Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨ فهل يشتركان فى نصيبها ؟ أم يختص به الابن دون ابنة الابن ؟ ثم إن الابن المذكور توفى عن ابن: هل يختص بما كان جاريا على أبيه دون ابنة الابن؟ وهل يقتضى شرط الواقف المذكور ترتيب الجملة على الجملة؟ أو الأفراد على الأفراد. فأجاب : هذه المسألة فيها قولان عند الإطلاق معروفان للفقهاء فى مذهب الإمام أحمد وغيره ؛ ولكن الأقوى أنها لترتيب الأفراد على الأفراد، وأن ولد الولد يقوم مقام أبيه لوكان الابن موجودا مستحقا قد عاش بعد موت الجد واستحق ، أو عاش ولم يستحق لمانع فيه ، أو لعدم قبوله للوقف ، أو لغير ذلك ، أو لم يعش ، بل مات فى حياة الجد . ويكون على هذا التقدير ٠٠ مقابلة الجمع بالجمع؛ وهى تقتضى توزيع الأفراد على الأفراد كما فى قوله (وَلَكُمْ نِصْفُ مَاتَرَكَ أَزْوَجُكُمْ) أى لكل واحد نصف ما تركت زوجته؛ وقوله : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ) أي حرم على كل واحد أمه ، ونحو ذلك. كذلك قوله : على أولادهم ؛ ثم على أولاد أولادهم أى: على كل واحد بعدموت أبيه . وأما فى هذه فقد صرح الواقف بأنه من مات عن ولد انتقل نصيبه إلى ولده؛ وهذا صريح فى أنه لترتيب الأفراد على الأفراد؛ فلم يبق فى هذه المسئلة نزاع . وإنما الشبهة فى أن الولد إذا مات فى حياة أبيه وله ولد ؛ ثم مات الأب عن ولد آخر ، وعن ولد الولد الأول : هل يشتركان؟ أو ينفرد به الأول؟ ٨١ الأظهر فى هذه المسئلة أنهما يشتركان ؛ لأنه إذا كان المراد أن كل ولد مستحق بعد موت أبيه - سواء كان عمه حيا أو ميتا - فمثل هذا الكلام إذاً يشترط فيه عدم استحقاق الأب كما قال الفقهاء فى ترتيب العصبة : إنهم الابن، ثم ابته، ثم الأب، ثم أبوه؛ ثم العم، ثم بنو العم؛ ونحو ذلك؛ فإنه لا يشترط فى الطبقة الثانية إلا عدم استحقاق الأولى. فتى كانت الثانية موجودة والأولى لا استحقاق لها استحقت الثانية ؛ سواء كانت الأولى استحقت أو لم تستحق ، ولا يشترط لاستحقاق الثانية استحقاق الأولى ؛ وذلك لأن الطبقة الثانية تتلقى الوقف من الواقف ، لا من الثانية ، فليس هو كالميراث الذى يرثه الابن؛ ثم ينتقل إلى ابنه ، وإنما هو كالولاء الذى يورث به ، فإذا كان ابن المعتق قد مات فى حياة المعتق ؛ ورث الولاء ابن ابنه . وإنما يغلط من يغلط فى مثل هذه المسئلة حين يظن أن الطبقة الثانية تتلقى من التى قبلها ؛ فإن لم تستحق الأولى شيئا لم تستحق الثانية . ثم يظنون أن الوالد إذا مات قبل الاستحقاق لم يستحق ابنه ؛ وليس كذلك؛ بل م يتلقون من الواقف ؛ حتى لو كانت الأولى محجوبة بمانع من الموانع: مثل أن يشترط الواقف فى المستحقين أن يكونوا فقراء ، أو علماء، أو عدولا ؛ أو غير ذلك ، ويكون الأب مخالفا للشرط المذكور، وابنه متصفا به فإنه يستحق الابن، وإن لم يستحق أبوه. كذلك إذا مات ٨٢ الأب قبل الاستحقاق فإنه يستحق ابنه . وهكذا جميع الترتيب فى الحضانة ، وولاية النكاح والمال ، وترتيب عصبة النسب والولاء فى الميراث، وسائر ما جعل المستحقون فيه طبقات ودرجات ، فإن الأمر فيه على ما ذكر . وهذا المعنى هو الذى يقصده الواقفون إذا سئلوا عن مرادهم. ومن صرح منهم بمراده فإنه يصرح بأن ولد الولد ينتقل إليه ما ينتقل إلى ولده لو كان حيا ؛ لا سما والناس يرحمون من مات والده ولم يرث؛ حتى إن الجد قد يوصى لولد ولده؛ ومعلوم أن نسبة هذا الولد ونسبة ولد ذلك الولد إلى الجد سواء. فكيف يحرم ولد ولده اليتيم ويعطى ولد ولده الذى ليس يتم ؟! فإن هذا لا يقصده عاقل . ومتى لم نقل بالتشريك بقى الوقف فى هذا الولد وولده؛ دون ذرية الولد الذى مات فى حياة أبيه. والله أعلم ٨٣ وسئل عن امرأة أوقفت وقفا على تربتها بعد موتها ، وأرصدت للمقرئين شيئا معلوما، وما يفضل عن ذلك للفقراء، أو وجوه البر، وإن لها قرابة : خالها قد افتقر واحتاج؛ وانقطع عن الخدم ، وأن الناظر لم يصرف له ما يقوم ء بأوده . فهل يجب إلزام الناظر بما يقوم باود القرابة ودفع حاجته دون غيره ؟ . فأجاب : إذا كان للموقفة قرابة محتاج كالحال ونحوه فهو أحق من الفقير المساوى له فى الحاجة ، وينبغى تقديمه . وإذا اتسع الوقف لسد حاجته سدت حاجته منه . وسئل رحمه اللّه عن أوقاف ببلد على أماكن مختلفة : من مدارس؛ ومساجد، وخوانك ؛ وجوامع ؛ ومارستانات ؛ وربط ؛ وصدقات، وفكاك أسرى من أيدى الكفار . وبعضها له ناظر خاص ، وبعضها له ناظر من جهة ٨٤ ولي الأمر، وقد أقام ولي الأمر على كل صنف من هذه الأصناف ديوانا يحفظون أوقافه؛ ويصرفون ريعه فى مصارفه ، ورأى الناظر أن يفرز لهذه المعاملات مستوفيا يستوفى حساب هذه المعاملات - يعنى الأوقاف كلها - وينظر فى تصرفات النظار والمباشرين ؛ ويحقق عليهم ما يجب تحقيقه من الأموال المصروفة والباقى؛ وضبط ذلك عنده ؛ ليحفظ أموال الأوقاف عند اختلاف الأيدى ؛ وتغيير المباشرين ، ويظهر بمباشرته محافظة بعض العمال على فائدة. فهل لولى الأمر أن يفعل ذلك إذا رأى فيه المصلحة أم لا ؟ وإذا صار الآن يفعل ذلك إذا رأى فيه المصلحة ، وقرر المذكور، وقرر له معلوما يسيراعلى كل من هذه لا يصل إلى ربع معلوم أحد المباشرين لها، ودون ذلك بكثير ، لما يظهر له من المصلحة فيه . فهل يكون ذلك سائغا ؟ وهل يستحق المستوفى المذكور تناول ما قرر له أم لا ، إذا قام بوظيفته ؟ وإذا كانت وظيفته استرجاع الحساب عن كل سنة على حكم أوضاع الكتاب؛ ووجد ارتفاع حساب سنين أو أكثر، فتصرف وعمل فيه وظيفته . هل يستحق معلوم المدة التى استرجع حسابهم فيها وقام بوظيفته بذلك الحساب ؟. فأجاب : نعم: لولى الأمر أن ينصب ديوانا مستوفيا لحساب الأموال الموقوفة عند المصلحة ، كما له أن ينصب الدواوين مستوفيا لحساب الأموال السلطانية : كالفيء ؛ وغيره . وله أن يفرض له على عمله ما يستحقه مثله : ٨٥ من كل مال يعمل فيه بقدر ذلك المال، واستيفاء الحساب، وضبط مقبوض المال، ومصروفه من العمل الذى له أصل؛ لقوله تعالى ( وَاُلْعَمِلِينَ عَلَيْهَا ) وفى الصحيح: ((أن النبى صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على الصدقة، فلما رجع حاسبه )) وهذا أصل فى محاسبة العمال المتفرقين. والمستوفى الجامع نائب الإمام فى محاسبتهم ، ولا بد عند كثرة الأموال ومحاسبتهم من ديوان جامع . ولهذا لما كثرت الأموال على عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه وضع ((الدواوين)) ديوان الخراج، وهو ديوان المستخدمين على الارتزاق، واستعمل عليه عثمان بن حنيف. وديوان النفقات ، وهو ديوان المصروف على المقاتلة والذرية الذى يشبه فى هذه الأوقات ديوان الحبس والثبوتات ونحو ذلك . واستعمل عليه زيد بن ثابت . وكذلك الأموال الموقوفة على ولاة الأمر من الإمام والحاكم ونحوه إجراؤها على الشروط الصحيحة الموافقة لكتاب الله ، وإقامة العمال على ما ليس عليه عامل من جهة الناظر . والعامل فى عرف الشرع يدخل فيه الذى يسمى ناظراً، ويدخل فيه غير الناظر لقبض المال ممن هو عليه صرفه ودفعه إلى من هو له ؛ لقوله ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُّكُمْ أَنْ تُؤَدُواْالْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا). ونصب المستوفى الجامع للعمال المتفرقين بحسب الحاجة والمصلحة . وقد يكون واجبا إذا لم تتم مصلحة قبض المال وصرفه إلا به ، فإن مالا ٨٦ يتم الواجب إلا به فهو واجب. وقد يستغنى عنه عند قلة العمل ومباشرة الإمام للمحاسبة بنفسه، كما فى نصب الإمام للحاكم، عليه أن ينصب حا كما عند الحاجة والمصلحة ، إذا لم تصل الحقوق إلى مستحقها ، أو لم يتم فعل الواجب وترك المحرم إلا به. وقد يستغنى عنه الإمام إذا أمكنه مباشرة الحكم بنفسه . ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم يباشر الحكم واستيفاء الحساب بنفسه : وفيما بعد عنه يولى من يقوم بالأمر ، ولما كثرت الرعية على عهد أبى بكر وعمر والخلفاء استعملوا القضاة ودونوا الدواوين فى أمصارهم وغيرها فكان عمر يستنيب زيد بن ثابت بالمدينة على القضاء والديوان . وكان بالكوفة قد استعمل عمار بن ياسر على الصلاة والحرب : مثل نائب السلطان، والخطيب، فإن السنة كانت أنه يصلى بالناس أمير حربهم. واستعمل عبدالله بن مسعود على القضاء وبيت المال، واستعمل عثمان بن حنيف على ديوان الخراج . وإذا قام المستوفى بما عليه من العمل استحق مافرض له ، والجعل الذى ساغ له فرضه . وإذا عمل هذا ولم يعط جعله فله أن يطلب على العمل الخاص فإن ما وجب بطريق المعاملة يجب . ٨٧ وسئل عن رجل استأجر قطع أرض وقف ؛ وغرس فيها غراسا وأثمر ؛ومضت مدة للإيجار ؛ فأراد نظار الوقف قلع الغراس . فهل لهم ذلك؟ أو أجرة المثل؟ وهل يثاب ولى الأمر على مساعدته ؟؛ فأجاب: ليس لأهل الأرض قلع الغراس ؛ بل لهم المطالبة بأجرة المثل أو تلك الغراس بقيمته؛ أو ضمان نقصه إذا قلع. وما دام باقيا فعلى صاحبه أجرة مثله. وعلى ولى الأمر منع الظالم من ظلمه . والله أعلم. وسئل رحمه الله عن رجل متولى إمامة مسجد ، وخطابته ؛ ونظر وقفه : من سنين معدودة، بمرسوم ولى الأمر ، وله مستحق بحكم ولايته الشرعية فهل لنظار وقف آخر أن يضعوا أيديهم على هذا الوقف؛ أو يتصرفوا فيه بدون هذا الناظر ؛ وأن يصرفوا مال المسجد المذكور فى غير جهته؛ أو يمنعوا ما قدر له على ذلك. ولو قدر أن هذا الوقف كان فى ديوان أولئك من مدة ، ثم ٨٨ أخرجه ولى الأمر ؛ وجعله للإمام الخطيب: فهل لهم ذلك - والحالة هذه. أن يتصرفوا فيه ويمنعوه التصرف مع بقاء ولايته؟ وهل إذا تصرف فيه متعد وصرف منه شيئا إلى غيره مع حاجة الإمام وقيام المصالح، وأصر على ذلك - والحالة هذه - يقدح فى دينه وعدالته أم لا؛ فأجاب : ليس لناظر غير الناظر المتولى هذا الوقف أن يضع يده عليه ولا يتصرف فيه بغير إذنه ؛ لانظار وقف آخر ولا غيره ؛ سواء كانوا قبل ذلك متولين نظره أو لم يكونوا متولين نظره؛ ولا لهم أن يصرفوا مال المسجد فى غير جهاته التى وقف عليها - والحال ما ذكر - بل يجب أن يعطى الإمام وغيره ما يستحقونه كاملا؛ ولا ينقصون من مستحقهم لأجل أن يصرفوا الفاضل إلى وقف آخر ؛ فإن هذا لا نزاع فى أنه لا يجوز؛ وإنما تنازع العلماء فى جواز صرف الفاضل ، ومن جوزه فلم يجوز لغير الناظر المتولي أن يستقل بذلك. ومن أصر على صرف مال لغير مستحقه ومنع المستحق قدح فی دینه وعدالته . ٨٩ وسئل رحمه اللّه عن واقف وقف على فقراء المسلمين . فهل يجوز لناظر الوقف أن يصرف جميع ريعه إلى ثلاثة - والحالة هذه - أم لا ؛ وإن جاز له أن يصرف إلى ثلاثة؛ وكان من أقارب الواقف فقير - ثبت فقره واستحقاقه للصرف إليه من ذلك - فهل يجوز الصرف إليه عوضا عن أحد الثلاثة الأجانب من الواقف ؛ وإذا جاز الصرف إليه : فهل هو أولى من الأجنبيين المصروف إليهما؟ وإذا كان أولى: فهل يجوز للناظر أن يصرف إلى قريب الواقف المذكور قدر كفايته من الوقف -والحالةهذموإذا جازلهذلك : فهل يكون فعله ذلك أولى وأفضل من أن ينقص من كفايته؛ ويصرف ذلك القدر إلى الأجنبى - والحالة هذه؛ فأجاب الحمد لله . يجب على ناظر الوقف أن يجتهد فى مصرفه ؛ فيقدم الأحق؛ فالأحق . وإذا قدر أن المصلحة الشرعية اقتضت صرفه إلى ثلاثة مثل أن لا يكفيهم أقل من ذلك؛ فلا يدخل غيرهم من الفقراء. وإذا كنام وغيرهم من الفقراء يدخل الفقراء معهم؛ ويساويهم مما يحصل من ريعه، وهم أحق منه عند التزاحم ، ونحو ذلك . وأقارب ٩٠ الواقف الفقراء أولى من الفقراء الأجانب مع التساوى فى الحاجة . ويجوز أن يصرف إليه كفايته إذا لم يوجد من هو أحق منه. وإذا قدر وجود فقير مضطر كان دفع ضرورته واجبا . وإذا لم يندفع إلا بتنقيص كفاية أولئك من هذا الوقف من غير ضرورة تحصل لهم تمين ذلك . والله أعلم. وسئل رحمه اللّه عن رجل ولى ذا شوكة على وقف من مساجد وربط وغير ذلك، اعتماداً على دينه ، وعلما بقصده للمصلحة . فعند توليته - وجد تلك الوقوف على غير سنن مستقيم، ويتعرض إليها - كره مباشرتها ؛ لئلا يقع الطمع فى مالها ، وغير ملتفتين إلى صرفها فى استحقاقها . وهم مثل القاضى ، والخطيب وإمام الجامع، وغير ذلك ، فإنهم يأخذون من عموم الوقف، وهو مع هذا عاجز عن صد التعرض عنها ، ومع اجتهاده فيها ومبالغته. فهل يحل للسائل عزل نفسه عنها ، وعن القيام بما يقدر عليه من مصالحها؛ مع العلم بأنه بأجرة يكثر التعرض فيها ، والطمع فى ما لها . وهل يحل له تناول أجرة عمله منها مع كونه ذا عائلة، وعاجز عن تحصيل قوتهم من غيرها ؟ وهل يحل للناظر إذا وجد مكانا خربا أن يصرف ٩١ ماله فى مصلحة غيره عند تحققه بأن مصلحته ما يتصور أن تقوم بعمارته؟ وهل إذا فضل عن جهته شىء من ملكها صرفه إلى مهم غيره، وعمارة لا زمة يمكن أن يحفظه لكثرة التعرض إليه أم لا؟ فأجاب : أصل هذه إنما أوجبه الله من طاعته وتقواه مشروط بالقدرة، كما قال تعالى: ( فَأَنَّقُواْاللَّهَمَا اسْتَطَعْتُمْ) وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) . ولهذا جاءت الشريعة عند تعارض المصالح والمفاسد بتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما ، وباحتمال أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما . فتى لم يندفع الفساد الكبير عن هذه الأموال الموقوفة ومصارفها الشرعية إلا بما ذكر - من احتمال المفسدة القليلة - كان ذلك هو الواجب شرعا . وإذا تعين ذلك على هذا الرجل فليس له ترك ذلك إلا مع ضرر أوجب التزامه، أو مزاحمة ما هو أوجب من ذلك. وله بإجماع المسلمين مع الحاجة تناول أجرة عمله فيها ؛ بل قدجوزه من جوزه مع الغنى أيضا ، كما جوز الله تعالى للعاملين على الصدقات الأخذ مع الغنى عنها . وإذا خرب مكان موقوف فتعطل نفعه بيع وصرف تمنه فى نظيره، أو نقلت إلى نظيره، وكذلك إذا خرب بعض الأماكن الموقوف عليها ٩٢ - كمسجد ونحوه - على وجه يتعذر عمارته، فإنه يصرف ريع الوقف عليه إلى غيره . وما فضل من ريع وقف عن مصلحته صرف فى نظيره ، أو مصلحة المسلمين من أهل ناحيته ، ولم يحبس المال دائما بلا فائدة ، وقد كان عمر بن الخطاب كل عام يقسم كسوة الكعبة بين الحجيج ؛ ونظير كسوة الكعبة المسجد المستغنى عنه من الحصر ونحوها ، وأمر بتحويل مسجد الكوفة من مكان إلى مكان ، حتى صار موضع الأول سوقا . وسئل رحمه اللّه عن الوقف الذى أوقف على الأشراف ويقول : إنهم أقارب : هل الأقارب شرفاء أم غير شرفاء؟ وهل يجوز أن يتناولوا شيئا من الوقف أم لا؟ فأجاب : الحمد لله . إن كان الوقف على أهل بيت النبى صلى الله عليه وسلم، أو على بعض أهل البيت : كالعلويين ، والفاطميين ، أو الطالبيين الذين يدخل فيهم بنو جعفر ؛ وبنو عقيل . أو على العباسيين ونحو ذلك فإنه لا يستحق من ذلك إلا من كان نسبه صحيحا ثابتا . فأما من ادعى أنه منهم ولم يثبت أنه منهم ؛ أو علم أنه ليس منهم : فلا يستحق من هذا الوقف وإن ادعى أنه منهم : كبنى عبد الله بن ميمون القداح ؛ فإن أهل ٩٣ العلم بالأنساب وغيرهم يعلمون أنه ليس لهم نسب صحيح. وقد شهد بذلك طوائف أهل العلم من أهل الفقه والحديث والكلام والأنساب ، وثبت فى ذلك محاضر شرعية. وهذا مذ كور فى كتب عظيمة من كتب المسلمين بل ذلك مما تواتر عند أهل العلم. وكذلك من وقف على ((الأشراف)) فإن هذا اللفظ فى العرف لا يدخل فيه إلا من كان صحيح النسب من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وأما إن وقف واقف على بنى فلان ؛ أو أقارب فلان؛ ونحو ذلك، ولم يكن فى الوقف ما يقتضى أنه لأهل البيت النبوى ، وكان الموقوف ملكا للواقف يصح وقفه على ذرية المعين : لم يدخل بنو هاشم فى هذا الوقف وسئل قدس الله روحه عن رجل بيده مسجد بتواقيع إحياء سنة شرعية بحكم نزول من كان بيده توقيعا بالنزول ثابتا بالحكام ، ثم إن ولد من كان ييده المسجد أولا تعرض لمن بيده المسجد الآن، وطلب مشاركته. ولم يكن له مستند شرعى غير أنه كان ييد والده. فهل يجوز أن يلجأ إلى الشركة بغير رضاه ؟ ٩٤ فأجاب: الحمد لله. لا يجوز إلزام إمام مسجد على المشاركة - والحالة هذه - ولا التشريك بينهما ؛ أو عزله بمجردما ذكر : من كون أبيه كان هو الإمام ، فإن المساجد يجب أن يولى فيها الأحق شرعا ، وهو الأقرأ لكتاب الله ؛ والأعلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ الأسبق إلى الأعمال الصالحة : مثل أن يكون أسبق هجرة ؛ أو أقدم سنا . فكيف إذا كان الأحق هو المتولى ؟! فإنه لا يجوز عزله باتفاق العلماء . والله أعلم . وسئل عن مدرسة وقفت على الفقهاء والمتفقهة الفلانية ، برسم سكناهم ، واشتغالهم فيها . فهل تكون السكنى مختصة بالمرتزقين ؟ وهل يجوز إخراج أحد من الساكتين مع كونه من الصنف الموقوف عليه ؟ فأجاب : لا تختص السكنى والارتزاق بشخص واحد . ويجوز السكنی من غير ارتزاق من المال ، كما يجوز الارتزاق من غير سكنى . ولا يجوز قطع أحد الصنفين إلا بسبب شرعى - إذا كان الساكن مشتغلا - سواء كان يحضر الدرس أم لا . ٩٥ وسئل رحمه اللّه عن رجل ملك إنسانا أنشابا قائمة على الأرض الموقوفة على الملك المذكور وغيره أيام حياته ؛ ثم بعد وفاته على أولاده ؛ وعلى من يحدثه الله من الأولاد من الذكور والإناث بينهم بالسوية : على أن من توفى منهم وترك ولداً كان نصيبه من الوقف إلى ولده ؛ أو ولد ولده ، وإن سفل ، واحداً كان أو أكثر ذكراً كان أو أنثى ؛ من ولد الظهر والبطن ؛ يستوى فى ذلك الذكور والإناث . وإن توفى ولم يكن له ولد ولا ولد ولد ولا أسفل من ذلك كان نصيبه من ذلك مصروفا إلى من هو فى درجته ؛ مضافا إلى ما يستحقه من ريع هذا الوقف . فإن لم يكن له أخ ، ولا أخت ؛ ولا من يساويه فى الدرجة : كان نصيبه مصروفا إلى أقرب الناس إليه : الأقرب فالأقرب من ولد الظهر والبطن ؛ يحجب الطبقة العليا الطبقة السفلى ، من ولد الظهر والبطن بالسوية ؛ إلى حين انقراضهم . فإن لم يبق أحد يرجع بنسبه إلى الموقوف عليه ، لا من جهة الأب ، ولا من جهة البنت : كان مغل الوقف مصروفا إلى الفقراء والمسا كين بثغر دمياط المحروسة ؛ والواردين إليه؛ والمترددين عليه يفرقه الناظر على مايراه . ثم على أسارى المسلمين ٩٦ فمن أهل الوقف الأول أحد البنات توفيت ولم يكن لها ولد أخذ إخوتها نصيبها؛ ثم ماتت البنت الثانية ولها ابنتان أخذتا نصيبها ؛ ثم بعد ذلك ماتت البنت الثالثة ولم يكن لها ولد أخذت أختها نصيبها ؛ ثم بعد ذلك ماتت الأخت الرابعة فأخذوا لها الثلثين. فهل يصح لأولاد خالته نصيب معه أم لا ؟ فأجاب : الحمد لله رب العالمين . البنت الأولى انتقل نصيبها إلى إخوتها الثلاثة ؛ كما شرطه الواقف ؛ لا يشارك أولاد هذه لأولاد هذه فى النصيب الأصلى الذى كان لأمها . وأما النصيب العائد - وهو الذى كان الثالثة وانتقل إلى الرابعة - فهذا يشترك فيه أولاد هذه وأولاد هذه ؛ كما يشترك فيه أمهما هذا أظهر القولين فى هذه المسألة . وقيل : إن جميع ما حصل للرابعة وهو نصيبها ؛ ونصيب الثالثة ينتقل إلى أولادها خاصة ؛ لأن الواقف قال : وإن توفى ولم يكن له ولدولا ولد ولد ولا أسفل من ذلك كان نصيبه مصروفا إلى من فى درجته ، مضافاً إلى ما يستحقه من ريع الوقف. قالوا : فالمضاف كالمضاف إليه ، فإذا كان هذا ينتقل إلى أولاده فكذلك الآخر : لأن قول الواقف: من مات منهم وترك ولدا كان نصيبه من الوقف إلى ولده يتناول الأصلى والعائد . والأظهر هو القول الأول؛ فإن قوله : كان نصيبه . يتناول النصيب ٩٧ الذى تقدم ذكره. وأما تناوله لما بعد ذلك فشكوك فيه ، فلا يدخل بالشك بل قد يقال : هذا هو فى الأصل نصيب الميت عنه، كما ذكر الواقف ، والظاهر من حال الواقف لفظاً وعرفاً أنه سوى بين الطبقة فى نصيب من ولد له ولد، فأخذه المساوى بكونه كان فى الطبقة، وأولاده فى الطبقة: كأولاد الميت الأول. فكما أن الميتين لو كانا حيين اشتركا فى هذا النصيب العائد: فكذلك يشترك فيه ولدهما من بعدهما؛ فإن نسبتهما إلى صاحب النصيب نسبة واحدة . وهذا هو الذى يقصده الناس بمثل هذه الشروط ، كما يشهد بذلك عرفهم وعادتهم. والمقصود إجراء الوقف على الشروط الذى يقصدها الواقف ولهذا قال الفقهاء : إن نصوصه كنصوص الشارع . يعنى فى الفهم والدلالة . فيفهم مقصود ذلك من وجوه متعددة ، كما يفهم مقصود الشارع . ومن كشف أحوال الواقفين على أنهم يقصدون هذا المعنى ؛ فإنه أشبه بالعدل. ونسبة أولاد الأولاد إلى الواقف سواء، فليس له غرض فى أن يعطى ابن هذا نصيبان أو ثلاثة لتأخر موت أبيه، وأولئك لا يعطون إلا نصيبا واحداً؛ لا سيما وهذا المتأخر قد استغل الوقف ، فقد يكون خلف لأولاده بعض ما استغله، والذى مات أولا لم يستغله إلا قليلا، فأولاده أقرب إلى الحاجة ، ونسبتهما إلى الواقف سواء. فكيف يقدم من هو أقرب إلى الحاجة ٩٨ إلى من هو أبعد عنها وهما فى القرب إليه وإلى الميت صاحب النصيب - بعد انقراض الطبقة - سواء وهو كمالومات صاحبه آخرا، ولو مات آخرا اشترك جميع الأولاد فيه ؛ بل هذا يتناوله قول الواقف : إن توفى ولم يكن له ولد ولا ولد ولد كان نصيبه مصروفا إلى من هو فى درجته . فإن لم يكن له أخ ولا أخت ولا من يساويه فى الدرجة : فيكون نصيبه مصروفا إلى أقرب الناس ، وكلهم فى القرب إليه سواء. والله أعلم . ٩٩ وسئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله عن واقف وقف وفقًاً على أولاده، ثم على أولاد أولاده، ثم على أولاد أولاد أولاده، ونسله، وعقبه ، دائما ما تناسلوا : على أنه من توفى منهم عن غير ولد ولا ولد ولد ولا نسل ولا عقب : كان ما كان جاريا عليه من ذلك على من فى درجته وذوى طبقته. فإذا توفى بعض هؤلاء الموقوف عليهم عن ولد أو ولد ولد، أو نسل أو عقب لمن يكون نصيبه؟ هل يكون لولده؟ أو لمن فى درجته من الإخوة وبنى العم ونحوهم؟. فأجاب : نصيبه ينتقل إلى ولده دون إخوته وبنى عمه : لوجوه متعددة نذكر منها ثلاثة . أحدها أن قوله : على أولاده، ثم على أولاد أولاده. مقيد بالصفة المذكورة بعده ، وهى قوله : على أنه من توفى منهم عن غير ولد انتقل نصيبه إلى ذوى طبقته . وكل كلام اتصل بما يقيده فإنه يجب اعتبار ذلك المقيد دون إطلاقه أول الكلام . بيان المقدمة الأولى : أن هذه الجملة وهى قوله : على أنه من توفى منهم . فى موضع نصب على الحال ، والحال صفة فى المعنى ، والصفة مقيدة للموصوف ١٠٠