل . أو بحروف العطف : مثل قوله : ومن شرطه كذا ،
(١) بياض قدر كلمة .
١٥٦

ونحو ذلك . فهذه مثل الاستثناء بحروف الجزاء . والضابط أن كل ما كان
من تمام الاسم فهو من جنس الاستثناء يإلا ؛ وكلما كان متعلقا بنفس الكلام
وهو النسبة الحكمية التى بين المبتدأ والخبر وبين الفعل والفاعل ، فهو فى
معنى الاستثناء بحرف الشرط . ومعلوم أن حروف الجر وحروف الشرط
المتأخرة إنما تتعلق بنفس الفعل المتقدم ، وهو قوله : وقفت. وهو الكلام.
والجملة والاستثناء والبدل والصفة النحوية وعطف البيان متعلق بنفس الأسماء
التى هى مفاعيل هذا الفعل .
ويجوز كلام من فرق على جمل أجنبيات مثل أن تقول : وقفت على
أولادى ، ثم على ولد فلان ؛ ثم على المساكين : على أنه لا يعطى منهم إلا
صاحب عيال . ففى مثل هذا قد يقوى اختصاص الشرط بالجملة الأخيرة
لكونها أجنبية من الجملة الأولى ؛ ليست من جنسها ؛ بخلاف الأولاد
وأولاد الأولاد ؛ فإنهم من جنس واحد .
وحمل الكلام على أحد هذين المعنيين أو نحوهما متعين مع ما ذكرنا
من دليل إرادة ذلك ، على أنه لو كان فيه تخصيص لكلامه فإنه واجب
لما ذكر ناه ؛ فإنه إذا كان قد جاء إلى كلام الأئمة الذين قالوا : الاستثناء
أو الصفة إذا تعقب جملا معطوفا بعضها على بعض عاد إلى جميع
الجمل . خص ذلك ببعض حروف العطف لما رآه من الدليل.
فلأن نخص نحنن كلامه بما ذكرناه من نصوص كلامهم
١٥٧

الموجب للتسوية بين الواو وثم بطريق الأولى. فإن سلم أن كلامه محمول
على ماذكرناه وإلا تكلمنا معه بـ ((الوجه التاسع)).
وهو أن هذا الفرق المدعى بين الحرف الجامع جمعا مطلقا والحرف
المرتب فرق لا أصل له فى اللغة ، ولا فى العرف، ولا فى كلام الفقهاء ،
ولا فى كلام الأصوليين ، ولا فى الأحكام الشرعية . والدليل المذكور على
صحته فاسد . فيجب أن يكون فاسداً .
أما الأول ؛ فإن أهل اللغة قالوا : حروف العطف هى التى تشرك
بين ما قبلها وما بعدها فى الإعراب . وهى نوعان : نوع يشرك بينهما
فى المعنى أيضا ، وهى : الواو والفاء وثم . فأما الواو فتدل على مطلق
التشريك والجمع؛ إلا عند من يقول: إنها للترتيب. وأما ((ثم)) فإنها
تدل على مطلق الترتيب . وقد يقال : إنها للتراخى . وأما الفاء فإنها تدل
على نوع من الترتيب ، وهو التعقيب . فهذه الحروف لا يخالف بعضها
بعضا فى نفس اجتماع المعطوف والمعطوف عليه فى المعنى ، واشترا كعما فيه ؛
وإنما تفترق فى زمان الاجتماع .
فلو قيل : إن العطف بالواو يقتضى اشتراك المعطوف والمعطوف عليه
فيما يلحق الجمل من استثناء ونعت ونحو ذلك ، والعطف بثم لا يقتضى
٠٠
اشتراكهما فى هذه اللواحق : للزم من ذلك أن لا تكون ثم
١٥٨

مشتركة حيث تكون الواو مشتركة، ومعلوم أن هذا مخالف لما عليه أهل
اللغة ؛ بل هو خلاف المعلوم من لغة العرب . والأحكام اللغوية التى هى
دلالات الألفاظ تستفاد من استعمال أهل اللغة والنقل عنهم ، فإذا كان
النقل والاستعمال قد اقتضيا أنهما للاشتراك فى المعنى: كان دعوى انفرادأحدهما
بالتشريك دون الآخر خروجا عن لغة العرب وعن المنقول عنهم .
وأما العرف فقد أسلفنا أن الناس لا يفهمون من مثل هذا الكلام
إلا عود الشرط إلى الجميع ، والعلم بهذا من عرف الناس ضرورى. وأما
كلام العلماء من الفقهاء والأصوليين فإنهم تكلموا فى الاستثناء المتعقب جملا
فقال قوم : أنه يعود إلى جميعها . وقال قوم : يعود إلى الأخيرة منها .
وقال قوم : إن كان بين الجملتين تعلق عاد الاستثناء إلى جميعها ، وإن
كانتا أجنبيتين عاد إلى الأخيرة . ثم فصلوا الجمل المتعلق بعضها ببعض من
الأجنبية ، وذكروا عدة أنواع من التفصيل . وقال قوم : العطف مشترك
بين الجميع . وقال قوم : بالوقف فى جميع هذه المذاهب . ثم ليس أحد
من هؤلاء فرق بين العطف بالواو والفاء أو ثم ؛ بل قولهم المعطوف بعضها
على بعض يعم الجميع.
وكذلك الفقهاء ذكروا هذا فى ((باب الأيمان)) و ((باب الوقف))
ثم بنوه على أصلهم ، فقالوا : الاستثناء أو الوصف إذا تعقب جملا عاد
١٥٩

إلى جميعها أو إلى بعضها . وقد اعترف من فصل بأن الأمة أطلقوا هذا
الكلام ، وأنه هو الذى فصل ، فلا يجوز أن ينسب إلى الأمـ
إلا ما قالوه .
ـة
وأما الأحكام فإنه لو قال: والله لاضرين زيداً، ثم عمراً، ثم بكرا -
إن شاء الله . عاد الاستثناء إلى الجميع . وكذلك لو قال : الطلاق يلزمنى
لأضربن هذا ، ثم هذا ، ثم هذا . أو قال : لآخذن المدية ، لأذبحن
الشاة . لا طبخنها . إلى غير ذلك من الصور .
وأما ما استدل به فإنه قال: إذا كان العطف بما يقتضى ترتيبها فالصرف
إلى جميع المتقدمين فيه بعض النظر والغموض؛ فإن انصراف الاستثناء إلى
الذين يليهم الاستثناء مقطوع به، وانعطافه على جميع السابقين . والعطف
بالحرف المرتب محتمل ، غير مقطوع به . وإذا ثبت الاستحقاق بلفظ الواقف
نصا ولم يثبت ما يغيره : وجب تقرير الاستحقاق ، ولم يجز تغييره المحتمل
متردد . فنقول : الجواب من وجوه .
أحدها : أن هذا بعينه موجود فى العطف بالواو ؛ فإن انعطافه على
جميع السابقين محتمل غير مقطوع ، سواء كان العطف بحرف مرتب
أو مشترك غير مرتب . وهذا بعينه دليل من أوجب قصر الاستثناء على
الجملة الأخيرة .
١٦٠