Indexed OCR Text
Pages 501-520
أيضا ، وإذا وقع هذا البيع ، فهو فاسد ، ولا يستحق هذا البائع السلف إلا دين السلم ؛ دون ما جعله عوضاً عنه. وعليه أن يرد هذا العوض إن كان قبضه ، ويطالب بدين السلم ، فإن تعذر ذلك مثل أن يطول الزمان ، أو لا يعرف ذلك ونحو ذلك ، فليأخذ بقدر دين السلم من تلك الأعراض ، وليتصدق بالريح ، فإنه إذا أخذ مثل دين السلم فقد أخذ قدر حقه من ذلك المال ، والزيادة ريح مالم يضمن ، وهي لا تحل له، فليتصدق بها عن أصحابها، وإن كان لم يريج شيئا، وإنما باعه المستلف بسعره ، لم يكن عليه إخراج ماله . وسل عن رجل عنده فرس شراء بمائة وثمانين درهما ، فطلبه منه إنسان بثلاثمائة درهم إلى مدة ثلاثة شهور ، فهل يحل ذلك ؟ فأجاب : الحمد لله . إن كان الذي يشتريه لينتفع به ، أو يتجر به ، فلا بأس يبيعه إلى أجل ؛ لكن المحتاج لا يربج عليه إلا الربح المعتاد ، لا يزيد عليه لأجل ضرورته . وأما إن كان محتاجا إلى درام ، فاشتراء ليبيعه فى الحال ، ويأخذ تمنه ، فهذا مكروه فى أظهر قولي العلماء . ٥٠١ وسئل عن شخص عنده صنف . دفع له فيه رجل ألفين ومائة بالوزن ، ودفع له آخر ألفين وسبعمائة إلى أجل معلوم أثناء الحول ؟ فأجاب : إن كان الذي يشتريها إلى أجل يشتريها ليتجر فيها . أو ينتفع بها : جاز للبائع أن يبيعها إن شاء بالنقد ، وإن شاء إلى أجل وإن كان المشترى مقصوده الدرام ، وهو يريد أن يبيعها إذا اشتراها، ويأخذ الدرام، فهذا يسمى: ((التورق)) وهو مكروه فى أظهر قولي العلماء . ٥٠٢ وسل عن رجل أسلف خمسين درهما فى رطل حرير إلى أجل معلوم ، ثم جاء الأجل فتعذر الحرير فهل يجوز أن يأخذ قيمة الحرير ؟ أو يأخذ عوضه أي شيء كان ؟ . فأجاب : الحمد لله . هذه المسألة فيها روايتان عن الإمام أحمد . إحداهما : لا يجوز الاعتياض عن دين السلم بغيره ، كقول الشافعي وأبى حنيفة؛ لما روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من أسلم فى شيء فلا يصرفه إلى غيره )، وهذه الرواية هي المعروفة عند متأخري أصحاب الإمام أحمد ، وهي التى ذكرها الخرقى وغيره . والقول الثاني: يجوز ذلك ، كما يجوز فى غير دين السلم ، وفى المبيع من الأعيان ، وهو مذهب مالك . وقد نص أحمد على هذا في غير موضع ، وجعل دين السلم كغيره من المبيعات . فإذا أخذ عوضا غير مكيل ، ولا موزون ، بقدر دين السلم حين الاعتياض ، لا بزيادة على ذلك ، أو أخذ من نوعه بقدره : مثل أن يسلم في حنطة فيأخذ ٥٠٣ شعيرا بقدر الخطة ، أو بسلم فى حرير فيأخذ عنه عوضا من خيل . أو بقر ، أو غنم، فإنه يجوز. وقد ذكر ذلك طائفة من الأصحاب - كابن أبى موسى ، والسامري صاحب المستوعب - لكن [ في ] بعض الصور كما قال فى ((المستوعب)): ومن أسلم فى شيء لم يجز أن يأخذ من غير جنسه بحال ، في إحدى الروايتين ، وفى الأخرى يجوز ، وأن بأخذ ما دون الخطة من الحبوب كالشعير ونحوه ، بمقدار كيل الخطة ، لا أكثر منها ولا بقيمتها ، نص عليه . قال في رواية أبى طالب: إذا أسلفت في كر حنطة ، فأخذت شيرا فلا بأس ، وهو دون حقك ، ولا تأخذ مكان الشعير حنطة . وأما المطلعون على نصوص أحمد ، فذكروا ما هو أعم من ذلك، وأنه يجوز الاعتياض من دين السلم بغير المكيل والموزون مطلقا ، كما ذكر ذلك أبو حفص العكبري فى مجموعه. ونقله عنه القاضي أبو يعلى بخطه ، فإن كان ما أسلم فيه مما يكال أو يوزن ، فأخذ من غير نوعه مثل كيله مما هو دونه فى الجودة جاز . وكذلك إن أخذ قيمته مما لا يكال ولا يوزن ، كيف شاء. نقل ابن القاسم عن أحمد : قلت لأبى عبد الله: إذا لم يجد ما أسلم فيه، ووجد غيره من جنسه بأخذه؟ قال : نعم ، إذا كان دون الشيء الذي له [ قلت ] فإنما أسلم في قفيز حنطة موصلي ، فقال: فيأخذ مكانه سلتى ، أو قفيز شعير بكيلة واحدة، ٥٠٤ لا يزداد ، وإن كان فوقه فلا يأخذ ، وذكر حديث ابن عباس ، رواه طاوس عن ابن عباس : إذا أسلمت في شيء فجاء الأجل فلم تجد الذي أسلمت ، فخذ عوضا بأنقص منه ، ولا تربح مرتين . ونقل أيضا أحمد بن أصرم ، سئل أحمد عن رجل أسلم في طعام إلى أجل ، فإذا جاء الأجل يشتري منه عقارا ، أو دارا . فقال : نعم! يشتري منه ما لا يكال ولا يوزن . وقال حرب الكرمانى: سألت أحمد، قلت : رجل أسلف رجلا درام فى بر. فلما حل الأجل لم يكن عنده، فقال قوم : الشعير بالدرام ، فخذ من الشعير . قال : لا يأخذ منه الشعير إلا مثل كيل البر ، أو أنقص. قلت : إذا كان البر عشرة أجربة ، أيأخذ الشعير عشرة أجربة ؟ قال : نعم . وكذلك نقل غير هؤلاء عن أحمد ، وهذه الرواية أكثر فى نصوص أحمد ، وهي أشبه بأصوله ، فإن علته فى منع بيع دين السلم كونه مبيعاً فلا يباع قبل القبض . وأحمد في ظاهر مذهبه لا يمنع من البيع قبل القبض مطلقا ؛ بل له فيه تفصيل ، وأقوال معروفة . ولذلك فرق بين البيع من البائع وغيره . وكذلك مذهب مالك يجوز بيع المسلم فيه، إذا كان عوضا من بائعه بمثل ثمنه، وأقل. ولا يجوز بأكثر ، ولا يجوز ذلك فى الطعام . وقال ابن المنذر : ثبت أن ابن عباس قال : إذا أسلفت فى شيء ٥٠٥ فحل الأجل ، فإن وجدت ما أسلفت فيه ، وإلا فخذ عوضا بأنقص منه. وهذا ابن عباس لما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم: (( أنه نهى عن بيع الطعام قبل قبضه)) قال : ولا أحسب كل شيء إلا بمنزلة الطعام . وأما ما ذكره الشيخ أبو محمد فى ((مغنيه)). لما ذكر قول الخرقى: وبيع المسلم فيه من بائعه أو غيره قبل قبضه فاسد . قال أبو محمد: بيع المسلم قبل قبضه لا يعلم فى محريمه خلاف . فقال رحمه الله بحسب ما علمه؛ وإلا فذهب مالك أنه يجوز بيعه من غير المستسلف ، كما يجوز عنده بيع سائر الديون من غير من هو عليه ، وهذا أيضا إحدى الروايتين عن أحمد ، نص عليه فى مواضع بيع الدين من غير من هو عليه ، كما نص على بيع دين السلم ممن هو عليه ، وكلاهما منصوص عن أحمد فى أجوبة كثيرة من أجوبته ، وإن كان ذلك ليس فى كتب كثير من متأخري أصحابه وهذا القول أصح ، وهو قياس أصول أحمد ؛ وذلك لأن دين السلم مبيع ، وقد تنازع العلماء فى جواز بيع المبيع قبل قبضه ، وبعد التمكن من قبضه ، وفى ضمان ذلك ، فالشافعي يمنعه مطلقا ، ويقول : هو من ضمان البائع . وهو رواية ضعيفة عن أحمد . وأبو حنيفة يمنعه إلا فى العقار ، ويقول: هو من ضمان البائع. وهؤلاء يعللون المنع ٥٠٦ بتوالي الضمانين . وأما مالك وأحمد فى المشهور عنه وغيرهما فيقولون : ما تمكن المشتري من قبضه، وهو المتعين بالعقد - كالعبد والفرس ونحو ذلك - فهو من ضمان المشتري . على تفصيل لهم ، ونزاع فى بعض المتعينات ؛ لما رواه أحمد وغيره عن الزهري عن سالم عن ابن عمر أنه قال : (( مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حياً مجموعا، فهو من ضمان المشتري)) فظاهر مذهب أحمد : أن الناقل للضمان إلى المشتري هو التمكن من القبض ؛ لا نفس القبض . فظاهر مذهبه ، أن جواز التصرف فيه ليس ملازما للضمان ، ولا مبنيا عليه ؛ بل قد يجوز التصرف فيه حيث يكون من ضمان البائع، كما ذكر فى الثمرة، ومنافع الإجارة ، وبالعكس، كما فى الصبرة المعينة . وقد ذكر الخرقي فى ((مختصره)) هذا ، وهذا ، فقال: إذا اشترى الثمرة دون الأصل ، فتلفت بجائحة من السماء ، رجع بها على البائع . وقال الأصحاب : لا يلزم من إباحة التصرف تمام القبض ، بدليل المنافع فى الإجارة ، ثم قال الخرقي: وإذا وقع البيع على مكيل ، أو موزون أو معدود ، فتلف قبل قبضه ، فهو من مال البائع ، وهذا عند جمهور الأصحاب ، ما بيع بالكيل والوزن والعدد سواء كان متعينا ، أو غير متعين . ثم قال الخرقي : ومن اشترى ما يحتاج إلى قبضه ، لم يجز بيعه ٥٠٧ حتى يقبضه. ففرق بين ما يحتاج إلى القبض ، وما لا يحتاج ، فما لا يحتاج يكفى فيه التمكن ، كالمودع . ثم قال : ومن اشترى صبرة طعام لم يبعها حتى ينقلها ، فالصبرة مضمونة على المشتري بالتمكن ، والتخلية ، فلا يبيعها حتى ينقلها ، وهذا كله منصوص أحمد ، لكن في ذلك نزاع بين الأصحاب ، وروايات ليس هذا موضعها . والمقصود هنا : أن في ظاهر مذهب أحمد قد يكون المبيع مضمونا على البائع ، ويجوز للمشتري بيعه فى ظاهر المذهب ، كالثمر إذا بيع بعد بدو صلاحه ، فإنه في مذهب مالك وأحمد من ضمان البائع ، وهو قول معلق للشافعي ، لما رواه مسلم فى صحيحه عن جابر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا بعت من أخيك ثمرة ، فأصابتها جائحة ، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً ، بم بأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟! )). ومع هذا فيجوز فى أصح الروايتين عن أحمد للمشتري أن يبيع هذا الثمر ، مع أنه من ضمان البائع ، وهذا كما يجوز للمستأجر أن يؤجر ما استأجره بمثل الأجرة بلا نزاع . وإن كانت المنافع مضمونة على البائع . ولكن إذا أجرها بزيادة من غير إحداث زيادة ، ففيه روايتان : ((إحداهما)) يجوز كقول الشافعى. ((والثانية)) لا يجوز، كقول ٥٠٨ أبي حنيفة؛ لأنه ربح ما لم يضمن، والنبى صلى اللّه عليه وسلم ((نهى عن ربح ما لم يضمن)) قال الترمذي : حديث صحيح. والقول الأول أصح ؛ لأن المشتري لو عطل المكان الذي اكتراء وقبضه لتلفت منافعه من ضمانه ، ولكن لو انهدمت الدار لتلفت من مال المؤجر . وهذه المسائل مبسوطة فى موضعها . والمقصود هنا : أن أصل أحمد ومالك جواز التصرف ، وأنه يوسع فى البيع قبل انتقال الضمان إلى المشتري ؛ بخلاف أبى حنيفة والشافعي، والرواية الأخرى عن أحمد ، فإن البيع لا يجوز على أصلها ، إلا إذا انتقل الضمان إلى المشترى ، وصار المبيع مضمونا عليه . قالوا : لئلا يتوالى الضمانان ؛ فإن المبيع يكون مضمونا قبل القبض على البائع الأول؛ فإذا بيع قبل أن يضمنه المشتري صار مضمونا عليه ، فيتوالى عليه الضمانان . وعلى قول مالك وأحمد المشهور عنه : هذا مأخذ ضعيف ، لا محذور فيه ؛ فإن المبيع إذا تلف قبل التمكن من قبضه . كان على البائع أداء الثمن الذي قبضه من المشتري الثانى . فالواجب بضمان هذا غير الواجب بضمان هذا . وإذا عرف هذا : فعلى قول هؤلاء يمنع من بيع دين السلم ؛ لأنه لم يضمنه المسلف ، فإنه لا يضمنه إلا بالقبض فلا يبيع مالم يضمن . وعلى ٥٠٩ قول مالك وأحمد فى المشهور عنه : يجوز ذلك . كما ثبت ذلك عن ابن عباس ؛ ولكن لا يجوز بريح ؛ بل لا يباع إلا بالقيمة ؛ لئلا يريج المسلف فيما لا يضمن ، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم (( أنه نهى عن ريح ما لم يضمن)). والدليل على ذلك أن الثمن يجوز الاعتياض عنه قبل قبضه بالسنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال ابن عمر : كنا نبيع الإبل بالنقيع - والنقيع بالنون: هو سوق المدينة . والبقيع بالباء هو مقبرتها . قال : - كنا نبيح بالذهب ، ونقضي الورق ، ونبيع بالورق، ونقضي الذهب . فسألت النبى صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فقال : ((لا بأس إذا كان بسعر يومه، إذا تفرقتما وليس بينكما شيء)). فقد جوز النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتاضوا عن الدين الذي هو الثمن بغيره ، مع أن الثمن مضمون على المشتري لم ينتقل إلى ضمان البائع ، فكذلك المبيع الذي هو دين السلم يجوز بيعه ، وإن كان مضموناً على البائع لم ينتقل إلى ضمان المشتري . والنبى صلى الله عليه وسلم إنما جوز الاعتياض عنه إذا كان بسعر يومه ؛ لئلا يرج فيما لم يضمن . وهكذا قد نص أحمد على ذلك فى بدل القرض وغيره من الديون ، إنما يعتاض عنه بسعر يومه ؛ لئلا يكون ربحا فيما لا يضمن ، وهكذا ذكر الإمام أحمد عن ابن عباس لما أجاب فى السلم أن قال إذا أسلمت ٥١٠ في شيء نجاء الأجل ، ولم تجد الذي أسلمت فيه فخذ عوضاً بأنقص منه ، ولا تريح مرتين . وكذلك مذهب مالك يجوز الاعتياض عنه بسعر يومه ، كما أجاب به أحمد، ونقله عن ابن عباس . ومالك استثنى الطعام ؛ لأن من أصله أن بيع الطعام قبل قبضه لا يجوز ، وهي رواية عن أحمد وأحمد فرق بين أن يبيع المكيل والموزون يمكيل وموزون ، أو غير ذلك . فإن باعه بغير ذلك : مثل أن يعتاض عن المكيل والموزون كالخطة والشعير الذي أسلم فيه بخيل أو بقر ، فإنه جوز هذا ، كما جوزه مالك، وقبلها ابن عباس . إذا كان بسعر يومه . وأما إذا اعتاض عنه بمكيل أو موزون ، مثل أن يعتاض عن الخنطة بشعير كرهه ؛ إلا إذا كان بقدره ؛ فإن بيع المكيل بالمكيل ، والموزون بالموزون ؛ يشترط فيه الحلول والتقابض . ولهذا لا يجوز بيع الحنطة بالشعير إلا يداً بيد ، ولا بيع الذهب بالفضة إلا يداً بيد. والمسلم لم يقبض دين المسلم ، فكره هذا ، كما يكره هو فى إحدى الروايتين ، والشافعي فى أحد القولين : بيع الدين ممن هو عليه مطلقاً ، على أنه باع ما لم يضمنه ، ولم يقبضه . والصواب الذي عليه جمهور العلماء ، وهو ظاهر مذهب الشافعي ، ٥١١ وأحمد : أنه يجوز بيع الدين ممن هو عليه ؛ لأن ما فى الذمة مقبوض للمدين ؛ لكن إن باعه بما لا يباع به نسيئة اشترط فيه الحلول والقبض؛ لئلا يكون ربا . وكذلك إذا باعه بموصوف في الذمة . وإن باعه بغيرهما ففيه وجهان : أحدهما لا يشترط كما لا يشترط في غيرها . والثانى يشترط ؛ لأن تأخير القبض نسيئة ، كبيع الدين بالدين ، ومالك لم يجوز بيع دين السلم إذا كان طعاماً: لأنه بيع. وأحمد جوز بيعه . وإن كان طعاماً أو مكيلا ، أو موزوناً من بائعه ، إذا باعه بغير مكيل أو موزون ؛ لأن النهي عن بيع الطعام قبل قبضه هو في الطعام المعين، وأما ما فى الذمة فالاعتياض عنه من جنس الاستيفاء . وفائدته سقوط ما في ذمته عنه ، لا حدوث ملك له ، فلا يقاس هذا بهذا . فإن البيع المعروف هو أن يملك المشترى ما اشتراه ، وهنا لم يملك شيئاً ؛ بل سقط الدين من ذمته . وهذا لو وفاء ما فى ذمته لم يقل إنه باعه دراهم بدرام ، بل يقال : وفاء حقه ؛ بخلاف ما لو باعه درام معينة بدراهم معينة ؛ فإنه بيع ، فلما كان في الأميان إذا باعها يجنسها لم يكن بيعا، فكذلك إذا أوفاها من غير جنسها لم يكن بيعا . بل هو إيفاء فيه معنى المعاوضة . ٥١٢ ولهذا لو حلف ليقضينه حقه فى غد ، فأعطاه عوضاً بر فى يمينه في أصح الوجهين ، فنهيه عن بيع الطعام قبل قبضه يريد به بيعه من غير البائع ، فيه نزاع . وذلك أن من علله بتوالي الضمان يطرد النهي ، وأما من علل النهي بتمام الاستيفاء ، وانقطاع علق البائع حتى لا يطمع فى الفسخ ، والامتناع من الإقباض . إذا رأى المشتري قد ريح فيه ، فهو يعلل بذلك فى الصبرة قبل نقلها ، وإن كانت مقبوضة ، وهذه العلة منتفية فى بيعه من البائع . وأيضا فبيعه من البائع يشبه الإقالة ، وفى أحد قولي العلماء تجوز الإقالة فيه قبل القبض . والإقالة هل هي فسخ أو بيع ؟ على قولين ، هما روايتان عن أحمد ، فإذا قلنا : هي فسخ لم يجز إلا بمثل الثمن . وإذا قلنا هي بيع ، ففيه وجهان. ودين السلم مجوز الإقالة فيه بلا نزاع. فعلم أن الأمر في دين السلم أخف منه فى بيع الأعيان : حيث كان الأكثرون لا يجوزون بيع المبيع لبائعه قبل التمكن من قبضه ، ويجوزون الإقالة فى دين السلم . والاعتياض عنه يجوز كما يجوز الإقالة؛ لكن إنما يكون إقالة إذا أخذ رأس ماله أو مثله ، وإن كان مع زيادة، أما إذا باعه بغير ذلك فليس إقالة ، بل هو استيفاء فى معنى البيع لما لم يقبض . وأحمد جوز بيع دين السلم من المستسلف؛ اتباعا لابن عباس ، وابن ٥١٣ عباس يقول: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل قبضه )، ولا أحسب كل شيء إلا بمنزلة الطعام . فابن عباس لا يجوز البيع قبل القبض ، وجوز بيع دين السلم ممن هو عليه إذا لم يربج . ولم يفرق ابن عباس بين الطعام وغيره ، ولا بين المكيل والموزون وغيرهما ؛ لأن البيع هنا من البائع الذي هو عليه ، وهو الذي يقبضه من نفسه لنفسه ؛ بل ليس هنا قبض ؛ لكن يسقط عنه مافي ذمته ، فلا فائدة فى أخذه منه ثم إعادته إليه ، وهذا من فقه ابن عباس . ومالك جعل هذا بمنزلة بيع المعين من الأجنبى ، فمنح بيع الطعام المسلف فيه من المستلف ، وأحمد لم يجعله كبيع الطعام قبل القبض من الأجنى ، كما قال مالك ؛ بل جوزه بغير المكيل والموزون ، كما أجازه ابن عباس . وأما بالمكيل والموزون ، فكرهه ، لئلا يشبه بيع المكيل بالمكيل من غير تقابض إذا كان لم توجد حقيقة التقابض من الطرفين . وأما إذا أخذ عنه من جنسه بقدر مكيله ما هو دونه فجوزه ؛ لأن هذا من الاستيفاء من الجنس ؛ لا من باب البيع ، كما يستوفي عن الجيد بالرديء . والحنطة والشعير قد يجريان مجرى الجنس الواحد ؛ ولهذا فى جواز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا روايتان : ( إحداهما ) : المنع ، كقول مالك . ٥١٤ و (الثانية ) : الجواز ، كقول أبى حنيفة والشافعي. وهذه الكراهة من أحمد فى المكيل والموزون بمكيل أو موزون ؛ قد يقال هي على سبيل التنزيه . أو يكون إذا أخر القبض. وهذا الثانى أشبه بأصول أحمد ونصوصه ، وهو موجب الدليل الشرعي ؛ وذلك أنه إذا باع المكيل بمكيل أو الموزون بموزون اشترط فيه الحلول والتقابض . فإن باع أحدهما بالآخر فعنه في ذلك روايتان . وهذا بناء على أن العلمة فى الأصناف الستة هي التماثل ، وهو مكيل جنس ، أو موزون جلس . فإن العلماء متفقون على أن بيع الذهب بالفضة نسيئة لا يجوز ، وكذلك بيع البر والتمر . والشعير والملح بعضه ببعض نساء لا يجوز. فمن جعل العلة التماثل ـ وهو الكيل والوزن أو الطعم أو مجموعها - حرم النساء فيما جمعهما علة واحدة . وهذه الأقوال هي روايات عن أحمد . فالتماثل وهو مكيل جنس ، أو موزون جنس : هو المشهور عنه ، وهو مذهب أبى حنيفة. والطعم : وهو مذهب الشافعي . ومجموعها قول ابن المسيب وغيره . وأحد قولي الشافعي ، وهو اختيار الشيخ أبى محمد المقدسي . ومذهب مالك قريب من هذا ، وهو القوت ، وما يصلحه . وإذا كان كذلك : فدين السلم وغيره من الديون إذا عوض عنه بمكيل وجب قبضه فى مجلس التعويض . وكذلك الموزون إذا عوض ٥١٥ عنه بموزون: مثل أن يعوض عن الحرير بقطن أو كتان . فإذا بيع المكيل بالمكيل بيعا مطلقا بحيث لا يقبض العوض فى المجلس لم يجز ؛ بخلاف ما إذا بيع بحيوان أو عقار ؛ فإن هذا لا يشترط قبضه فى المجلس فى أصح الوجهين ، وهو المنصوص عنه . فكلام أحمد يخرج على هذا. ونهيه عن البيع يحمل على هذا. ولهذا قال: إذا حل الأجل يشترى منه مالا يكال ولا يوزن. فأطلق الإذن فى ذلك؛ بخلاف المكيل والموزون ، فإنه لا يشتري مطلقاً؛ بل يقبض فى المجلس ، كما إذا بيع بعين . بدل على ذلك أن أحمد اتبع قول ابن عباس في ذلك . وابن عباس قال : إذا أسلمت فى شيء فجاء الأجل ولم تجد الذي أسلمت فيه ، فخذ عوضاً بأنقص ، ولا تريح مرتين . فإنما نهاء عن الريح فيه : بأن يبيعه دين السلم بأكثر مما يساوي وقت الاستيفاء ؛ ولهذا أحمد منع إذا استوفى عنه مكيلا - كالشعير - أن يكون بزيادة . ولم يفرق ابن عباس بين أن يبيعه بمكيل أو موزون ، وبين أن يبيعه بغيرهما . وليس هذا من ربا الفضل ، فيقال : إن ابن عباس يجيز ربا الفضل ؛ بل بيع الذهب بالفضة إلى أجل حرام بإجماع المسلمين ، وكذلك بيع الحنطة بالشعير إلى أجل . وهذا قياس مذهب أحمد وغيره ؛ فإن ما فى الذمة مقبوض ، فإذا كان مكيلا أو موزوناً وباعه بمكيل أو موزون ولم يقبضه فقد باع مكيلا بمكيل ولم يقبضه ، وأما إذا قبضه فهذا جائز . ٥١٦ وقد ثبت فى مذهب أحمد أنه إذا باع بذهب جاز أن يأخذ عنه ورقا ، وإذا باع بورق جاز أن يأخذ عنه ذهباً فى المجلس ، كما فى حديث ابن عمر، وهذا أخذ عن الموزون بالموزون . فإذا جاز ذلك فى الثمن جاز في المثمن ، ليس بينهما فرق. إلا على قول من يقول : هذا مبيع لم يقبض، فلا يجوز بيعه . وقد ظهر فساد هذا المأخذ فى السلم . وابن عباس الذي منع هذا جوز هذا، وأن بيع دين السلم من بائعه ليس فيه محذور أصلا ، كما فى بيعه من غير بائعه ؛ لا بتوالي الضمان ، ولا غير ذلك . وأما احتجاج من منع بيع دين السلم بقوله صلى الله عليه وسلم: ((من أسلف فى شيء فلا بصرفه إلى غيره )) فعنه جوابان : أحدهما : أن الحديث ضعيف . والثانى: المراد به أن لا يجعل السلف سلما فى شيء آخر . فيكون معناه النهي عن بيعه بشيء معين إلى أجل ، وهو من جنس بيع الدين بالدين. ولهذا قال: ((لا بصرفه إلى غيره)) أي لا بصرف المسلم فيه إلى مسلم فيه آخر . ومن اعتاض عنه بغيره قابضاً للعوض لم يكن قد جعله سلما في غيره . وبسط هذه المسائل لا يحتمله هذا الجواب . لكن الرخصة فى هذا الباب ثابتة عن ابن عباس ، وهي مذهب ٥١٧ مالك . وأحمد رخص فيه أكثر من مالك . وما ذكره الخرقي وغيره، قد قيل : إنه رواية أخرى ، كما ذكره ابن أبى موسى وغيره رواية عن أحمد . والصواب أن هذا جائز ، لا دليل على تحريمه . والله أعلم . وسل من الرجل يسلم فى شيء ، فهل له أن يأخذ من المسلم إليه غيره. كمن أسلم فى حنطة ؟ فهل له أن يأخذ بدلها شعيراً ، سواء تعذر المسلم فيه أم لا ؟ فأجاب : إذا أسلم فى حنطة فاعتاض عنها شعيراً ونحو ذلك : فهذه فيها قولان للعلماء : أحدهما : أنه لا يجوز الاعتياض عن السلم بغيره ، كما هو مذهب أبى حنيفة والشافعي ، وأحمد فى إحدى الروايتين عنه . والثانى : يجوز الاعتياض عنه في الجملة ، إذا كان بسعر الوقت ، أو أقل . وهذا هو المروي عن ابن عباس حيث جوز إذا أسلم في شيء أن يأخذ عوضاً بقيمته، ولا يربج مرتين. وهو الرواية الأخرى عن أحمد ، حيث يجوز أخذ الشعير عن الخطة إذا لم يكن أغلى من ٥١٨ قيمة الخطة . وقال بقول ابن عباس فى ذلك . ومذهب مالك يجوز الاعتياض عن الطعام والعرض بعرض. والأولون احتجوا بما فى السنن. عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من أسلم فى شيء فلا يصرفه إلى غيره)) قالوا : وهذا يقتضى أن لا يبيع دين السلم لا من صاحبه ، ولا من غيره . والقول الثانى أصح ، وهو قول ابن عباس ، ولا يعرف له فى الصحابة مخالف ؛ وذلك لأن دين السلم دين ثابت ، فجاز الاعتياض عنه كبدل القرض ، وكالثمن فى المبيع ؛ ولأنه أحد العوضين فى البيع جاز الاعتياض عنه. كالعوض الآخر. وأما الحديث ففي إسناده نظر، وإن صح فالمراد به أنه لا يجعل دين السلم سلفاً فى شيء آخر ؛ ولهذا قال : ((فلا يصرفه إلى غيره)) أى لا يصرفه إلى سلف آخر . وهذا لا يجوز لأنه يتضمن الربح فيما لم يضمن، وكذلك إذا اعتاض عن ثمن المبيع والقرض فإنما يعتاض عنه بسعره، كما فى السنن عن ابن عمر أنهم سألوا النبى صلى اللّه عليه وسلم فقالوا: إنا نبيع الابل بالتقيح بالذهب ونقبض الورق ونبيع بالورق ونقبض الذهب . فقال: ((لا بأس إذا كان بسعر يومه إذا افترقتما وليس بينكما شيء)) فيجوز الاعتياض بالسعر لئلا يريح فيما لم يضمن. فإن قيل فدين السلم يتبع ذلك فنهي عن بيع مالم يقبض. قيل : النهي إنما كان فى الأعيان لا فى الديون . ٥١٩ وقال رحم الله (١) فصل ((عوض المثل)» كثير الدوران فى كلام العلماء - وهو أمر لا بدمنه فى العدل الذي به تتم مصلحة الدنيا والآخرة ، فهو ركن من أركان الشريعة مثل قولهم: قيمة المثل . وأجرة المثل . ومهر المثل ، ونحو ذلك. كما فى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أعتق شركا له في عبد ، وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد ، قوم عليه قيمة عدل ، لا وكس ، ولا شطط، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد)). وفى حديث أنه قضى في بروع بنت واشق بمهر مثلها ، لا وكس ، ولا شطط - يحتاج إليه فيما يضمن بالإتلاف من النفوس ، والأموال ، والأبضاع ، والمنافع ، وما يضمن بالمثل من الأموال والمنافع ، وبعض النفوس . وما يضمن بالعقود الفاسدة ، والصحيحة أيضا؛ لأجل الأرش فى النفوس والأموال . (١) محلها في البيع الفاسد . ٥٢٠