Indexed OCR Text

Pages 381-400

يعمل بيده فينفع نفسه، ويتصدق . قالوا : فإن لم يستطع ، قال : يعين
صانعا ، أو يصنع الأخرق . قالوا : فإن لم يستطع ، قال : يكف نفسه
عن الشر فإنها صدقة بتصدق بها على نفسه)).
ومما يوضح الأمر في ذلك: أن الله سبحانه وتعالى خلق الأشياء
أجناساً وأصنافا وأنواعا ، تشترك في شيء، ويمتاز بعضها عن بعض بشيء ،
كما أن الدواب تشترك فى أنها تحس وتتحرك بالإرادة فهذا لازم لها
كلها؛ ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((أصدق الأسماء حارث
وهمام )). إذ كل إنسان لا بد له من حرث، وهو كسبه وعمله. ولا
بد له من م ، هو مبدأ إرادته ، ويمتاز بعض الدواب عن بعض بما
يفصل بينه وبين غيره . فهذه الخواص الفاصلة مختصة ، كما أن الصفات
المشتركة عامة ، وهذا كالنطق للإنسان ، والصهيل للفرس ، والرغاء
للبعير ، والنهيق للحمار ، وأمثال ذلك.
وكذلك النباتات تشترك مع الدواب فى أنها تنمي وتغذى ؛ ولكن
ليس للنبات حس ، ولا إرادة تتحرك بها ، والمعدن مشارك فى بعض
ذلك . وقد على أن هذه الأصناف - التى تسمى الأنواع التى يفضل
بعضها عن بعض بهذه الخواص الفاضلة - إذا تقومت بهذه الفضول
الخواص لم يكن لبشر أن يجعلها من أنواع أخر ، ولا أن يجعل ذلك
الفضل ويلبسها فضلا آخر ، فلا يمكنه أن يجعل الخطة شعيراً ، ولا
٣٨١

الفرس حماراً ولا المار ثوراً . وكذلك لا يمكنه أن يجعل الفضة
ذهباً، ولا النحاس فضة ، وأمثال ذلك؛ وإنما غايته بشبه وجوده ، ويدلس .
ومن زعم من الكيماوية أن الفضة ذهب لم يستكمل نضجه ، فقد
كذب؛ بل لهذا معدن ، ولهذا معدن ، كما ثبت فى الصحيح عن
النبى صلى الله عليه وسلم (( أنه قيل له : أي الناس أكرم؟ فقال :
أنقام . فقالوا : لسنا نسألك عن هذا ؛ فقال: يوسف نى الله . ابن
يعقوب نبى الله، ابن إسحق نى اللّه، ابن إبراهيم خليل الله . فقالوا :
لسنا نسألك عن هذا . فقال : أفعن معادن العرب تسألوني ؟ الناس
معادن كمعادن الذهب والفضة )، فكما أن قريشاً ليس أصلها أصل تميم ،
وعدنان ليس أصلها أصل قحطان ، والعرب ليس أصلها أصل العجم ،
فكذلك ليس أصل الذهب أصل الفضة ، ولا أصل الفضة أمل
الذهب ، وإن قدر أن معدن الذهب يكون فيه فضة ، كما يكون فى معدن
الفضة نحاس ، فكذلك خبث المعادن .
ومعلوم أن المستخرج من المعدن لابد من تصفيته من خبئه ،
والناس يعلمون ما شاء الله من معادن الفضة لا يخرج منها ذهب . ولو
كانت الفضة إذا أكمل طبخها صارت ذهباً، لكان يخرج من معادن
الفضة ذهب ؛ إلا أن يقال : ليس من طبيعة ذلك المعدن حرارة طبخها .
فيقال : هذا أيضا مما يبطل قول الكيماوية ؛ وذلك أن الله سبحانه يخلق
٣٨٢

الذهب في معادن بحرارة ورطوبة ، ويخلقها فى المعدن كما يخلق الأجنة
في بطون الأرحام ، وكما يخلق فى الحرث من الأشجار والزرع بحرارة
يخلقها ، وما يخلق به من الحرارة التى أودعها فى تلك الأجسام لا تقوم
مقامه حرارة النار التى نصنعها نحن .
وبالجملة فاستقراء هذين الأصلين - أن المخلوق لا يكون مصنوعا،
والمصنوع لا يكون مخلوقا ، وأن الأنواع المفضلة بخواصها لا يمكن أن
ينقل منها نوع إلى نوع آخر - يظهر ذلك بالعقل، والدلالة الشرعية
المستنبطة من الكتاب والسنة ، والإجماع أيضا فى ذلك ، ثم ما فطر
الله عليه عباده - وسوى بين بلاده - من إنكار ذلك وعقوبة فاعليه في
الجملة ظاهر ، وإن فعله بعضهم باطنا .
ثم إن الذين يصنعون الكيمياء، ويدعون أنها حق حلال لو بيع
لأحدم ذهب ، وقيل له : هو من عمل الكيمياء لم يشتره ، كما يشترى
المعدني ، وإن صنع به كما يصنع بذهبه الذي يعلمه من الاعتبار ؛ بل
قد جبلت قلوب الناس على أن من فعل هذا نسبوه إلى الغش والزغل
والتمويه ، والناس شهداء الله فى الأرض .
وأيضا فإن فضلاء أهل ((الكيمياء )) يضمون إليها الذي يسمونه
السيميا كما كان يصنع ابن سبعين، والسهروردي المقتول، والخلاج ،
٣٨٣

وأمثالهم . وقد علم أنه محرم بكتاب الله وسنة رسوله ، وإجماع الأمة ؛
بل أكثر العلماء على أن الساحر كافر ، يجب قتله . وقد ثبت قتل
الساحر عن عمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وحفصة بنت عمر ،
وعبد الله بن عمر ، وجندب بن عبد الله، وروى ذلك مرفوعا عنه
عن النبى صلى الله عليه وسلم. وقد قال الله تعالى: (وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ
حَيْثُأَنَى ). وقال تعالى :
( وَأَتَّبَعُواْ مَاتَنْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّالشَّيَاطِينَ
كَفَرُ واْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَرُوتَ وَمَرُونَ
وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ
بِهِ، بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، وَمَاهُم بِضَآرِّينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَنَعَلَّمُونَ
مَا يَضُرُهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِّمُواْ لَمَنِ أَشْتَرَنُهُ مَالَهُ، فِى الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقَّ
وَلَبِتْسَ مَاشَرَ وْأَبِهِ: أَنْفُسَهُمْ لَوْكَانُوا يَعْلَمُونَ)
فبين سبحانه أن طلاب السحر يعلمون أن صاحبه ماله فى الآخرة
من خلاق : أي من نصيب ، ولكن يطلبون به الدنيا : من الرئاسة
والمال. (وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْأ ) لحصل لهم من ثواب الله فى الدنيا
والآخرة ما هو خير لهم مما يطلبونه .
ولهذا نجد الذين يدخلون فى السحر ، ودعوة الكواكب ،
٣٨٤

وتسبيحاتها ، فيخاطبونها ، ويسجدون لها ، إنما مطلوب أحدم المال
والرئاسة ، فيكفر ويشرك بالله ؛ لأجل ما يتوهمه من حصول رئاسة
ومال ، ولا يحصل له إلا ما يضره ولا ينفعه ، كما يدل عليه استقراء
أحوال العالم .
وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عد
من الكبائر الإشراك بالله، والسحر، وقتل النفس، والربا، والفرار
من الزحف ، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ، وغير ذلك من أنواع
السحر . وأصنافه متنوعة .
وإنما المقصود هنا: أنك تجد ((السيميا )) التى هي من السحر كثيرا
ما تقترن بالكيمياء ؛ ومعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن السحر من
أعظم المحرمات ، فإذا كانت الكيمياء تقرن به كثيراً ، ولا تقترن بأهل
العلم والإيمان : علم أنها ليست من أعمال أهل العلم والإيمان ؛ بل من
أعمال أهل الكفر والفسوق والعصيان . وهذا كله فيمن وصل إلى
الكيمياء وعملها ، وقدر على أن ينفق منها ولا ينكر عليه، وأكثر
الطالبين لها لم يوصلوا إلى ذلك ، ولم يقدروا عليه ، ومن وصل منهم
إلى ذلك مرة تعذر عليه فى غالب الأوقات ، مع حصول المفسدات .
ومن استقرأ أحوال طالبيها وجد تحقيق ما قاله الأئمة ، حيث قالوا:
٣٨٥

من طلب المال بالكيمياء أفلس ، ومن طلب العلم بالكلام تزندق ،
ومن طلب غرائب الحديث كذب . وكم أنفقوا فيها من الأموال ، وكم
صحبوابها من الرجال ، وكم أكثروا فيها من القيل والقال ، وكم علقوا
بها الأطماع والآمال ، وكم سهروا فيها من الليالي ، ولم يظفروا إلا بخسارة
الدنيا والدين ، ونقص العقل والعلم ، ونصب العرض والذل والصغار
والحاجة والإقتار ، وكثرة الهموم والأحزان ، ومحبة شرار الأقران ،
والاشتغال عما ينفعهم فى المعاش والمعاد ، والأعراض عما ينفع في
الآخرة من الزاد .
لا سيما وهي كثيرا ما تقود أصحابها إلى أنواع المعاصي والفسوق ؛
إذ طالبها يبغيها بغية العاشق للمعشوق؛ بل قد تؤول إلى الكفر بالرحمن،
والإعراض عن الإيمان والقرآن ، والدخول فى أضاليل المشركين ،
وعباد الأوثان ، وهو خسارة الدنيا والدين ، لم يحصل إلا على طمع
كاذب، كالبرق الخالب، والسراب الذي ( يَحْسَبُهُ الَّمْشَانُ مَآءَ حَقَّ إِذَا
جَآءَّهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَقَّتُهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ)
فهم فى ذلك بمنزلة من يظن فى أهل الكفر من القسيسين
والرهبان أنهم من عباد الله أهل الإيمان ، أو من يظن فى أهل البدع
والكذب والتلبيس أنهم من أولياء الله الذين (لَاخَوْفٌ عَلَيَّهِمْ وَلَاهُمْ
يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْيَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا
٣٨٦

وَفِي الْآَخِرَةِّ لَانَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ).
بل كثير منهم يظن فى المتنبىء الكذاب : كمسيلمة ، والعنسي،
ونحوهما أنهم بمنزلة الأنبياء الصادقين ؛ كإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ،
ومحمد . صلوات الله عليهم أجمعين . واشتباه الحق بالباطل ، واشتباه
النبي بالمتنبئ ، والمتكلم بعلم بالمتكلم بجهل ، والولى الصادق بالمرائى الكاذب:
هو كاشتباه الذهب المعدنى بالذهب المصنوع ، وقد فرق الله بين
الحق والباطل ، وإنما اهتدى للفرق التام أهل العلم والإيمان من أمة
محمد صلى الله عليه وسلم . الذين قال الله فيهم :
( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً فَبَعَثَ اُللَّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِنَبَ
بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيْهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ
مَاجَآءَ تْهُمُ الْبَيِّنَتُ بَغْيَا بَيْنَهُمَّ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْفِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ،
وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )
وهي الأمة الوسط ، الذين ثم شهداء الله فى الأرض على خلقه فى
الحق، وهم الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. جعلنا الله
وسائر إخواننا من أتباعهم ، والمقتدين بهم ، وحشرنا فى زمر تهم ،
بمنه وفضله .
ومن أعظم حجج («الكيماوية»: استدلالهم بالزجاج . قالوا :
٣٨٧

فإن الزجاج معمول من الرمل والحصى ، ونحو ذلك ، فقاسوا على ذلك
ما يعملونه من الكيمياء . وهذه حجة فاسدة ؛ فإن الله سبحانه وتعالى
يخلق للناس زجاجاً ؛ لا فى معدن ، ولا فى غيره ؛ وإنما الزجاج من
قسم المصنوعات ، كالآجر والفخار ونحوها مما يطبخ في النار . وقد
تقدم أن الله سبحانه وتعالى جعل لبنى آدم قدرة على أن يعملوا أنواعاً
من المطاعم والملابس والمساكن ، وكذلك جعل لهم قدرة على ما
يصنعونه من الآنية من الفخار ، والزجاج ، ونحو ذلك ؛ ولم يخلق لهم
سبيلا على أن يصنعوا مثل ما خلق الله .
وإذا تبين أن الزجاج من قسم المصنوعات دون المخلوقات ، ليس
فيه ما يشتبه المصنوع بالمخلوق ، بطلت حجة الكيمياء .
فإن أصل المخلوقات التى خلقها الله لا يمكن البشر أن يصنعوا مثلها ،
ولا يمكنهم نقل نوع مخلوق من الحيوان والنبات والمعدن إلى نوع آخر
مخلوق . وهذا مطرد لا ينقض . والله أعلم .
وسئل رحم الله
عن رجل باع ملكاً وعقارا، ثم خرج مستحقاً . فهل يحاسب
المشتري بالثمن من أجرة المبيع ، إذا كان له أجرة ؟ وهل يتوقف استحقاق
٣٨٨

الأجرة على انتفاع المشتري بالبيع ؟ أم لا؟ وهل يرجع المشتري على
البائع بما يجب عليه فى الشرع من الأجرة للمبيع مدة مقامه فى يده ،
أو بالثمن الذي دفعه ؟ .
فأجاب : إذا كان المشتري عالما بالغصب ، فهو ظالم ضامن للمنفعة ،
سواء انتفع بها أو لم ينتفع ، وإن لم يعلم فقرار الضمان على البائع الظالم،
وإذا انتزع المبيع من بد المشتري فله أن يطالب بالثمن الذي قبضه .
وإن أخذ منه الأجرة وهو مغرور رجع بها على البائع الغار . والله أعلم .
وسل
عمن يقول: إن ((السيميا)) و ((الكيمياء)) علمان من علوم
الأنبياء والأولياء . ويروى بعضهم في الكيمياء - وهو الفضة الخدماء
أو الخدمة - من أسفاها أكل الحلال)) ونحو ذلك؟.
فأجاب: وأما من قال. إن ((السيميا! والكيمياء )) من علوم
الأنبياء والأولياء فكاذب مفتر ؛ لم يعرف عن نبي من الأنبياء أنه تكلم
لا فى هذا ، ولا فى هذا ، ولا عن ولي مقبول عند الأمة .
أما «السيميا)) فإنها من السحر ( وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُحَيْثُ أَتَى )
٣٨٩

ولا ريب أن السحرة قد يشتبهون بالأنبياء والأولياء ، ويأتون ما يظن
أن يضاهي ما تأتى به الأنبياء ، كما أتى سحرة فرعون بما يضاهون به
( فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفُِّونَ
معجزة موسى ،
- إلى قوله - سَجِدِينَ).
وأما ((الكيمياء)) فهو المشبه بالذهب والفضة المخلوقين.
والكيمياء لا تختص بهذين ؛ بل تصنع كيمياء الجواهر : كاللؤلؤ والزبرجد.
وكيمياء المشمومات : كالمسك والعنبر والورد ، وكيمياء المطعومات . وهي
باطلة طبعاً ، محرمة شرعاً ، فإنه قد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى
اللّه عليه وسلم أنه قال: ((من غشنا فليس منا)).
((والكيمياء)) من الغش؛ فإن الله لم يخلق شيئا إلا بقدر، والخلق
(أَمْ جَعَلُواْ
لا يصنعون مثل ما خلق الله تعالى . قال الله تعالى :
لِلَّهِشُرَكَ خَلَقُواْكَخَلْقِهِ ) .
وفى الحديث الصحيح يقول الله تعالى :
(( ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقى؛ فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا شعيرة)).
والفلاسفة يقولون : إن الصناعة لا تعمل عمل الطبيعة : يعني أن
المصنوع من الذهب والفضة وغيرهما لا يكون مثل المطبوع الذي خلق
بالقوة الطبيعية السارية فى الأجسام، ولهذا لا يوجد من المخلوقات ما
صنع الخلق مثله ، وما يصنعه الخلق لم يخلق لهم مثله ، فهم يطحنون
٣٩٠

الطعام ، وينسجون الثياب ، ويبنون البيوت ، ولم يخلق لهم مثل ذلك .
وكذلك الزجاج يصنعونه من الرمل والحصى ، ولم يخلق مثله .
وهذا مما احتج به الكيماوية على صحة الكيمياء ، وهى حجة باطلة لما
ذكر. فإنه لو خلق زجاج، وصنع زجاج مثله: لكان فى هذا حجة ،
وليس الأمر كذلك .
وجماهير العقلاء من الأولين والآخرين الذين تكلموا بعلم فى هذا
الباب يعلمون أن الكيمياء مشبه ، وأن الذهب المخلوق من المعادن ما
يمكن أن يصنع مثله؛ بل ولا يصنع، وكل ينكشف قريباً، أو بعيداً ؛
ولكن منه ما هو شديد الشبه ، ومنه ما هو أبعد شبهاً منه. وقد بسط
الكلام على هذا فى غير هذا الموضع .
وسل
عن رجل اشترى عبداً سليماً من العيب ، ثم باعه كذلك ،
فسرق العبد من المشتري الثاني مبلغاً وأبق . فهل يرجع بالثمن على
البائع الأول ؟ أو الثاني ؟ أو بالأرش. أم لا ؟.
فأجاب : للمشتري أن يطالب بالأرش بلا نزاع بين العلماء، ومعنى
٣٩١

ذلك : أن يقوم العبد ولا عيب فيه، ويقوم وبه هذان العيبان ، فما نقص
من القيمة نقص من الثمن بحسابه ، فإذا كانت قيمته سليماً أربعمائة ،
وقيمته معيباً ماتتان: حط عنه نصف الثمن .
وهل يرجع بالثمن كله على السيد الذي دلس العيب ؟ فهذا فيه
نزاع مشهور بين العلماء . فمذهب مالك وأحمد فى أنص الروايتين عنه
أنه يرجع عليه بالثمن كله . وقد ذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد فى
القول الآخر يرجع عليه بذلك .
وسئل
عن رجل اشترى جارية فبانت عاشقة في سيدها الذي باعها ،
وباعها الثاني لثالث . فهل للثالث أن يردها على الثانى ؟ وهل يردها
الثانى على الأول ؟ أم لا ؟ .
فأجاب : نعم هذا عيب ينقص القيمة فى العادة نقصاً بيناً ، فإذا
ثبت ولم يعلم به المشتري كان له أن يردها على بائعه المشتري الثانى ،
وإذا كان المشتري الثانى لم يعلم العيب فله أن يردها على البائع
الأول . والله أعلم .
٣٩٢

وسئل
عن رجل اشترى جارية صحيحة سالمة فهربت من يوم ابتاعها من
غير ضرب ، ولا إجحاف . فهل للمشتري أن يرجع على البائع بالثمن
قبل حضور الجارية ، ووجودها ، أم لا ؟ .
فأجاب: الحمد لله . إن كانت الجارية معروفة بالإباق قبل ذلك ،
وكتم البائع هذا العيب ، وأبقت عند المشتري ، فللمشتري أن يطالب
البائع بالثمن فى أصح قولي العلماء ، كما هو مذهب مالك وأحمد فى
المنصوص عنه من القولين . وفى القول الآخر يطالب بالأرش .
وإن لم تكن أبقت قبل ذلك ولكن أبقت بسبب ما فعل بها المشتري
فلا شيء على البائع . وإذا حدث به عيب إباق أو غيره بعد القبض ،
فلا رد له عند أبى حنيفة والشافعي وأحمد . وأما مالك فيقول : له الرد
بذلك إلى تمام ثلاثة أيام ، وما بعد ذلك إلى سنة ، وله الرد بالجنون
والجذام والبرص . والله أعلم.
٣٩٣

وسل
عن دابة لم يعلم أحد المتبايعين بها عيباً، فمكثت عنده مقدار شهر،
ثم وجد بها عيبا ؟ .
فأجاب : الحمد لله . إذا ظهر بها عيب قديم قبل البيع ، ولم يكن
به ، فله أن يردها بذلك العيب ؛ ما لم يظهر منه ما يدل على الرضابه.
وسئل
عن رجل باع قمحاً فيذره فتلف ، فطلب المشترى من البائع خراج
الأرض . فهل يجب على البائع ذلك ؟ وهل للمشترى أن يطالبه بذلك ؟
وإذا ادعى المشترى أن العيب كان من البائع ؟ .
فأجاب : إذا باعه وسلم إليه المبيع ، ثم تلف بعد ذلك عند المشترى،
أو بذره المشترى فتلف : فلا ضمان على البائع ؛ بل يستحق جميع
الثمن إلا أن يكون به عيب ، أو تدليس ، ونحو ذلك .
٣٩٤

وإن ادعى المشترى أن تلفه بسبب عيب كان فيه ، وكان ذلك
القمح قد اشترى منه غير هذا المشتري ، وشهدوا أنه سليم من العيب.
لم يقبل قول المشتري ، وإن لم يكن للبائع بينة ، فالقول قوله مع يمينه،
إذا لم يقم المشترى بينة .
وأيضا فإذا قال أهل الخبرة : أن المعيب لا ينبت النبات المعتاد ،
وهذا قد نبت النبات المعتاد، ثم هاف : كان حجة للبائع .
وسل
عن رجل باع زوجته داراً بيع أمانة بأربعمائة درهم ، وقد استوفت
الدرام من الأجرة ، فهل يجوز لها أخذ شيء آخر ، وقد أخذت
الأربعمائة ، فهل يحرم عليها ؟
فأجاب : الحمد لله وحده . المقصود بهذا وأمثاله أن يعطيه المال ،
ويستغل العقار عن منفعة المال ، فما دام المال فى ذمة الآخذ فإنه
يستغل العقار ، وإذا رد عليه المال أخذ العقار، وهذا على هذا الوجه
لا يجوز باتفاق المسلمين . وإن قصدا ذلك وأظهرا صورة بيع لم يجز
على أصح قولي العلماء أيضاً .
ومن صحح ذلك فلا بد أن يكون بيعه شرعيا ، فإذا شرط أنه
٣٩٥

إذا جاء بالثمن أعاد إليه العقار : كان هذا بيعا باطلا . والشرط المتقدم
على العقد كالمقارن له في أصح قولي العلماء .
وحينئذ فما حصل للمرأة من الأجرة بعد أن علمت التحريم تحسبه
من رأس المال ، وما قبضته قبل ذلك : فهو على الخلاف المذكور ،
وإن اصطلحا على ذلك فهو أحسن . وما قبضته بعقد مختلف تعتقد
صحته لم يجب عليها رده فى أصح القولين .
وسل
عن رجل طلب من إنسان أن يقرضه درام ، وللرجل كرم ،
فامتنع إلا أن يبيعه الكرم بمائة درهم ، وأنه إذا جاء بالدرام أعاد إليه
الكرم ، فباعه الكرم بهذا الشرط ، ولم يذكر الشرط فى العقد ، ثم
بعد العقد قال المشترى لجماعة شهود : اشهدوا على أنه متى جاء هذا
بدراهمي أعدت إليه كرمه. فهل يكون هذا البيع صحيحاً ، أم لا ؟ وهل
يجب على المشترى القيام بما شرطه على نفسه في إعادة الكرم ؟ وإذا
مكر المشترى بالبائع . هل يجوز له ذلك ؟
فأجاب : ليس هذا بيعاً لازماً ؛ بل عليه أن يرد عليه كرمه إذا
أعطاء دراهمه ، ولا يحل له أن يمكر به .
٣٩٦

وسئل
عن امرأة اشترت خرقة نخيطها ، ثم بعد ذلك وجدتها خامية
وفيها فزور ، فهل تلزم التاجر إن ردتها إليه ؟
فأجاب : لما أن تطالبه بأرش العيب القديم ، وإذا كان قد نقص
بما أحدثته فيه من العيب كان لها الرد مع أرش العيب الحادث في
أصح قولي العلماء . والله أعلم .
وسئل
عن رجل باع ملكا لابنة تحت حجره بألف وثمانين - بيع
أمانة - وهو يساوي أربعة آلاف درهم، وشهدت الشهود ، وذكروا
في المكتوب أن ابنة البائع أذنت فى البيع ، ولم يكن الشهود حضروها،
ولا لها جلية عندهم . فهل يصح هذا البيع ؟
فأجاب: الحمد لله . بيع الأمانة بيع باطل ، والواجب رد العوض،
وبيع الأب مثل هذا الغبن العظيم لا يجوز ، والمحجور عليها لا يصح
٣٩٧

إذنها والإشهاد عليها بالإذن في مثل ذلك ؛ بل إذا عرف ذلك فسخ
البيع بكل حال .
وسئل رحمه اللّه
هل ذكر أحد من العلماء أن المشترى الأول إذا لم يجز له
التصرف فيها قبل القبض فتلفت يكون ضامنا لها ؟ أو أن جواز التصرف
والضمان متلازمان طردا وعكساً ؟ فالنزاع في ذلك مشهور ؟
فأجاب : القولان في مذهب أحمد : وهو طريقة القاضى وأصحابه .
والمتأخرون من أصحاب أحمد مع أبى حنيفة والشافعية يقولون
بتلازم التصرف والضمان ، فعندهم أن ما دخل فى ضمان المشتري جاز
تصرفه فيه ، ومالم يدخل فى ضمانه لم يجز تصرفه فيه ؛ ولهذا طرد
الشافعي ذلك فى بيع الثمار على الشجر ، فلم يقل بوضع الجوائح ؛ بناء
على أن المشتري إذا قبضها ، وجاز تصرفه فيها ، صار ضمانها عليه .
والقول الثانى : فى مذهب أحمد الذي ذكره الخرقي ، وغيره من
المتقدمين ، وعليه تدل أصول أحمد : أن الضمان والتصرف لا يتلازمان؛
ولهذا كان ظاهر مذهب أحمد أن الثمار إذا تلفت قبل تمكن المشترى
٣٩٨

من جذاذها . كانت من ضمان البائع ، مع أن ظامر مذهبه أنه يجوز
للمشترى التصرف فيها بالبيع وغيره ، فجوز تصرفه فيها مع كون
ضمانها على البائع . وقد ثبت بالسنة أن الثمار من ضمان البائع ، كما فى
صحيح مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا
بعت من أخيك ثمرة فأصابتها جائعة ، فلا يحل لك أن تأخذ من ثمنها
شيئاً ، بم بأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق ؟!)).
ولكن الرواية الأخرى عنه فى منع التصرف في هذه الثمار يوافق
الطريقة الأولى .
ومن الحجة لهذه الطريقة : أن منافع الإجارة مضمونة على المؤجر
قبل الاستيفاء ، بمعنى أنها إن تلفت بآفة سماوية كموت الدابة ، وتعطلت
المنافع كانت من ضمان المؤجر ، لأنها تلفت قبل التمكن من استيفائها،
مع أنه يجوز للمستأجر التصرف فيها حتى بالبيع فى ظاهر المذهب ،
وإن كان عنه رواية أخرى لا يؤجرها بأكثر من الأجرة ، إذا لم يحدث
فيها زيادة؛ لئلا يريج فيما لم يضمن ، وهي مذهب أبى حنيفة . وأبو
حنيفة عنده أن المنافع لا تملك بالعقد، وإنما تملك بالاستيفاء شيئا فشيئاً.
وأحمد في المشهور عنه هو وغيره يجوزون إجارتها بأكثر من
الأجرة، ويقولون: هذا ليس ربحاً لم يضمن ؛ لأن هذه المنافع مضمونة على
٣٩٩

المشترى ، بمعنى أنه لو تركها مع القدرة على استيفائها فلم يستوفها كانت
من ضمانه ؛ وإنما تكون مضمونة على البائع إذا تلفت قبل التمكن من
استيفائها ؛ ولهذا كان ظاهر مذهب أحمد فى ( باب الضمان ) ضمان
العقد - الفرق بين ما يتمكن من قبضه ، ومالم يتمكن ، ليس هو
الفرق بين المقبوض وغيره . ومن ذلك أن الخرقى وغيره يقولون : إن
الصبرة المتعينة المبيعة جزافاً تدخل في ضمان المشترى بالعقد ، ولا يجوزون
للمشترى بيعها حتى ينقلها ، لحديث ابن عمر ، وابن عمر روى الحكمين
جميعا . قال من السنة : أن ما أدركته الصفقة حياً مجموعا فهو من ملك
المبتاع ، وقال ما رواه البخاري عنه: «كنا نبتاع الطعام جزافا قنهينا
أن نبيعه فى مكانه حتى ننقله إلى رحالنا ، فقد جاز التصرف حيث يكون
الضمان على البائع ، كما فى الثمار ، ومنع التصرف حيث يكون الضمان
على المشترى كالصبرة من الطعام ، فثبت عدم التلازم بينهما .
ومن حجة هذا القول أنه ليس كل ما دخل في ضمان المشترى
يجوز تصرفه فيه ، بدليل المقبوض قبضا فاسدا ، والمقبوض فى
قبض فاسد .
أما الأول فلو اشترى قفيزا من صبرة، أو رطلا من زبرة ، ونحو
ذلك مما يشترط في إقباضه الكيل أو الوزن : فقبض الصبرة كلها ، أو
الزبرة كلها ، فان هذا قبض فاسد، لا يبيح له التصرف إلا بتميز ملكه
٤٠٠