Indexed OCR Text

Pages 361-380

وسئل شيخ الإسلام
عن رجل أخذ ماله ظلما بغير حق ، وانتهك عرضه ، أو نيل منه
فى بدنه ، فلم يقتص فى الدنيا ، وعلم أن ما عند الله خير وأبقى . فهل
يكون عفوه عن ظالمه مسقطا عند الله ؟ أم نقصا له ؟ أم لا يكون؟ أو
يكون أجره باقيا كاملا موفراً ؟ وأيما أولى مطالبة هذا الظالم والانتقام
منه يوم القيامة - وتعذيب اللّه له. أو العفو عنه وقبول الحوالة
على الله تعالى ؟
فأجاب : لا يكون العفو عن الظالم ، ولا قليله مسقطا لأجر المظلوم
عند الله، ولا منقصا له ؛ بل العفو عن الظالم بصير أجره على الله
تعالى ؛ فإنه إذا لم يعف كان حقه على الظالم ، فله أن يقتص منه بقدر
مظلمته ، وإذا عفا وأصلح فأجره على الله . وأجره الذي هو على الله
خير وأبقى. قال تعالى: (وَجَزَّوْاْسَيِّئَةٍ سَِئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَخْرُهُ, عَلَى
اُللهِنَّهُ وَ يُحِبُّ الَِّمِينَ ).
فقد أخبر أن جزاء السيئة سيئة مثلها بلا عدوان ، وهذا هو
القصاص فى الدماء ، والأموال ، والأعراض ، ونحو ذلك . ثم قال :
٣٦١

وقد ذكر [عن ] الإمام أحمد لما
(فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ)
ظلم فى محنته المشهورة أنه لم يخرج حتى حلل من ظلمه. وقال : ذكرت
حديثا ذكر عن مبارك بن فضالة عن الحسن قال: (( إذا كان يوم
القيامة نادى مناد: ألا ليقم من وجب أجره على الله (١) فلا يقوم إلا
من عفا وأصلح )).
وقد قال تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْبِمِثْلِ مَاعُوقِبْتُمِبِهِ وَلَيِن صَبَرْتُمْ
لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّبِينَ ) وأباح لهم سبحانه وتعالى إذا عاقبوا الظالم أن
يعاقبوه بمثل ما عاقب به، ثم قال: (وَلَيِن صَبَرْتُمْ لَهُوَخَيْرٌ لِلِصَّبِينَ)
فعلم أن الصبر عن عقوبته بالمثل خير من عقوبته . فكيف يكون مسقطا
للأجر أو منقصاً له ؟!
وقد قال تعالى: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ فَمَن تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ
لَّهُ ) . فجعل الصدقة بالقصاص الواجب على الظالم - وهو العفو عن
القصاص - كفارة للعافى، والاقتصاص ليس بكفارة له ، فعلم أن العفو
غير له من الاقتصاص . وهذا لأن ما أصابه من المصائب مكفر للذنوب،
ويؤجر العبد على صبره عليها ، ويرفع درجته برضاه بما يقضيه الله
عليه منها . قال الله تعالى: (مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ مَن يُؤْمِنُ
قال بعض السلف : هو الرجل تصيبه المصيبة ،
بِاَللَّهِ يَهْدٍ قَلْبَهُ, )
فيعلم أنها من عند الله ، فيرضى ويسلم ، وفي الصحيحين عن النبى
(١) أضيفت حسب ( لفظ الحديث )
٣٦٢

صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب
ولاهم ولا حزن ولا غم ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله
بها من خطاياه )).
وفي المسند: أنه لما نزل قوله تعالى: (مَن يَعْمَلْ سُوءًايُجْزَبِهِ، )
قال أبو بكر: يا رسول الله! نزلت قاصمة الظهر، وأنا لم يعمل سوءاً؟!
فقال : يا أبا بكر ! ألست تنصب ؟ ألست تحزن ؟ ألست نصيبك اللأواء .
فذلك ما تجزون به)) وفيه أيضا: ((المصائب حطة محط الخطايا عن
صاحبها ، كما تحط الشجرة القائمة ورقها)).
والدلائل على أن المصائب كفارات كثيرة ، إذا صبر عليها أثيب
على صبره ، فالثواب والجزاء إنما يكون على العمل - وهو الصبر -
وأما نفس المصيبة فهي من فعل الله ؛ لا من فعل العبد ، وهي من جزاء
الله العبد على ذنبه ، وتكفيره ذنبه بها . وفي المسند (« أنهم دخلوا على
أبى عبيدة بن الجراح وهو مريض . فذكروا أنه يؤجر على مرضه ،
فقال: مالي من الأجر ولا مثل هذه. ولكن المصائب حطة )) فبين لهم
أبو عبيدة - رضي الله عنه - أن نفس المرض لا يؤجر عليه، بل
یکفر به عن خطاياه .
وكثيرا ما يفهم من الأجر غفران الذنوب ، فيكون فيه أجر بهذا
٣٦٣

الاعتبار. ومن الناس من يقول: لابد فيه من التعويض والأجر والامتنان،
وقد يحصل له ثواب بغير عمل ، كما يفعل عنه من أعمال البر .
وأما الصبر على المصائب ففيها أجر عظيم ، قال تعالى: ( وَبَشِّرِ
الصَّبِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّالِلَّهِ وَإِنَّ إِلَيْهِ رَجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ
صَلَوَتُ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَتِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ).
فالرجل
إذا ظلم بجرح ونحوه فتصدق به ، كان الجرح مصيبة يكفر بها عنه ،
ويؤجر على صبره ، وعلى إحسانه إلى الظالم بالعفو عنه ؛ فإن الإحسان
يكون بجلب منفعة ، وبدفع مضرة؛ ولهذا سماه الله صدقة.
(وَسَارِعُوَاْإِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا
وقد قال تعالى :
السَّمَوَتُ وَاَلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِ السَّرَّآءِ وَالضَّرَّاءِ وَاُلْكَظِمِينَ
فذكر :
اُلْغَيْطَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)
أنه يحب المحسنين ، والعافين عن الناس . وتبين بهذا أن هذا من
الإحسان . والإحسان ضد الإساءة، وهو فعل الحسن ، سواء كان لازماً
لصاحبه، أو متعديا إلى الغير، ومنه قوله: (مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ
أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَ يُجْزَىَ إِلَّا مِثْلَهَا ). فالكاظم الغيظ ، والعافى
عن الناس ، قد أحسن إلى نفسه ، وإلى الناس ؛ فإن ذلك عمل حسنة
مع نفسه ، ومع الناس ، ومن أحسن إلى الناس فإلى نفسه . كما يروى
عن بعض السلف أنه قال : ما أحسنت إلى أحد، وما أسأت إلى أحد،
٣٦٤

وإنما أحسنت إلى نفسي، وأسأت إلى نفسي. قال تعالى: (إِنْ أَحْسَنتُمْ
أَحْسَنُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُ فَلَهَا )
وقال تعالى: (مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا
فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ) .
ولو لم يكن الإحسان إلى الخلق إحساناً إلى المحسن ، يعود نفعه
عليه ، لكان فاعلا إثماً أو ضرراً ؛ فإن العمل الذي لا يعود نفعه على
فاعله ؛ إما حيث لم يكن فيه فائدة ، وإما شر من العبث ؛ إذا ضر
فاعله . والعفو عن الظالم أحد نوعي الصدقة : المعروف ، والإحسان
إلى الناس . وجماع ذلك الزكاة .
والله سبحانه دائماً يأمر بالصلاة، والزكاة، وهي الصدقة. وقد
ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنه
قال: (( كل معروف صدقة)) وذلك نوعان :
أحدهما : اتصال نفع إليه .
الثاني : دفع ضرر عنه . فإذا كان المظلوم يستحق عقوبة الظلم ،
ونفسه تدعوه إليه ، فكف نفسه عن ذلك ، ودفع عنه ما يدعوه إليه
من إضراره ، فهذا إحسان منه إليه ، وصدقة عليه، والله تعالى يجزى
المتصدقين ، ولا يضيع أجر المحسنين . فكيف يسقط أجر العافى ؟!
وهذا عام فى سائر ما للعبد من الحقوق على الناس ؛ ولهذا إذا
٣٦٥

ذكر الله فى كتابه حقوق العباد، وذكر فيها العدل ندب فيها إلى
الإحسان ، فإنه سبحانه يأمر بالعدل والإحسان. كما قال تعالى: (وَإِن
كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌلَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
فجعل الصدقة على المدين المعسر بإسقاط الدين عنه خيرا للمتصدق
من مجرد إنظاره .
(وَمَنْ قَثَلَ مُؤْمِنًا خَطًَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْ مِنَةٍ وَدِيَةٌ
وقال تعالى :
مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ: إِلَّا أَن يَضَّدَقُواْ) فسمى إسقاط الدية صدقة . وقال
تعالى: (وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ
مَا فَضْتُمْ إِلَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْيَعْفُواْ الَّذِى بِيَدِهِ، عُقْدَةُ النِّكَاعِ وَأَنْ تَعْفُوَ أَقْرَبُ
لِلتَّقْوَى)
فجعل العفو عن نصف الصداق الواجب على
الزوج بالطلاق قبل الدخول أقرب للتقوى من استيفائه . وعفو المرأة
إسقاط نصف الصداق باتفاق الأمة .
وأما عفو الذي بيده عقدة النكاح . فقيل : هو عفو الزوج، وأنه
تكميل للصداق للمرأة ، وعلى هذا يكون هذا العفو من جنس
ذلك العفو ، فهذا العفو إعطاء الجميع ، وذلك العفو إسقاط الجميع.
والذي حمل من قال هذا القول عليه ؛ أنهم رأوا أن غير المرأة لا يملك
إسقاط حقها الواجب ، كما لا يملك إسقاط سائر ديونها . وقيل : الذي
بيده عقدة النكاح . هو ولي المرأة المستقل بالعقد بدون استئذانها :
٣٦٦

كالأب للبكر الصغيرة ، وكالسيد للأمة ، وعلى هذا يكون العفوان من
جنس واحد. ولهذا لم يقل: إلا أن يعفون ، أو يعفوام، والخطاب في
الآية للأزواج .
وقال تعالى حكاية عن لقمان أنه قال لابنه: (وَأَمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ
الْمُنكَرِوَأَصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكٌ إِنَّذَلِكَ مِنْ عَزْمِالْأُمُورِ )
وقال تعالى: (وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ، فَأُوْلَِّكَ مَا عَلَهِم مِّن سَبِيلٍ* إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ
يَظْلِعُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَنْ صَبَرَ
وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ).
فهناك فى قول لقمان ذكر الصبر على المصيبة فقال: (إِنَّ ذَلِكَ
مِنْ عَزْمِالْأُمُورِ ) وهنا ذكر الصبر والعفو، فقال: (إِنَّذَلِكَ لَمِنْ
وذكر ذلك بعد قوله: (وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ، فَأُوْلَكَ مَا
عَزْمِ الْأُمُورِ )
عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)
فذكر سبحانه الأصناف الثلاثة ، فى باب الظلم الذي يكون بغير
اختيار المظلوم ؛ وهم : العادل ، والظالم ، والمحسن .
فالعادل من انتصر بعد ظلمه وهذا جزاؤه أنه ما عليه من سبيل ،
فلم يكن بذلك ممدوحا، ولكن لم يكن بذلك مذموماً. وذكر الظالم
بقوله: (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)
فهؤلاء عليهم السبيل للعقوبة، والاقتصاص . وذكر المحسنين
٣٦٧

فقال: ( وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) . والقرآن فيه جوامع
الكلم .
وهذا كما ذكر فى آخر البقرة أصناف الناس فى المعاملات ، التى
تكون باختيار المتعاملين، وهم ثلاثة : محسن ، وظالم، وعادل . فالمحسن:
هو المتصدق . والظالم : هو المربى . والعادل: هو البائع . فذكر هنا
حكم الصدقات ، وحكم الربا، وحكم المبايعات، والمداينات .
وكما أن من قوم أنه بالعفو يسقط حقه أو ينقص : غالط ، جاهل،
ضال؛ بل بالعفو يكون أجره أعظم ؛ فكذلك من توم أنه بالعفو
يحصل له ذل ، ويحصل للظالم عن واستطالة عليه ، فهو غالط فى ذلك .
كما ثبت فى الصحيح وغيره عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه
قال: (( ثلاث إن كنت لحالفا عليهن: ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً،
وما نقصت صدقة من مال، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)). فبين
الصادق المصدوق : أن الله لا يزيد العبد بالعفو إلا عزاً، وأنه لا تنقص
صدقة من مال، وأنه ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله. وهذا رد لما
يظنه من يتبع الظن ، وما تهوى الأنفس ، من أن العفو بذله، والصدقة
تنقص ماله ، والتواضع يخفضه .
وفى الصحيحين عن عائشة - رضى الله عنها - قالت: ((ما ضرب
٣٦٨

رسول الله صلى الله عليه وسلم خادماً له، ولا امرأة، ولا دابة، ولا
شيئا قط ، إلا أن يجاهد فى سبيل الله، ولا نيل منه قط شيء فانتقم
لنفسه؛ إلا أن تنتهك محارم الله، فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه
شيء. حتى بنتقم لله)). وخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم
القرآن أكمل الأخلاق ، وقد كان من خلقه أنه لا ينتقم لنفسه ، وإذا
انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله ، فيعفو عن حقه ،
ویستوفی حق ربه .
والناس فى الباب أربعة أقسام :
منهم من ينتصر لنفسه ولربه ، وهو الذي يكون فيه دين وغضب.
ومنهم من لا ينتصر لا لنفسه ولا لربه ، وهو الذي فيه جهل
وضعف دين .
ومنهم من ينتقم لنفسه ؛ لا لربه ، وم شر الأقسام .
وأما الكامل فهو الذي ينتصر لحق الله، ويعفو عن حقه. كما قال
أنس بن مالك: (( خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر
سنين ، فما قال لي : أف قط . وما قال لي لشيء فعلته : لم فعلته ؟
ولا لشيء لم أفعله: لم لا فعلته؟ وكان بعض أهله إذا عتبنى على شيء
يقول: دعوه لو قضى شيء لكان)) . فهذا فى العفو عما يتعلق بحقوقه
٣٦٩

وأما فى حدود اللّه، فلما شفع عنده أسامة بن زيد - وهو الحب ابن
الحب ، وكان هو أحب إليه من أنس ، وأعز عنده - في امرأة سرقت
شريفة أن يعفو عن قطع يدها : غضب ، وقال : يا أسامة ! أتشفع
فى حد من حدود الله؟! إنما أهلك من كان قبلكم. أنهم كانوا إذا
سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد،
والذي نفس محمد بيده لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها)).
فغضب على أسامة لما شفع في حد لله، وعفا عن أنس في حقه .
وكذلك لما أخبره أسامة أنه قتل رجلا بعد أن قال : لا إله إلا الله:
قال ((أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله، فما زال يكررها حتى قلت :
ليته سكت )) .
والأحاديث والآثار فى استحباب العفو عن الظالم ، وأن أجره
بذلك أعظم كثيرة جداً . وهذا من العلم المستقر في فطر الآدميين .
وقد قال تعالى لنبيه :
(خُذِالْعَفْوَ وَأَمُرُ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ
اُلْجَهِلِينَ) فأمره أن يأخذ بالعفو فى أخلاق الناس ، وهو ما يقر من
ذلك. قال ابن الزبير : أمر الله نبيه أن يأخذ بالعفو من أخلاق الناس،
وهذا كقوله: (وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَايُنفِقُونَ قُلِ اَلْعَفْوَ ) من أموالهم. هذا
من العفو ، ويأمر بالمعروف ويعرض عن الجاهلين . وهذه الآية فيها
جماع الأخلاق الكريمة : فإن الإنسان مع الناس إما أن يفعلوا معه غير
٣٧٠

ما يحب ، أو ما يكره . فأمر أن يأخذ منهم ما يحب ما سمحوا به ، ولا
يطالبهم بزيادة . وإذا فعلوا معه ما يكره أعرض عنهم، وأما هو فيأمرهم
بالمعروف . وهذا باب واسع .
وسئل رحم الله
عن الرجل يكون له على الرجل دين فيجحده ، أو يغصبه شيئاً .
ثم يصيب له مالاً من جنس ماله . فهل له أن يأخذ منه مقدار حقه؟
فأجاب : وأما إذا كان لرجل عند غيره حق من عين أو دين .
فهل يأخذه أو نظيره ، بغير إذنه ؟ فهذا نوعان :
أحدهما : أن يكون سبب الاستحقاق ظاهرا لا يحتاج إلى إثبات ،
مثل استحقاق المرأة النفقة على زوجها ، واستحقاق الولد أن ينفق عليه
والده ، واستحقاق الضيف الضيافة على من نزل به ، فهنا له أن يأخذ
بدون إذن من عليه الحق بلا ريب ؛ كما ثبت فى الصحيحين أن هند
بنت عتبة بن ربيعة قالت: يا رسول الله ! : إن أبا سفيان رجل شحيح،
وإنه لا يعطينى من النفقة ما يكفيني ، وبني. فقال: ((خذي ما يكفيك،
وولدك بالمعروف )) فأذن لها أن تأخذ نفقتها بالمعروف بدون إذن وليه .
٣٧١

وهكذا من على أنه غصب منه ماله غصبا ظاهرا يعرفه الناس ،
فأخذ المغصوب ، أو نظيره من مال الغاصب . وكذلك لو كان له دين
عند الحاكم وهو يمطله ، فأخذ من ماله بقدره، ونحو ذلك .
والثانى: ألا يكون سبب الاستحقاق ظاهرا . مثل أن يكون
قد جحد دينه ، أو جحد الغصب ، ولا بينة للمدعى . فهذا
فيه قولان :
أحدهما : ليس له أن يأخذ وهو مذهب مالك ، وأحمد .
والثانى: له أن يأخذ، وهو مذهب الشافعي (١). وأما أبو حنيفة
رحمه الله تعالى فيسوغ الأخذ من جنس الحق؛ لأنه استيفاء ، ولا
يسوغ الأخذ من غير الجنس ؛ لأنه معاوضة فلا يجوز إلا برضا الغريم.
والجوزون يقولون : إذا امتنع من أداء الواجب عليه ثبتت المعاوضة
بدون إذنه للحاجة ؛ لكن من منع الأخذ مع عدم ظهور الحق استدل
بما فى السنن عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال :
((أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا نخن من خانك)) وفي المسند عن
بشير بن الخصاصية أنه قال : يا رسول الله ! إن لنا جيراناً لا يدعون
لنا شاذة ، ولا فاذة، إلا أخذوها، فإذا قدرنا لهم على شيء أنأخذه؟
(١) نسخة وأبي حنيفة .
٣٧٢

قال: ((لا، أد الأمانة إلى من انتمنك، ولا نخن من خانك)). وفى
السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قيل له: ((إن أهل الصدقة
يعتدون علينا، أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا؟ قال: لا.))
رواه أبو داود وغيره .
فهذه الأحاديث تبين أن [ حق ] المظلوم فى نفس الأمر إذا كان
[سببه ليس]ظاهرا، [و](١) أخذه خيانة، لم يكن له ذلك، وإن كان هو
يقصد أخذ نظير حقه ؛ لكنه خان الذي انتمنه ، فإنه لما سلم إليه ماله
فأخذ بعضه بغير إذنه ، والاستحقاق [ ليس ] ظاهرا كان خاتنا. وإذا
قال : أنا مستحق لما أخذته فى نفس الأمر ، لم يكن ما ادعاه ظاهرا
معلوما . وصار كما لو تزوج امرأة فأنكرت نكاحه ، ولا بينة له ،
فإذا قهرها على الوطء من غير حجة ظاهرة ، فإنه ليس له ذلك . ولو
قدر أن الحاكم حكم على رجل بطلاق امرأته بدينة اعتقد صدقها ،
وكانت كاذبة فى الباطن ، لم يكن له أن يطأها لما هو الأمر عليه
فى الباطن .
فإن قيل لا ريب أن هذا يمنع منه ظاهراً، وليس له أن يظهر
ذلك قدام الناس ؛ لأنهم مأمورون بإنكار ذلك ؛ لأنه حرام في الظاهر ؛
لكن الشأن إذا كان يعمل سرا فيما بينه وبين الله ؟
قيل : فعل ذلك سرا يقتضى مفاسد كثيرة منهي عنها ، فإن فعل
(١) اضيفت حسب مفهوم السياق
٣٧٣

ذلك فى مظنة الظهور والشهرة ، وفيه ألا يتشبه به من ليس حاله
كماله فى الباطن ، فقد يظن الإنسان خفاء ذلك ، فيظهر مفاسد كثيرة،
ويفتح أيضا باب التأويل . وصار هذا كالمظلوم الذي لا يمكنه الانتصار
إلا بالظلم ، كالمقتص الذي لا يمكنه الاقتصاص إلا بعدوان ، فإنه لا يجوز
له الاقتصاص . وذلك أن نفس الخيانة محرمة الجنس . فلا يجوز استيفاء
الحق بها ؛ كما لو جرعه خمرا ، أو تلوط به ، أو شهد عليه بالزور :
لم يكن له أن يفعل ذلك ؛ فإن هذا محرم الجنس . والخيانة من
جنس الكذب .
فإن قيل : هذا ليس بخيانة؛ بل هو استيفاء حق . والنبى صلى
الله عليه وسلم نهى عن خيانة من خان ، وهو أن يأخذ من ماله مالا
يستحق نظيره . قيل هذا ضعيف لوجوه :
أحدها : أن الحديث فيه أن قوما لا يدعون لنا شاذة ولا فاذة
إلا أخذوها. أفنأخذ من أموالهم بقدر ما يأخذون؟ فقال: ((لا،
أد الأمانة إلى من انتمنك . ولا نخن من خانك)). وكذلك قوله فى
حديث الزكاة: أفنكتم من أموالنا بقدر ما يأخذون منا؟ فقال: ((لا)).
الثانى: أنه قال: ((ولا تخن من خانك)). ولو أراد بالخيانة الأخذ على
طريق المقابلة لم يكن فرق بين من خانه ومن لم يخنه ، وتحريم مثل
٣٧٤

هذا ظاهر، لا يحتاج إلى بيان وسؤال. وقد قال: ((ولا تخن من
خانك )، فعلم أنه أراد أنك لا تقابله على خيانته ، فتفعل به مثل ما فعل
بك. فإذا أودع الرجل مالاً محانه فى بعضه ، ثم أودع الأول نظيره ففعل
به مثل مافعل، فهذا هو المراد بقوله: ((ولا نخن من خانك)).
الثالث : أن كون هذا خيانة لا ريب فيه ، وإنما الشأن فى جوازه
على وجه القصاص ؛ فإن الأمور منها ما يباح فيه القصاص كالقتل ،
وقطع الطريق، وأخذ المال . ومنها مالا يباح فيه القصاص : كالفواحش،
والكذب، ونحو ذلك. قال تعالى في الأول: (وَجَزَّؤُأْسَيِئَةٍ سَيِّئَّةٌ
مِثْلُهَا ). وقال: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَاعُوقِبْتُمبِهِ ) . وقال :
﴿ فَمَنِ أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَّدَى عَلَيْكُمْ ).
فأباح العقوبة
والاعتداء بالمثل. فلما قال ههنا: ((ولا تخن من خانك)) علم أن
هذا مما لا يباح فيه العقوبة بالمثل .
وسئل رحمه الله
عن رجل مديون وله عند صاحب الدين بضاعة ، والثمن سبعون
درهما ، ومقدار البضاعة تسعون درهما ، وقد توفى المديون ، واحتاط
على موجوده ، فأراد صاحب الدين أن يطلع الورثة على البضاعة .
٣٧٥

فاختشى أن يأخذوها ، ولم يوصلوه إلى حقه ، وإن أخفاها فيبقى إثم
فرطها عليه ، ويخاف أن يطالب بغير البضاعة ؟
فأجاب : يبيعها ويستوفى من الثمن ماله فى ذمة الميت من الأجرة
والثمن ، وما بقي يوصله إلى مستحق تركته . وإذا حلفوه فله أن يحلف
أنه ليس له عندي غير هذا ، وإن أحب أن يشتري بضاعة مثل تلك
البضاعة ، ويحلف أنه لا يستحق عنده إلا هذا. بشرط أن نكون
البضاعة مثل تلك ، أو خيراً منها .
وسئل
عن رجل له مال غصب ، أو مطل في دين ، ثم مات . فهل
تكون المطالبة له فى الآخرة ؟ أم للورثة ؟ أفتونا مأجورين .
فأجاب : أما من غصب له مال ، أو مطل به ، فالمطالبة فى الآخرة
له . كما ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:
((من كانت لأخيه عنده مظلمة فى دم أو مال أو عرض ، فليستحلل من
قبل أن يأتى يوم لا دينار فيه ، ولا درهم ، فإن كانت له حسنات أخذ
من حسناته ، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه ،
فألقيت عليه )).
٣٧٦

فبين النبى صلى الله عليه وسلم أن الظلامة إذا كانت في المال
طالب المظلوم بها ظالمه ، ولم يجعل المطالبة لورثته ، وذلك أن الورثة
يخلفونه فى الدنيا، فما أمكن استيفاؤه في الدنيا كان للورثة ، وما لم
يمكن استيفاؤه فى الدنيا ، فالطالب به في الآخرة المظلوم نفسه . والله أعلم.
ومئل
عن قوم دخل في زرعهم جاموسان . فعرقبوها فماتا ، وقد يمكن
دفعها بدون ذلك ، فما يجب عليهم ؟ وما يجب على أرباب المواشي من
حفظها ؟ وعلى أرباب الزرع من حفظه ؟
فأجاب : ليس لهم دفع البهائم الداخلة إلى زرعهم إلا بالأسهل ،
فالأسهل . فإذا أمكن إخراجها بدون العرقبة فعرقبوها عزروا على تعذيب
الحيوان بغير حق . وعلى العدوان على أموال الناس بما يردعهم عن
ذلك، وضمنوا للمالك بدلهما .
وعلى أهل الزرع حفظ زرعهم بالنهار ، وعلى أهل المواشى حفظ
مواشيهم بالليل ، كما قال بذلك النبى صلى الله عليه وسلم.
٣٧٧

وسئل
عن المال المغصوب من الإبل وغيرها إذا نمت عند الغاصب ثم تاب،
كيف يتخلص من المال . وهل هو حرام ؟ أم لا ؟
فأجاب : أعدل الأقوال فى ذلك : أن يجعل نماء المال بين المالك
والعامل ، كما لو دفعه إلى من يقوم عليه بجزء من نمائه ، ثم إن الأصل
ونصيب المالك إذا تعذر دفعه إلى مالكه ، صرفه في مصالح المسلمين.
وسئل
عمن غصب شاة، ثم تراضى هو ومالكها. هل يجوز أكلها ؟
فأجاب : نعم إذا تراضى هو ومالكها جازاً كلها .
٣٧٨

وسئل رحم الله
عن غلام فى بده فرس فطلعت نعامة من إصطبل ، وهجمت على
الخيل ، والغلام ماسك الفرس، واثنان قعود، فرفس أحدهما وتوفى، فما
يجب على الغلام ؟ وما يجب على صاحب الفرس ؟.
فأجاب : إذا رفسته برجلها فلا ضمان على الغلام ، ولا على صاحب
الفرس ؛ بل الفرس باق على ملك صاحبه ، وهذا مذهب جمهور الأثمة ؛
كمالك ، وأبى حنيفة ، وأحمد وغيرهم .
وفى السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الرجل
جبار)) وقال الشافعي : يضمن ما ضربه برجله إذا كان على الفرس
راكب ، أو قائد ، أو سائق ، كما وافقه أحمد وغيره على ذلك فى اليد.
وأما إذا لم يفرط الغلام الذي هو ممسك للفرس ، فلا ضمان عليه باتفاق
العلماء ، مثل أن تجفل الفرس ، ويحذر القريب منها . فيقول : حاذروا.
فإذا قال ذلك فمن رفست منهما كان هو المفرط ، ولم يكن على أحد
ضمان باتفاق الأئمة ، والله أعلم .
٣٧٩

وسئل رحمه الله
من حمل كبير مربوط على الربيع ، وإلى جانبه قعود صغير لآخر
غير صاحب الجمل الكبير ، ثم غاب أصحاب الجملين، فانقلب الكبير على
الصغير فقتله . فما حكمه ؟ .
فأجاب : إذا كان صاحب الجمل الكبير لم يفرط في منعه فلا ضمان
عليه ، مثل أن يكون قيده القيد الذي يمنعه . وأما إذا كان قد فرط
بأن قيده قيداً خفيفاً، لا يمنعه، فعليه ضمان ما أتلفه. والله أعلم.
٣٨٠