Indexed OCR Text

Pages 321-340

والثانى أن حقه باق فيه . فالمالك أن يطلب حقه من المختلط ،
فهذا أصل نافع ؛ فإن كثيرا من الناس يتوهم أن الدرام المحرمة إذا
اختلطت بالدرام الحلال حرم الجميع ، فهذا خطأ ؛ وإنما تورع بعض العلماء
فيما إذا كانت قليلة ، وأما مع الكثرة فما أعلم فيه نزاعا .
((الأصل الرابع)): المال إذا تعذر معرفة مالكه صرف فى
مصالح المسلمين ، عند جماهير العلماء ، كمالك وأحمد وغيرهما ، فإذا كان
بيد الإنسان غصوب أو عواري أو ودائع أو رهون قد يئس من معرفة
أصحابها فإنه يتصدق بها عنهم ، أو يصرفها في مصالح المسلمين ، أو
يسلمها إلى قاسم عادل يصرفها فى مصالح المسلمين المصالح الشرعية .
ومن الفقهاء من يقول: توقف أبداً، حتى يتبين أصحابها، والصواب
الأول . فإن حبس المال دائماً لمن لا يرجى لا فائدة فيه ؛ بل هو
تعرض لهلاك المال ، واستيلاء الظلمة عليه . وكان عبد الله بن مسعود
قد اشترى جارية فدخل بيته ليأتى بالثمن ، مخرج فلم يجد البائع، فجعل
يطوف على المساكين ، ويتصدق عليهم بالثمن ، ويقول : اللهم عن رب
الجارية ، فإن قبل فذاك ، وإن لم يقبل فهو لي، وعلي له مثله يوم القيامة.
وكذلك أفتى بعض التابعين من غل من الغنيمة ، وتاب بعد تفرقهم ،
أن يتصدق بذلك عنهم ، ورضي بهذه الفتيا الصحابة والتابعون الذين بلغتهم
كمعاوية وغيره من أهل الشام ، وهذا يبين :
٣٢١

((الأصل الخامس)): وهو الذي يكشف سر المسألة ، وهو أن
المجهول في الشريعة كالمعدوم والمعجوز عنه ؛ فإن الله سبحانه وتعالى قال:
(لَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) وقال تعالى: (فَأَنَّقُواْاللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه
ما استطعتم ، فالله إذا أمرنا بأمر كان ذلك مشروطا بالقدرة عليه ،
والتمكن من العمل به. فما عجزنا عن معرفته ، أو عن العمل به، سقط
عنا؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فى اللقطة: ((فإن جاء صاحبها
فأدها إليه وإلا فهى مال الله يؤتيه من يشاء )) فهذه اللقطة كانت ملكا
لمالك ، ووقعت منه ، فلما تعذر معرفة مالكها ، قال النى صلى الله
عليه وسلم: ((هي مال الله يؤتيه من يشاء)) فدل ذلك على أن اللّه شاء
أن يزيل عنها ملك ذلك المالك، ويعطيها لهذا الملتقط الذي عرفها سنة.
ولا نزاع بين الأئمة أنه بعد تعريف السنة يجوز للملتقط أن يتصدق بها.
وكذلك له أن يتملكها إن كان فقيراً . وهل له التملك مع الغنى ؟
فيه قولان مشهوران . ومذهب الشافعى وأحمد أنه يجوز ذلك . وأبو
حنيفة لا يجوزه .
ولو مات رجل ولم يعرف له وارث صرف ماله فى مصالح المسلمين،
وإن كان في نفس الأمر له وارث غير معروف ، حتى لو تبين الوارث
يسلم إليه ماله، وإن كان قبل نبينه يكون صرفه إلى من يصرفه جائزاً،
٣٢٢

وأخذه له غير حرام ، مع كثرة من يموت وله عصبة بعد لم تعرف .
وإذا تبين هذا فيقال : ما فى الوجود من الأموال المغصوبة والمقبوضة
بعقود لا تباح بالقبض ، إن عرفه المسلم اجتنبه . فمن علمتُ أنه سرق
مالا أو خانه فى أمانته ، أو غصبه ، فأخذه من المغصوب قهرا بغير حق
لم يجز لي أن آخذه منه ؛ لا بطريق الهبة ، ولا بطريق المعاوضة ، ولا
وفاء عن أجرة ، ولا ثمن مبيع ، ولا وفاء عن قرض ، فإن هذا عين
مال ذلك المظلوم .
وأما إن كان ذلك المال قبضه بتأويل سائغ في مذهب بعض الأئمة
جاز لي أن أستوفيه من ثمن المبيع ، والأجرة ، والقرض ، وغير ذلك
من الديون . وإن كان مجهول الحال ، فالمجهول كالمعدوم ، والأصل فيما
بيد المسلم أن يكون ملكا له إن ادعى أنه ملكه ، أو يكون ولياً عليه؛
كناظر الوقف ، وولي اليتيم ، وولي بيت المال . أو يكون وكيلا فيه .
وما تصرف فيه المسلم أو الذمي بطريق الملك أو الولاية باز تصرفه .
فإذا لم أعلم حال ذلك المال الذي بيده بنيت الأمر على الأصل،
ثم إن كان ذلك الدرم فى نفس الأمر قد غصبه هو ولم أعلم أنا كنت
جاهلا بذلك، والمجهول كالمعدوم ، فليس أخذى لثمن المبيع ، وأجرة
العمل ، وبدل القرض بدون أخذى اللقطة ؛ فإن اللقطة أخذتها بغير
٣٢٣

عوض ، ثم لم أعلم مالكها ، وهذا المال لا أعلم له مالكا غير هذا ،
وقد أخذته عوضاً عن حقي ، فكيف يحرم هذا علي ؟! لكن إن كان
ذلك الرجل معروفا - بأن في ماله حراماً - ترك معاملته ورعا.
وإن كان أكثر ماله حراماً ففيه نزاع بين العلماء .
وأما المسلم المستور فلا شبهة في معاملته أصلا ، ومن ترك معاملته
ورعا كان قد ابتدع في الدين بدعة ما أنزل الله بها من سلطان .
وبهذا يتبين الحكم فى سائر الأموال ؛ فإن هذا الغالط يقول :
إن هذه اللحوم والألبان التي تؤكل قد تكون فى الأصل قد نهبت ،
أو غصبت . فيقال : المجهول كالمعدوم ، فإذا لم نعلم كان ذلك فى حقنا
كأنه لم يكن ، وهذا لأن الله إنما حرم المعاملات الفاسدة لما فيها
من الظلم ؛ فإن الله تعالى يقول فى كتابه العزيز :
( لَقَدْ أَرْسَلْنَارُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ
بالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأَسٌْ شَدِيدٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ مَن يَنصُرُ،وَرُسُلَهُ.
والغصب وأنواعه ، والسرقة والخيانة
بِالْغَيْبِ إِنَّاللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ )
داخل فى الظلم .
وإذا كان كذلك فهذا المظلوم الذي أخذ ماله بغير حق ، ببيع
أو أجرة ، وأخذ منه ، والمشتري لا يعلم بذلك ، ثم ينقل من المشتري
٣٢٤

إلى غيره، ثم إلى غيره، ويعلم أن أولئك لم يظلموه ، وإنما ظالمه من
اعتدى عليه ؛ ولكن لو علم بهم فهل له مطالبتهم ، بما لم يلتزموا ضانه؟
على قولين للعلماء . أصحهما أنه ليس له ذلك .
مثال ذلك : أن الظالم إذا أودع ماله عند من لا يعلم أنه غاصب ،
فتلفت الوديعة . فهل للمالك أن يطالب المودع ؟ على قولين : أصحهما أنه
ليس له ذلك، ولو أطعم المال لضيف لم يعلم بالظلم ، ثم علم المالك
فهل له مطالبة الضيف؟ على قولين: ((أحدهما)) ليس له مطالبته .
ومن قال : إن له مطالبته ، لا يقول إن أكله حرام ؛ بل يقول : لا
إثم عليه فى أكله ؛ وإنما عليه أداء ثمنه، بمنزلة ما اشتراه . وصاحب
القول الصحيح يقول : لا إثم عليه فى أكله ، ولا غرم عليه لصاحبه
بحال ، وإنما الغرم على الناصب الظالم الذي أخذه منه بغير حق . فإذا
نظرنا إلى مال معين بيد إنسان لا نعلم أنه مغصوب ، ولا مقبوض قبضا
لا يفيد المالك ، واستوفيناه منه، أو اتهبناء منه ، أو استوفيناه عن
أجرة ، أو بدل قرض ، لا إثم علينا فى ذلك بالاتفاق .
وإن كان فى نفس الأمر قد سرقه أو غضبه ، ثم إذا علمنا فيما
بعد أنه مسروق ، فعلى أصح القولين لا يجب علينا إلا ما التزمناه
بالعقد ، أي لا يستقر علينا إلا ضمان ما التزمناه بالعقد ، فلا يستقر علينا
ضمان ما أهدى أو وهب، ولا ضمان أكثر من الثمن ، وكذلك الأجرة،
٣٢٥

وبدل القرض إذا كنا قد تصرفنا فيها لم يستقر علينا ضمان بدله .
لكن تنازع الفقهاء هنا فى «مسألة ، وهي أنه: هل للمالك تضمين
هذا المغرور الذي تلف المال تحت بده ، ثم يرجع إلى الغار بما
غرمه بغروره ؟ أم ليس له مطالبة المغرور إلا بما يستقر عليه ضمانه ؟
على قولين : هما روايتان عن أحمد . ومثل هذا لو غصب رجل جارية
فاشتراها منه إنسان ، واستولدها أو وهبه إياها ، فقد اتفق الصحابة
والأئمة على أن أولادها من المغرور ، يكونون أحراراً ؛ لأن الواطئ
لا يعلم أنها مملوكة لغيره ؛ بل اعتقد أنها مملوكته مع اتفاقهم أن الولد
يتبع أمه في الحرية والرق ، ويتبع أباه فى النسب والولاء ، ومع هذا
فجعلوا ابنه حرا لكون الوالد لم يعلم ، والمجهول كالمعدوم . وأوجبوا لسيد
الجارية بدل الولد ؛ لأنه كان يستحقه لولا الغرور ، فإذا خرجوا عن
ملكه بغير حق كان له بدلهم ، وأوجبوا له مهر أمة .
وقالوا فى أصح القولين : إن هذا يلزم الغار الظالم الذي غصب
الجارية وباعها ؛ لا يلزم المغرور المشترى إلا ما التزمه بالعقد ، وهو الثمن
فقط . ثم هل لصاحبها أن يطالب المغرور بغداء الولد ، والمهر ، ثم
يرجع به المغرور على الغار الظالم ؟ أم ليس له إلا مطالبة الغار الظالم؟
على قولين: هما روايتان عن أحمد . ولا نزاع بين الأمة أن وطأ.
ليس بحرام ، وأن ولده ولد رشدة لا ولد عنه . فهو ولد حلال لا ولد
٣٢٦

زنا. وكذلك فى سائر هذه الصور لم يتنازعوا أنه لا إثم على الآكل
ولا على اللابس ، ولا على الواطئ الذي لم يعلم.
وإنما تنازعوا فى الضمان ؛ لأن الضمان من باب العدل الواجب في
حقوق الآدميين ، وهو يجب فى العمد والخطأ: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ
أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَا وَ مَن قَثَلَ مُؤْمِنًا خَطَا فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ
فقاتل النفس خطأ لا يأثم ، ولا
إِلَى أَهْلِهِ: إِلَّا أَن يَضَدَّقُواْ)
يفسق بذلك ؛ ولكن عليه الدية ، وكذلك من أتلف مالاً مغصوبا خطأ
فعليه بدله ، ولا إثم عليه ، فقد تبين أن الإتم منتف مع عدم العلم .
وحينئذ جميع الأموال التى بأيدي المسلمين واليهود والنصارى التى
لا يعلم بدلالة ولا أمارة أنها مغصوبة أو مقبوضة قبضاً لا يجوز معه
معاملة القابض ، فإنه يجوز معاملتهم فيها بلا ريب ، ولا تنازع فى
ذلك بين الأئمة أعلمه .
ومعلوم أن غالب أموال الناس كذلك ، والقبض الذي لا يفيد
الملك هو الظلم المحض ، فأما المقبوض بعقد فاسد كالربا والميسر؛ ونحوهما،
فهل يفيد الملك ؟ على ثلاثة أقوال للفقهاء :
((أحدها)) أنه بفيد الملك. وهو مذهب أبى حنيفة.
((والثاني)) لا يفيده، وهو مذهب الشافعي، وأحمد فى المعروف
٣٢٧

من مذهبه .
(((والثالث)) أنه إن فات أفاد الملك، وإن أمكن رده إلى مالكه ولم
يتغير فى وصف ولا سعر لم يفد الملك، وهو المحكى عن مذهب مالك.
وهذه الأمور والقواعد قد بسطناها فى غير هذا الجواب ؛ ولكن
نبهنا على قواعد شريفة تفتح باب الاشتباه فى هذا الأصل ؛ الذي هو
أحد أصول الإسلام ، كما قال الإمام أحمد وغيره : إن أصول
الإسلام تدور على ثلاثة أحاديث: قوله: ((الحلال بين والحرام
بين)) وقوله: ((إنما الأعمال بالنيات)) وقوله: ((من عمل عملا ليس عليه
أمرنا فهو رد)). فإن الأعمال إما مأمورات، وإما محظورات، والأول
فيه ذكر المحظورات والمأمورات ، أما قصد القلب ، وهو النية ، وأما
العمل الظاهر ، وهو المشروع الموافق للسنة ، كما قال الفضيل بن عياض
(ِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْأَحْسَنُ عَمَلًا ) قال : أخلصه وأصوبه ،
فى قوله تعالى :
قالوا : يا أبا على ما أخلصه ، وأصوبه ؟ قال : إن العمل إذا كان خالصا ،
ولم يكن صواباً لم يقبل . وإن كان صواباً ، ولم يكن خالصا ، لم يقبل،
حتى يكون خالصاً صواباً . والخالص أن يكون لله، والصواب أن
يكون على السنة .
فتبين أن ما ذكره هذا القائل الذي قال : أكل الحلال متعذر ،
ولا يمكن وجوده فى هذا الزمان : قوله خطأ مخالف للإجماع ؛ بل
٣٢٨

الحلال هو الغالب على أموال الناس ، وهو أكثر من الحرام ، وهذا
القول قد يقوله طائفة من المتفقهة المتصوفة ، وأعرف من قاله من كبار
المشابخ بالعراق، ولعله من أولئك انتقل إلى بعض شيوخ مصر . ثم
الذي قال ذلك لم يرد أن يسد باب الأكل ؛ بل قال : الورع حينئذ
لا سبيل إليه. ثم ذكر ما يأتى فيما يفعل ويترك. لم يحضرنى الآن .
فليتدبر العاقل، وليعلم أنه من خرج عن القانون النبوي الشرعي
المحمدي الذي دل عليه الكتاب والسنة، وأجمع عليه سلف الأمة وأئمتها ،
احتاج إلى أن يضع قانوناً آخر متناقضا يرد العقل والدين ؛ لكن من
كان مجتهداً امتحن بطاعة الله ورسوله ، فإن الله يثيبه على اجتهاده ،
ويغفر له خطأ : (رَبَّنَا أَغْفِرْلَنَا وَلِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَنِ وَلَا تَجْعَلْ
فِي قُلُوبِنَا غِلَّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ).
وما ذكره: من أن وقعة المنصورة لما لم تقسم فيها المغانم ، واختلطت
فيها المغانم ، دخلت الشبهة .
الجواب عنه من كلامين:
أحدهما أن يقال : الذي اختلط بأموال الناس من الحرام المحض
كالغصب الذي يغصبه القادرون من الولاة والقطاع . أو أهل الفتن ،
وما يدخل فى ذلك من الخيانة في المعاملات أكثر من ذلك بكثير ؛
٣٢٩

لا سيما فى هذه البلاد المصرية ؛ فإنها أكثر من الشام والمغرب ظلما ،
كظلم بعضهم بعضا فى المعاملات بالخيانة ، والغش، وجحد الحق ، ولكثرة
ما فيها من ظلم قطاع الطريق والفلاحين والأعراب ، ولكثرة ما فيها
من الظلم الموضوع من المتولين بغير حق ، فإحالة التحريم على هذا
الأمر أولى من إحالته على المغانم .
الثانى أن تلك المغانم قد ذكرنا مذهب الفقهاء فيها ، وبينا أن
الصحيح أن الإمام إذا أذن فى الأخذ من غير قسم جاز ، وأنه إذا لم
يجز فمن أخذ مقدار حقه باز، وأن من أخذ أكثر من حقه ، وتعذر
رده على أصحابه لعدم العلم بهم ، فإنه يتصدق به عنهم . وأنه لو لم
يتصدق به عنهم وتصرف فيه، فمتى وصل إليه منه شيء لم يعلم بحاله
لم يكن محرماً عليه، ولا عليه فيه إثم. وهذا الحكم جار فى سائر
الغصوب المذكورة .
وتبين بما ذكرناه أن من آجر نفسه أو دوابه أو عقاره أو ما
يتعلقه ، وأخذ الثمن والأجرة لم يحرم عليه . سواء علم ذلك الثمن
والأجرة حلالا للمالك، أو لم يعلم حاله بأن كان مستوراً ، وإن علم
أنه غصب تلك الدرام ، أو سرقها، أو قبضها بوجه لا يبيح أخذها به
لم يجز أخذها عن ثمنه وأجرته ، مع أن هذا فيه نزاع بين الفقهاء نضيق
هذه الورقة عن بسطه .
٣٣٠

وأما قول القائل : الدرثم كيف قبل التغير ، وصار حراماً بالسبب
الممنوع، ولم يقبل التغير فيصير حلالا بالسبب المشروع .
فيقال له : بل قبل التغير فيما حرم لوصفه ؛ لا بما حرم لكسبه .
فالأول مثل الخمر فإنها لما كانت عصيراً لم تصر حلالا طاهراً ، فلما
تخمرت كانت حراما نجساً ، فإذا تخللت بفعل الله من غير قصد لتخليلها
كانت خل خمر حلالا طاهرا باتفاق العلماء ؛ وإنما تنازعوا فيما إذا
قصد تخليلها .
وتنازعوا في سائر النجاسات كالخنزير إذا صار ملحاً ، والنجاسة إذا
صارت رماداً . فقيل: لا يطهر كقول الشافعي ، وأحد القولين في مذهب
مالك، وأحمد. و((الثاني)) مثل المال المغصوب هو حرام ؛ لأنه
قبض بالظلم ، فإذا قبض بحق أبيح : مثل أن يأذن فيه المالك للغاصب،
أو يهبه إياه ، أو يبيعه منه، أو يقبضه المالك، أو وليه ، أو وكيله .
ثم الغاصب إذا أعطاء لمن لا يعلم أنه مغصوب ، كان قبضه بحق ؛ لأن
الله لم يكلفه مالا يعلم ، وكذلك بين قبضه من القابض بحق . وقد
تقدم الكلام في الضمان . والله أعلم .
٣٣١

باب الشروط في البيع
سئل رحم الله
عن رجل مسلم اشترى جارية كتابية وشرط له البائع أنها طباخة
جيدة، وأنها تصنع الخمر والنبيذ ، فهل يصح؟.
فأجاب : اشتراط كونها تصنع الخمر والنبيذ ، شرط باطل ، باتفاق
المسلمين ، والعقد مع ذلك فاسد .
أما على قول من يقول : إن الشرط الفاسد يفسد العقد ، كما هو
المشهور من مذهب أبي حنيفة ، ومالك ، والشافعي، وأحمد فى إحدى
الروايتين فظاهر .
وأما على القول الآخر ، فإنه لو باعها بدون شرط لم يجز أن يشتري
الجارية ؛ لأجل كونها نصنع الخمر ، كما لا يجوز أن يشتري عينا ليعصى
الله بها ، مثل أن يشتري عصيراً ليعمله خمراً ، ويشتري سلاحا ليقاتل
المسلمين : فى أصح قولي العلماء ، كما هو مذهب مالك ، وأحمد ،
٣٣٢

(وَتَعَاوَنُواْعَلَى اُلْبِّ وَالنَّقْوَىّ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى أُلْإِثْمِ
وغيرهما ، كما قال تعالى :
وَاُلْعُدْوَنِ ) .
وسل
عن رجل اشترى من رجل دارا بالف درم ، وهي تساوى ألفي
درهم ، ثم إن المشتري أجر البائع الدار مدة من الشهور بدراهم معلومة
في تاريخه على الفور . وهو بينهما بيع أمانة فى الباطن . هل يصح هذا
العقد على هذا الحكم ؟ وهل يلزم البائع الأصلي مبلغ مدة الإجارة ؟
أم لا ؟ . وقد ورد فى الحديث أنه روى عن أبى بن كعب ، وابن مسعود
وابن عباس، رضي الله عنهم عن النبى صلى الله عليه وسلم ((أنه
نهى عن قرض جر منفعة)) وهل ذلك من نوع ذلك أم لا ؟ وهل جاء
فى الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استسلف من رجل
بكراً، فجاءته إبل الصدقة فأمرنى أن أقضى الرجل بكرا ، فقلت لم
أجد في الإبل إلا جملا خيارا رباعيا ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم
((أعطه، فإن خياركم أحسنكم قضاء )) وهل ذلك من الأحاديث
الصحاح أم لا ؟ .
فأجاب : إذا كان المقصود أن بأخذ أحدهما من الآخر دراهم ،
٣٣٣

وينتفع المعطى بعقار الآخر مدة مقام الدراهم في ذمته، فإذا أعاد الدراهم
إليه أعاد إليه العقار ، فهذا حرام بلا ريب ، وهذا دراهم بدراهم مثلها ،
ومنفعة الدار ، وهو الربا البين . وقد اتفق العلماء على أن المقرض متى
اشترط زيادة على قرضه . كان ذلك حراما ، وكذلك إذا تواطآً على ذلك
في أصح قولي العلماء ، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال: ((لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم
يضمن ، ولا بيع ما ليس عندك)) حرم النبى صلى الله عليه وسلم
الجمع بين السلف والبيع ؛ لأنه إذا أقرضه ، وباعه : حاباه فى البيع لأجل
القرض ، وكذلك إذا آجره وباعه . وما يظهرونه من بيع الأمانة الذي
يتفقون فيه على أنه إذا جاءه بالثمن أعاد إليه المبيع ، هو باطل باتفاق
الأئمة سواء شرطه فى العقد ، أو تواطآ عليه قبل العقد، على أصح قولي
العلماء . والواجب في مثل هذا أن يعاد العقار إلى ربه ، والمال إلى ربه ،
ويعزر كل من الشخصين إن كانا علما بالتحريم . والقرض الذي يجر
منفعة قد ثبت النهي عنه من غير واحد من الصحابة الذين ذكرهم
السائل وغيرهم : كعبد الله بن سلام ، وأنس بن مالك ، وروى
ذلك مرفوعاً إلى النبى صلى الله عليه وسلم ، رواه ابن ماجة وغيره .
وفى صحيح البخاري عن عبد الله بن سلام: ((إنك بأرض ، الربا
فيها فاش ، فإذا أقرضت رجلا قرضا فأهدى لك حمل تبن ، أو حمل
٣٣٤

قت، فاحسبه له من قرضه )) وقال رجل لابن عباس : إنى أُقرضت
سما كاً عشرين درهما ، فأهدى لي سمكة ، فقومتها ثلاثة عشر درهما ،
فقال لا تأخذ منه إلا سبعة دراهم . وحديث البكر حديث صحيح.
فإذا وفاه المقرض خيرا من قرضه بلا مواطأة جاز ذلك ، وإن
وفاء أكثر من قرضه : ففيه قولان للعلماء . وذلك لأن هذا زيادة بعد
وفاء القرض ؛ بخلاف ما إذا أهدى إليه قبل الوفاء ، فإنه إذا لم يحسبه
من القرض كان القرض باقيا فى ذمته ، على أن يأخذه مع الهدية ،
والهدية إنما كانت بسبب القرض. وقد قال النبى صلى الله عليه
وسلم: (( ما بال الرجل نستعمله على العمل مما ولانا الله، فيقول:
هذا لكم وهذا أهدي إلي ، أفلا قعد فى بيت أبيه ، أو أمه ، فينظر
أيهدى إليه؟ أم لا ؟ )).
فبين أن الهدية إذا كانت بسبب ألحقت به ؛ فلهذا كان المأثور
عن الصحابة وجمهور الأمة : أن الهدية قبل الوفاء بحسب لصاحبها ؛ بخلاف
زيادة الصفة فى الوفاء .
وأما صورة : وهو أن يتواطآ على أن يبتاع منه العقار بثمن ،
ثم يؤجره إياه إلى مدة ، وإذا جاءه بالثمن أعاد إليه العقار . فهنا المقصود
أن المعطى شيئا ، أدى الأجرة مدة بقاء المال فى ذمته ، ولا فرق بين
أخذ المنفعة ، وبين عوض المنفعة ، الجميع حرام .
٣٣٥

وهذا وإن كان قد رخص فيه طائفة من الفقهاء ، بناء على أن
ذلك لم يشترط في العقد ، وأن المواطأة والنية لا تؤثر في العقود .
فالصواب الذي عليه الكتاب والسنة ، واتفق عليه الصحابة ، وهو قول
أكثر الأئمة : تحريم مثل ذلك . وأن النيات معتبرة فى العقود، كما قال
النبى صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ
ما نوى )) والشرط المتقدم كالمقارن له .
وقد عاتب الله من أسقط الواجبات ، واستحل المحرمات : بالحيل ،
والمخادمات، كما ذكر ذلك في سورة (( ن)) وفي قصة أهل السبت،
وفي الحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا ترتكبوا
ما ارتكبت اليهود ، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل)). وقال أيوب
السختيانى: يخادعون الله كما يخادعون الصبيان، لو أنوا الأمر على وجهه
لكان أهون علي. ودلائل هذا مبسوطة في كتاب كبير .
٣٣٦

وقال شيخ الإسلام تقى الدين وحمد الله تعالى:
فصل
فى قول النبى صلى الله عليه وسلم لعائشة: ((ابتاعيها، واشترطي
لهم الولاء ، فإنما الولاء لمن أعتق)).
فإن هذا أشكل على كثير من الناس ، حتى إن منهم من قال :
انفرد به هشام دون الزهري ، وظن ذلك علة فيه . والحديث في
الصحيحين لا علة فيه .
ومنهم من قال: ((اشترطي لهم)): بمعنى عليهم. قالوا : ومثله قوله
تعالى: ( وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ) أي عليهم اللعنة . ونقل هذا حرملة عن الشافعي.
ونقل عن المزني وهو ضعيف .
أما أولا: فإن قوله: ((اشترطى لهم)) صريح فى معناه، واللام
للاختصاص، وأما قوله: (وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ) فمثل قوله: (لَهُمُ الْعَذَابُ)
و (لَهُمْ خِزْىٌ) وهو معنى صحيح ؛ ليس المراد أنهم يملكون اللعنة؛
٣٣٧

بل هنا إذا قيل : ( لهم اللعنة ) فالمراد أنهم يجزون بها ، وإذا قيل :
عليهم ، فالمراد الدعاء عليهم باللعنة ، فالمعنيان مفترقان . وقد يراد بقوله:
((عليهم)) الخبر: أي وقعت عليهم . فحرف الاستعلام غير ما أفاده
حرف الاختصاص ، وإن كانا يشتركان فى أن أولئك ملعونون .
وقوله: ((اشترطي لهم )) مباين لمعنى اشترطي عليهم ، فكيف يفسر
معنى اللفظ بمعنى ضده ؟!
وأيضا فعائشة قد كانت اشترطت ذلك عليهم، وقالت : ((إن شاؤوا
عددتها لهم عدة واحدة ، ويكون ولاؤك لي فامتنعوا)).
وأيضا فإن ثبوت الولاء للمعتق ، لا يحتاج إلى اشتراطه ؛ بل هو
إذا أعتق كان الولاء له ، سواء شرط ذلك على البائع ، أو لم يشرط .
يبقى حمل الحديث على أن هذا يشعر بأن الولاء إنما بصير لهم
إذا شرطته ، وهذا باطل . ومن تدبر الحديث تبين له قطعا أن
الرسول لم يرد هذا .
وأما ما دل عليه الحديث : فأشكل عليهم من جهتين : من جهة
أن الرسول كيف يأمر بالشرط الباطل . والثانى من جهة أن الشرط
الباطل ، كيف لا يفسد العقد .
وقد أجاب طائفة بجواب ثالث ، ذكره أحمد وغيره . وهو أن
٣٣٨

القوم كانوا قد علموا ان هذا الشرط منهى عنه ، فأقدموا على ذلك
ء
بعد نهي النبي صلى الله عليه وسلم ، فكان وجود اشتراطهم كعدمه ،
وبين لعائشة أن اشتراطك لهم الولاء لا يضرك ، فليس هو أمراً بالشرط؛
لكن إذناً للمشتري فى اشتراطه ، إذا أبى البائع أن يبيع إلا به ، وإخباراً
ء
للمشتري ان هذا لا يضره، ويجوز للإنسان أن يدخل فى مثل ذلك.
فهو إذن في الشراء مع اشتراط البائع ذلك ، وإذن فى الدخول معهم فى
ء
اشتراطه لعدم الضرر فى ذلك ، ونفس الحديث صريح فى ان مثل
هذا الشرط الفاسد ، لا يفسد العقد . وهذا هو الصواب . وهو قول
ابن أبى ليلى وغيره، وهو مذهب أحمد فى أظهر الروايتين عنه .
وإنما استشكل الحديث من ظن أن الشرط الفاسد يفسد العقد ،
وليس كذلك ؛ لكن إن كان المشترط يعلم أنه شرط محرم لا يحل اشتراطه
فوجود اشتراطه كعدمه؛ مثل هؤلاء القوم . فيصح اشتراء المشتري ، ويملك
المشتري، ويلغو هذا الشرط الذي قد على البائع أنه محرم لا يجوز الوفاء به.
وأما أولئك القوم فإن كانوا قد علموا بالنهي قبل استفتاء عائشة
فلا شبهة . لكن ليس فى الحديث ما يدل عليه ؛ بل فيه أن النبي صلى
الله عليه وسلم قام عشية فقال: (( ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست
فى كتاب الله ؟! من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل وإن
كان مائة شرط)) وهذا كان عقب استفتاء عائشة ، وقد على أولئك
٣٣٩

بهذا بلا ريب ، وكان عقد عائشة معهم بعد هذا الإعلام من الرسول
صلى الله عليه وسلم؛ فإما أن يكونوا تابوا عن هذا الشرط،
أو أقدموا عليه مع العلم بالتحريم . وحينئذ فلا يضر اشتراطه . هذا
هو الذي يدل عليه الحديث وسياقه. ولا إشكال فيه ولله الحمد والمنة.
وأما إن كان المشترط لمثل هذا الشرط الباطل باهلا بالتحريم ،
ظانا أنه شرط لازم . فهذا لا يكون البيع في حقه لازما ، ولا يكون
أيضا باطلا . وهذا ظاهر مذهب أحمد ؛ بل له الفسخ إذا لم يعلم ان
ء
هذا الشرط لا يجب الوفاء به ؛ فإنه إنما رضي بزوال ملكه بهذا الشرط،
فإذا لم يحصل له فملكه له إن شاء، وإن شاء أن ينفذ البيع أنفذ. ،
كما لو ظهر بالمبيع عيب ، وكالشروط الصحيحة إذا لم يوف له بها ، إذا
باع بشرط رهن أو ضمين فلم يأت به ، فله الفسخ وله الإمضاء .
والقول بأن البيع باطل فى مثل هذا ضعيف ، مخالف للأصول ؛
بل هو غير لازم يتسلط فيه المشترى على الفسخ ، كالمشترى للمعيب
وللمصراة ، ونحوهما ؛ فإن حقه مخير بتمكينه من الفسخ . وقد قيل فى
مذهب أحمد : أن له أرش ما نقص من الثمن بإلغاء هذا الشرط ، كما
قيل مثل ذلك فى المعيب ، وهو أشهر الروايتين عنه. والرواية الأخرى
لا يستحق إلا الفسخ؛ وإنما له الأرش بالتراضي، أو عند تعذر الرد ،
كقول جمهور الفقهاء . وهذا أصح؛ فإنه كما أن المشترط لم يرض إلا
٣٤٠