Indexed OCR Text
Pages 61-80
فأجاب: الحمد لله رب العالمين. هذه المسألة أولاً مبنية على عزل الوكيل : هل ينعزل قبل بلوغ العزل له؟ على قولين مشهورين للعلماء . أحدهما : لا ينعزل حتى يعلم . وهو مذهب أبى حنيفة وأحمد فى إحدى الروايتين ، وقول الشافعي ، وأحد القولين في مذهب مالك بل أرجحها . فعلى هذا تصرف الوكيل قبل العلم صحيح نافذ . وثبوت عزله قبل التصرف لا يقدح فى تصرفه قبل العلم ، فيصح البيع والوقف الواقع على الوجه المشروع ، ولا يبطل ذلك ، ولوحكم الحاكم به . والقول الثانى: أنه ينعزل قبل العلم، وهو المشهور فى مذهب الشافعي وأحمد فى إحدى الروايتين ، وهو مذهب مالك فى إحدى الروايتين . فعلى هذا لا تقبل مجرد دعواه العزل بعد التصرف ، وإذا أقام بذلك بيئة ببلد آخر ، وحكم به حاكم ، كان ذلك حكماً على الغائب، والحكم على الغائب إذا قيل بصحته فهو يصح مع بقاء كل ذي حجة على حجته، وللمحكوم عليه أن يقدح فى الحكم والشهادة بما يسوغ قبوله : إما الطعن فى الشهود ، أو الحكم ، أو غير ذلك : مثل أن يكون الحاكم الذي حكم بالعزل لا يرى العزل قبل العلم . ولكن ليس عليه أن يقبل البيئة الشاهدة بالعزل فاسقة أو متهمة بشيء يمنع قبول الشهادة . ثم الحاكم الذي حكم بصحة البيع والوقف إن كان ممن لا يرى عزل الوكيل قبل العلم ، وقد بلغه ذلك ، كان حكمه نافذا ، لا يجوز ٦١ نقضه بحال ؛ بل الحكم الناقض له مردود . وإن كان لم يعلم ذلك . أو مذهبه عدم الحكم بالصحة ، إذا ثبت كان وجود حكمه كعدمه . والحاكم الثانى إذا لم يعلم بأن العزل قبل العلم ، أو علم بذلك وهو لا يراه ، أو رآء وهو لا يرى نقض الحكم المتقدم. وما ذكر من علم موكل الوكيل البائع بما جرى وسكوته : كان وجود حكمه كعدمه ، واستيثاق الحكم في القصة وقبض الثمن من الوكيل دليل فى العادة على الإذن فى البيع والشراء ، وبقاء الوكالة ، إذا لم يعارض ذلك معارض راجح . وأكثر العلماء يقبلون مثل هذه الحجة ويدفعون بها دعوى الموكل للغزل ؛ ليبطل البيع ؛ لا سيما مع كثرة شهود الزور. ولو حكم ببطلان الوقف لم يجب على الوكيل ولا على المشتري ضمان ما استوفاه من المنفعة ؛ فإن كان الوكيل والمشتري مغرورين غرهما الموكل لعدم إعلامه بالعزل ، فالتفريط جاء من جهته فلا يضمن له المنفعة . وإذا أنكر الموكل قبض الثمن ولم يقم عليه بينة به ، فإن كان الوكيل بلا جعل قبل قوله على الموكل ؛ لأنه أمينه ، كما يقبل قول المودع في رد الوديعة إلى مالكها . وإن كان يجعل ففيه قولان مشهوران للعلماء ، ولكن لا يقبل قول الوكيل على المشتري . فإن كان البيع باقياً ٦٢ فلا كلام ، وإن كان البيع مفسوخاً فلهم أن يطالبوا الوكيل بالثمن ، والوكيل يرجع على الموكل . وسئل الشيخ رحمه الله عن رجل وكيل باع لموكله حصته من حانوت ، ثم إن المشتري وقف تلك الحصة ، وثبت البيع والوقف ، وحكم بصحة الوقف ، وبعد ذلك ثبت أن الوكيل كان معزولا بتاريخ متقدم على بيعه ، محكوم بصحة عزله. فهل يتبين بطلان البيع والوقف ؟ أم هما صحيحان ؟ وإذا بان البطلان . فهل للموكل الرجوع بأجرة تلك الحصة مدة مقامها فى يد المشتري الواقف لها ؟ أم لا ؟ . فأجاب : الحمد لله رب العالمين . هذه المسألة فيها نزاع مشهور ، وهو : أن الوكيل إذا مات موكله ، أو عزله ، ولم يعلم بذلك حتى تصرف فهل ينعزل قبل العلم ؟ على ثلاثة أقوال لأهل العلم فى مذهب الشافعي ، والإمام أحمد ، وغيرها : أحدها : أنه ينعزل قبل العلم، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما، وقول فى مذهب مالك . فعلى هذا بتبين بطلان البيع ؛ لكن على هذا لاضمان على الوكيل ؛ لأنه لم يفرط ، وأما المشتري فهو ٦٣ مغرور أيضا إذا لم يعلم . وفي تضمينه نزاع فى مذهب أحمد وغيره ، وأحد قولي الشافعي . وهذا الغار لا ضمان عليه، ولا يضمن واحد منهما، ولم يرجع على الغار فى أشهر قولي الشافعي ، والإمام أحمد فى رواية . فعلى هذا يضمن المشتري ، ولا يرجع على أحد . والقول الثانى : أنه ينعزل بالموت ، ولا ينعزل بالعزل حتى يعلم، وهذا مذهب أبى حنيفة ، والمشهور فى مذهب مالك ، وأحد الأقوال في مذهب الشافعي ، والإمام أحمد . فعلى هذا تصرفه قبل العلم صحيح . فيصح البيع إذا لم يكن الرجل عالما بالعزل . فأما إن تصرف بعد علمه بالعزل لم يكن تصرفه لازماً باتفاق المسلمين ؛ بل يكون بمنزلة تصرف الفضولي، وهو مردود فى مذهب الشافعي والإمام أحمد فى المشهور عنه . وموقوف على الإجازة فى مذهب أبى حنيفة ، والرواية الأخرى عن الإمام أحمد ، وحكى عن مالك . فمتى لم يجزه المستحق بطل بالإجماع . والقول الثالث : أنه لا ينعزل فى الموضعين ، قبل العلم ، كقول الشافعي، والإمام أحمد رضي الله عنها. والحكم فيه كما تقدم. والله سبحانه وتعالى أعلم . ٦٤ وسئل شيخ الإسلام عمن وكل رجلا في بيع سلعة ، فباعها إلى أجل ، ونوى بعض الثمن . فهل يطالب المالك بقيمتها حالة ، أو بمثل الثمن المؤجل . وهو أكثر ؟. فأجاب : إذا لم يكن قد أذن له فى البيع إلى أجل ، فالمالك مخير بين أن يطالب البائع بقيمتها بنقد ، وبين أن يطالب بالثمن المؤجل جميعه ، ويحسب المنكسر على صاحب السلعة ؛ لأن تصرفه بدون إذن كتصرف غاصب . والغاصب إذا تلفت العين عنده إلى بدل كان للمالك الخيرة بين المطالبة ، وبين البدل المطلق ، وهو المثل أو القيمة ، وبين البدل المعين . وهذا يكون حيث لم يعرف المشتري بالغصب ، فلا يثبت عليه إلا الثمن المسمى وإذا قلنا بوقف العقود على الإجازة : إذا لم يثبت الإجازة واصطلحا ١٧ على الثمن ، وتراضيا به صح الصلح عن بدل المتلف بأكثر من قيمته من ضمانه . كما لو اتفقا على فرض المهر فى مسألة التفويض . ٦٥ وسئل رحمه الله تعالى عن الأمراء الذين يطلبون ما يحتاجون إليه من القماش وغيره من الأسواق ، فيأخذون ما أعجبهم من ذلك ، ويكتب الأمير لصاحبه خطا بذلك ، أو ينزله ونوابه فى دفتره ، ويقترضون من أصحابهم درام ، وكل ذلك بغير حجج تكتب ، ولا إشهاد ، وهذه عادتهم. وإذا توفى الأمير وعلم ديوانه واستاداره بحقوق الناس. فهل يحل لهم منعهم؟ أو مطلهم ، أم يلزمهم دفع حقوقهم التى علموها من التركة . والحالة هذه ؟ . فأجاب: بل كل ما وجد بخط الأمير ، أو أخبر به كاتبه ، أو لفظ وكيله فى ذلك ، مثل كاتبه ، واستاداره ، فإنه يجب العمل بذلك . فإن إقرار الوكيل على موكله فيما وكله فيه مقبول ؛ لأنه أمينه ، وخط الميت كلفظه فى الوصية والإقرار ونحوهما . ومع ذلك لا يحتاج أصحاب الحقوق إلى بينة . وتكليفهم البينة إضاعة للحقوق ، وتعذيب للأموات ببقائهم مر تهنين بالذنوب، ففيه ظلم للأموات، 77 والأحياء : لاسيما فى المعاملات التى لم تجر العادة فيها بالإشهاد ، فتكليف البينة فى ذلك خروج عن العدل المعروف . والله أعلم ٠ وسئل عن رجل متحدث لأمير فى تحميل أمواله . فهل يكون له العشر فيما حصله المقرر عن الوكالة عن كل ألف درهم مائة درهم ؟ وهل له أن يتناول ذلك فى حال حياته ومماته ، وبإذنه أو غير إذنه ؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين. إن كان الأمير قد وكله بالعشر، أو وكله توكيلا مطلقا على الوجه المعتاد الذي يقتضى فى العرف أن له العشر فله ذلك ؛ فإنه يستحق العشر بشرط لفظي ، أو عر فى . والاستئجار : كاستئجار الأرض للزراعة بجزء من زرعها ، وهي مسألة (( قفيز الطحان)). ومن نقل عن النبى صلى الله عليه وسلم: ((أنه نهى عن قفيز الطحان )) فقد غلط . واستيفاء المال بجزء مشاع منه جائز، فى أظهر قولي العلماء ، وإن كان قد عمل له على أن يعطيه عوضاً ؛ ولم يبين له ذلك ، فله أيضا أجرة المثل الذي جرت به العادة ، فإن استحق عليه شيئاً فله أن ٦٧ يستوفيه مطلقاً من تركته، وبدون إذنه ، وإن لم يستحقه عليه لم يجز أن يأخذ شيئاً إلا بإذنه. والله أعلم . وسل عن رجل وكل رجلا وكالة مطلقة ؛ بناء على أنه لا يتصرف إلا بالمصلحة والغبطة ، فأجر له أرضا تساوي إجارتها عشرة آلاف بخمسة آلاف . فهل تصح هذه الإجارة ؟ أم لا ؟ وإذا صحت هل يلزم الوكيل التفاوت ؟ فأجاب: الحمد لله. ليس له أن يؤجرها بمثل هذا الغبن ، وله أن يضمن الوكيل المفرط ما فوته عليه . وأما صحة الإجارة : فأكثر الفقهاء يقولون: إجارة باطلة ، كما هو مذهب الشافعى ، وأحمد فى أحد القولين ، لكن إذا كان المستأجر مغروراً لم يعلم بحال الوكيل ، مثل أن يظن أنه مالك عالم بالقيمة ، فله أن يرجع على من غره بما يلزمه فى أصح قولي العلماء . وزرعه زرع محترم ، لا يجوز قطعه مجاناً ؛ بل ينزل بأجرة المثل ، بما لا يتغابن الناس به . فهنا هو ظالم ، وزرعه زرع غاصب . وهل للمالك قلعه مجاناً ؟ على قولين مشهورين للعلماء . وهل يملكه ٦٨ بنفقته ؟ على قولين أيضا . وظاهر مذهب أحمد أن له تملكه بنفقته . وأما إبقاؤه بأجرة المثل فيملكه بالاتفاق . وإذا ادعى على المستأجر أنه عالم بالحال فأنكر ، فالقول قوله مع يمينه . وسئل رحمه الله عن رجل وكل غلامه فى إيجار حانوت لشخص ، ثم إن المستأجر أجره لشخص ، فهل للوكيل أن يقبل الزيادة فى أجرة الحانوت ؟ أم لا؟ وهل له مطالبة المستأجر الثانى ؟ أم لا ؟ وإذا غصب المستأجر الثانى وأخذ منه الأجرة ، فهل للمستأجر أن يستعيد منه ؟ أم لا؟ وإذا كان هذا الغلام يتصرف لهذا الموكل بإيجار حوانيته ، وقبض الأجرة، ويدعى بذلك عند القضاة لموكله ، وسيده يعلم بذلك كله ، ويقره عليه : فهل يقبل قوله إنه لم يوكله ؟ وإذا أكره الموكل المستأجر الثانى على غير الإجارة الأولى . فهل تصح هذه الإجارة الثانية أم لا ؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين. ليس للموكل - والحالة هذه - أن يؤجر الحانوت لأحد لا بزيادة ، ولا غير زيادة ، ولا للمستأجر الأول ذلك ، وليس للموكل مطالبة المستأجر الثانى، وإذا أخذ منه الأجرة ٦٩ غصباً فله استرجاع ذلك منه ، ولا يقبل قوله فى إنكار الوكالة مع كونه يتصرف له تصرف الوكلاء ، مع علمه بذلك ، وكونه معروفاً بأنه وكيله بين الناس ، حتى لو قدر أنه لم يوكله - والحالة هذه - فتفريطه وتسليطه عدوان منه يوجب الضمان . والإِجارة الثانية التى أكره الموكل عليها للمستأجر الثانى باطلة . والله أعلم . وسئل رحم الله عن قوم أرسلوا قوماً في مصالح لهم ويعطونهم نفقة . فهل يحل لهم أكل ذلك ؟ واستدانة تمام نفقتهم ومخالطتهم ؟ . فأجاب : إذا أعطاهم الذين بعثوج ما ينفقونه جاز ذلك ، وعليهم تمام نفقتهم ما داموا فى حوائجهم ، ويجوز مخالطتهم . ٧٠ وسئل رحم اللّه عن نوبة الوكلاء لحفظ الغلال على الفلاحين . هل هي حلال ؟ فأجاب : إذا كان يحفظ الزرع لصاحب الأرض والفلاح فله أجرته عليها ، فإذا كانت المؤنة التى يأخذها من الفلاح بقدر حقه عليه فلا بأس بذلك . والله أعلم . وسئل عن رجل وكل رجلا فى شراء ، ولم يوكله فى الإقالة ، فأقال . هل تصح ؟ . فأجاب : إذا وكل الإنسان وكيلا فى شراء شيء ولم يوكله فى الإقالة ؛ لم يكن للوكيل الإقالة ، ولا تنفذ إقالته بدون إذن الموكل ، باتفاق العلماء . والله أعلم . ٧١ وسئل رحمه اللّه عن وكيل فى مبلغ لوالده يجبى الديون التى له على الناس ، فإذا جاء إلى أحد قال: إنى وقعته لأبيك ، ثم قال: إن أبريتنى وصالحتى على شيء وقع الاتفاق بينى وبينك ، ثم صالحه من جملة ألف بثلاثمائة درهم. ثم أقر بالدين بعد الصلح، وأخذ بيده الإبراء . فهل تجوز دعواه عليه بعد إقراره ، والشهود على رب الدين بالإبراء ؟ أم لا ؟ فأجاب: الوكيل فى الاستيفاء لا يصح إبراؤه، ولا مصالحته على بعض الحق ، ولو كان وكيلا فى ذلك . ثم إن الغريم إذا جحد الحق حتى صولح كان الصلح فى حقه باطلا. ولم تبرأ ذمته ، وإذا كان المدعى إنما صالحه خوفاً من ذهاب جميع الحق فهو مكره على ذلك ، فلا يصح صلحه ، وله أن يطالبه بالحق بعد ذلك ، إذا أقربه ، أو قامت به بينة ؟ ٧٢ باب الشركة سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن جماعة اشتركوا شركة الأبدان بغير رضا بعضهم ، وعملوا عملا مجتمعين فيه ، وعملا متفرقين فيه . فهل تصح هذه الشركة ؟ وما يستحق كل منهم من أجرة ما عمل ؟ وهل يجوز لمن لا عمل له أن بأخذ أجرة عن عمل غيره بغير رضا من عمل ؟ فأجاب : - رضي الله عنه - شركة الأبدان التى تنازع الفقهاء فيها نوعان : أحدهما : أن يشتركا فيما يتقبلان من العمل فى ذمتهما ، كأهل الصناعات من الخياطة والنجارة والحياكة ، ونحو ذلك ، الذين تقدر أجرتهم بالعمل ، لا بالزمان - ويسمى الأجير المشترك - ويكون العمل فى ذمة أحدهم بحيث بسوغ له أن يقيم غيره أن يعمل ذلك العمل والعمل دين في ذمته ، كديون الأعيان ؛ ليس واجباً على عينه ٧٣ فهؤلاء جوز أكثر الفقهاء اشتراكهم ، كأبى حنيفة ، ومالك ، وأحمد. وذلك عندم بمنزلة ((شركة الوجوه ))، وهو أن يشترى أحد الشريكين بجاهه شيئاً له ولشريكه ، كما يتقبل الشريك العمل له ولشريكه. قالوا : وهذه الشركة مبناها على الوكالة ، فكل من الشريكين يتصرف لنفسه بالملك ، ولشريكه بالوكالة . ولم يجوزها الشافعي بناء على أصله ، وهو أن مذهبه أن الشركة لا تثبت بالعقد ، وإنما تكون الشركة شركة الأملاك خاصة ، فإذا كانا شريكين فى مال كان لهما نماؤه ، وعليها غرمه ، ولهذا لا يجوز شركة العنان مع اختلاف جنس المالين ، ولا يجوزها إلا مع خلط المالين ، ولا يجعل الريح إلا على قدر المالين . والجمهور يخالفونه فى هذا، ويقولون: الشركة نوعان: ((شركة أملاك)، و ((شركة عقود)). وشركة العقود أصلا لا تفتقر إلى شركة الأملاك ، كما أن شركة الأملاك لا تفتقر إلى شركة العقود ، وإن كانا قد يجتمعان . والمضاربة شركة عقود بالإجماع ، ليست شركة أملاك ؛ إذ المال لأحدهما والعمل للآخر ، وكذلك المساقاة والمزارعة ، وإن كان من الفقهاء من يزعم أنها من باب الإجارة ؛ وأنها خلاف القياس . ٧٤ فالصواب أنها أصل مستقل ، وهي من باب المشاركة لا من باب الإجارة الخاصة ، وهي على وفق قياس المشاركات . ولما كان مبنى الشركة على هذا الأصل تنازعوا في الشركة فى اكتساب المباحات ؛ بناء على جواز التوكل فيها ، فجوز ذلك أحمد ، ومنعه أبو حنيفة . واحتج أحمد بحديث سعد ، وعمار ، وابن مسعود . وقد يقال : هذه من النوع الثانى إذا تشاركا فيا يؤجران فيه أبدانهما ، ودابتيهما : إجارة خاصة . ففي هذه الإجارة قولان مرويان ، والبطلان مذهب أبى حنيفة ، وطائفة من أصحاب أحمد : كأبي الخطاب، والقاضي فى أحد قوليه . وقال : هو قياس المذهب ؛ بناء على أن شركة الأبدان لا يشترط فيها الضمان بذلك الاشتراك على كسب المباح : كالاصطياد ، والاحتطاب؛ لأنه لم يجب على أحدهما من العمل الذي وجب على الآخر شىء، وإنما كان ذلك بمنزلة اشتراكها فى نتاج ما شيتها ، وتراث بساتينهما ، ونحو ذلك . ومن جوزه قال : هو مثل الاشتراك فى اكتساب المباحات ؛ لأنه لم يثبت هناك فى ذمة أحدهما عمل ؛ ولكن بالشركة صار ما يعمله أحدهما عن نفسه ، وعن شريكه . كذلك هنا ما يشترطه أحدهما من الأجرة ، أو شرط له من الجعل : هو له ولشريكه . والعمل الذي يعمل عن ٧٥ نفسه وعن شريكه . وهذا القول أصح ، لاسيما على قول من يجوز شركة العنان ، مع عدم اختلاط المالين ، ومع اختلاف الجنسين . وقد قال تعالى: (أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ) وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراماً أو حرم حلالا )) وأظن هذا قول مالك . وأما اشتراك الشهود فقد يقال: من مسألة ((شركة الأبدان )) التى تنازع الفقهاء فيها ؛ فإن الشهادة لا تثبت في الذمة ، ولا يصح التوكل فيها حتى يكون أحد الشريكين متصرفا لنفسه بحكم الملك ، ولشريكه بحكم الوكالة . والعوض فى الشهادة من باب الجعالة ؛ لا من باب الإجارة اللازمة ؛ فإنما هي اشتراك في العقد؛ لا عقد الشركة ؛ بمنزلة من يقول لجماعة : ابنوا لي هذا الحائط ، ولكم عشرة ، أو إن بليتموه فلكم عشرة ، أو إن خطتم هذا الثوب فلكم عشرة . أو إن رددتم عبدي الآبق فلكم عشرة . وإن لم يقدر الجمل - وقد علم أنهم يعملون بالجعل : مثل حمالين يحملون مال تاجر متعاونين على ذلك - فهم يستحقون جعل مثلهم عند جمهور العلماء : أبى حنيفة، ومالك، وأحمد ، وغيرهم ، كما يستحقه الطباخ الذي يطبخ بالأجرة ، والخباز الذى يخبز بالأجرة ، والنساج الذي ينسج بالأجرة ، والقصار الذي يقصر بالأجرة ، وصاحب الحمام ٧٦ والسفينة ، والعرف الذي جرت عادته بأن يستوفى منفعته بالأجر . فهؤلاء يستحقون عوض المثل عند الإطلاق . فكذلك إذا استعمل جماعة فى أن يشهدوا عليه ، ويكتبوا خطوطهم بالشهادة ، يستحقون الجعل ، فهو بمنزلة استعماله إيام في نحو ذلك من الأعمال ، إذا قيل : إنهم يستحقون الجعل فيستحقون جعل مثلهم على قدر أعمالهم ، فإن كانت أعمالهم ومنافعهم متساوية استحقوا الجعل بالسواء والصواب أن هذا الذي قاله هذا القائل صحيح إذا لم يتقدم منهم شركة . فأما إذا اشتركوا فيما يكتسبونه بالشهادة فهو كاشتراكهم فيما يكتسبونه بسائر الجعالات ، والإجارات . ثم الجعل فى الشهادة قد يكون على عمل فى الذمة ، وللشاهد أن يقيم مقامه من يشهد للجاعل . فهنا تكون شركة صحيحة عند كل من يقول بشركة الأبدان ، وم الجمهور: أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، وغيرهم . وهو الصحيح الذي يدل عليه الكتاب والسنة ، والاعتبار . إلا أن يكون الجعل على أن يشهد الشاهد بعينه ، فيكون فيها القولان المتقدمان . والصحيح أيضا جواز الاشتراك في ذلك ، كما هو قول مالك فى أصح القولين ؛ لكن ليس لأحد الشريكين أن يدع ٧٧ العمل ، ويطلب مقاسمة الآخر ؛ بل عليه أن يعمل ما أوجبه العقد لفظاً ، أو عرفاً . وأما إذا أكرههم القضاة على هذه الشركة بغير اختيارهم ، فهذا ليس من باب الإكراه على العقود بغير حق ؛ لأن القضاة م الذين يأذنون لهم فى الارتزاق بالشهادة ، وذلك موقوف على تعديلهم ؛ ليس بمنزلة الصناع الذين يكتسبون بدون إذن ولي الأمر ، وإذا كان للقضاة أمر فى ذلك جاز أن يكون لهم فى التشريك بينهم ، فإنه لابد من قعود اثنين فصاعداً ، ولا بد من اشتراكها فى الشهادة ؛ إذ شهادة واحد لا تحصل مقصود الشهادة . وإذا كان كذلك فالواجب أن يراعى فى ذلك موجب العدل بينهم، فلا يمتنع أحدهم عن عمل هو عليه ، ولا يختص أحدم بشىء من الرزق الذي وقعت الشركة عليه ، سواء كانوا مجتمعين ، أو متفرقين . والله سبحانه أعلم . ٧٨ وسئل رحمه اللّه عمن ولي أمراً من أمور المسلمين، ومذهبه لا يجوز ((شركة الأبدان)) فهل يجوز له منع الناس ؟ . فأجاب : ليس له منع الناس من مثل ذلك ، ولا من نظائره مما يسوغ فيه الاجتهاد ، وليس معه بالمنع نص من كتاب ، ولا سنة، ولا إجماع ، ولا ما هو فى معنى ذلك ؛ لاسيما وأكثر العلماء على جواز مثل ذلك ، وهو مما يعمل به عامة المسلمين في عامة الأمصار . وهذا كما أن الحاكم ليس له أن ينقض حكم غيره فى مثل هذه المسائل ، ولا للعالم والمفتى أن يلزم الناس باتباعه فى مثل هذه المسائل ؛ ولهذا لما استشار الرشيد مالكا أن يحمل الناس على ((موطئه» فى مثل هذه المسائل منعه من ذلك. وقال : إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا فى الأمصار، وقد أخذ كل قوم من العلم ما بلغهم . وصنف رجل كتاباً فى الاختلاف ، فقال أحمد : لا تسمه ((كتاب الاختلاف)) ولكن سمه ((كتاب السنة)). ٧٩ ولهذا كان بعض العلماء يقول : إجماعهم حجة قاطعة ، واختلافهم رحمة واسعة . وكان عمر بن عبد العزيز يقول : ما يسرنى أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا؛ لأنهم إذا اجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالا ، وإذا اختلفوا فأخذ رجل بقول هذا ، ورجل بقول هذا كان فى الأمر سعة . وكذلك قال غير مالك من الأئمة : ليس للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه . ولهذا قال العلماء المصنفون فى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعى وغيره : إن مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد، وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها ؛ ولكن يتكلم فيها بالحجيع العلمية، فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه ، ومن قاد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه . ونظائر هذه المسائل كثيرة : مثل تنازع الناس فى بيع الباقلا الأخضر فى قشربه ، وفى بيع المقانى جملة واحدة ، وبيع المعاطاة والسلم الحال ، واستعمال الماء الكثير بعد وقوع النجاسة فيه إذا لم تغيره ، والتوضؤ من مس الذكر ، والنساء ، وخروج النجاسات من غير السبيلين ، والقهقهة ، وترك الوضوء من ذلك، والقراءة بالبسملة سراً، أو جهراً، وترك ذلك. وتنجيس بول ما يؤكل لحمه وروثه، أو القول بطهارة ذلك، وبيع الأعيان الغائبة بالصفة . وترك ذلك، والتيمم بضربة أو ضربتين إلى الكوعين ، أو المرفقين ، والتيمم لكل صلاة ، أو ٨٠