Indexed OCR Text

Pages 261-280

قيل : يجوز ، كقول الشافعي . وقيل : لا يجوز ، كقول أبى حنيفة ،
وصاحبيه؛ لأنه ريح فيما لم يضمن؛ لأن المنافع لم يضمنها . وقيل :
إن أحدث فيها عمارة باز، وإلا فلا . والأول أصح ؛ لأنها مضمونة
عليه بالقبض ، بمعنى أنه إذا لم يستوفها تلفت من ضمانه ، لامن
ضمان المؤجر ، كما لو تلف الثمر بعد بدو صلاحه ، والتمكن من
جذاذه ؛ ولكن إذا تلفت العين المؤجرة كانت المنافع تالفة من ضمان
المؤجر ؛ لأن المستأجر لم يتمكن من استيفائها ، فيفرق بين ما قبل
التمكن وبعده .
فصل
وأما إذا استأجر أرضا للازدراع ، فأصابتها آفة ، فإذا تلف
الزرع بعد تمكن المستأجر من أخذه ، مثل أن يكون في البيدر ،
فيسرقه اللص ، أو يؤخر حصاده عن الوقت حتى يتلف . فهنا يجب
على المستأجر الأجرة .
وأما إذا كانت الآفة مانعة من الزرع ، فهنا لا أجرة عليه
بلا نزاع .
وأما إذا نبت الزرع ولكن الآفة منعته من تمام صلاحه ، مثل
٢٦١

نار أو ريح أو برد ، أو غير ذلك ، مما يفسده ، بحيث لو كان هناك
زرع غيره لأتلفته . فهنا فيه قولان :
أظهرها : أن يكون من ضمان المؤجر ؛ لأن هذه الآفة أتلفت
المنفعة المقصودة بالعقد ؛ لأن المقصود بالعقد المنفعة التى يثبت بها
الزرع حتى يتمكن من حصاده ، فإذا حصل للأرض ما يمنع هذه
المنفعة مطلقا بطل المقصود بالعقد قبل التمكن من استيفائه .
ومثل هذا لو كانت الأرض سبخة فتلف الزرع ، أو كانت إلى
جانب بحر أو نهر فأتلف الماء تلك الأرض ، قبل كمال الزرع ، ونحو
ذلك. ففي هذه الصور كلها تتلف من ضمان المؤجر . وليس على المستأجر
أجرة ما تعطل الانتفاع به . كما لو ماتت الدابة المستأجرة ، أو انقطع
الماء ، ولم يمكن الانتفاع بها في شيء من المنفعة المقصودة بالعقد ،
وأمثال هذه الصور. وليس هذا مثل أن يسرق ماله ، أو يحترق من
الدار ؛ فإن المنفعة المقصودة بالعقد لم تتغير ، فإنه يمكن أن ينتفع بها
هو وغيره ؛ بأن يحفظها من اللص أو الحريق .
ونظير ذلك أن يتلف المال الذي اكترى الدابة لحمله ؛ فإن الأجرة
عليه ؛ بخلاف ما إذا كانت الآفة مانعة من الانتفاع مطلقا له ولغيره ؛
فإن هذا بمنزلة موت الدابة ، واحتراق الدار المؤجرة . ونظير سرقة
٢٦٢

متاعه من الدار : أن يسرق سارق زرعه . وأما إذا جاء جيش عام ،
فأفسد الزرع ، فهذه آفة سماوية ؛ فإن هذا لا يمكن تضمينه : ولا
الاحتراز منه . ونظيره أن يجيء جيش عام فيخرج الناس من مساكهم
التى يسكنونها .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك
له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما (١) .
فصل
فى (( وضع الجوائح)) فى المبايعات والضمانات والمؤاجرات مما تمس
الحاجة إليه . وذلك داخل فى ((قاعدة تلف المقصود المعقود عليه قبل
التمكن من قبضه )) .
(١) مسأله فى وضع الجوائح.
٢٦٣

قال الله تعالى فى كتابه: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ
بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِحَرَةً عَن ◌َاضٍ مِّنْكُمْ) وقال تعالى: (وَلَا
تَأْكُوْ اْأَمْوَ لَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَآ إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَلِ
النَّاسِ بِآلْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ )
وقال تعالى - فيما ذم به بني
إسرائيل - (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ - إلى قوله - وَأَخْذِ هِمُ الْرِّبَواْ وَقَدْ نُهُواْ
عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَلَ النَّاسِ بِالْبَطِلِ ).
ومن أكل أموال الناس بالباطل أخذ أحد العوضين بدون تسليم
العوض الآخر ؛ لأن المقصود بالعهود والعقود المالية هو التقابض، فكل
من العاقدين بطلب من الآخر تسليم ما عقد عليه ؛ ولهذا قال تعالى :
( وَتَّقُواْاللّهُالَّذِى تَسَآءَ لُونَ بِهِ ) أي تتعاهدون ، وتتعاقدون ، وهذا
هو موجب العقود ومقتضاها ؛ لأن كلا من المتعاقدين أوجب على نفسه
بالعقد ما طلبه الآخر ، وسأله منه .
فالعقود موجبة للقبوض ؛ والقبوض هي المسؤولة المقصودة المطلوبة ؛
ولهذا تتم العقود بالتقابض من الطرفين ، حتى لو أسلم الكافران
بعد التقابض في العقود التى يعتقدون صحتها ، أو تحاكما إلينا ، لم نتعرض
لذلك لانقضاء العقود بموجباتها ؛ ولهذا نهى عن بيع الكالي بالكالي :
لأنه عقد وإيجاب على النفوس بلا حصول مقصود لأحد الطرفين ولا لهما؛
ولهذا حرم الله الميسر الذي منه بيع الغرر. ومن الغرر ما يمكنه قبضه،
٢٦٤

وعدم قبضه : كالدواب الشاردة ؛ لأن مقصود العقد - وهو القبض -
غير مقدور عليه .
ولهذا تنازع العلماء فى ((بيع الدين على الغير)»، وفيه عن أحمد
روايتان ، وإن كان المشهور عند أصحابه منعه .
وبهذا وقع التعليل في بيع الثمار قبل بدو صلاحها، كما فى
الصحيحين عن أنس بن مالك: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
نهى عن بيع الثمار حتى تزهى)) قيل: وما تزهى؟ قال: ((حتى
تحمر)) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أرأيت إذا منح الله
الثمرة ، بم يأخذ أحدكم مال أخيه ؟! ، وفى لفظ أنه : ((نهى عن
بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها ، وعن النخل حتى يزهو ؟ قيل : وما
يزهو ؟ قال: يحمار ويصفار)) وفى لفظ أن النبى صلى الله عليه وسلم:
((نهى عن بيع الثمر حتى تزهو فقلت لأنس: ما زهوها ؟ قال :
تحمر وتصفر ، أرأيت إن منع اللّه الثمر، بم تستحل مال أخيك؟))
وهذه ألفاظ البخاري. وعند مسلم ((نهى عن بيع تمر النخل حتى
يزهو)) وعنده أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إن لم يثمرها
اللّه فيم يستحل أحدكم مال أخيه؟ )) قال أبو مسعود الدمشقي :
جعل مالك والدراوردي قول أنس : أرأيت إن منع الله الثمرة -
من حديث النبي صلى الله عليه وسلم . أدرجاء فيه، ويرون أنه غلط .
٢٦٥

وفيما قاله أبو مسعود نظر .
وهذا الأصل متفق عليه بين المسلمين ، ليس فيه نزاع ، وهو من
الأحكام التى يجب انفاق الأمم والملل فيها في الجملة ؛ فإن مبنى ذلك
على العدل والقسط الذي تقوم به السماء والأرض ، وبه أنزل الله
الكتب، وأرسل الرسل، كما قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَارُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ
وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ).
وذلك أن المعاوضة كالمبايعة ، والمؤاجرة مبناها على المعادلة ، والمساواة
من الجانبين ، لم يبذل أحدهما ما بذله إلا ليحصل له ما طلبه . فكل
منهما آخذ معط ، طالب مطلوب . فإذا تلف المقصود بالعقد المعقود عليه
قبل التمكن من قبضه - مثل تلف العين المؤجرة ، قبل التمكن من
قبضها ، وتلف ما بيع بكيل أو وزن قبل تمييزه بذلك وإقباضه ونحو
ذلك - لم يجب على المؤجر أو المشتري أداء الأجرة أو الثمن .
ثم إن كان التلف على وجه لا يمكن ضمانه - وهو التلف بأمر
سماوي - بطل العقد ، ووجب رد الثمن إلى المشتري إن كان قبض
منه ، وبريء منه إن لم يكن قبض . وإن كان على وجه يمكن فيه
الضمان ، وهو أن يتلفه آدمي يمكن تضمينه، فللمشتري الفسخ لأجل
تلفه قبل التمكن من قبضه ، وله الإمضاء لإمكان مطالبة المتلف . فإن
٢٦٦

فسخ كانت مطالبة المتلف للبائع ، وكان للمشتري مطالبة البائع بالثمن
إن كان قبضه ، وإن لم يفسخ كان عليه الثمن ، وله مطالبة المتلف ؛
لكن المتلف لا يطالب إلا بالبدل الواجب بالإتلاف ، والمشتري لا يطالب
إلا بالمسمى الواجب بالعقد .
ولهذا قال الفقهاء من أصحابنا وغيرهم : إن المتلف إما أن يكون هو
البائع ، أو المشتري، أو ثالثاً ، أو يكون بأمر سماوي ، فإن كان هو
المشتري فإتلافه كقبضه يستقر به العوض . وإن كان بأمر سماوي
انفسخ العقد . وإن كان ثالثا فالمشتري بالخيار . وإن كان المتلف
هو البائع فأشهر الوجهين أنه كإتلاف الأجنبى. والثانى أنه كالتلف السماوي .
وهذا الأصل مستقر فى جميع المعاوضات إذا تلف المعقود عليه قبل
التمكن من القبض تلفا لا ضمان فيه انفسخ العقد ، وإن كان فيه الضمان
كان فى العقد الخيار . وكذلك سائر الوجوه التى يتعذر فيها حصول
المقصود بالعقد من غير إياس : مثل أن يغصب المبيع أو المستأجر غاصب،
أو يفلس البائع بالثمن ، أو يتعذر فيها ما تستحقه الزوجة من النفقة .
والمتعة ، والقسم، أو ما يستحقه الزوج من المتعة ونحوها ، ولا ينتقض
هذا بموت أحد الزوجين ؛ لأن ذلك تمام العقد ونهايته ، ولا بالطلاق
قبل الدخول ؛ لأن نفس حصول الصلة بين الزوجين أحد مقصودي
ء
العقد ؛ ولهذا ثبتت به حرمة المصاهرة فى غير الربيبة .
٢٦٧

فصل
والأصل فى أن تلف المبيع والمستأجر قبل التمكن من قبضه
ينفسخ به العقد: من السنة: ما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد
الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لو بعت من أخيك
تمراً فأصابته بائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً ، بم تأخذ مال
أخيك بغير حق؟)) وفى رواية أخرى: ((أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم أمر يوضع الجوائح».
فقد بين النبى صلى الله عليه وسلم فى هذا الحديث الصحيح أنه
إذا باع ثمراً ، فأصابته جائحة فلا يحل له أن يأخذ منه شيئاً . ثم بين
سبب ذلك وعلته فقال: ((بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟)) وهذا
دلالة على ما ذكره الله فى كتابه من تحريم أكل المال بالباطل ، وأنه
إذا تلف المبيع قبل التمكن من قبضه كان أخذ شيء من الثمن أخذ
ماله بغير حق ؛ بل بالباطل ، وقد حرم الله أكل المال بالباطل ؛
لأنه من الظلم المخالف للقسط الذي تقوم به السماء والأرض . وهذا
الحديث أصل في هذا الباب .
٢٦٨

والعلماء وإن تنازعوا فى حكم هذا الحديث - كما سنذكره،
واتفقوا على أن تلف المبيع قبل التمكن من القبض ببطل العقد، ويحرم
أخذ الثمن - فلست أعلم عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا صحيحاً
صريحاً فى هذه القاعدة وهي: (( أن تلف المبيع قبل التمكن من القبض
ببطل العقد )) غير هذا الحديث .
وهذا له نظائر متعددة ، قد ينص النبى صلى الله عليه وسلم
نصا يوجب قاعدة، ويخفى النص على بعض العلماء حتى يوافقوا غيرهم
على بعض أحكام تلك القاعدة ، ويتنازعوا فيما لم يبلغهم فيه النص :
مثل اتفاقهم على المضاربة ، ومنازعتهم فى المساقاة ، والمزارعة . وهما
ثابتان بالتص ، والمضاربة ليس فيها نص ، وإنما فيها عمل الصحابة
رضي الله عنهم .
ولهذا كان فقهاء الحديث يؤصلون أصلا بالنص ، ويفرعون عليه
- لا ينازعون فى الأصل المنصوص ويوافقون فيما لا نص فيه -
ويتولد من ذلك ظهور الحكم المجمع عليه ؛ لهيبة الاتفاق فى القلوب ،
وأنه ليس لأحد خلافه .
وتوقف بعض الناس فى الحكم المنصوص . وقد يكون حكمه أقوى
من المتفق عليه . وإن خفي مدركه على بعض العلماء فليس ذلك بمانع
٢٦٩

من قوته في نفس الأمر ، حتى يقطع به من ظهر له مدركه .
ووضع الجوائح من هذا الباب ، فإنها ثابتة بالنص ، وبالعمل
القديم الذي لم يعلم فيه مخالف من الصحابة والتابعين ، وبالقياس الجلي
والقواعد المقررة ؛ بل عند التأمل الصحيح ليس فى العلماء من يخالف
هذا الحديث على التحقيق .
وذلك أن القول به هو مذهب أهل المدينة قديماً ، وحديثاً ،
وعليه العمل عندهم من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زمن مالك
وغيره ، وهو مشهور عن علمائهم : كالقاسم بن محمد ، ويحيى بن سعيد
القاضي ، ومالك وأصحابه ، وهو مذهب فقهاء الحديث : كالإمام أحمد
وأصحابه ، وأبى عبيد ، والشافعي فى قوله القديم . وأما في القول الجديد
فإنه علق القول به على ثبوته؛ لأنه لم يعلم صحته ، فقال رضي الله عنه:
لم يثبت عندي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح،
ولو ثبت لم أعده ، ولو كنت قائلا بوضعها لوضعتها فى القليل والكثير .
فقد أخبر أنه إنما لم يجزم به ؛ لأنه لم يعلم صحته . وعلق القول به
على ثبوته ، فقال : لو ثبت لم أعده. والحديث ثابت عند أهل الحديث
لم يقدح فيه أحد من علماء الحديث؛ بل محجوه، ورووه في الصحاح والسنن،
رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه والإمام أحمد . فظهر وجوب القول به
٢٧٠

على أصل الشافعي أملا .
وأما أبو حنيفة فإنه لا يتصور الخلاف معه فى هذا الأصل على الحقيقة؛
لأن من أصله : أنه لا يفرق بين ما قبل بدو الصلاح وبعده ، ومطلق
العقد عنده وجوب القطع في الحال . ولو شرط التبقية بعد بدو الصلاح
لم يصح عنده؛ بناء على ما رآه من أن العقد موجب التقابض فى الحال ،
فلا يجوز تأخيره ؛ لأنه شرط يخالف مقتضى العقد ، فإذا تلف الثمر
عنده بعد البيع والتخلية فقد تلف بعد وجوب قطعه ، كما لو تلف عند
غيره بعد كمال صلاحه . وطرد أصله في الإجارة ، فعنده لا يملك المنافع
فيها إلا بالقبض شيئاً فشيئاً، لا تملك بمجرد العقد وقبض العين ؛ ولهذا
بفسخها بالموت وغيره .
ومعلوم أن الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم متواترة فى
التفريق بين ما بعد بدو الصلاح ، وقبل بدوه ، كما عليه جماهير العلماء
حيث نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار . حتى يبدو صلاحها ،
وذلك ثابت فى الصحاح من حديث ابن عمر ، وابن عباس، وجابر ، وأنس،
وأبى هريرة . فلو كان أبو حنيفة ممن يقول ببيع الثمار بعد بدو صلاحها
مبقاة إلى كمال الصلاح ظهر النزاع معه .
والذين ينازعون فى وضع الجوائح لا ينازعون فى أن المبيع إذا
٢٧١

تلف قبل التمكن من القبض يكون من ضمان البائع ؛ بل الشافعي
أشد الناس فى ذلك قولا ؛ فإنه يقول: إذا تلف قبل القبض ، كان
من ضمان البائع فى كل مبيع ، ويطرد ذلك فى غير البيع . وأبو حنيفة
يقول به فى كل منقول . ومالك وأحمد القائلان بوضع الجوائح يفرقان
بين ما أمكن قبضه كالعين الحاضرة ، وما لم يمكن قبضه ؛ لما روى
البخاري من رواية الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: (( مضت السنة
أن ما أدركته الصفقة حباً مجموعا فهو من مال المشتري)).
وأما النزاع في أن تلف الثمر قبل كمال صلاحه تلف قبل التمكن
من القبض أم لا ؟ فإنهم يقولون : هذا تلف بعد قبضه ؛ لأن قبضه
حصل بالتخلية بين المشتري وبينه ؛ فإن هذا قبض العقار وما يتصل به
بالاتفاق ؛ ولأن المشتري يجوز تصرفه فيه بالبيع وغيره ، وجواز التصرف
يدل على حصول القبض ؛ لأن التصرف في المبيع قبل القبض لا يجوز،
فهذا سر قولهم .
وقد احتجوا بظاهر من أحاديث معتضدين بها . مثل ما رواه مسلم
فى صحيحه عن أبى سعيد قال: أصيب رجل فى عهد رسول الله صلى
الله عليه وسلم فى تمار ابتاعها ، فكثر دينه فقال رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم ((تصدقوا عليه)) فتصدق الناس عليه ، فلم يبلغ ذلك
وفاء دينه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لغرماته: ((خذوا ما
٢٧٢

وجدتم وليس لكم إلا ذلك)) ومثل ما روي فى الصحيحين أن امرأة
أنت النى صلى الله عليه وسلم فقالت: إن انى اشترى ثمرة من
فلان ، فأذهبتها الجائحة ، فسأله أن يضع عنه ، فتألى ألا يفعل .
فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((تألى أن لا يفعل خيرا)).
ولا دلالة فى واحد من الحديثين . أما الأول : فكلام مجمل ، فإنه
حكى أن رجلا اشترى تماراً فكثرت ديونه ، فيمكن أن السعر كان
رخيصا فكثر دينه لذلك. ويحتمل أنها تلفت أو بعضها بعد كمال الصلاح
أو حوزها إلى الجرين ، أو إلى البيت ، أو السوق . ويحتمل أن يكون
هذا قبل نهيه أن تباع الثمار قبل بدو صلاحها . ولو فرض أن هذا كان
مخالفا لكان منسوخا ؛ لأنه باق على حكم الأصل ، وذاك ناقل عنه ،
وفيه سنة جديدة فلو خولفت لوقع التغيير مرتين .
وأما الحديث الثانى فليس فيه إلا قول النبى صلى الله عليه وسلم:
((تألى ألا يفعل خيراً، والخير قد يكون واجبا ، وقد يكون مستحبا،
ولم يحكم عليه لعدم مطالبة الخصم ، وحضور البينة ، أو الإقرار ، ولعل
التلف كان بعد كمال الصلاح .
وقد اعترض بعضهم على حديث الجوائح بأنه محمول على بيع الثمر
قبل بدو صلاحه ، كما فى حديث أنس . وهذا باطل لعدة أوجه .
٢٧٣

( أحدها) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا بعت
من أخيك ثمرة فأصابتها جائحة)) والبيع المطلق لا ينصرف إلا إلى
البيع الصحيح .
(والثانى ) أنه أطلق بيع الثمرة، ولم يقل قبل بدو صلاحها . فأما تقيده
ببيعها قبل بدو صلاحها فلا وجه له .
( الثالث ) أنه قيد ذلك بحال الجائحة ، وبيع الثمر قبل بدو صلاحه
لا يجب فيه ثمن بحال .
( الرابع ) أن المقبوض بالعقد الفاسد مضمون ، فلو كان الثمر
على الشجر مقبوضا لوجب أن يكون مضمونا على المشتري فى العقد
الفاسد . وهذا الوجه يوجب أن يحتج بحديث أنس على وضع الجوائح
فى البيع الصحيح كما توضع فى البيع الفاسد؛ لأن ماضمن فى الصحيح ضمن
فى الفاسد ، وما لا يضمن فى الصحيح لا يضمن فى الفاسد .
وأما قولهم : إنه تلف بعد القبض فممنوع ، بل نقول : ذلك تلف
قبل تمام القبض وكماله ، بل وقبل التمكن من القبض ؛ لأن البائع عليه
تمام التربية من سقي الثمر ، حتى لو ترك ذلك لكان مفرطا ، ولو فرض
أن البائع فعل ما يقدر عليه من التخلية ، فالمشتري إنما عليه أن يقبضه
على الوجه المعروف المعتاد . فقد وجد التسليم دون تمام التسلم . وذلك
٢٧٤

أحد طرفى القبض . ولم يقدر المشتري إلا على ذلك . وإنما على المشتري
أن يقبض المبيع على الوجه المعروف المعتاد الذي اقتضاه العقد ، سواء
كان القبض مستعقبا للعقد ، أو مستأخراً . وسواء كان جملة ،
أو شيئا فشيئا .
ونحن نطرد هذا الأصل فى جميع العقود ، فليس من شرط القبض
أن يستعقب العقد ؛ بل القبض يجب وقوعه على حسب ما اقتضاه العقد؛
لفظا، وعرفا ؛ ولهذا يجوز استثناء بعض منفعة المبيع مدة معينة ، وإن
تأخر بها القبض على الصحيح ، كما يجوز بيع العين المؤجرة ، ويجوز
بيع الشجر ، واستثناء تمره للبائع، وإن تأخر معه كمال القبض . ويجوز
عقد الإجارة لمدة لا تلي العقد .
وسر ذلك أن القبض هو موجب العقد فيجب فى ذلك ما أوجبه
العاقدان بحسب قصدها الذي يظهر بلفظها وعرفها ؛ ولهذا قلنا إن
شرطا تعجيل القطع جاز إذا لم يكن فيه فساد يحظره الشرع ، فإن
المسلمين عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما أوحرم حلالا . وإن أطلقا
فالعرف تأخير الجذاذ والحصاد إلى كمال الصلاح .
وأما استدلالهم بأن القبض هو التخلية ، فالقبض مرجعه إلى عرف
الناس ، حيث لم يكن له حد فى اللغة ولا في الشرع . وقبض تمر الشجر
٢٧٥

لا بد فيه من الخدمة والتخلية المستمرة إلى كمال الصلاح ؛ بخلاف قبض
مجرد الأصول . ونخلية كل شيء بحسبه . ودليل ذلك المنافع فى
العين المؤجرة .
وأما استدلالهم بجواز التصرف فيه بالبيع ، فعن أحمد في هذه
المسألة روايتان :
( إحداهما ) لا يجوز بيعه ما دام مضمونا على البائع؛ لأنه بيع ما لم
يقبض فلا يجوز . وعلى هذا يمنع الحكم فى الأصل .
( والرواية الثانية ) يجوز التصرف . وعلى هذه الرواية فذلك
بمنزلة منافع الإجارة بأنها لو تلفت قبل الاستيفاء كانت من ضمان المؤجر
بالاتفاق ، ومع هذا فيجوز التصرف فيها قبل القبض ، وذلك لأنه فى
الموضعين حصل الإقباض الممكن، فجاز التصرف فيه باعتبار التمكن ،
ولم يدخل فى الضمان؛ لانتفاء كماله وتمامه الذي به يقدر المشتري والمستأجر
على الاستيفاء وعلى هذا فعندنا لا ملازمة بين جواز التصرف والضمان :
بل يجوز التصرف بلا ضمان كما هنا . وقد يحصل الضمان بلا جواز
تصرف ، كما فى المقبوض قبضا فاسدا، كما لو اشترى قفيزا من صبرة،
فقبض الصبرة كلها ، وكما فى الصبرة قبل نقلها على إحدى الروايتين .
اختارها الخرقي . وقد يحصلان جميعا. وقد لا يحملان جميعا .
٢٧٦

ولنا فى جواز إيجار العين المؤجرة بأكثر من أجرتها روايتان ؛
لما فى ذلك من ربح ما لم يضمن . ورواية ثالثة: إن زاد فيها عمارة جازت
زيادة الأجرة ، فتكون الزيادة فى مقابلة الزيادة . فالروايتان في بيع الثمار
المشتراة نظير الروايتين فى إيجار العين المؤجرة . ولو قيل فى الثمار :
إنما يمنع من الزيادة على الثمن ، كرواية المنع فى الإجارة لتوجه ذلك.
وبهذا الكلام يظهر المعنى في المسئلة ، وإن ذلك تلف قبل التمكن
من القبض المقصود بالعقد ، فيكون مضمونا على البائع ، كتلف المنافع
قبل التمكن من قبضها : وذلك لأن التخلية ليست مقصودة لذاتها ، وإنما
مقصودها تمكن المشتري من قبض المبيع ، والثمر على الشجر ليس
بمحرز ولا مقبوض ؛ ولهذا لا قطع فيه . ولا المقصود بالعقد كونه على
الشجر ؛ وإنما المقصود حصاده وجذاذه ، ولهذا وجب على البائع ما به
يتمكن من جذاذه وسقيه ، والأجزاء الحادثة بعد البيع داخلة فيه ، وإن
كانت معدومة ، كما ندخل المنافع في الإجارة ، وإن كانت معدومة .
فكيف يكون المعدوم مقبوضاً قبضا مستقراً موجبا لانتقال الضمان ؟ !.
٢٧٧

فصل
وعلى هذا الأصل تتفرع المسائل . فالجائحة هي الآفات السماوية
التى لا يمكن معها تضمين أحد: مثل الريح والبرد والحر والمطر ، والجليد
والصاعقة، ونحو ذلك، كما لو تلف بها غير هذا المبيع . فإن أنلفها
آدمي يمكن تضمينه ، أو غصبها غاصب ، فقال أصحابنا كالقاضي وغيره:
هي بمنزلة إتلاف المبيع قبل التمكن من قبضه ، يخير المشتري بين
الإمضاء والفسخ كما تقدم . وإن أتلفها من الآدميين من لا يمكن
ضمانه كالجيوش التى تنهبها ، واللصوص الذين يخربونها : فخرجوا
فيه وجهين :
(أحدهما) ليست بائحة لأنها من فعل آدمي . ( والثانى) وهو قياس
أصول المذهب أنها جائحة ، وهو مذهب مالك . كما قلنا مثل ذلك فى
منافع الإجارة ، لأن المأخذ إنما هو إمكان الضمان ؛ ولهذا لو كان
المتلف جيوش الكفار ، أو أهل الحرب ، كان ذلك كالآفة السماوية .
والجيوش واللصوص وإن فعلوا ذلك ظلما، ولم يمكن تضمينهم : فهم
بمنزلة البرد فى المعنى . ولو كانت الجائحة قد عيبته ولم تتلفه فهو كالعيب
٢٧٨

الحادث قبل التمكن من القبض ، وهو كالعيب القديم يملك به ، أو
الأرش حيث يقول به .
وإذا كان ذلك بمنزلة تلف المبيع قبل التمكن من قبضه ، فلا فرق
بين قليل الجائحة وكثيرها فى أشهر الروايتين . وهي قول الشافعي ،
وأبى عبيدة وغيرهما من فقهاء الحديث ؛ لعموم الحديث والمعنى .
( والثانية ) أن الجائحة الثلث فما زاد ، كقول مالك ؛ لأنه لابدمن
تلف بعض الثمر فى العادة ، فيحتاج إلى تقدير الجائحة ، فتقدر بالثلث ،
كما قدرت به الوصية والنذر ومواضع فى الجراح وغير ذلك ؛ لأن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الثلث ، والثلث كثير)).
وعلى الرواية الأولى يقال : الفرق مرجعه إلى العادة ، فما جرت
العادة بسقوطه أو أكل الطير أو غيره له فهو مشروط في العقد ،
والجائحة ما زاد على ذلك ؛ وإذا زادت على العادة وضعت جميعها ، وكذلك
إذا زادت على الثلث ، وقلنا بتقديره فإنها توضع جميعها. وهل الثلث
مقدر بثلث القيمة ، أو ثلث المقدار ؟ على وجهين . وهما قولان فى
مذهب مالك .
٢٧٩

فصل
والجوائح موضوعة فى جميع الشجر عند أصحابنا ، وهو مذهب مالك.
وقد نقل عن أحمد أنه قال : إنما الجوائح فى النخل ، وقد تأوله القاضي
على أنه أراد إخراج الزرع والخضر من ذلك، ويمكن أنه أراد أن لفظ
الجوائح الذي جاء به الحديث هو فى النخل ، وباقى الشجر ثابتة بالقياس
لا بالنص ؛ فإن شجر المدينة كان النخل . وأما الجوائح فيما يبتاع من
الزرع ففيه وجهان ذكرهما القاضى وغيره.
(أحدهما ) لا جائحة فيها . قال القاضي : وهذا أشبه ، لأنها لا تباع
إلا بعد تكامل صلاحها وأوان جذاذها ؛ بخلاف الثمرة فإن بيعها جائز
بمجرد بدو الصلاح، ومدته تطول . وعلى هذا الوجه حمل القاضى كلام
أحمد : إنما الجوائح فى النخل - يعنى لما كان ببغداد - وقد سئل عن
جوائح الزرع فقال : إنما الجوائح في النخل . وكذلك مذهب مالك
أنه لا جائحة في الثمرة إذا يبست ، والزرع لا جائحة فيه كذلك ، لأنه إنما
يباع يابسا ، وهذا قول من لا يضع الجوائح فى الثمر. كأبى حنيفة
والشافعي فى القول الجديد المعلق .
( والوجه الثانى ) فيها الجائحة كالثمرة . وهذا هو الذي قطع به
٢٨٠