Indexed OCR Text

Pages 241-260

ثم من هؤلاء من جوز ذلك ، إذا كان البياض هو المقصود ،
والشجر تابع . كما يذكر عن مالك . ومن هؤلاء من يجوز الاحتيال
على ذلك ، بأن يؤجر الأرض ويساقى على الشجر بجزء من الخارج منه؛
ولكن هذا إن شرط فيه أحد العقدين في الآخر لم يصح ، وإن لم
يشترطا كان لرب البستان أن يلزمه بالأجرة عن الأرض بدون المساقاة .
وأكثر مقصود الضامن هو الثمر ، وهي جزء كبير من مقصوده . وقد
يكون المكان وقفا ، ومال يتيم ، فلا مجوز المحاباة فى مساقاته .
وهذه الحيلة وإن كان القاضى أبو يعلى ذكرها فى كتاب ((إبطال
الحيل)) موافقة لغيره فالمنصوص عن أحمد أنها باطلة . وقد بينا بطلان
الحيل - التى يكون ظاهرها مخالفا لباطنها ، ويكون المقصود بها فعل
ما حرم الله ورسوله ؛ كالحيل على الربا، وعلى إسقاط الشفعة، وغير
ذلك - بالأدلة الكثيرة فى غير هذا الموضع .
ومن العلماء من جوز الضمان للأرض والشجر مطلقا ، وإن كان
الشجر مقصودا ، كما ذكر ذلك ابن عقيل، وهذا القول أصح ،
وله مأخذان .
أحدهما : أنه إذا اجتمع الأرض والشجر ، فتجوز الإجارة لهما
جميعا لتعذر التفريق بينهما فى العادة .
٢٤١

والمأخذ الثانى: أن هذه الصورة لم تدخل في نهي النبى صلى الله
عليه وسلم؛ فإن رب الأرض لم يبع تمره بلا أجر أصلا، والفرق
بينهما من وجوه :
أحدها: أنه لو استأجر الأرض جاز ، ولو اشترى الزرع قبل اشتداد
الحب بشرط البقاء لم يجز . فكذلك يفرق في الشجر .
الثاني : أن البائع عليه السقي وغيره مما فيه صلاح الثمرة حتى
يكمل صلاحها ، وليس على المشتري شيء من ذلك . وأما الضامن
والمستأجر فإنه هو الذي يقوم بالسقي والعمل حتى تحصل الثمرة والزرع،
فاشتراء الثمرة اشتراء للعنب والرطب، فإن البائع عليه تمام العمل حتى
يصلح ؛ بخلاف من دفع إليه الحديقة، وكان هو القائم عليها .
الثالث : أنه لو دفع البستان إلى من يعمل عليه بنصف ثمره
وزرعه ، كان هذا مساقاة ومزارعة ، فاستحق نصف الثمر ، والزرع
بعمله ، وليس هذا اشتراء للحب والثمرة .
الرابع: أنه لو أعار أرضه لمن يزرعها ، أو أعطى شجرته لمن
يستغلها ثم يدفعها إليه كان هذا من جنس العارية ؛ لا من جنس
هبة الأعيان .
الخامس : أن ثمرة الشجر من مغل الوقف، كمنفعة الأرض، ولبن
٢٤٢

الظئر . واستئجار الظئر جائز بالكتاب والسنة والإجماع. واللبن لما
كان يحدث شيئا بعد شيء صح عقد الإجارة عليه، كما يصح على المنافع
وإن كانت أعيانا ، ولهذا يجوز للمالك إجارة الماشية للبنها . فإجارة
البستان لمن يستغله بعمله هو من هذا الباب ، ليس هو من باب الشراء.
وإذا قيل : إن فى ذلك غررا . قيل : هو كالغرر فى الإجارة ؛
فإنه إذا استأجر أرضا ليزرعها ، فإنما مقصوده الزرع وقد يحصل ،
وقد لا يحصل ، وقد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه ضمن حديقة أسيد
ابن حضير بعد موته ثلاث سنين ، وأخذ الضمان فصرفه فى دينه ، ولم
ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة .
وأيضا : فإن أرض العنوة لما فتحها المسلمون دفعها عمر إليهم ،
وفيها النخيل والأعناب لمن يعمل عليها بالخراج ، وهذه إجارة عند
أكثر العلماء.
وسل
عن ضمان بساتين ، وأنهم لما سمعوا بقدوم العدو المخذول دخلوا إلى
المدينة ، وغلقت أبواب المدينة ، ولم يبق لهم سبيل إلى البساتين ، ونهب
زرعهم وغلتهم . فهل لهم الإجاحة فى ذلك ؟.
٢٤٣

فأجاب : الخوف العام الذي يمنع من الانتفاع هو من الآفات
السماوية ، وإذا تلفت الزروع بآفة سماوية : فهل توضع الجائحة فيه كما
توضع فى الثمرة ؟ كما نص النبي صلى الله عليه وسلم فى الحديث
الصحيح الذي رواه مسلم ، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم :
((إذا بعت أخاك ثمرة ، فأصابتها جائحة ، فلا يحل لك أن تأخذ من
مال أخيك شيئا ، بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق ؟)) اختلفوا فى
الزرع إذا تلف قبل تمكن المستأجر من حماده . هل توضع فيه
الجائحة ؟ على قولين . أشبهما بالمنصوص والأصول أنها توضع. والله أعلم.
وسل
عن ضمان الإقطاع . هل هو صحيح ؟ أم لا ؟ .
فأجاب: ضمان الإقطاع صحيح ، لا نعلم أحداً من علماء المسلمين
الذين يفتى بقولهم قال : إنه باطل . ولا نعلم أحداً من العلماء المنصفين
قال : إنه باطل . إلا ما بلغنا عن بعض الناس حكى فيه خلافاً : قول بالجواز.
وقول بالمنع . وقول إنه يجوز سنة فقط .
وما زال المسلمون يضمنونه ، ولم يفت أحد بتحريمه إلا بعض أهل
هذا الزمان لشبهة عرضت لهم ؛ لكونهم اعتقدوا أن المقطع بمنزلة
٢٤٤

المستعير ، وغفلوا عن كون المنافع مستحقة لأهل الإقطاع ، لا مبذولة؛
بمنزلة استحقاق أهل البطون للوقف. وإن جاز انفساخ الإجارة بموت
الموقوف عليه، عند من بقول به. والسلطان قاسم لا [ معين ]. وقسمته
للمنافع كقسمة الأموال . وغفلوا من كون السلطان المقطع أذن فى
الانتفاع بالمقطع استغلالا ، وإيجاراً. ولو أذن المعير فى الإجارة جازت
وفاقا ، فكيف الإقطاع ؟! والله أعلم .
وسئل رحم اللّه
عن رجل مستأجر نصف بستان مشاعاً غير مقسوم ، وقد تهدمت
الحيطان فانفق المستأجر للنصف ، وصاحب النصف الآخر على العمارة،
وتقاسما الحيطان لينى كل منها ما اقتسماه ، فعمر المستأجر نصيبه ،
وامتنع الآخر حتى سرق أكثر الثمرة . وامتنع من السقي أيضا حتى
تلف أكثر الثمرة ؟ .
فأجاب: الحمد لله. نعم! إذا لم يفعل ما اتفقا عليه حتى تلف شيء
من الثمرة بسبب إهمال ذلك ، فعليه ضمان ما تلف من نصيب شريكه.
وأما إذا امتنع ابتداء من العمارة والسقي معه فإنه يجبر على ذلك فى
أصح قولي العلماء. وفى الآخر لا يجبر؛ لكن للآخر أن يعمر ويسقي .
٢٤٥

ويمنع من لم يعمر ويسقي أن ينتفع بما يحصل من ماله . ومن أصر
على ترك الواجب قدح ذلك فى عدالته .
وسئل
عن إجارة الوقف . هل تجوز سنين ؟ وكل سنة بذاتها ؟ وإذا
قطع المستأجر من الوقف أشجارا هل تلزمه القيمة ؟ أم لا؟ وإذا شرى
الوقف بدون القيمة ، ما يجب عليه ؟ .
فأجاب : إن كان الوقف على جهة عامة جازت إجارته بحسب
المصلحة ، ولا يتوقت ذلك بعدد عند أكثر العلماء .
وما قطعه المستأجر فعليه ضمانه، ولا يجوز للموقوف عليه بيع الوقف؛
بل عليه رد الثمن على المشتري ، والوقف على حاله .
٢٤٦

وسئل رحمه الله
عن أمير دخل على إقطاع وجد فيه فلاحاً مستأجراً إقطاعه بأجرة
واستقر الفلاح المذكور مستأجراً إقطاعه إلى حين انقضائه ، ثم انتقل
الإقطاع إلى غيره ، فوجد المقطع المستجد للفلاح بور بعض الأرض
المستأجرة ، فطالب المقطع المنفصل بخراج البور، وادعى أن الإيجار
المكتب على الفلاح إجارة باطلة بحكم أن بعض الأرض كانت مشغولة
هل ببطل حكم الإيجار؟ أو يصح؟ وهل يلزم البور للمستأجر؟ أم لا؟.
فأجاب : ليس للمقطع الثانى أن يطالب المقطع المنفصل بما بور ،
كما ليس له أن يطالبه بما زرع ، فإن حقه على المستأجر الذي أوجر
الأرض وسلمت إليه ، سواء زرع الأرض ، أو لم يزرعها .
ولكن المقطع مخير إن شاء طالبه بالأجرة التى رضى بها الأول ،
وإن شاء طالبه بأجرة المثل لما تسلمه من المنفعة، وإجارة الأرض لمن
يزرع فيها زرعا وقصبا جائزة ، لكن المقطع الثانى له أن يمضيها ، وله أن
لا يمضيها ، ولو قدر أن الأول آجره إياها إجارة فاسدة ، وسلم إليه
الأرض قبل إقطاع الثانى، لكان على المستأجر ضمان الأرض كلها للمقطع
٢٤٧

الثانى الذي يستحق منفعة الأرض ، سواء زرعها أو لم يزرعها ؛ لأن ما
ضمن بالقبض فى العقد الصحيح ضمن بالقبض فى العقد الفاسد، كما لو
قبض المبيع قبضا فاسداً ، فإن عليه ضمانه . والله أعلم.
وسل
عن أجناد لهم أرض. فآجروها لقوم فلا حين بغلة معينة، ودرام معينة ،
وصيافة ليزرعوها ، أو ينتفعوا بها مدة سنة كاملة، وأن الأجناد قبل انقضاء
ء
السنة عدوا على أغنام الفلاحين ، وأخذوا عن المراعي جملة درام قبل
انقضاء مدة الإجارة ، غصباً باليد القوية . فهل ما يناله الأجناد
حلال ؟ أم حرام ؟ .
فأجاب : إن كان بينها إجارة شرط فيها شروط سائغة : مثل أن
يشترط المستأجر أن ينتفع بجميع ما فى الأرض ، حتى في الكلأ المباح ،
وأعقاب الزرع، وغير ذلك فهذا شرط لازم يجب العمل به ، وكذلك
إن لم يذكر هذا فى الإجارة ؛ لكن كانت الإجارة مطلقة. وهذه هي
العادة ؛ فإن الإجارة المطلقة ، تحمل على المنفعة المعتادة . فإذا كانت
المنفعة تتناول ذلك تناولته الإجارة المطلقة ، فما تناوله لفظ الإجارة ،
أو العرف المعتاد كان للمستأجر .
٢٤٨

وأما إن كانت العادة أن الإجارة المطلقة لا تتناول الكلا المباح، لم
ء
تدخل في الإجارة المطلقة . والله أعلم .
وسئل رحم الله
عن رجل استأجر لرجل أرضاً بطريق شرعية ، مدة معينة ، ثم إن
المستأجر له توفى، وإن الوكيل لما استأجر هذه المدة قدم للمؤجر حق
سنة على بد وكيله، وإن صاحب الأرض ادعى على وارث المستأجر له،
فطلبوا منه تثبيت وكالة المستأجر الوكيل . فهل يجب على المدعي إثبات
الوكالة بعد القبض منه حق سنة ، وأنه هو الذي استغل هذه الأرض
المستأجرة دون الوكيل ؟.
فأجاب : إذا كان الذي ادعى عليه أن الأرض استؤجرت له ،
قد استغل الأرض فقد وجب ضمان المنفعة التى استوفاها ، سواء استؤجرت
أو لم تستأجر ، وإذا لم يعترف أنه استوفاها بطريق الإجارة ، ولا بإذن
المالك والحالة هذه ، فهو غاصب يستحق تعزيره وعقوبته ، تعزيراً يمنعه
وأمثاله من المعتدين عن ظلم الخلق ، وجحد الحق .
وهذا كله إذا لم يكن مما ذكر، وما لم يذكر ما بدل على
الإجارة ، حتى لو ادعى المزدرع أنه إنما زرع بطريق العارية . وقال
٢٤٩

رب الأرض : بل بطريق الإجارة ، فالقول قول رب الأرض ، كما نص
عليه الأثمة مالك وأحمد ، والشافعي ، وغيرهم .
وللشافعي قول في مسئلة الدابة إذا تنازعا ، فقال : أعرتى ، وقال
المالك : بل أكريتك ، فقال فى هذه المسئلة : القول قول الراكب .
فمن أصحابه من سوى بين الصورتين . والمذهب فيها أن القول قول المالك.
ومنهم من فرق ، وقال : الدابة يسمح فى العادة بأن تعار ؛ بخلاف
الأرض ؛ ولهذا قال مالك فى رواية : إن القول قول المالك ، إلا أن
يكون مثله لا يكرى الدواب ، وكذلك قال أبو حنيفة فى الدابة: القول
قول الراكب . وهو قول فى مذهب الإمام أحمد .
وبالجملة: فالصواب الذي عليه الجمهور فى مسئلة الأرض ، أن القول
قول المالك ، فيستحق المطالبة بالأجرة فى هذه الصورة ؛ لكن هل يطالب
بالأجرة التى ادعاها ، أو بأجرة المثل ؟ أو بالأقل منها؟ على ثلاثة أقوال
فى مذهب أحمد وغيره .
٢٥٠

وسل
من فلاح حرث أرضا ، ولم يزرعها، ثم زرعها غيره . فهل يستحق
الإجارة والمقاسمة ؟ أم لا؟ .
فأجاب : إذا كانت الأرض مقاسمة: لرب الأرض سهم ، وللفلاح
سهم، فإنه يقسم نصيب الفلاح بين الحارث والزارع ، على مقدار ما
بذلاه من نفع ومال : والله أعلم .
وسل
عن رجل استأجر من ثلاثة نفر قطعة أرض وبئر ماء معين بأجرة
معلومة ، وزرعها إنسان ، ثم إنه باع النصف من الإنسان المذكور
لأحد المؤجرين ، وبقي على ملكه النصف من الإنسان المذكور ،
ودفع الأجرة للآخرين المذكورين عن حصتها خاصة ، ولم يدفع
للمشترى من الأجرة المذكورة . وعند وفاته أشهد أن جميع ما يخص
المشترى من الأجرة المذكورة باق فى ذمته على حكمه ، ولم يخلف سوى
٢٥١

نصف الإنسان ، وعليه الأجرة المذكورة ، وعليه صداق زوجته .
فهل له أن يأخذ أسوة الشركاء ، أو يحامعهم . ينظر ماله بحكم
غيره ؟ أفتونا .
فأجاب : الأجرة التى كان يستحقها أحد المؤجرين على المستأجر
باقية فى ذمته ؛ ولو لم يقر ببقائها. فإذا أقر ببقائها : كان هذا مؤكدا؛
لكن لغرمائه عليه اليمين أنه لم يبر المستأجر من هذه الأجرة ، لا بوفاء ،
ولا إبراء ، ولا غير ذلك؛ لكن من حين انتقلت لإنسان فلشركائه
مطالبته بحقهم من الأجرة ، من حين انتقلت إليه . وهذه الأجرة دين
من الديون يحاص بها سائر الغرماء .
وسل
عن رجل أقطع فدان لطين ، وتركه بديوان الأحباس ، فزرعه ،
ثم مات الجندي ، فترك عليه غيره ، فمنع من ذلك ، فأخذ توقيع
السلطان المطلق له بأن يجري على عادته ، فمنعه ، وقد زرعه . فهل له
أجرة الأرض ؟ أم الزرع ؟
فأجاب : الحمد لله . إذا كان المقطع أعطاه إياه من إقطاعه ، وخرج
من ديوان الإقطاع إلى ديوان الأحباس الذي لا يقطع ، وأمضى ذلك .
٢٥٢

فليس للمقطع الثانى انتزاعه .
وأما إن كان المقطع الأول تبرع له به من إقطاعه ، وللمقطع
الثانى أن يتبرع، وألا يتبرع: فالأمر موكول للثانى ، والزرع لمن
زرعه، ولصاحب الأرض أجرة المثل، من حين أقطع إلى حين كمال
الانتفاع. وأما قبل إقطاعه فالمنفعة كانت للأول المتبرع؛ لا الثانى. والله أعلم.
وسئل رحم الله
من راعي أبقار سرح بالأبقار ليسقيها من مورد جرت العادة بسقى
الأبقار منها ، فعند فراغ سقي الأبقار لحق إحدى الأبقار مرض من
جهة الله تعالى ، فسقطت في الماء ، فتسبب الناس في إقامتها ، فلم تقم،
نجروها إلى البر لتقوم فلم تقم ، ولم يكن بها ضرب ولا غيره ، فحضر
وكيل مالكها ، وجماعة من الناس ، وشاهدوا ما أصابها، ورأوا ذبحها
مصلحة فذبحوها : فهل يلزم الراعي قيمتها ؟
فأجاب : لا يلزم الراعي شيء إذا لم يكن منه تفريط ولا عدوان؛
بل إن كان الأمر كما ذكروا لا يلزم أيضا من ذبحها شيء ، فإنهم قد
أحسنوا فيما فعلوا ؛ فإن ذبحها خير من تركها حتى تموت . وقد فعل
مثل هذا راع على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينكر
٢٥٣

النبى صلى الله عليه وسلم ذلك ، ولا بين أنه ضامن .
وهو نظير خرق صاحب موسى السفينة لينتفع بها أهلها مرقوعة ؛
فإن ذلك خير لهم من ذهابها بالكلية ، ومثل هذا لو رأى الرجل مال
أخيه المسلم يتلف بمثل هذا ، فأصلحه بحسب الإمكان ، كان مأجوراً
عليه ، وإن نقصت قيمته ، فناقص خير من تالف فكيف إذا كان
مؤتمنا ، كالراعي ونحوه ؟!
وسئل
عن رجل يكون راعى إبل أو غنم ، ثم إن بعض الماشية تمرض،
أو يتسبب لها أمر ، فيدركه الموت - أو غير راع - ثم إنه يذكى
تلك الدابة ، خشية الهلاك على صاحبها فهل يضمن ذلك ؟ أم لا ؟
فأجاب : إذا أدركها الموت فينبغي للراعي أن يذكيها ، ويحسن
في ذلك فإن ذلك خير من أن تموت حتف أنفها، ولا ضمان عليه في
ذلك . والله أعلم.
٢٥٤

وسل
عن راعي غنم تسلم غنما وسلمها لصبيه ، وهو عمره اثنتا عشر
سنة ، فسرح الغنم فذهب منها رأسان. فهل تلزم الصبى الأجير ؟ أم
الراعى الأصلي ؟
فأجاب : يجب ذلك على الذي يسلمها إلى الصبى ، بغير إذن أصحابها .
وسئل
عن ضمان بساتين بدمشق ، وأن الجيش المنصور لما كسر العدو ،
وقدم إلى دمشق ونزل في البساتين، رعى زرعهم، وغلالهم، فاستهلكت
الغلال بسبب ذلك . فهل لهم الإجاحة في ذلك ؟
فأجاب : إتلاف الجيش الذي لا يمكن تضمينه هو من الآفات
السماوية ؛ كالجراد . وإذا تلف الزرع بآفة سماوية قبل تمكن الآخر
من حصاده ، فهل توضع فيه الجائحة ، كما توضع في الثمر المشترى ؟
على قولين للعلماء . أصحهما - وأشههما بالكتاب والسنة والعدل -
وضع الجائحة .
٢٥٥

وسئل رحم اللّه
عمن قال : أضمنه بكذا ، وإن أكله الجراد مثلا ؟
فأجاب : إن هذا الشرط فاسد ، فإنه شرط غرر وهمار ، وإذا
كان مع الشرط قد ضمنه بعوض كان ذلك دون عوض المثل ، إذا
خلا من الشرط .
وحينئذ يفرق بين صحة العقد وفساده على المشهور . فإذا كان
العقد فاسداً كان الواجب رد المقبوض به ، أو قيمته . وإن كان صحيحا
زيد على نصيب الباقي من المسمى بقدر قيمته ، مابين القيمة مع الشرط ،
والقيمة مع عدمه .
فإذا كان المسمى مثلا ألفاً ، والباقي ثلث الثمرة : كان نصيبه ثلث
ما بقي من الألف ، فينظر قيمة الجميع بالشرط ، فيأخذ تسعمائة (١)
ألف ومائتان ، فيزاد على المسمى، ونصيبه ثلثه . والله أعلم.
(١) بياض في الأصل.
٢٥٦

وسئل رحمه الله
عمن استأجر أرضا ، فلم يأتها المطر المعتاد ، فتلف الزرع . هل
توضع الجائحة ؟
فأجاب : أما إذا استأجر أرضا للزرع فلم يأت المطر المعتاد فله
الفسخ باتفاق العلماء ؛ بل إن تعطلت بطلت الإجارة بلا فسخ ،
فى الأظهر .
وأما إذا نقصت المنفعة ، فإنه ينقص من الأجرة بقدر ما نقصت
المنفعة ، نص على هذا أحمد بن حنبل ، وغيره . فيقال : كم أجرة
الأرض مع حصول الماء المعتاد ؟ فيقال: ألف درهم . ويقال كم أجرتها
مع نقص المطر هذا النقص؟ فيقال : خمسمائة درهم . فيحط عن المستأجر
نصف الأجرة المسماة ، فإنه تلف بعض المنفعة المستحقة بالعقد قبل
التمكن من استيفائها ، فهو كما لو تلف بعض المبيع قبل التمكن
من قبضه .
وكذلك لو أصاب الأرض جراد ، أو نار أو جائحة ، أتلف بعض
الزرع ، فإنه ينقص من الأجرة بقدر ما نقص من المنفعة .
وأما ما تلف من الزرع فهو من ضمان مالكه ، لا يضمنه له رب
٢٥٧

الأرض باتفاق العلماء . ولما رأى بعض العلماء انفاق العلماء على هذا
ظن أنهم متفقون على أنه لا ينقص من الأجرة المسماة بقدر ما نقص
من المنفعة ، ولم يميز بين كون المنفعة مضمونة على المؤجر حتى تنقضي
المدة ؛ بخلاف الزرع نفسه . فإنه ليس مضموناً عليه .
وقد اتفق العلماء على أنه لو نقصت المنفعة المستحقة بالعقد كان
للمستأجر الفسخ ، كما لو استأجر طاحوناً ، أو حماماً ، أو بستاناً له ماء
معلوم ، فنقص ذلك الماء نقصا فاحشاً ، عما جرت به العادة ؛ بخلاف
الجائحة فى بيع الثمار ، فإن فيها نزاعا مشهوراً . فلو اشترى ثمراً قبل
بدو صلاحه ، فأصابته جائحة كان من ضمان البائع ؛ في مذهب مالك،
وأحمد . وهو قول الشافعي ، الذي علقه على صحة الخبر ، وقد صح
الخبر فى صحيح مسلم عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن
بعت من أخيك ثمرة ، فأصابتها جائحة ، فلا يحل لك أن تأخذ من مال
أخيك شيئاً، بم بأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟)).
واشترط مالك أن يكون كثيرا فوق الثلث ، وهو رواية عن أحمد.
وظاهر مذهبه وضع القليل والكثير . والمسألة لا تجيء على قول أبى
حنيفة ؛ فإنه لا يفرق بين ما قبل بدو الصلاح وما بعده ؛ بل يوجب
العقد عند القطع فى الحال مطلقا ، ولو شرط التبقية ولو بعد بدو
الصلاح لم يجز . والثلاثة يفرقون [ بين ] ما قبل بدو الصلاح ، وما
٢٥٨

بعده . كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة .
وأما ضمان البساتين عاماً ، أو أعواماً ، ليستغلها الضامن بسقيه
وعمله كالإجارة ، ففيها نزاع .
وكذلك إذا بدا الصلاح فى جنس من الثمر كالتوت ، فهل يباع
جميع البستان ؟ فيه نزاع . والأظهر جواز هذا وهذا . كما قد بسط
الكلام عليه فى غير هذا الموضع .
وسئل رحمه اللّه
عن الرجل يكترى أرضا للزرع ، فتصيبه آفة ، فيهلك فهل فيه
جائحة ؟ أم لا؟
فأجاب: أما إذا اكترى أرضاً للزرع ، فأصابته آفة . فهذه
((مسألة وضع الجوائح فى الثمر )) فإن اشترى تمراً قد بدا صلاحه،
فأصابته جائحة أتلفته قبل كمال صلاحه ، فإنه يتلف من ضمان البائع
عند فقهاء المدينة . كمالك ، وغيره . وفقهاء الحديث كأحمد وغيره .
وهو قول معلق للشافعي ؛ فإن الشافعي علق القول بصحة الحديث .
والحديث قد ثبت فى صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
٢٥٩

((( إذا بعت من أخيك ثمرة، فأصابتها جائحة ، فلا يحل لك أن نأخذ
من مال أخيك شيئاً . بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق ؟ )).
والاعتبار يؤيد هذا القول ، فإن المبيع تلف قبل تمكن المشتري
من قبضه ، فأشبه ما لو تلفت منافع العين المؤجرة قبل التمكن من
استيفائها . فإذا قيل : هذه الثمرة تلفت بعد القبض قبل قبض الثمرة
التى لم يكمل صلاحها من جنس قبض المنافع ؛ فإن المقصود إنما هو
جذاذها بعد كمال الصلاح ؛ ولهذا إذا شرط المشتري في قبضها بعد
كمال الصلاح ، كانت من ضمانه .
وقد تنازع الفقهاء هل يجوز له أن يبيعها قبل الجذاذ ؟ على
قولين ، هما روايتان عن أحمد :
أحدهما : لا يجوز ؛ لأنه بيع للمبيع قبل قبضه ، إذ لو كانت مقبوضة
لكانت من ضمانه .
والثانى: يجوز بيعها ، وهو الصحيح ؛ لأنه قبضها القبض المبيح
للتصرف ، وإن لم يقبضها القبض الناقل للضمان كقبض العين المؤجرة ،
فإنه إذا قبضها جاز له التصرف فى المنافع ، وإن كانت إذا تلفت تكون
من ضمان المؤجر ؛ لكن تنازع الفقهاء : هل له أن يؤجرها بأكثر
مما استأجرها به ؟ على ثلاثة أقوال ، هي ثلاث روايات عن أحمد .
٢٦٠