Indexed OCR Text

Pages 381-400

باب الشفعة
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله
فصل
اتفق الأمة على ثبوت الشفعة فى العقار الذي يقبل القسمة - قسمة
الإجبار - كالقرية ، والبستان ، ونحو ذلك . وتنازعوا فيما لا يقبل
قسمة الإجبار ؛ وإنما يقسم بضرر أو رد عوض فيحتاج إلى التراضي .
هل تثبت فيه الشفعة ؟ على قولين .
أحدهما : تثبت وهو مذهب أبي حنيفة ، واختاره بعض أصحاب
الشافعي : كابن سريج . وطائفة من أصحاب أحمد : كأبى الوفاء بن عقيل .
وهي رواية المهذب عن مالك . وهذا القول هو الصواب كما سنبينه
إن شاء الله .
والثانى : لا تثبت فيه الشفعة ، وهو قول الشافعي نفسه، واختيار
٣٨١

كثير من أصحاب أحمد . وهذا القول له حجتان :
أحدهما قولهم : إن الشفعة إنما شرعت لرفع ضرر مؤنة القسمة ،
وما لا تجب قسمته ليس فيه هذا الضرر .
والثانى: أنه لو وجبت فيه الشفعة لتضرر الشريك ؛ فإنه إن باعه لم
يرغب الناس في الشراء ؛ لخوفهم من انتزاعه بالشفعة . وإن طلب القسمة
لم يجب إجابته ، فلا يمكنه البيع ولا القسمة ، فلا يقدر أن يتخلص من
ضرر شريكه . فلو أثبتنا فيه الشفعة لرفع ضرر الشريك الذي لم يبع
لزم إضرار الشريك البائع ، والضرر لا يزال بالضرر .
والقول الأول أصح ؛ فإنه قد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه قال: (( من كان له شريك في أرض ، أو ربعة ، أو حائط .
فلا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ ، وإن شاء ترك
فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق به ، ولم يشترط النبى صلى الله عليه وسلم
في الأرض ، والربعة ، والحائط ، أن يكون مما يقبل القسمة : فلا يجوز
تقييد كلام الرسول بغير دلالة من كلامه ؛ لاسيما وقد ذكر هذا في
باب تأسيس إثبات الشفعة .
وليس عنه لفظ صحيح صريح في الشفعة أثبت من هذا. ففي الصحيحين
عن النبى صلى الله عليه وسلم ((أنه قضى بالشفعة في كل مالم يقسم،
٣٨٢

فإذا وقعت الحدود ، وصرفت الطرق فلا شفعة)) فلم يمنح الشفعة إلا مع
إقامة الحدود ، وصرف الطرق ، وهذا الحديث فى الصحيح عن جابر .
وفى السنن عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الجار أحق
بشفعة جاره ينتظره بها . وإن كان غائبا ، إذا كان طريقها واحدا))
فإذا قضى بها للاشتراك فى الطريق ؛ فلأن يقضي بها للاشتراك في رقبة
الملك أولى وأحرى .
وقد تنازع الناس فى شفعة الجار على ثلاثة أقوال . أعدلها هذا
القول : إنه إن كان شريكا في حقوق الملك ثبتت له الشفعة وإلا فلا .
وأيضا فمن المعلوم أنه إذا أثبت النبى صلى الله عليه وسلم
الشفعة فيما يقبل القسمة ، فما لا يقبل القسمة أولى بثبوت الشفعة فيه ؛
فإن الضرر فيما يقبل القسمة يمكن رفعه بالمقاسمة ، وما لا يمكن فيه القسمة
يكون ضرر المشاركة فيه أشد .
وظن من ظن أنها تثبت لرفع المقاسمة ؛ لا لضرر المشاركة ، كلام
ظاهر البطلان ؛ فإنه قد ثبت بالنص والإجماع . أنه إذا طلب أحد
الشريكين القسمة فيما يقبلها ، وجبت إجابته إلى المقاسمة ، ولو كان
ضرر المشاركة أقوى لم يرفع أدنى الضررين بالتزام أملاهما، ولم يوجب
الله ورسوله الدخول فى الشيء الكثير لرفع الشيء القليل ؛ فإن شريعة
٣٨٣

اللّه منزهة عن مثل هذا .
وأما قولهم : هذا يستلزم ضرر الشريك البائع . فجوابه أنه إذا
طلب المقاسمة ولم يمكن قسمة العين ؛ فإن العين تباع ، ويجبر الممتنع
على البيع ، ويقسم الثمن بينهما . وهذا مذهب جمهور العلماء : كمالك،
وأبى حنيفة ، وأحمد بن حنبل .
وذكر بعض المالكية أن هذا إجماع . وقد دل على ذلك ما ثبت فى
الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من أعتق شركا له
في غلام ، وكان له من المال ما يبلغ ثمن الغلام ، قوم عليه قيمة عدل ،
لاوكس ، ولا شطط ، فأعطى شركاءه حصصهم ، وعتق عليه العبد ،
وإلا فقد عتق منه ما عتق )) فدل هذا الحديث على أن حق الشريك فى
نصف قيمة الجميع ؛ لا في قيمة نصف الجميع ؛ فإنه إذا بيع العبد كله
ساوى ألف درهم مثلا ، وإذا بيع نصفه ساوى أقل من خمسمائة درهم،
وحق الشريك نصف الألف .
فهكذا في العقار الذي لا يقسم يستحق نصف قيمته جميعه ، فيباع
جميع العقار ، ويعطى حصته من الثمن إذا طلب ذلك ، وبهذا يرتفع
عنه الضرر ، وبهذا يتبين كمال محاسن الشريعة وما فيها من مصالح العباد
فى المعاش، والمعاد. والحمد لله وحده .
٣٨٤

وسئل
عن رجل له ملك ، وله شركة فيه . فاحتاج إلى بيعه ، فأعطاء
إنسان فيه شيئا معلوما ، فباعه . فقال : زن لي ما قلت ، فنقصه
عن المثل . فهل يجب عليه أداؤه؟ أم لا ؟ وهل يصح للشريك
شفعة ؟ أم لا؟ .
فأجاب : إذا باعه بثمن معلوم ، كان على المشتري أداء ذلك الثمن.
وإن كان البيع فاسدا ؛ وقد فات : كان عليه قيمة مثله . وإذا كان
الشقص مشفوعا فللشريك فيه الشفعة . والله أعلم.
وسئل رحمه اللّه
عن رجل اشترى شقعاً مشفوعاً، وكلما طلبه الشفيع أظهر صورة
أن البيع كان بدون الرؤية المعتبرة ، ففسخه الحاكم، وأقر المشتري
ببراءة البائع مما كان قبضه ، ووقف الشقص على المشتري ، كل ذلك
دفعاً للشفعة . فهل يكون ذلك مسقطاً للشفعة؟ وهل تكون هذه
٣٨٥

التصرفات صحيحة ؟ .
فأجاب : الاحتيال على إسقاط الشفعة بعد وجوبها لا يجوز بالاتفاق ؛
وإنما اختلف الناس فى الاحتيال عليها قبل وجوبها ، وبعد انعقاد السبب
وهو ما إذا أراد المالك بيع الشقص المشفوع؛ مع أن الصواب أنه لا يجوز
الاحتيال على إسقاط حق مسلم، وما وجد من التصرفات لأجل الاحتيال
المحرم فهو باطل . وما ذكر من إظهار صورة انفساخ المبيع ، وعود
الشقص إلى البائع ، ثم إظهار براءة البائع ووقفه: فكل ذلك باطل ، والشقص
باق على ملك المشتري ، وحق الشفيع ثابت فيه ؛ إلا أن يترك تركا
يسقط الشفعة . والله أعلم .
وسل
عن شقص مشفوع ثبت وقفه، وثبت أن ماكا حكم بالشفعة فيه
للشريك ، ولم يثبت الشريك أخذها ؟ .
فأجاب : لا يبطل الوقف إلا إذا أثبت أن الشريك يملك الشقص
المشفوع الموقوف ، على ما في تملكه من اختلاف العلماء .
وأما مجرد حكم الحاكم باستحقاق الشفعة فلا ينقض الوقف المتقدم
٣٨٦

قبل ذلك ، كما لا يزيل ملك المشتري ؛ بل يبقى الأمر موقوفاً ، فإن
أخذ الشريك الشقص بالشفعة بطل التصرف الموجود فيه قبل ذلك عند
من يقول به ؛ وإلا فلا .
وسئل رحم الله
عن رجل اشترى نصف حوش ، والنصف الآخر اشتراه رجل آخر،
وأوقف حصته قبل طلب الشريك الأول ، وأن الشريك الأول قال :
أنا آخذه بالشفعة . فهل له ذلك ؟.
فأجاب : إذا كان الأمر كذلك فلا شفعة له؛ فإن المشتري الثانى
وقفه فلا شفعة فيه ، وشفعة الأول بطلت ؛ لكونه أخر الطلب بعد
علمه حتى خرجت عن ملك المشتري بوقف أو غيره ، فلا شفعة .
وإن كان قد أخرجه من ملكه بالبيع قبل علمه بالبيع فله الشفعة .
وأما الوقف والهبة ففيه نزاع . والله أعلم .
٣٨٧

وسئل رحمه اللّه
عن رجل له حصة مع شاهد ، ثم باع الشريك حصته لشاهد آخر
بزيادة كثيرة على ثمن المثل فى الظاهر ، وتواطآ بينهما في الباطن على ثمن
المثل ، دفعاً للشفعة . فهل تسقط الشفعة ؟ أم لا ؟ .
فأجاب : لا يحل الكذب والاحتيال على إسقاط حق المسلم ،
ويجب على المشتري أن يسلم الشقص المشفوع بالثمن الذي تراضيا عليه
فى الباطن ، إذا طلب الشريك ذلك ، وإن منعه ذلك قدح في دينه .
وعلى الحاكم أن يحكم بالشفعة إذا تبين حقيقة الأمر .
٣٨٨

باب الوديعة
مثل شيخ الإسلام رحمه الله
عن دلال أعطاء إنسان قماشا ليختمه ويبيعه ، فما وجد الختام ،
فأودعه عند رجل خياط أمين عادتهم يودعون عنده ، فحضر صاحب
القماش هو ودلال آخر ، وأخذوا القماش من عنده، ولم يكن الذي
أودعه حاضرا ، فادعى صاحب القماش أنه عدم له منهم ثوب ، وأنكر
ذلك الدلال : فهل يلزم الدلال الذي كانت عنده الوديعة شيء ؟ أم لا؟.
فأجاب: الحمد لله. إذا ادعوا عدم قبض الوديعة ، وأنكر ذلك
الدلال ، فالقول قوله مع يمينه ، ما لم تقم حجة شرعية على تصديق
دعوام . وأما إذا عدم منها شيء : فإن كان الدلال فرط بحيث فعل
ما لم يؤذن فيه لفظا ولا عرفا ضمن ، فإذا كان من عادتهم الإبداع
عند هذا الأمين ، وأصحاب القماش يعلمون ذلك ، ويقرونه عليه فلا ضمان
على الدلالين . والله أعلم .
٣٨٩

وسئل رضى اللّه عنه
عن رجل مات وترك بنتين وزوجة ، وإحدى البنتين غائبة . فهل
يجوز لمن له النظر على هذه التركة أن يودع مال الغائبة ، بحيث لا يعلم
هل يحفظه المودع عنده أم بتصرف فيه لنفسه ؟ وإذا حدث مظلمة على
حملة التركة : هل يختص باستدفاعها عن التركة مال الغائبة ، أو بعم جميع
المال المتروك؟ وإذا استودع عند[من](١) قد يحفظه وقد بتصرف لمصلحة نفسه:
فهل للمستحق له مطالبة من وضع يده عليه ، أو من أودعه حيث لا يؤمن
عليه ، وقد مات الناظر والمودَع ، وطلب من تركة المودَع فلم يوجد
ولم يعلم هل غصب أم لا ؟ وهل الإبراء الذمة المستودع عنده أن يترك
مع احتمال أن يكون قد وضع عين بدء عليه ، أويدفع عنه وليه من ورثته
ذلك القدر من صدقاته التى هي غير معينة بجهة مخصوصة ؟.
فأجاب : الحمد لله هذا المال صار تحت بده أمانة ، فعليه أن يحفظه
حفظ الأمانات ، ولا يودعه إلا لحاجة - فإن أودعه عند من يغلب على
الظن حفظه له - كالحاكم العادل إن وجد ، أو غيره بحيث لا يكون
فى إبداعه تفريط . فلا ضمان عليه . وإن فرط فى إيداعه فأودعه لخائن
(١) أضيفت حسب مفهوم السياق
٣٩٠

أو عاجز مع إمكان ألا يفعل ذلك فهو مفرط ضامن .
وأما المودع إذا لم يعلم أنه وديعة عنده ففي تضمينه قولان لأهل
العلم فى مذهب أحمد ، وغيره .
أظهرهما أنه لا ضمان عليه ، وما حصل بسبب المال المشترك من
المغارم التى تؤخذ ظلما ، أو غير ظلم ، فهي على المال جميعه لا يختص
بها بعضه وإذا غصب الوديعة غاصب فللناظر المودع أن يطالبه. وللمودع
أيضا أن يطالبه فى غيبة المودع .
وأما المستحق المالك فله أن يطالب الغاصب ، وله أن يطالب
الناظر أو المودَع، إن حصل منه تفريط . فأما بدون التفريط والعدوان
فليس له المطالبة .
وإذا مات هذا المودع ولم يعلم حال الوديعة : هل أخذت منه ، أو
أخذها ، أو تلفت ، فإنها تكون دينا على تركته عند جماهير العلماء .
كأبى حنيفة، ومالك، وأحمد، وهو ظاهر نص الشافعي، وأحد
القولين فى مذهبه .
وإذا كانت ديناً عليه وجب وفاؤها من ماله ، فإن كان له مال
غير الوقف وفيت منه ، وإن لم يكن له مال غير الوقف ففي الوقف
على المدين الذي أحاط الدين بماله نزاع مشهور بين أهل العلم .
٣٩١

وكذلك الوقف الذي لم يخرج عن بده حتى مات، فإنه يبطل فى
أحد قولي العلماء . كمالك، وهو أحد القولين في مذهب أبى حنيفة .
وأحمد . وأما إن كان الوقف قد صح ولزم ، وله مستحقون . ولم
يكن صاحب الدين ممن تناوله الوقف : لم يكن وفاء الدين من ذلك ؛
لكن إن كان ممن تناوله الوقف مثل أن يكون على الفقراء ، وصاحب
الدين فقير : فلا ريب أن الصرف إلى هذا الفقير الذي له دين على
الواقف أولى من الصرف إلى غيره . والله أعلم.
وسئل رحمه الله
عن رجل استودع مالا على أنه يوصله إن مات المودع لأولاده ،
فمات وترك ورثة غير أولاده وم زوجتان، ومن إحداهما ابنان وبنتان
من غيرها ، وادعى ذو السلطان أن أم الابنين جارية له تحت رقه ،
وأخذها وأولادها . ثم مات أحد الولدين ، ثم ماتت أمه . فهل يكون
الأولاد مختصين بجميع المال ؟ أو هو لجميع الورثة ؟ وإذا لم نصح دعوى
من ادعى أن أم الولدين مملوكة ، هل له أن يوصل إليه جميع ما يخص
الولدين وأمهم ؟ أو له أن يبقى نصيبهم للولد رجاء فى رفع الملك
عنه، أو يفديه من الرق . وهل له أن يتجر فى المال إن أبقاه الثلا
تفنيه الزكاة ؟
٣٩٢

فأجاب : إذا كان هذا المال المودع وجب أن يوصل إلى كل وارث
حقه منه ، سواء خص به المالك أولاده ، أو لم يخصهم . وليس لهذا
المستودع أن يخص بعض الورثة إلا بإجازة الباقين ؛ فإن النبى صلى الله
عليه وسلم قال: (( إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ، فلا وصية
لوارث)). ولو صرح الوصي بتخصيص بعض الورثة بالمال لم يجز ذلك
بدون إجازة الباقين باتفاق الأئمة .
وأما المدعي المستولدة فلا يحكم له بمجرد دعواه باتفاق المسلمين ؛
لاسيما إن اعترف أنه أعطاه الجارية ؛ فإن هذا إقرار منه بالتمليك ؛
بل الأمة أم الولد، وأولاده منها أحرار . ولو فرض أنها أمة المدعي
فى نفس الأمر ، وكان الواطئ يعتقد أنها أمته . فأولاده أحرار باتفاق
الأئمة . وهذا المودع يحفظ نصيب هؤلاء الصغار . فإن كان فى البلد
حاكم عالم عادل قادر يحفظ هذا المال لهم سلمه إليه ، وإن لم يجد من
يحفظ المال لهم أبقاه بيده ، وليتجر فيه بالمعروف ، والريح لليقيم ،
وأجره على الله. وأم الولد لا ترث من سيدها شيئاً؛ لكن إذا مات
أحد بنيها [ورثت منه](١) والله أعلم .
(١) أضيفت حسب مفهوم السياق
٣٩٣

وسل
عن رجل تحت بده بعير وديعة ، فسرق من جملة إبله ، ثم لحق
السارق وأخذ منه الإبل ، وامتنع من دفع ذلك البعير المودع ، حتى
يحلف أنه كان البعير على ملكه . خلف بالله العظيم أنه على ملكه ،
وقصد بذلك ملك الحفظ ؟
فأجاب : أما إذا ملك قبضه ، والاستيلاء عليه ، فلا حنث عليه
فى ذلك ، ولا إثم ؛ وإن قصد أنه ملكه الملك المعروف ، فهذا كذب؛
لكنه إذا اعتقد جواز هذا لدفع الظلم ، وفى المعاريض مندوحة عن
الكذب، وليستغفر الله من ذلك، ويتوب إليه، ولا كفارة عليه. والله أعلم.
وسئل
عن الاقتراض من الوديعة بلا إذنه .
فأجاب: وأما الاقتراض من مال المودع ، فإن علم الموقع علما
اطمأن إليه قلبه أن صاحب المال راض بذلك فلا بأس بذلك . وهذا
٣٩٤

إنما يعرف من رجل اختبرته خبرة تامة ، وعلمت منزلتك عنده ، كما
نقل مثل ذلك عن غير واحد ، وكما كان النبى صلى الله عليه وسلم
يفعل فى بيوت بعض أصحابه، وكما بايع عن عثمان رضي الله عنه وهو
غائب ، ومتى وقع في ذلك شك لم يجز الاقتراض .
وقال :
إذا اشترى إنسان سلمة : جملا ، أو غيره ، وهو مودع ، فأودمه
المشترى عند الموقع ، ثم باعه الآخر . كان البيع الثانى باطلا . وإذا
سلمه الموقع إلى المشترى الثانى كان لمالكه - وهو المشترى الأول -
أن يطالب به الموقع الذي سلمه ، ويطالب به المشترى الذي تسلمه .
وسئل رحمه اللّه
عن قوم لهم عند راهب فى دير وديعة ، وادعى عدمها مع ما كان
فى الدير ، ثم ظهر الذي ادعى أن ما عدم من الدير قد باعه . فهل
يلزم بالمال ؟ أم لا؟ وهل القول قوله ؟ ودير هذا الراهب على ساحل
البحر المالح ، وله أخ حرامي فى البحر يأوى إليه ، والحرامية أيضا .
٣٩٥

فما يجب على ولاة الأمور فيه ؟ وهل يجوز قتله وخراب ديره ؟ وكان
أهل المال طلبوا مالهم منه فلم يسلمه لهم ، ولهم شهود نصارى
يشهدون بذلك ؟
فأجاب : الحمد لله . إذا ظهر أن المال الذي للمودع لم يذهب ،
فادعى أن الوديعة ذهبت دون ماله ، فهنا يكون ضامنا للوديعة في أحد
قولي العلماء : كقول مالك ، وأحمد ، في إحدى الروايتين ؛ فإن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه ضمن أنس بن مالك وديعة ادعى أنها ذهبت
دون ماله .
وأما إذا ادعى أنه ذهب جميع المال ثم ظهر كذبه ، فهنا وجوب
الضمان عليه أوكد . فإذا ادعى المودع صاحب الوديعة أنه طلب الوديعة
منه فلم يسلمها إليه ، أو أنه خان فى الوديعة ولم تتلف : كان قبول قوله
مع يمينه أقوى وأوكد ؛ بل بستحق في مثل هذه الصورة التعزير البليغ
الذي يردعه وأمثاله عن الكذب . وهذا مع كونه من أهل الذمة .
وإذا شهد عليه من أهل دينه المقبولين عندهم قبلت شهادتهم فى
أحد قولي العلماء، وهو مذهب أبى حنيفة، وأحمد فى إحدى الروايتين.
وقبول شهادتهم عليه هنا أوكد. ومن لم يقبل شهادتهم فإنه يحكم
بيمين المدعى عليه فى مثل هذه الصورة ؛ لظهور رجحان قول المدعى
٣٩٦

فى أحد قوليه أيضا .
وأما من كان من أهل الذمة يؤوي أهل الحرب ، أو يعاونهم
على المسلمين ، فإنه قد انتقض عهده ، وحل دمه وماله ، والواجب
على ولاة الأمور ألا يتركوا مثل هؤلاء الذين لا يؤمنون على المسلمين
فى موضع يخاف ضررهم على المسلمين ، أو ينقل إليهم أولاد المسلمين؛
فإنه قد انتقض عهده ، وحل دمه وماله .
وسئل
عن وديعة فى كيس مختوم ، ولم يعلم ما فيه ، ولا عاينه . وذكر
المودع أنها ألف وخمسمائة وثلاث تفاصيل، وعدمت الوديعة فى جملة
قماش . ولما عدمت قال صاحب الوديعة : إن ما فيها شيء يساوي سبعة
آلاف. فهل يلزم المودع غرامة ما ذكره فى الأول ؟ أم يلزمه ما
ذكر فى الآخر ؟ .
فأجاب : إن تلفت بغير تفريط منه ولا عدوان لم يلزمه ضمان .
وإذا ذهبت مع ماله كان أبلغ ، وإذا ادعى ذلك بسبب ظاهر معلوم :
[ كلف البينة وقبل قوله ] .
٣٩٧

ما تقول السادة الفقهاء
فى إنسان يضع فى بيت إنسان وديعة بيده من مدة تزيد على
عشر سنين ، تزيد وتنقص فى صندوق غير مقفول بقفل ، وهو يعلم
ذلك، فمرض الموقع مرضا بلغ فيه الموت ، وصاحبها حاضر عنده بليت
ويصبح ، فسأله مراراً كثيرة أن يأخذ وديعته ، أو يقفل عليها بقفل،
فلم يفعل ، فعدمت الوديعة من حرزه - بغير تفريط - وحدها، ولم
يعلم هل عدمت في المرض ، أو في الصحة . فهل يجب على الموقع
والحالة هذه ضمانها ؟ أم لا؟ وهل يجوز لصاحبها إلزام المودع بها
وعسفه بالولاية ؟ أم محرم عليه طلب ذلك بالولاية ؟ وهل إذا أصر على
ذلك يجب على ولي الأمر - وفقه الله - ردعه وزجره عن ذلك؟
أم لا؟ أفتونا مأجورين. إن شاء الله تعالى.
فأجاب: الحمد لله. إذا كان الأمر على ما وصف، وعدمت بغير
تفريط ولا عدوان من الموقع ، وعدمت مع ماله؛ لم يضمنها بانفاق الأثمة .
وكذلك إذا عدمت بتفريط صاحبها كما ذكر، فإنه لا ضمان على الموقع
سواء ضاعت وحدها ، أو ضاعت مع ماله .
٣٩٨

باب إحياء الموات
وسئل شيخ الإسلام رحمه اللّه
عن حكم البناء في طريق المسلمين الواسع ، إذا كان البناء لا
يضر بالمارة ؟
فأجاب : إن ذلك نوعان :
أحدهما : أن يبنى لنفسه ، فهذا لا يجوز في المشهور من مذهب
أحمد . وجوزه بعضهم بإذن الإمام . وقد ذكره القاضي أبو يعلى ، ومن
خطه نقلته أن هذه المسألة حدثت في أيامه ، واختلف فيها جواب
المفتين ، فذكر في مسألة حادثة في الطريق الواسع : هل يجوز للإمام
أن يأذن فى حيازة بعضه، مبينا أن بعضهم أفتى بالجواز ، وبعضهم أفتى
بالمنع واختاره القاضي، وذكر أنه كلام أحمد ؛ فإنه قال فى رواية ابن
القاسم : إذا كان الطريق قد سلكه الناس فصار طريقا . فليس لأحد
أن يأخذ منه شيئاً قليلا، ولا كثيراً. قيل له: وإن كان واسعا مثل
الشوارع ؟ قال : وإن كان واسعا . قال : وهو أشد ممن أخذ حداً
٣٩٩

بينه وبين شريكه ؛ لأن هذا يأخذ من واحد ، وهذا يأخذ من
جماعة المسلمين .
قلت : وقد صنف أبو عبد الله بن بطة مصنفا فيمن أخذ شيئاً
من طريق المسلمين، وذكر فى ذلك آثارا عن أحمد، وغيره من السلف،
وقد ذكر هذه المسألة غير واحد من المتقدمين ، والمتأخرين من
أصحاب أحمد : منهم الشيخ أبو محمد المقدسي . قال فى المغنى : وما كان
من الشوارع والطرقات والرحبات بين العمران : فليس لأحد إحياؤه ،
سواء كان واسعا ، أو ضيقا ، وسواء ضيق على الناس بذلك ، أو لم
يضيق ؛ لأن ذلك يشترك فيه المسلمون ، وتتعلق به مصلحتهم ، فأشبه
مساجدهم ، ويجوز الارتفاق بالقعود فى الواسع مع ذلك للبيع والشراء
على وجه لا يضيق على أحد ، ولا يضر بالمارة ؛ لانفاق أهل الأمصار
فى جميع الأعصار على إقرار الناس على ذلك من غير إنكار ، ولأنه
ارتفاق بمباح من غير إضرار ، فلم يمنع كالاجتياز .
قال أحمد في السابق إلى دكاكين السوق: دعوه فهو له إلى الليل ،
وكان هذا في سوق المدينة فيما مضى ، وقد قال النبي صلى الله عليه
وسلم: (( منى مناخ من سبق)). وله أن يظلل على نفسه بمالا ضرر
فيه من بارية ، وتابوت ، وكساء ، ونحوه ؛ لأن الحاجة تدعو إليه
من غير مضرة فيه ، وليس له البناء ؛ لاحكة ولا غيرها ؛ لأنه يضيق
٤٠٠