Indexed OCR Text

Pages 321-340

وسئل رحمه اللّه
عن رجل اشترى بهيمة بثمن بعضه حلال وبعضه حرام ، فأي شيء
يحكم به الشرع؟ .
فأجاب : إذا كان اشتراها بثمن بعضه له ، وبعضه مغصوب ، فنصفها
ملكه، والنصف الآخر لا يستحقه ؛ بل يدفعه إلى صاحبه إن أمكن ،
وإلا تصدق به عنه، فإن حصل من ذلك نماء كان حكمه حكم الأصل : نصفه
له ونصفه للجهة الأخرى . والله أعلم .
وسل
عن جارية لسيدة تطلب لنفسها زركشاً على لسان سيدتها ، ثم إن
الجارية طلبت على لسان سيدتها خاتما، وأنكرت السيدة والجارية معترفة؟.
فأجاب : إذا كانت طلبت على لسان سيدتها ولم تكن أذنت لها
كانت الجارية غاصبة ، قابضة لذلك بغير حق ، فإذا تلف في يدها فضمانه
فى رقبة الجارية، وسيدتها بالخيار بين أن تفتديها فتؤدى قيمة ما أخذته
وبين أن تسلمها لتباع ، ويؤخذ من تمنها ذلك . والله أعلم .
٣٢١

وسئل قدس الذروهم
عن الأموال التى تقبض بطريق المناهب التى تجري بين الأعراب ، إذا
كان فيها حيوان تناسل، وعين حصل فيها ربح، أو شجر أثمر. هل النسل
والربح للغاصب؛ لكونه هو الذي يرعى الحيوان ، ويتجر فى العين ،
ويسقي الشجر ؟ أم للمالك المغصوب منه ؟ والأموال التى بأيدى هؤلاء
الأعراب . هل تزكى ؟ أم لا؟ وإذا تاب الغاصب وقد جهل المالك ؟
ما حكمه ؟ هل بتصدق بالجميع أو البعض ؟ وهل تصح التوبة من الزنا
والسرقة. ونحو ذلك؟ وفي أقوام من الأحمدية وغيرهم ممن يحضر سماع
الغناء والملاهي ، ويمسكون الحيات ، ويدخلون النار ولا يحترقون . وإذا
لم يعطوا من الزكاة غضبوا وتوجهوا على المانع لهم ، ويقولون : هذه في
إبلك ، هذه فى غنمك، فى كذا ... ويموت بعض الابل والغنم ، فيقولون :
هذه بخواطرنا . فهل يجوز إعطاء هؤلاء من الزكاة خوفاً منهم ؟ أو
لغير ذلك ؟ .
فأجاب : الحمد لله رب العالمين. أما المال المغصوب إذا عمل فيه
الغاصب حتى حصل منه نماء : ففيه أقوال للعلماء : هل النماء للمالك
٣٢٢

وحده ؟ أو يتصدقان به ؟ أو يكون بينهما كما يكون بينهما إذا عمل فيه
بطريق المضاربة، والمساقاة ، والمزارعة، وكما يدفع الحيوان إلى من يعمل عليه
بجزء من دره، ونسله، أو يكون للعامل أجرة مثله إن كانت عادتهم
جارية بمثل ذلك ، كما فعل عمر بن الخطاب لما أقرض أبو موسى الأشعري
ابنيه من مال الفىء مائتى ألف درهم ، وخصها بها دون سائر المسلمين .
ورأى عمر بن الخطاب أن ذلك محاباة لما لا تجوز، وكان المال قد ريح
ربحاً كثيرا ، بلغ به المال ثمانمائة ألف درهم ، فأمرها أن يدفعا المال
وربحه إلى بيت المال، وأنه لا شيء لهما من الريح، لكونها قبضا المال
بغير حق . فقال له ابنه عبد الله: إن هذا لا يحل لك؛ فإن المال لو
خسر وتلف كان ذلك من ضماتنا ، فلماذا تجعل علينا الضمان ، ولا تجعل
لنا الربح ؟ فتوقف عمر . فقال له بعض الصحابة : يجعله مضاربة بينهم
وبين المسلمين : لهما نصف الريح ، وللمسلمين نصف الريح ، فعمل
عمر بذلك .
وهذا مما اعتمد عليه الفقهاء فى المضاربة وهو الذي استقر عليه قضاء
عمر بن الخطاب ، ووافقه عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وهو العدل ؛ فإن النماء حصل بمال هذا ، وعمل هذا ، فلا يختص
أحدهما بالريح، ولا تجب عليهم الصدقة بالنماء ؛ فإن الحق لما لا يعدوهما؛
بل يجعل الريح بينهما ، كما لو كانا مشتركين شركة مضاربة .
٣٢٣

وهكذا الذي يعمل على ماشية غيره أو بستانه أو أرضه ،
حتى يحصل بمزروع أو در ، أو نسل ؛ لكن من العلماء من لا يجوز
العمل هنا بجزء من النماء ، وإنما تجوز عنده الإجارة. وأصح قولي
العلماء : أنها تجوز المساقاة ، وتجوز المزارعة ، سواء كان البذر من
المالك ، أو من العامل ، أو منها ، كما عامل النبى صلى الله عليه وسلم
أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع ، على أن يعمروها من
أموالهم . رواه البخاري في صحيحه .
وكذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كسعد بن أبى
وقاص ، وعبد الله بن مسعود ، وغيرهما كانوا يدفعون إلى من يزرعها
ليبذر من عنده ، والزرع بينهما ، وكان عامة بيوت المهاجرين ،
والأنصار مزارعين .
والنبى صلى الله عليه وسلم نهى عن المخابرة التى كانوا يفعلونها،
وهو أنهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة بعينها ، كما ثبت ذلك
فى الصحيحين ، وهذا الذي نهى عنه النبى صلى الله عليه وسلم
محرم باتفاق العلماء ، كما لو شرط فى المضاربة أن يكون لأحدهما درام
مقدرة. وإنما العدل أن يشتركا فيما يرزقه الله من النماء ؛ لهذا جزء شائع
ولهذا جزء شائع، فيشتركان فى المغنم، ويشتركان فى المغرم ، فإن لم
يحصل شيء ذهب نفع مال هذا ونفع بدن هذا .
٣٢٤

فصل
والأموال التى بأبدى هؤلاء الأعراب المتناهبين إذا لم يعرف لها
مالك معين فإنه يخرج زكاتها ، فإنها إن كانت ملكا لمن هي فى بده
كانت زكاتها عليه، وإن لم تكن ملكا له ، ومالكها مجهول لا يعرف،
فإنه يتصدق بها كلها ، فإذا تصدق بقدر زكاتها كان خيراً من أن لا
يتصدق بشيء منها . فإخراج قدر الزكاة منها أحسن من ترك ذلك على
كل تقدير .
وإذا كان ينهب بعضهم بعضاً فإن كان النهب بين طائفتين معروفتين،
فإنه ينظر قدر ما أخذته كل طائفة من الأخرى ، فإن كانوا سواء تقاضيًا،
وأقر كل قوم على ما بأيديهم ، وإن لم يعرف عين المنهوب منه. كما لو
تقاتلوا قتال جاهلية وقتل هؤلاء بعض هؤلاء ، وهؤلاء بعض هؤلاء،
وأتلف هؤلاء بعض أموال هؤلاء ؛ فإن الواجب القصاص بين الطائفتين.
فتقابل النفوس بالنفوس، والأموال بالأموال، فإن فضل لإحدى الطائفتين
على الأخرى شيء طالبتها بذلك .
٣٢٥

وعلى ذلك بدل قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَنْلِ الْحُرُّ بِالْحُرِّ
قال غير واحد من السلف :
وَاُلْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِآلْأُنَ )
نزلت هذه الآية فى قبيلتين من العرب كان بينهما قتال ، فأمر الله
تعالى أن يقاص من القتلى: الحر من هؤلاء بالحر من هؤلاء ، والعبد
بالعبد، والأنثى بالأنثى. ثم قال: (فَمَنْ عُفِى لَهُمِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَأْتِبَاعٌ
بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍ ).
يقول : إن فضل لأحدهما على
الآخر شيء فليؤده إليهم بمعروف ، والتقبعة الأخرى أن يطالبهم به
بإحسان والاتباع هو المطالبة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(مطل الغنى ظلم وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع)).
وهذا لأن الطوائف الممتنعة التى يعين بعضها بعضاً في القتال ، ثم
يكون الضمان فيها على الذي يباشر القتال والأخذ والإتلاف ، وعلى
الرده الذي يعينه عند جمهور العلماء .
ولهذا كان في مذهب الجمهور أن قطاع الطريق بقتل منهم الردء،
والمباشر . وعمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل ربيئة المحاربين ، وهو
الناظر الذي ينظر لهم الطريق . فالمتعاونون على الظلم والعدوان تجب
عليهم العقوبة بالضمان وغيره ، ولهذا قال عامة الفقهاء إن الطائفتين
المقتّلتين على عصبية ورياسة تضمن كل طائفة ما أتلفت للأخرى من
٣٢٦

نفس ومال . فأوجبوا الضمان على مجموع الطائفة ، وإن لم يعرف
عين المتلف .
وإن كان قدر المنهوب مجهولا لا يعرف ما نهب هؤلاء من هؤلاء ،
ولا قدر ما نهب هؤلاء من هؤلاء فإنه يحمل الأمر على التساوى ؛
كمن اختلط فى ماله حلال وحرام ، ولم يعرف أيهما أكثر ، فإنه يخرج
نصف ماله، والنصف الباقى له حلال كما فعل عمر بن الخطاب بالعمال
على الأموال ؛ فإنه شاطرهم . فأخذ نصف أموال عماله على الشام ومصر
والعراق . فإنه رأى أنه اختلط بأموالهم شيء من أموال المسلمين ، ولم
يعرف لا أعيان المملوك ، ولا مقدار ما أخذه هؤلاء من هؤلاء ، ولا
هؤلاء من هؤلاء ؛ بل يجوز أن يكون مع الواحد أقل من حقه ،
وأكثر ، ففى مثل هذا يقر كل واحد على ما فى بدء إذا تاب من
التعاون على الإثم والعدوان، فإن المجهول كالمعدوم يسقط التكليف به،
ويزكى ذلك المال كما يزكيه المالك .
وإن عرف أن فى ماله حلالاً مملوكا ، وحراماً لا يعرف مالكه ،
وعرف قدره، فإنه يقسم المال على قدر الحلال والحرام ، فيأخذ قدر
الحلال، وأما الحرام فيتصدق به عن أصحابه، كما يفعل من عنده أموال
مجهولة الملاك: من غصوب وعوارى وودائع ؛ فإن جمهور العلماء: كمالك،
٣٢٧

وأبي حنيفة ، وأحمد بن حنبل ، وغيرهم يقولون : إنه يتصدق بها .
وهذا هو المأثور في مثل ذلك عن أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم .
وإن لم يعرف مقدار الحلال والحرام فإنه يجعل المال نصفين بأخذ
لنفسه نصفه، والنصف الثانى يوصله إلى أصحابه إن عرفهم ، وإلا
تصدق به .
وما تصدق به فإنه يصرف في مصالح المسلمين : فيعطى منه من يستحق
الزكاة ، ويقرى منه الضيف ، ويعان فيه الحاج، وينفق فى الجهاد ، وفى
أبواب البر التى يحبها الله ورسوله ، كما يفعل بسائر الأموال المجهولة ،
وهكذا يفعل من تاب من الحرام وبيده الحرام لا يعرف مالكه .
وسئل رحمه الله
عن وال وضع يده على عشرين ألف درهم لإنسان ، وثبت عليه
عند حاكم ، وهم يعلمون أن جميع موجوده حرام ، نهب أموال الناس .
فهل يجوز لهم أن يأخذوا من هذا المال عوض ما أخذه لهم لأنهم يعلمون
أن جميع ماله حرام ؟ .
فأجاب : الحمد لله رب العالمين . إن كان جميع ما بيده أخذه من
٣٢٨

الناس بغير حق : مثل أن يأخذ من اللصوص ، وقطاع الطريق بعض
ما يأخذونه من أموال الناس ، ومثل أن يطلب ظلم أقوام فيعطوه ما
يتكف به عن ظلمهم ، ومثل أن يحمى بعض الناس عن مساواة نظرائهم
فيما يطلب منهم ليعطوه رشوة ، ومثل أن يظلم فى حكمه ، أو يعدل
برشوة بأخذها ، ومثل أن يغصب مال قوم بافتراء يفتريه عليهم ، ومثل
أن يهدر دماء المقتولين برشوة من القاتلين . فهذه الأموال ونحوها هي
مستحقة لأصحابها . كاللص الذي يسرق أموالاً ، ويخلط بعضها ببعض .
فإن ذلك لا يحرمها على أصحابها ؛ بل يقتسمون الأموال بينهم على قدر
حقوقهم ، وإن جهل عين مال الرجل لكونه باعه ، ونحو ذلك فعوضه
يقوم مقامه . ومن اكتسب بهذه الأموال بتجارة ونحوها فقيل : الريح
لأرباب الأموال . وقيل له : إذا اشترى فى ذمته . وقيل : بل بتصدقان
به؛ لأنه ربجُ خبيث . وقيل : بل يقسم الريح بينه وبين أرباب الأموال
كالمضاربة . كما فعل عمر بن الخطاب فى المال الذي أقرضه أبو موسى
الأشعري لابنيه دون العسكر . وهذا أعدل الأقوال .
وإذا كان كذلك فأهل الأموال يقتسمون ما وجدوه على قدر حقوقهم؛
فإن ذلك إما عين أموالهم، وإما وفاء ديونهم الثابتة فى ذمته ؛ بل الحق
أن حقوقهم متعلقة بالأمرين جميعاً بذمته ، وبالأموال . فأما إذا لم يعرف
مقدار ما غصبه ، ولا أعيان الغرماء كلهم : فمن أخذ منهم من هذه
٣٢٩

الأموال قدر حقه، ، لم يحكم بأن ذلك حرام ؛ لا سيما إذا كان قد
اتجر فى الأموال التى بيده ، فإنه يستحق حينئذ أكثر من قدر حقه ؛
لكن يخاف أن تكون الأموال التى بيده نضيق عن حقوق جميع المستحقين ،
لكن المجهول منهم الذي لا يعلم صار كالمعدوم ، فإن كان الذي يأخذ قدر
حقه له. ولم يظلم سائر الغرماء المعروفين، لم محكم بتحريم ما أخذه ؛
لكن إن ظهر فيما بعد غرماء ، ولهم قسط من ماله كان لهم
المطالبة بقدر حقوقهم ، فمن استولى على المال يؤخذ من كل واحد
بقدر ما استولى ، والله أعلم .
وقال رحم الله
سئلت عن قوم أخذت لحم غنم أو غيرها من المال ، ثم ردت
عليهم أو بعضها، وقد اشتبه ملك بعضهم ببعض .
فأجبتهم : أنه إن عرف قدر المال تحقيقا قسم الموجود بينهم على
قدره ، وإن لم يعرف إلا عدده قسم على العدد ؛ لأن المالين إذا
اختلطا قسما بينهما ، وإن كان يدفع لكل منهم عن ماله ما كان للآخر؛
لأن الاختلاط جعلهم شركاء؛ لا سيما على أصلنا أن الشركة تصح بالعقد ،
مع امتياز المالين ؛ لكن الاشتباه فى الغنم ونحوها يقوم مقام الاختلاط
في المائعات .
٣٣٠

وعلى هذا فينبغي أنه إذا اشتركا فيما يتشابه من الحيوان والثياب
أنه يصح ، كما لو كان رأس المال حرام، إذا صححناها بالعروض ،
وإذا كانوا شركاء بالاختلاط والاشتباه فعند القسمة بقسم على قدر
المالين ، فإن كان المردود جميع مالهم فظاهر ، وإن كان بعضه فذلك
البعض هو بعض المشترك ، كما لو رد بعض الدرام المختلطة .
يبقى إن كان حيواناً . فهل يجب قسمته أعياناً عند طلب بعضهم
قولا واحداً ، أو يخرج على القولين فى الحيوان المشترك ؟ فالأشبه خروجه
على الخلاف ؛ لأنه إذا كان لأحدهما عشرة رؤوس ، وللآخر عشرون،
فما وجد فلأحدهما ثلثه، وللآخر ثلثاء كذلك . لكن المحذور فى هذه
المسألة أن مال كل منهما إن عرف قيمته فظاهر ، وإن لم يعرف إلا
عدده مع أن غنم أحدهما قد تكون غيرا من غنم الآخر فالواجب
عند تعذر معرفة رجحان أحدهما على الآخر التسوية ؛ لأن الضرورة
تلجئ إلى التسوية . وعلى هذا فسواء اختلط غنم أحدهما بالآخر
عمدا أو خطأ ، يقسم المالان على العدد إن لم يعرف الرجحان .
وإن عرف وجهل قدره أثبت منه القدر المتيقن وأسقط الزائد المشكوك
فيه ؛ لأن الأصل عدمه .
٣٣١

وسئل رحمه الله
هل يجوز له أن يخرق ثوبه كما يخرق ثوبه ؟
فأجاب : وأما القصاص في إتلاف الأموال مثل أن يخرق ثوبه ،
فيخرق ثوبه المائل له ، أو يهدم داره فيهدم داره ، ونحو ذلك . فهذا
فيه قولان للعلماء ، مما روايتان عن أحمد :
أحدهما : أن ذلك غير مشروع ؛ لأنه إفساد ، ولأن العقار والثياب
غير مماثلة .
والثانى : أن ذلك مشروع ؛ لأن الأنفس والأطراف أعظم قدراً
من الأموال ، وإذا جاز إتلافها على سبيل القصاص ؛ لأجل استيفاء
المظلوم ، فالأموال أولى . ولهذا يجوز لنا أن نفسد أموال أهل الحرب،
إذا أفسدوا أموالنا ، كقطع الشجر المثمر .
وإن قيل بالمنع من ذلك لغير حاجة ، فهذا فيه نزاع ؛ فإنه إذا
أتلف له ثيابا أو حيواناً أو عقارا ونحو ذلك: فهل يضمنه بالقيمة ؟ أو
يضمنه بجنسه مع القيمة ؟ على قولين معروفين للعلماء . وهما قولان فى
٣٣٢

مذهب الشافعي ، وأحمد . فإن الشافعي قد نص على أنه إذا هدم داره
بناها كما كانت ، فضمنه بالمثل . وقد روي عنه في الحيوان نحو ذلك ،
وكذلك أحمد يضمن أولاد المغرور بجنسهم في المشهور عنه، وإذا اقترض
حيواناً رد مثله فى المنصوص عنه .
وقصة داود وسليمان هي من هذا الباب ؛ فإن داود عليه السلام
قد ضمن أهل الحرث الذي نفشت فيه غنم القوم بالقيمة ، وأعطام
الماشية مكان القيمة . وسليمان عليه السلام أمرهم أن يعمروا الحرث
حتى يعود كما كان ، وينتفعوا بالماشية بدل ما فاتهم من منفعة الحرث .
وبهذا أفتى الزهري لعمر بن عبد العزيز لما كان قد اعتدى بعض بنى
أمية على بستان له فقلعوه، وسألوه ما يجب فى ذلك ؟ فقال : يغرسه
كما كان . فقيل له : إن ربيعة وأبا الزناد قالا: يجب القيمة ، فتكلم
الزهري فيها بكلام مضمونه : أنهما خالفا السنة .
ولا ريب أن ضمان المال بجنسه مع اعتبار القيمة أقرب إلى العدل
من ضمانه بغير جنسه ، وهو الدرام والدنانير مع اعتبار القيمة ؛ فإن
القيمة معتبرة فى الموضعين ، والجنس مختص بأحدهما ، ولا ريب أن
الأغراض متعلقة بالجنس ، وإلا فمن له غرض في كتاب أو فرس أو
بستان ما يصنع بالدرام ؟ فإن قيل : يشتري بها مثله ، قيل : الظالم
الذي فوته ماله هو أحق بأن يضمن له مثل ما فوته إياه ؛ أو نظير
ما أفسده من ماله .
٣٣٣

وسل
عن تجار أخذم حرامية ، ثم ردوا عليهم من المال شيئاً . فهل
من عرف شيئاً من ماله يأخذه ؟ أو يقسم على رؤوس الأموال
المأخوذة بالسوية إلخ ؟
فأجاب: الحمد لله. أما من وجد ماله بعينه، فهو أحق به ، وأما
الذين عدمت أموالهم فيتقاسمون ما غرمه الحرامية لهم على قدر أموالهم؛
لا على عدد الرؤوس . والله أعلم .
وسئل
عن عسكر نزلوا مكاناً باتوا فيه ، فجاء أناس سرقوا لهم قماشا ،
فلحقوا السارق ، فضربه أحدم بالسيف ، ثم حمل إلى مقدم العسكر ،
ثم مات بعد ذلك .
فأجاب : إذا كان هذا هو الطريق فى استرجاع ما مع السارق لم
يلزم الضارب شيء. وقد روى ابن عمر : أن لما دخل داره ، فقام
٣٣٤

إليه بالسيف ، فلولا أنهم ردوه عنه لضربه بالسيف . وفى الصحيحين :
(( من قتل دون ماله فهو شهيد)) .
وسئل
عما قدمه للسلطان من المغصوب إلخ ؟
فأجاب : أما ما قدمه للسلطان من المغصوب ، وأعطاء ما أعطاء ،
فليتصدق بقدر ذلك المغصوب عن صاحبه ، إن لم يعرفه ، وكذلك ما
أهداء للأمير أو عوضه عنه .
وسئل رحم الله
عن رجل يطحن في طواحين السلطان يستأجرها ، وهو يعلم أن
بعضها ما هو غصب ، وفى رجل يعمل فى زرع السلطان هل نصبه منه
حلال وما يكسبه الأول من الطاحون ؟
فأجاب : أما الأراضي السلطانية ، والطواحين السلطانية التى لم
يعلم أنها مغصوبة ، فيجوز للإنسان أن يعمل فيها مزارعة ، بنصيب
من الزرع . ويجوز أن يستأجرها ، ويجوز أن يعمل فيها بأجرته
٣٣٥

مع الضمان .
وأما إذا علم أنها مغصوبة ، ولم يعرف لها مالك معين ؛ فهذه فيها
نزاع . والأظهر أنه يجوز العمل فيها إذا كان العامل لا يأخذ إلا أجرة
عمله ، فإنه حينئذ لا يكون قد ظلم أحداً شيئاً، فالعمل فيها خير من
تعطيلها على كل تقدير . وهذا إن أمكن أن ترد إلى أصحابها، وإلا
صرفت في مصالح المسلمين ؛ والمجهول كالمعدوم .
وأما إذا عرف أن للأرض مالكا معيناً ، وقد أخذت منه بغير
حق، فلا يعمل فيها بغير إذنه ، أو إذن وليه، أو وكيله. والله أعلم.
وسئل
عمن يطلب منهم كلف يجمعونها من أهل البلد ، فإذا كانوا سووا
بين الناس فيما طلب منهم ، وهم مغصوبون فى ذلك . فهل عليهم إثم ؟
فأجاب : بل هذه الكلف التى تطلب من الناس بحق ، أو بغير
حق ، يجب العدل فيها ، ويحرم أن يوفر فيها بعض الناس ، ويجعل
قسطه على غيره ، ومن قام فيها بنية العدل ، وتخفيف الظلم مهما أمكن،
وإعانة الضعيف لئلا يتكرر الظلم عليه بلا نية إعانة الظالم : كان كالمجاهد
فى سبيل الله، إذا بحرى العدل، وابتغى وجه الله.
٣٣٦

وقال الشيخ الإمام العالم العلامة
شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية الحرانى قدس الله روحه
ونور ضريحه بمنه وكرمه :
الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور
أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل
فلا هادي له ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ونشهد
أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم تسليما (١) .
فصل
فى ((المظالم المشتركة)) التى تطلب من الشركاء ، مثل المشتركين
في قرية، أو مدينة ، إذا طلب منهم شيء يؤخذ على أموالهم أو رؤوسهم:
مثل الكلف السلطانية التى توضع عليهم كلهم ؛ إما على عدد رؤوسهم،
أو عدد دوابهم، أو عدد أشجارهم ، أو على قدر أموالهم ، كما يؤخذ
منهم أكثر من الزكوات الواجبة بالشرع ، أو أكثر من الخراج الواجب
بالشرع ، أو تؤخذ منهم الكلف التى أحدثت في غير الأجناس الشرعية،
(١) ((المظالم المشتركة)).
٣٣٧

كما يوضع على المتبايعين للطعام والثياب والدواب والفاكهة، وغير
ذلك : يؤخذ منهم إذا باعوا . ويؤخذ ذلك تارة من البائعين . وتارة
من المشترين ، وإن كان قد قيل : إن بعض ذلك وضع بتأويل وجوب
الجهاد عليهم بأموالهم، واحتياج الجهاد إلى تلك الأموال ، كما ذكره
صاحب ( غياث الأمم ) وغيره ، مع ما دخل فى ذلك من الظلم الذي
لا مساغ له عند العلماء .
ومثل الجبايات التى يجببها بعض الملوك من أهل بلده ، كل مدة .
ويقول: إنها مساعدة له على ما يريد ، ومثل ما يطلبه الولاة أحياناً
من غير أن يكون راتباً؛ إما لكونهم جيشاً قادمين يجمعون ما يجمعونه
لجيشهم ، وإما لكونهم يجمعون لبعض العوارض: كقدوم السلطان ،
أو حدوث ولد له ، ونحو ذلك. وإما أن ترعى عليهم سلع تباع منهم
بأكثر من أثمانها، وتسمى ((الحطائط)). ومثل القافلة الذين يسيرون
حجاجا ، أو تجارا ، أو غير ذلك . فيطلب منهم على عدد رؤوسهم أو
دوابهم أو قدر أموالهم ؛ أو يطلب مطلقا منهم كلهم ، سواء كان
الطالب ذا السلطان في بعض المدائن والقرى ، كالذين يقعدون على
الجسور وأبواب المدائن ، فيأخذون ما يأخذونه . أو كان الآخذون
قطاع طريق : كالأعراب ، والأكراد والترك الذين بأخذون مكوساً
من أبناء السبيل ، ولا يمكنونهم من العبور حتى يعطوم ما يطلبون .
فهؤلاء المكرهون على أداء هذه الأموال عليهم لزوم العدل فيما
٣٣٨

يطلب منهم، وليس لبعضهم أن يظلم بعضا فيما يطلب منهم ؛ بل عليهم
التزام العدل فيما يؤخذ منهم بغير حق ، كما عليهم التزام العدل فيما
يؤخذ منهم بحق ، فإن هذه الكلف التى أخذت منهم بسبب نفوسهم ،
وأموالهم، هى بمنزلة غيرها بالنسبة إليهم . وإنما يختلف مالها بالنسبة إلى
الأخذ ، فقد يكون أخذا بحق ، وقد يكون أخذا بباطل .
وأما المطالبون بها فهذه كلف تؤخذ منهم بسبب نفوسهم وأموالهم.
فليس لبعضهم أن يظلم بعضا في ذلك : بل العدل واجب لكل أحد
على كل أحد فى جميع الأحوال ، والظلم لا يباح شيء منه بحال ، حتى
إن الله تعالى قد أوجب على المؤمنين أن يعدلوا على الكفار فى قوله
تعالى: (كُونُواْ قَوَّمِينَ لِلّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِ مَنَّككُمْ شَنَكَانُ قَوْمٍ عَلَى
أَلَّا تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ).
والمؤمنون كانوا يعادون
الكفار بأمر الله فقال تعالى [مبيّنا](١): لا يحملكم بغضكم للكفار على أن
لا تعدلوا عليهم ، بل اعدلوا عليهم فإنه أقرب للتقوى .
وحينئذ فهؤلاء المشتركون ليس لبعضهم أن يفعل ما به ظلم غيره ؛
بل إما أن يؤدي قسطه فيكون عادلا ، وإما أن يؤدي زائداً على قسطه
فيعين شركاءه بما أخذ منهم فيكون محسناً . وليس له أن يمتنع عن أداء
قسطه من ذلك المال امتناعا يؤخذ به قسطه من سائر الشركاء ،
فيتضاعف الظلم عليهم : فإن المال إذا كان يؤخذ لا محالة ، وامتنع بجاه
(١) اضيفت حسب مفهوم السياق
٣٣٩

أو رشوة أو غيرهما : كان قد ظلم من يؤخذ منه القسط الذي يخصه .
وليس هذا بمنزلة أن يدفع عن نفسه الظلم من غير ظلم لغيره ؛ فإن
هذا جائز : مثل أن يمتنع عن أداء ما يخصه فلا يؤخذ ذلك منه ،
ولا من غيره .
وهذا كالوظائف السلطانية التى توضع على القرى مثل أن يوضع
عليهم عشرة آلاف درهم ، فيطلب من له جاه بامرة أو مشيخة أو رشوة
أو غير ذلك أن لا يؤخذ منه شيء ، وهم لابد لهم من أخذ جميع
المال ، وإذا فعل ذلك أخذ ما يخصه من سائر الشركاء ، فيمتنع من
أداء ما ينوبه ، ويؤخذ من سائر الشركاء ؛ فإن هذا ظلم منه لشركائه ؛
لأن هذا لم يدفع الظلم عن نفسه إلا بظلم شركائه ، وهذا لا يجوز .
وليس له أن يقول : أنا لم أظلمهم ؛ بل ظلمهم من أخذ منهم الحصتين؛
لأنه يقال (أولاً) : هذا الطالب قد يكون مأموراً ممن فوقه أن يأخذ
ذلك المال ، فلا يسقط عن بعضهم نصيبه إلا أخذه من نصيب ذلك الآخر ،
فيكون أمره بأن لا يأخذ أمراً بالظلم .
(الثاني ): أنه لو فرض أنه الآمر الأعلى فعليه أن يعدل بينهم فيما يطلبه
منهم ، وإن كان أصل الطلب ظلماً فعليه أن يعدل فى هذا الظلم ، ولا
يظلم فيه ظلماً ثانيا فيبقى ظلماً مكرراً ، فإن الواحد منهم إذا كان
قسطه مائة فطولب بماتين ، كان قد ظلم ظلماً مكرراً ، بخلاف ما إذا
٣٤٠