Indexed OCR Text
Pages 81-100
لوقت كل صلاة ، أو الاكتفاء بتيمم واحد ، وقبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض ، أو المنع من قبول شهادتهم . ومن هذا الباب الشركة بالعروض ، وشركة الوجوه ، والمساقاة على جميع أنواع الشجر والمزارعة على الأرض البيضاء ؛ فإن هذه المسائل من جنس شركة الأبدان ؛ بل المانعون من هذه المشاركات أكثر من المانعين من مشاركة الأبدان ، ومع هذا فما زال المسلمون من عهد نبيهم وإلى اليوم فى جميع الأعصار والأمصار يتعاملون بالمزارعة ، والمساقاة، ولم ينكره عليهم أحد ، ولو منع الناس مثل هذه المعاملات لتعطل كثير من مصالحهم التى لا يتم دينهم ، ولا دنيام إلا بها . ولهذا كان أبو حنيفة يفتى بأن المزارعة لا تجوز ، ثم يفرع على القول بجوازها ، ويقول : إن الناس لا يأخذون بقولي فى المنع ؛ ولهذا صار صاحباه إلى القول بجوازها ، كما اختار ذلك من اختاره من أصحاب الشافعي ، وغيره . ٨١ وسئل رحمه الله عن رجل شارك قوماً في متجر بغير رأس مال ، وقد ذكر بعض الشركاء أن المال غرم . فهل يلزم المذكور غرامة ؟ أم لا؟ . فأجاب: الحمد لله رب العالمين. إذا اشتركوا على أن بعضهم يعمل ببدنه كالمضارب ، وبعضهم بماله، أو بماله وبدنه ، وتلف المال أو بعضه من غير عدوان ، ولا تفريط من العامل ببدنه ، لم يكن عليه ضمان شيء من المال ، سواء كانت المضاربة صحيحة ، أو فاسدة ، باتفاق العلماء . والله أعلم . وسئل عن رجل عنده قماش كثير ، فطلب رجل تاجر سفار أن يأخذ ذلك القماش ، على أن يشتري النصف مشاعاً، ويبقى النصف الآخر لصاحبه ، يشتركان فيه شركة عنان ، ويكون لهذا نصف الريح ، ولهذا نصف الربح ، وأخبره برأس المال ، وزاد عليه من الجانبين زيادة انفقا ٨٢ عليها ، واتفقا على أن يسافر إلى الديار المصرية ، ثم يعود إلى دمشق ، وإذا لم يصلح له البيع بدمشق بسافر إلى العراق ، والعجم ، وكتب وثيقة بالشركة : أن المال جميعه بيد هذا المشتري ، يبيع ويشتري ، ويأخذ ويعطى. وكتبا أن الشركة كانت بدرام، ولا يمكن إلا بما ذكر، ثم لما قدما إلى الاسكندرية فتشاجرا فطلب صاحب القماش منه الثمن ، وألزمه بأن بقسم القماش ويبيعه هنا بخسارة، ويوفيه الثمن . فهل هذا البيع الذي اتفقا عليه بشرط الشركة صحيح ؟ أم هو بيع فاسد ؟ وهل له إذا كان شريكا أن يجعله هو الذي يقبض المال ، ويبيع ويشتري ويأخذ ويعطى . فإذا كان البيع فاسداً فليس له إلا عين ماله ، وقد عمل هذا العامل فيه على أن له نصف الريح. فهل له المطالبة بنصف الريح أم لا؟ وهل له بعد عمل هذا العامل ، وانتقال القماش من الشام إلى الإسكندرية أن يأخذ القماش ، ويذهب عمله وسعيه فيه ؟ أم له المطالبة بأجرة عمله ؟ أم بربح مثله ؟ أفتونا . فأجاب - رحمه الله - الحمد لله. هذه المعاملة فاسدة من وجوه : منها الجمع بين البيع والشركة ؛ فإن ذلك لا يجوز . وقد انفق الفقهاء على أنه لا يجوز أن بشرط مع البيع عقدا مثل هذا . فلا يجوز أن يبيعه على أن يقرضه ، وكذلك لا يجوز أن يؤجره على أن يساقيه، أو يشاركه على أن يقترض منه، ولا أن يبيعه على أن يبتاع منه ، ومحو ٨٣ ذلك. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يحل سلف وبيع ، ولا شرطان في بيع ، ولا ريح ما لم يضمن ، ولا بيع ما ليس عندك)) كذلك ((نهى عن بيعتين فى بيعة ، وذلك أنه إذا باعه أو أجره مع القرض فإنه يحابيه فى ذلك ؛ لأجل القرض ، والقرض موجبه رد المثل فقط ، فمتى اشترط زيادة لم يجز بالاتفاق . وكذلك المبايعة والمشاركة مبناها على العدالة من الجانبين . ولهذا لا يجوز أن يشترط اختصاص أحدهما بريج سلعة معين ، ولا بمقدار من الريح ، ولا تخصيص أحدهما بالضمان ، ومتى بايعه على أن يشاركه فإنه يحابيه: إما فى الشركة بأن يختص بالعمل ، وإما فى البيع بزيادة الثمن ، ونحو ذلك ، فتخرج العقود عن العدل الذي مبناها عليه . وأيضا ففى اشتراط المشاركة إلزام المشتري بتصرف خاص ، ومنعه بما يوجبه العقد المطلق . ومثل هذا ممنوع على الإطلاق ، عند بعض الفقهاء ، وعند بعضهم إنما يسوغه في مثل اشتراط عتق المبيع ، أو وقفه عند من يقول به أو غير ذلك مما فيه مصلحة خالية عن مفسدة راجحة ؛ بخلاف ما إذا تضمن ترك العدل ؛ فإنه لا يجوز وفاقاً . ومن وجه آخر : أن مثل هذه المعاملة إنما مقصودهما فى العادة ٨٤ المضاربة بالمال على أن يكون الريح بينها ، لكن قد يريد رب المال أن يجعل نصف المال فى ضمان العامل ، وهذا لا يجوز وفاقا ، لأن الخراج بالضمان ، وإذا اجتمع [البيع والشركة ] بطلت الشركة وفاقا ، فيحتال على ذلك بأن يبيع العامل نصف المال ؛ ولهذا يجعل المال كله في يده، ولو كان المقصود محض الشركة لصنعا كما يصنع شريكا العنان ، مع كون المال فى أيديهما. وهذا ((وجه ثالث)) فتبطل الشركة ، وهو اتفاقها على أن يكون المال بيد أحد الشريكين فقط . وأما كون هذه شركة عرض فهذا فيه نزاع؛ لكن الإقرار المكذب المخالف للواقع حرام قادح فى الدين . وإذا كان كذلك فالمال باق على ملك صاحبه ، ولو كان شريكا لم يكن له أن يجعل الشريك الآخر هو الذي يتولى العقود والقبوض دونه ، فإن هذا إنما يكون فى المضاربة ؛ لا في شركة العنان . وإذا كان البيع فاسداً لم يكن له المطالبة بالثمن المسمى ، لكن إن تعذر رد العين رد القيمة ، وإن كان قد عمل فيها المشتري الشريك فله ريح مثله فى نصيب الشريك ؛ فإن الفقهاء متنازعون فيما فسد من المشاركة ، والمضاربة ، والمساقاة ، والمزارعة ، إذا عمل فيها العامل هل يستحق أجرة المثل ؟ أو يستحق قسط مثله من الريح ؟ على قولين : أظهرهما الثانى . وهو قول ابن القاسم ، والعوض في العقود الفاسدة هو نظير ما يجب فى الصحيح عرفاً ، وعادة ، كما يجب فى ٨٥ البيع والإجارة الفاسدة ثمن المثل، وأجرة المثل ، وفى الجعالة الفاسدة جعل المثل . ومعلوم أن الصحيح من هذه المشاركات إنما يجب فيه قسطه من الريح ، إن كان لا أجرة مقدرة ، وكذلك النصيب الذي اشتراه إن قيل : يجب رد عينه مع ارتفاع قيمته ، كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعى، والإمام أحمد . وللعامل المشتري أن يطلب إما أجرة عمله . وإما قسط مثله من الربح . على اختلاف القولين . وأما إن قيل : إنه بعد قبضه والتصرف فيه ، ليس عليه إلا رد القيمة - كما يقوله من يقوله من أصحاب أبي حنيفة، ومالك - فالحكم فيه ظاهر . وبكل حال لا يجب عليه رد الزيادة التى زيدت على قيمة المثل - والحالة هذه - بالاتفاق، والله أعلم. وسئل رحم الله عن رجل دفع مالا مضاربة ، ومات ، فعمل فيه العامل بعد موته بغير إذن الورثة . فهل تنفسخ المضاربة ؟ وما حكم الربح بعد موت المالك ؟ ٨٦ فأجاب : نعم تنفسخ المضاربة بموت المالك ، ثم إذا علم العامل بمونه وتصرف بلا إذن المالك لفظاً أو عرفا ، ولا ولاية شرعية، فهو غاصب. وقد اختلف العلماء في الربح الحاصل فى هذا : هل هو للمالك فقط ، كنماء الأعيان ؟ أو للعامل فقط ؟ لأن عليه الضمان ، أو بتصدقان به، لأنه ريح خبيث ؟ أو يكون بينهما ؟ على أربعة أقوال : أصحها الرابع . وهو أن الريح بينهما كما يجرى به العرف فى مثل ذلك، وبهذا حكم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فيما أخذه بنوه من مال بيت المال فانجروا فيه بغير استحقاق ، فجعله مضاربة، وعليه اعتمد الفقهاء فى ((باب المضاربة)) ؛ لأن الريح نماء حاصل من منفعة بدن هذا ، ومال هذا : فكان بينهما ، كسائر الماء الحادث من أصلين، والحق لما لا يعدوهما، ولا وجه لتحريمه عليها ، ولا لتخصيص أحدهما به . وإيجاب قسط مثله من الريح أصح من قول من يوجب أجرة المثل ؛ فإن المال قد لا يكون له ربح ، وقد تكون أجرته أضعاف ربحه ، وبالعكس . وليس المقصود من هذه المشاركات العمل حتى يستحق عليه أجرة ، ولا هي عقد إجارة ؛ وإنما هي أصل مستقل وهي نوع من المشاركات لا من المؤاجرات حتى يبطل فيها ما يبطل فيها، فمن أوجب فيها مالا يجب فيها : فقد غلط . وان كان جرى بين العامل والورثة من الكلام ما يقتضى في ٨٧ العرف أن يكون إبقاء لعقد المضاربة ، استحق المسمى له من الريح ، وكان ذلك مضاربة مستحقة . وإذا أقر بالريح لزمه ما أقر به . فإن ادعى بعد ذلك غلطاً لا يعذر في مثله لم يقبل قوله . وإن كان يعذر فى مثله ففي قبوله خلاف مشهور ، وليس له ان بدفع المال إلى غيره إلا بإذن المالك ، أو الشارع. ومتى فعل كان ضامنا للمال؛ سواء كان دفعه بعقد صحيح؛ أو فاسد . فما ضمن بالعقد الصحيح ضمن بالفاسد. وما لم يضمن بالصحيح لم يضمن بالفاسد . وأما إن كان المال غصباً فهو ضامن بكل حال ، ومتى فرط العامل في المال ، أو اعتدى فعليه ضمانه . وكذلك العامل الثانى إذا جحد الحق، أو كتم المال الواجب عليه ، أو طلب التزامهم إجارة لغير مسوغ شرعي أثم بذلك. وعلى ولي الأمر إيصال الحقوق إلى مستحقيها . والله أعلم. وسئل رحمه الله عن رجل دفع لرجل مالا على سبيل القراض ، ثم ظهر بعد ذلك على المدفوع له المال دين بتاريخ متقدم على القراض . فهل يجوز له أن يعطي لأرباب الدين شيئاً من هذا المال ؟ أم لا ؟ وإذا ادعى أنه لم يقبض من مال القراض شيئاً أو عدم ، أو وقع فيه تفريط بغير سبب ٨٨ ظاهر ، يقبل هذا القول ؟ أم لا ؟ فأجاب : لا يجوز أن يوفي من مال هذا القراض شيئاً من الدين الذي يكون على العامل ؛ إلا أن يختار رب المال ؛ فإن ادعى ما يخالف العادة لم يقبل بمجرد قوله . وسل عن مضارب رفعه صاحب المال إلى الحاكم ، وطلب منه جميع المال ، وحكم عليه الحاكم بذلك ، فدفع إليه البعض ، وطلب منه الإنظار بالباقي ، فأنظره ، وضمن على وجهه ، فسافر المضارب عن البلدمدة . فهل تبطل الشركة برفعه إلى الحاكم، وحكم الحاكم عليه بدفع المبلغ ، وإنظاره ؟ وهل يضمن فى ذمته ؟ فأجاب : تنفسخ الشركة بمطالبته المذكورة، ويضمن المال فى ذمته بالسفر المذكور ؛ بتأخير التسليم مع الإمكان عن وقت وجوبه . ٨٩ وسئل رحمه الله هل يجوز للعامل فى القراض أن ينفق على نفسه من مال المقارض حضرا أو سفرا؟ وإذا جاز . هل يجوز أن يبسط لذيذ الأكل . والتنعمات منه ؟ أم يقتصر على كفايته المعتادة ؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين . إن كان بينهما شرط فى النفقة جاز ذلك . وكذلك إن كان هناك عرف وعادة معروفة بينهم ، وأطلق العقد ، فإنه يحمل على تلك العادة . وأما بدون ذلك فإنه لا يجوز. ومن العلماء من يقول: له النفقة مطلقا وإن لم يشترط ، كما يقوله أبو حنيفة ومالك والشافعى فى قول . والمشهور أن لا نفقة بحال ولو شرطها . وحيث كانت له النفقة فليس له النفقة إلا بالمعروف ، وأما البسط الخارج من المعروف فيكون محسوبا عليه . ٩٠ وسئل رحمه الله عن اثنين اشتركا : من أحدهما دابة ، ومن الآخر درام ، جعلا ذلك بينهما على ما قسم الله تعالى من ريج كان بينهما ، ثم ريحا . فما الحكم؟ فأجاب : ينظر قيمة البهيمة فتكون هي والدرام رأس المال، وذلك مشترك بينهما ؛ لأن عندنا أن الشركة والقسمة نصح بالأقوال ، لا تفتقر إلى خلط المالين ، ولا إلى تمييزهما ، ويثبت الملك مشتركاً بعقد الشركة، كما يتميز بعقد القسمة والمحاسبة ، فما ربحا كان بينهما ، وإذا تقاسما بيعت الدابة ، واقتسما تمنها مع جملة المال . وهذا إذا محعنا الشركة بالعروض ظاهر ، وأما إذا أبطلناها فحكم الفاسد حكم الصحيح فى الضمان وعدمه ، وصحة التصرف وفساده ، وإنما يفترقان فى الحل ، وفي مقدار الربح على أحد القولين . فظاهر مذهب أحمد على ما اشترطا ، وعلى القول الآخر يكون الريح تبعا للمال ، ويكون للآخر أجرة المثل ، والأصح في هذا أن له رج المثل ، والأقوال ثلاثة . ٩١ وسل عن شريكين فى فرس . لا يتبايعان ، ولا يشتريان ، ولا يكون عند أحدهما مشاهرة ، والفرس تضيع بينهما ، وإن أحدهما أعارها بغير إذن شريكه فهلكت . هل تلزم الشريك الذي أعار نصيب شريكه ؟ أم لا ؟ فأجاب : إذا لم يتفقا أن تكون عند أحدهما ، ولا عند ثالث يختارانه لها ، ولا طلب أحدهما مفاضلة الآخر فيها : تباع جميع الفرس، ويقسم ثمنها بينهما . والله أعلم. وسئل عن رجلين بينهما شركة فى فرس . فأذن أحدهما للآخر فى سيره ؛ لئلا يضربه الوقوف، ولم يأذن له فى سوقه، وأركب غيره ، فحصل له بذلك مرض . فهل يلزمه إن مات ؟ أو يلزمه أرشه بالنقص ؟ وهل يلزمه ما يحتاج إليه من دواء ؟ والشريك محجور عليه من جهة الحاكم، ٩٢ وهو رشيد في تصرفه ؛ غير أن المانع من ذلك بينة تشهد له ، وإذا كان الأمر كذلك : فهل لشريكه أن يأخذ من ماله قيمته ؟ فأجاب : إذا كان الشريك قد اعتدى ففعل مالم تأذن به الشريعة ، ولا المالك ؛ لا لفظاً ولا عرفاً ، فهو ضامن لما تلف بجنايته ، وإن كان محجوراً عليه ، فإن كانت الجناية نقصت الفرس ضمن النقص ، وإن وجب بتلف الفرس ضمنه جميعه . وسئل عن زيد وعمرو مشتركان فى فرس ، وأخذ زيد الفرس وساقها غير العادة بغير إذن عمرو ، ثم بعد ذلك حصل للفرس ضعف فماتت محت يد زيد ؟ فأجاب : نعم ! إذا اعتدى الشريك عليها فتلفت بسبب عدوانه ضمن نصيب شريكه . والله أعلم . ٩٣ وسئل رحمه الله عن رجل شارك شخصا في بقرة ، وكانت عند أحدهما ، يستعملها ويعلفها، وطلبها شريكه يفاضله فيها فأبى ، فادعى ثلثي البقرة . ومنع المفاضلة ؟ . فأجاب : الحمد لله رب العالمين. عليه أن يفاضله فيها ، وإذا طلب أحد الشريكين بيعها بيعت عليها ، واقتسما الثمن ، وهذا مذهب أبى حنيفة ومالك والإمام أحمد وغيرهم . وإذا كان الشريك يأخذ اللبن ، وكان اللبن بقدر العلف سواء فلا شيء عليه، وإن كان انتفاعه بها أكثر من العلف أعطى شريكه نصيبه من الفضل . والله أعلم ٩٤ وسئل عن راع كان معه غنم خلطا ، واحتاجت إلى نفقة ، فباع بعضها وأنفقه على الباقى . وكان المبيع مال بعضهم . فمنهم من لم يبق من غنمه شيء . ومنهم من بقي له قليل . ومنهم كثير . فهل يقتسمون على قدر رؤوس الأموال ؟ أم كل من بقي له شيء يأخذه ؟ فأحاب رحمه الله : بل يقتسمون الباقي على قدر رؤوس الأموال ، أو يغرم أرباب الباقي ما أنفق عنهم ، وهو قيمة ما باعه . وسئل رحمه اللّه عن شريكين بينهما خيل ، وكان عند أحدها فرس فمانت بقضاء الله وقدره ، وعمل بموتها محضرا؟ فأجاب : إذا كان أحد الشريكين قد سلمها إلى الآخر ، وتلفت تحت يده من غير تفريط منه ، ولا عدوان ، فلا ضمان عليه . ٩٥ وسئل عن رجل له شريك في فرس ، وهي تحت يد الشريك برضاه ، فوقع على البلد أمر من السلطنة ، وأخذت الفرس مع غيل أخر وقماش ، وقد قصد الشريك أن يضمن شريكه. فهل له ذلك ؟ فأجاب: الحمد لله. إذا لم يحصل منه تفريط ولا عدوان فلا ضمان عليه بما ذكر . والقول قوله مع يمينه فى نفي التفريط والعدوان والحالة هذه . وسئل عن رجل بينه وبين رجل شركة في بستان ، وأنه استأجر منه نصيبه بإجارة شرعية ، وأن الشريك الذي استأجر تعدى وقطع من أخشاب البستان شيئاً له تمر يغل بغير إذن المالك، وهو حاضر، واستعمل منها بواقى وأحطاباً لغرضه . فهل عليه الرجوع بما تعدى عليه ؟ وهل المالك أن يمسك أعوانه الذين تولوا قطع الخشب أم لا ؟ فأجاب : ليس له أن يأخذ نصيب شريكه مالم يستحقه بعقد ٩٦ الإجارة ، وما أخذه بذلك فعليه ضمانه لشريكه ، يضمن له نصيبه . وللمالك أن يطالب بالضمان من باشر الأخذ ، وله أن يطالب الشريك الآمر لهم ، فيأخذ حقه من أيهم شاء . والله أعلم. وسل عن جماعة شهود اشتركوا ، فعمل بعضهم أكثر من بعض . فهل يستحق الجماعة الجعالة بالسوية ، أو يستحقونها على قدر أعمالهم ؟ فأجاب : موجب عقد الشركة المطلقة التساوي فى العمل والأجر. فإن عمل بعضهم أكثر تبرعا بالزيادة ساوره فى الأجر، وإن لم يكن متبرعا طالبهم ؛ إما بما زاد في العمل ، وإما بإعطائه زيادة فى الأجرة بقدر عمله . وإن اتفقوا على أن يشترطوا له زيادة باز . والله أعلم . رحم الله: وسئل . عن جماعة دلالين مشتركين فى بيع السلع . هل يقدح ذلك فى دينهم ؟ وهل لولي الأمر - أعزه الله - منعهم من غير أن يظهر عليهم غش ، أو تدليس ؟ ٩٧ فأجاب : الحمد لله رب العالمين . أما إذا كان التاجر الذي يسلم ماله إلى الدلال قد علم أنه بسله إلى غيره من الدلالين ، ورضي بذلك، لم يكن بذلك بأس بلا ريب ؛ فإن الدلال وكيل التاجر . والوكيل له أن يوكل غيره ، كالموكل باتفاق العلماء . وإنما تنازعوا فى جواز توكيله بلا إذن الموكل . على قولين مشهورين للعلماء . وعلى هذا تنازعوا فى شركة الدلالين : لكونهم وكلاء . فبنوا ذلك على جواز توكيل الوكيل . وإذا كان هناك عرف معروف أن الدلال يسلم السلعة إلى من يأمه كان العرف المعروف كالشرط المشروط ، ولهذا ذهب جمهور أمة المسلمين: كمالك وأبي حنيفة، وأحمد وغيرهم إلى جواز ((شركة الأبدان)) كما قال ابن مسعود: اشتركت أنا ، وسعد بن أبى وقاص ، وعمار يوم بدر فجاء سعد بأسيرين ، ولم أجئ أنا وعمار بشيء . و «شركة الأبدان)» في مصالح المسلمين في عامة الأمصار، وكثير من مصالح المسلمين لا ينتظم بدونها . كالصناع المشتركين في الحوانيت؛ من الدلالين وغيرهم ؛ فإن أحدم لا يستقل بأعمال الناس ، فيحتاج إلى معاون ، والمعاون لا يمكن أن تقدر أجرته وعمله ، كما لا يمكن مثل ذلك في المضاربة ؛ ونحوها ، فيحتاجون إلى الاشتراك . ٩٨ وجمهور العلماء يجعلون الشركة عقداً قائما بنفسه فى الشريعة ، يوجب لكل من الشريكين بالعقد مالا يستحقه بدون العقد ، كما فى المضاربة ، ومنهم من لا يجعل شركة إلا شركة الأملاك فقط ، وما يتبعها من العقود ، فيمنع عامة المشاركات التى يحتاج الناس إليها ، كالتفاضل فى الربح مع التساوي فى المال ، وشركة الوجوه ، والأبدان، وغير ذلك ؛ ولكن قول الجمهور أصح . وإذا اشترك اثنان كان كل منهما يتصرف لنفسه بحكم الملك ، ولشريكه بحكم الوكالة . فما عقده من العقود عقده لنفسه ولشريكه . وما قبضه قبضه لنفسه ولشريكه . وإذا على الناس أنهم شركاء ويسلمون إليهم أموالهم جعلوا ذلك إذناً لأحدهم أن يأذن لشريكه ، وليس لولي الأمر المنح في مثل العقود ، والقبوض التى يجوزها جمهور العلماء، ومصالح الناس وقف عليها ، مع أن المنع من جميعها لا يمكن في الشرع، وتخصيص بعضها بالمنح تحكم . والله أعلم . وسئل عن خبير الشراء مرابحة ، ولم يبين للمشتري انه بالنسيئة ، فهل يحل ذلك ؟ أم يحرم ؟ (١) . ء (١) محل هذه الرسائل الخيار . ٩٩ فأجاب : أما البيع بتخبير الثمن فهو جائز، سواء كان مرابحة ، أو مواضعة، أو تولية ، أو شركة ؛ لكن لا بد أن يستوي على البائع والمشترى فى الثمن. فإذا كان البائع قد اشتراه إلى أجل ، فلا بد أن يعلم المشترى ذلك ، فإن أخبره بثمن مطلق، ولم يبين له أنه اشتراه إلى أجل ، فهذا جائر ظالم . وفي الصحيحين عن حكيم بن حزام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((البيعان بالخيار ، مالم يتفرقا ، فإن صدقا وبينا بورك لهما فى بيعها، وإن كذبا وكنتما محقت بركة بيعها)). وسئل رحم الله عن رجل تاجر فى حانوت ، اشترى قطعة قماش بأحد عشر وربع، وبعد ما اشتراها جاءه رجل وأخبره أنه اشتراها بأحد عشر وربع ، وكسب نصفاً فأخذها المشتري وتفارقا بالأبدان، وبعد ساعة جاء المشتري وغصبه بردها وامتنع التاجر ولم يبين الفائدة ، فأبى المشتري ، فتنازعا على الفائدة . فقال المشتري : خذ منى ربعاً وثمناً ، فقال التاجر للمشتري : ابتعنى بأحد عشر ونصف ، فقال : عبارة نعم . فهل يجوز أن يخبر بهذا الربع الزائد على المشتري الأول ؟ ويحل له ذلك فى وجه من الوجوه ؟ . فأجاب : ليس لصاحب السلعة أن يخبر بأنه اشتراها بذلك من غير ١٠٠