Indexed OCR Text
Pages 301-320
جمهور العلماء : كأبى حنيفة ، والشافعي ، وطائفة من أصحاب أحمد . وإذا كان أخذ القمح أرفق بالمدين من أن يكلفه بيعه وإعطاء الدرام ، فالأفضل للغريم أخذ القمح ، والله أعلم . وسئل رحمه الله عن رجل اشترى غلة بدرهم معين إلى أجل ، وعند نهاية الأجل قصد صاحب الدين أخذ ماله ، فلم يجد شيئاً إلا غلة قيمتها بالسعر فى ذلك الوقت ، وتعينت بالدرام عن براءة الذمة ، فهل يجوز لصاحب الدين أن يأخذ الغلة بالسعر الواقع ؟ فأجاب : هذه المسألة فيها قولان : مثل أن يبيع حنطة إلى أجل ، ثم يأخذ عن الثمن حنطة . فعند مالك وأحمد لا يصح هذا ؛ وعند أبي حنيفة والشافعي لا بأس به ، وهو قول بعض أصحاب أحمد . وسئل عن رجل له فى ذمة رجل دين ، وللمديون ولد ، فقال ولد المديون لرب الدين : بعني سلعة إلى أجل ، وأنا أبيعها بالدرام الحاضرة، ٣٠١ ويوفى ما على والده ؟ فأجاب: الحمد لله . إذا كان مقصود المشتري الدرام ، وغرضه أن يشتري السلعة إلى أجل ليبيعها ، ويأخذ ثمنها، فهذه تسمى ((مسألة التورق)) لأن غرضه الورق لا السلعة . وقد اختلف العلماء في كراهته، فكرهه عمر بن عبد العزيز ، وطائفة من أهل المدينة : من المالكية ، وغيرهم . وهو إحدى الروايتين عن أحمد ، ورخص فيه آخرون ، والأقوى كراهته . وسئل رحمه اللّه عن الرجل عليه دين ، ويحتاج إلى بضاعة أو حيوان ، لينتفع به ، أو يتجر فيه، فيطلبه من إنسان دينا فلم يكن عنده . هل المطلوب منه أن يشتريه ، ثم بدينه منه إلى أجل ؟ وهل له أن يوكله فى شرائه ثم يبيعه بعد ذلك بربح انفقا عليه قبل الشراء ؟ . فأجاب : من كان عليه دين ، فإن كان موسرا وجب عليه أن يوفيه، وإن كان معسرا وجب إنظاره ، ولا يجوز قلبه عليه بمعاملة ولا غيرها . وأما البيع إلى أجل ابتداء ، فإن كان قصد المشتري الانتفاع بالسلعة ، ٣٠٢ والتجارة فيها جاز. إذا كان على الوجه المباح . وأما إن كان مقصوده الدرام فيشتري بمائة مؤجلة ، ويبيعها فى السوق بسبعين حالة ، فهذا مذموم منهي عنه فى أظهر قولي العلماء. وهذا يسمى ((التورق)) قال عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه : التورق أخية الربا . وسئل عمن طلب من إنسان سلعة تساوي خمسة عشر ، قال : إنه ما يعطى إلا بثمانية وعشرين ، فهل يجوز للآخذ أن يأخذ مع علمه بالزيادة ؟ . فأجاب : إن كان المشتري محتاجاً إلى الدرام ، فاشتراها ليبيعها ، ويأخذ تمنها ، فهذا يسمى ((التورق)) وإن كان المشتري غرضه أخذ الورق ، فهذا مكروه في أظهر قولي العلماء ، كما قال عمر بن عبد العزيز: التورق أخية الربا. وقال ابن عباس : إذا قومت بنقد، ثم بعت بنسيئة: قتلك دراج بدرام ، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد . ٣٠٣ رسل عن تاجرين عرضت عليها سلعة للبيع ، فرغب فى شرائها كل واحد منهما ، فقال أحدهما للآخر أشتريها شركة بيني وبينك ، وكانت نيته أن لا يزيد عليه فى ثمنها ، وينفرد فيها، فرغب في الشركة لأجل ذلك ، فاشتراها أحدهما ، ودفع تمنها من مالهما على السوية . فهل يصح هذا البيع والحالة هذه ؟ أو يكون فى ذلك دلسة على بائعها ، والحالة هذه ؟ . فأجاب: الحمد لله . أما إذا كان في السوق من يزايدهما ، ولكن أحدهما ترك مزايدة صاحبه خاصة لأجل مشاركته له : فهذا لا يحرم ؛ فإن باب المزايدة مفتوح ، وإنما ترك أحدهما مزايدة الآخر ؛ بخلاف ما إذا اتفق أهل السوق على أن لا يزايدوا فى سلع هم محتاجون لها ليبيعها صاحبها بدون قيمتها ويتقاسمونها بينهم ، فإن هذا قد يضر صاحبها أكثر مما يضر تلقى السلح إذا باعها مساومة ؛ فإن ذلك فيه من بخس الناس، ما لا يخفى ، والله أعلم . ٣٠٤ وسئل رحم الله عن سماسرة فى فندق ، من جملتهم ثلاثة يشترون من يد بعضهم لبعض ، ثم إنهم يزيدون فى الشراء ، ويقسمون الفائدة . فهل يجوز ذلك ؟ . فأجاب: الحمد لله ، لا يجوز للدلال - الذى هو وكيل البائع في المناداة - أن يكون شريكا لمن يزيد بغير على البائع ؛ فإن هذا يكون هو الذي يزيد ، ويشتري في المعنى . وهذا خيانة للبائع ، ومن عمل مثل هذا لم يحب أن يزيد أحد عليه ، ولم ينصح البائع فى طلب الزيادة ، وإنهاء المناداة . وإذا تواطأ جماعة على ذلك ، فإنهم يستحقون التعزير البليغ الذي يردعهم ، وأمثالهم عن مثل هذه الخيانة ، ومن تعزيرم أن يمنعوا من المناداة. حتى تظهر توبتهم . والله أعلم . ٣٠٥ وسئل رحمه اللّه عن معسر تداين من رجل قمحاً بأضعاف قيمته ، ولم يتغير سعره من مدة ما استدانه ، وإلى أجل استحقاقه عليه أدانه إياه ، ووصفه له بصفة . وذكر له أنه يساوي ستة عشر كل إردب ، وكتب حجة . ووقع الاتفاق بينهما على أن كل إردب باثنين وثلاثين . باعه المديون ببينة وإشهاد باثنى عشر درهم الإردب ؛ بخلاف ما وصفه المستدين . وقد استحق الأجل . وعسر المديون فى طلب ما عليه . فهل يطالب المديون بقيمة المثل ؟ أو بما كتب عليه ؟ أو بقمح مثل قمحه ؟. فأجاب: أما المعسر فلا يجوز مطالبته بما أعسر عنه ، وإن كان حقًا واجباً وجب إنظاره به . وإن كان معاملة ربوية لم يجزأن يطالب إلا برأس ماله. وبيع العين الغائبة بغير صفة بيع باطل ، يجب فيه رد المبيع ، أو رد بدله . ولا يستحق فيه الثمن المسمى . فكيف إذا قال: هذا يساوي الساعة كذا وكذا ، وأنا أبيعكه بكذا . أكثر منه إلى أجل ؟ فهذا ربا. كما قال ابن عباس - رضي الله عنه - إذا قومت نقداً وبعت نقداً فلا بأس ، وإذا قومت نقداً وبعت إلى أجل ، ٣٠٦ فتلك حرام بدرام . وهذا قوم نقداً وباع إلى أجل. وإذا كان المشتري قد فسخ البيع لفوات الصفة ، ولم يمكنه رد المبيع إلى البائع بعينه ، ولا حفظه بعينه عند أحد ، فباعه وحفظ له تمنه ، لم يجب عليه غير ذلك الثمن. إذا كان قد باعه بثمن مثله . والله أعلم . وسل عن رجل مراب خلف مالا وولداً ، وهو يعلم بحاله . فهل يكون المال حلالا للولد بالميراث ؟ أم لا ؟ . فأجاب : أما القدر الذي يعلم الولد أنه ربا فيخرجه ؛ إما أن يرده إلى أصحابه إن أمكن، وإلا تصدق به . والباقى لا يحرم عليه ؛ لكن القدر المشتبه يستحب له تركه . إذا لم يجب صرفه فى قضاء دين أو نفقة عيال . وإن كان الأب قبضه بالمعاملات الربوية التى يرخص فيها بعض الفقهاء . باز للوارث الانتفاع به . وإن اختلط الحلال بالحرام وجهل قدر كل منهما . جعل ذلك نصفين . ٣٠٧ وسئل عن الرجل يختلط ماله الحلال بالحرام ؟ . فأجاب : يخرج قدر الحرام بالميزان . فيدفعه إلى صاحبه . وقدر الحلال له . وإن لم يعرفه وتعذرت معرفته : تصدق به عنه . وسئل رحم اللّه عن امرأة كانت مغنية. واكتسبت فى جهلها مالا كثيراً. وقد تابت وحجت إلى بيت الله تعالى: وهي محافظة على طاعة الله . فهل المال الذي اكتسبته من حل وغيره ؛ إذا أكلت ، وتصدقت منه ؛ تؤجر عليه ؟ . فأجاب : المال المكسوب إن كانت عين أو منفعة مباحة فى نفسها. وإنما حرمت بالقصد . مثل من يبيع عنبا لمن يتخذه خمراً . أو من يستأجر لعصر الخمر ، أو حملها . فهذا يفعله بالعوض ؛ لكن لا يطيب له أكله . ٣٠٨ وأما إن كانت العين ، أو المنفعة محرمة : كمهر البغي ، وتمن الخمر . فهنا لا يقضى له به قبل القبض. ولو أعطاه إياه لم يحكم برده؛ فإن هذا معونة لهم على المعاصي : إذا جمع لهم بين العوض والمعوض . ولا يحل هذا المال للبغي والخمار ونحوهما ؛ لكن يصرف في مصالح المسلمين . فإن تابت هذه البغى ، وهذا الخمار ، وكانوا فقراء جاز أن يصرف إليهم من هذا المال مقدار حاجتهم ، فإن كان يقدر يتجر ، أو يعمل صنعة كالنسج والغزل ، أعطى ما يكون له رأس مال ، وإن اقترضوا منه شيئاً ليكتسبوا به ، ولم يردوا عوض القرض كان أحسن . وأما إذا تصدق به لاعتقاده أنه يحل ، عليه أن يتصدق به ، فهذا يثاب على ذلك ، وأما إن تصدق به كما يتصدق المالك بملكه ، فهذا لا يقبله الله - إن الله لا يقبل إلا الطيب - فهذا خبيث، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((مهر البغي خبيث)). وسُل عن الجهات بالزكاة ، والضمان بالأسواق ، وغيرها ، إذا أجرام ٣٠٩ السلطان فى أقطاع الجند : حلال ؟ أم حرام ؟ . فأجاب : أما إذا كان الرجل محتاجا والجهة فيها حلالا وحرام ، أو فيها شبهة ، فينبغى لصاحبها إذا أخذها ولا بد أن يصرفها فى الأمور البرانية ، مثل علف دابته ، والكلف السلطانية ، ونحو ذلك . وإذا تصدق بها على الفقراء ، أو نوى الصدقة بها عمن يستحقها ، كان ذلك حسناً ، والله أعلم . وسل عن رجل له إقطاع بالأطرون ، وكان عادة المسلمين أن يشترى الأطرون الصعاليك ، ويبيعوه كل رطل بثلاثة فلوس ، ولما كان زمان بيبرس باء شخص ضمن الأطرون أن لا يبيع أحد ، ولا يشتري إلا من محت بد الضامن بثلاثة وعشرين درهما القنطار ، فهل هو حلال ؟ أم حرام ؟ فأجاب : من كان الأطرون قد أخذه بحق لم يجز لأحد أن يكره أحداً على الشراء منه ، ولا يمنعه أن يشتري من غيره ؛ بل إذا أخذه بحق وباعه كما تباع سلح المسلمين بذلك جاز . ٣١٠ وسئل الشيخ الإمام، العالم، العامل شيخ الإسلام ، وقطب الأئمة الأعلام ، ومن عمت بركانه أهل العراقين والشام ، تقي الدين أبو العباس ، أحمد بن عبد الحليم ، بن عبد السلام، بن تيمية الحرانى، ثم الدمشقي ، متع اللّه المسلمين ببركاته، وكان بالديار المصرية . عن رجل نقل عن بعض السلف من الفقهاء أنه قال : أكل الحلال متعذر ، لا يمكن وجوده فى هذا الزمان. فقيل له : لم ذلك ؟ فذكر: أن وقعة المنصورة لم تقسم الغنائم فيها ، واختلطت الأموال بالمعاملات بها . فقيل له : إن الرجل يؤجر نفسه لعمل من الأعمال المباحة ، ويأخذ أجرته حلال . فذكر أن الدرم في نفسه حرام . فقيل له : كيف قبل الدرهم التغير أولاً ، فصار حراماً بالسبب الممنوع ، ولم يقبل التغير فيكون حلالا بالسبب المشروع ، فما الحكم فى ذلك ؟؟ فأجاب: رضي الله عنه: الحمد لله . هذا القائل الذي قال: أكل الحلال متعذر ، لا يمكن وجوده فى هذا الزمان . غالط ، مخطئ في قوله ، باتفاق أئمة الإسلام ؛ فإن مثل هذه المقالة كان يقولها بعض أهل ٣١١ البدع ، وبعض أهل الفقه الفاسد ، وبعض أهل النسك الفاسد، فأنكر الأئمة ذلك ، حتى الإمام أحمد في ورعه المشهور ، كان ينكر مثل هذه المقالة . وجاء رجل من النساك فذكرله شيئا من هذا ، فقال : انظر إلى هذا الخبيث ، يحرم أموال المسلمين . وقال : بلغنى أن بعض هؤلاء يقول : من سرق لم تقطع بده : لأن المال ليس بمعصوم ، ومثل هذا كان يقوله بعض المنتسبين إلى العلم من أهل العصر ، بناء على هذه الشبهة الفاسدة ، وهو أن الحرام قد غلب على الأموال ، لكثرة الغصوب ، والعقود الفاسدة ، ولم يتميز الحلال من الحرام. ووقعت هذه الشبهة عند طائفة من مصنفى الفقهاء ، فأفتوا بأن الإنسان لا يتناول إلا مقدار الضرورة ، وطائفة لما رأت مثل هذا الحرج سدت باب الورع . فصاروا نوعين : المباحية لا يميزون بين الحلال والحرام ؛ بل الخلال ما حل بأيديهم والحرام ما حرموه ؛ لأنهم ظنوا مثل هذا الظن الفاسد ، وهو أن الحرام قد طبق الأرض ، ورأوا أنه لا بد للإنسان من الطعام والكسوة ، فصاروا يتناولون ذلك من حيث أمكن . فلينظر العاقل عاقبة ذلك الورع الفاسد ، كيف أورث الانحلال من دين الإسلام ؟ ! ٣١٢ وهؤلاء يحكون في الورع الفاسد حكايات ، بعضها كذب ممن نقل عنه، وبعضها غلط . كما يحكون عن الإمام أحمد : أن ابنه صالحاً لما تولى القضاء لم يكن يخبز فى داره ، وأن أهله خبزوا فى تنوره فلم يأكل الخبز ، فألقوه في دجلة ، فلم يكن بأكل من صيد دجلة . وهذا من أعظم الكذب والفرية على مثل هذا الإمام ، ولا يفعل مثل هذا إلا من هو من أجهل الناس ، أو أعظمهم مكراً بالناس ، واحتيالا على أموالهم، وقد نزهه اللّه عن هذا، وهذا . وكل عالم يعلم أن ابنه لم يتول القضاء فى حياته ، وإنما تولاه بعد موته ؛ ولكن كان الخليفة المتوكل قد أجاز أولاده ، وأهل بيته جوائز من بيت المال ، فأمرهم أبو عبد الله أن لا يقبلوا جوائز السلطان، فاعتذروا إليه بالحاجة، فقبلها من قبلها منهم ، فترك الأكل من أموالهم، والانتفاع بنيرانهم فى خبز أوماء ؛ لكونهم قبلوا جوائز السلطان . وسألوه عن هذا المال : أحرام هو ؟ فقال : لا . فقالوا أحج منه ؟ فقال : نعم ، وبين لهم أنه إنما امتع منه لئلا بصير ذلك سبباً إلى أن يداخل الخليفة فيما يريد ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((خذ العطاء ما كان عطاء ، فإذا كان عوضا عن دين أحدكم فلا يأخذه ، ولو ألقى فى دجلة العم والميتة ولحم الخنزير، وكل حرام فى الوجود ، لم يحرم صيدها ، ولم تحرم. ومن الناس من آل به الإفراط فى الورع إلى أمر اجتهد فيه ، ٣١٣ فيئاب على حسن قصده ؛ وإن كان المشروع خلاف ما فعله . مثل من امتنع من أكل مافى الأسواق، ولم يأكل إلا ما ينبت في البراري، ولم يأكل من أموال المسلمين؛ وإنما بأ كل من أموال أهل الحرث، وأمثال ذلك مما يكون فاعله حسن القصد ، وله فيما فعل تأويل ؛ لكن الصواب المشروع خلاف ذلك ؛ فإن الله سبحانه خلق الخلق لعبادته ، وأمرهم بذلك ، وقد ثبت فى صحيح مسلم عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، (يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُوْ مِنَ الطَِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا ) وقال: (يَأَيُّهَا فقال : ثم ذكر الرجل يطيل السفر اُلَّذِينَ ءَامَنُوأُكُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَارَزَقْنَّكُمْ) أشعث أغبر ، يمد يده إلى السماء . يارب ! يارب! ومطعمه حرام ، وملبسه حرام ، وغذى بالحرام ، فأنى يستجاب لذلك )) فقد بين صلى الله عليه وسلم إن اللّه أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، من أكل الطيبات . كما أمرهم بالعمل الصالح، والعمل الصالح لا يمكن إلا بأكل وشرب ولباس وما يحتاج إليه العبد من مسكن ومركب وسلاح يقاتل به ، وكراع يقاتل عليه ، وكتب يتعلم منها، وأمثال ذلك مما لا يقوم ما أمر الله به إلا به ، وما لا يتم الواجب إلا به ، فهو واجب . فإذا كان القيام بالواجبات فرضاً على جميع العباد ، وهي لا تتم إلا بهذه الأموال ، فكيف يقال : إنه قليل ؛ بل هو كثير غالب ؛ بل هو ٣١٤ الغالب على أموال الناس . ولو كان الحرام هو الأغلب ، والدين لا يقوم فى الجمهور إلا به ، للزم أحد أمرين: إما ترك الواجبات من أكثر الخلق . وإما إباحة الحرام لأكثر الخلق ، وكلاهما باطل . و ((الورع)» من قواعد الدين ، ففى الصحيح عن عثمان بن بشير، عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الحلال بين، والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس ، فمن ترك الشبهات استبرأ لعرضه ودينه ، ومن وقع فى الشبهات وقع فى الحرام ، كالراعى يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ، ألا وإن لكل ملك حمى ، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب)). وفى الحديث الآخر: (( دع ما يريبك إلى مالا يريبك)) ورأى تمرة ساقطة فقال: ((لو لا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها)) . وهذا مبسوط فى غير هذا الموضع . وهذا يتبين بذكر أصول : ((أحدها)): أنه ليس كل ما اعتقد فقيه معين أنه حرام كان حراما؛ إنما الحرام ما ثبت تحريمه بالكتاب ، أو السنة ، أو الإجماع ، أو قياس مرجح لذلك. وما تنازع فيه العلماء رد إلى هذه الأصول . ومن الناس ٣١٥ من يكون نشأ على مذهب إمام معين ، أو استفتى فقيهاً معيناً ، أو سمع حكاية عن بعض الشيوخ ، فيريد أن يحمل المسلمين كلهم على ذلك ، وهذا غلط ، ولهذا نظائر . منها ((مسألة المغانم )، فإن السنة أن تجمع وتخمس ، وتقسم بين الغانمين بالعدل . وهل يجوز للإمام أن ينفل من أربعة أخماسها ؟ فيه قولان . فمذهب فقهاء الثغور ، وأبى حنيفة وأحمد ، وأهل الحديث ، أن ذلك يجوز، لما فى السنن: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم نفل فى بدأته الربع بعد الخمس ، ونفل فى رجعته الثلث بعد الخمس)) وقال سعيد بن المسيب ، ومالك، والشافعي : لا يجوز ذلك ؛ بل يجوز عند مالك التنفيل من الخمس، ولا يجوز عند الشافعي إلا من خمس الخمس. وكان أحمد يعجب من سعيد بن المسيب ، ومالك ، كيف لم تبلغها هذه السنة مع وفور علمها ؟ ! . وقد ثبت فى الصحيحين عن ابن عمر أنه قال: ((بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سرية قبل نجد ، فبلغت سهامنا إثنا عشر بعيراً، ونفلنا بعيرا بعيرا)) ومعلوم أن السهم إذا كان اثنى عشر بعيراً لم يحتمل خمس الخمس أن يخرج منه لكل واحد بعير ؛ فإن ذلك لا يكون إلا إذا كان السهم أربعة وعشرين بعيراً . وكذلك إذا فضل الإمام بعض الغانمين على بعض لمصلحة راجحة ، كما أعطى النبى صلى الله عليه ٣١٦ وسلم سلمة بن الأكوع في غزوة ذى قرد سهم راجل وفارس ، فإن ذلك يجوز فى أصح قولي العلماء . ومنهم من لا يجيزه كما تقدم . وكذلك إذا قال الإمام : من أخذ شيئا فهو له ، ولم تقسم الغنائم. فهذا جائز فى أحد قولي العلماء ، وهو ظاهر مذهب أحمد، ولا يجوز في القول الآخر ، وهو المشهور من مذهب الشافعي ، وفى كل من المذهبين خلاف . وعلى مثل هذا الأصل تننى «الغنائم فى الأزمان المتأخرة)» مثل الغنائم التى كان يغنمها السلاجقة الأتراك ، والغنائم التى غنمها المسلمون من النصارى من ثغور الشام ومصر ؛ فإن هذه أفتى بعض الفقهاء - كأبى محمد الجوينى والنواوى - أنه لا يحل لمسلم أن يشتري منها شيئا، ولا يطأ منها فرجا، ولا يملك منها مالا ولزم من هذا القول من الفساد ما الله به عليم . فعارضهم أبو محمد بن سباع الشافعي ، فأفتى : أن الإمام لا يجب عليه قسمة المغانم بحال، ولا تخميسها، وأن له أن يفضل الراجل، وأن يحرم بعض الغانمين ، ويخص بعضهم ، وزعم أن سيرة النبى صلى الله عليه وسلم تقتضى ذلك. وهذا القول خلاف الإجماع، والذي قبله باطل ومنكر أيضا، فكلاهما انحراف . والصواب في مثل هذه أن الإمام إذا قال : من أخذ شيئا فهو له. ٣١٧ فإن قيل بجواز ذلك ، فمن أخذ شيئا ملكه، وعليه تخميه؛ وإن كان الإمام لم يقل ذلك ، ولم يهبهم المغانم؛ بل أراد منها ما لا يسوغ بالاتفاق. أو قيل : إنه يجب عليه أن يقسم بالعدل ، ولا يجوز له الإذن بالانتهاب. فهنا المغانم مال مشترك بين الغانمين ؛ ليس لغيرم فيها حق . فمن أخذ منها مقدار حقه جاز له ذلك . وإذا شك فى ذلك : فإما أن يحتاط ويأخذ بالورع المستحب . أو يبنى على غالب ظنه . ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها . وكذلك ((المزارعة)) على أن يكون البذر من العامل التى يسميها بعض الناس المخابرة . وقد تنازع فيها الفقهاء ؛ لكن ثبت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة جوازها ؛ فإنه عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من تمر وزرع ، على أن يعمروها من أموالهم. وأما نهيه عن المخابرة : فقد جاء مفسراً في الصحيح؛ فإن المراد به أن يشترط للمالك زرع بقعة بعينها . وكذلك كراء الأرض بجزء من الخارج منها . فجوزه أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد: فى المشهور عنه . وهى عنه مالك وأحمد فى رواية . ونظائر ذلك كثيرة . فهذا بين . ((الأصل الثاني)) أن المسلم إذا عامل معاملة يعتقد هو جوازها وقبض المال ، باز لغيره من المسلمين أن يعامله في مثل ذلك المال . وإن لم يعتقد جواز تلك المعاملة ؛ فإنه قد ثبت أن عمر بن الخطاب ٣١٨ رضي الله عنه رفع إليه أن بعض عماله بأخذ خمراً من أهل الذمة عن الجزية ، فقال قائل الله فلانا ، أما على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قائل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها، وأكلوا أثمانها)). ثم قال عمر: ولوثم بيعها ، وخذوا منهم أثمانها. فأمر عمر أن يأخذوا من أهل الذمة الدرام التى باعوا بها الخمر ؛ لأنهم يعتقدون جواز ذلك في دينهم . ولهذا قال العلماء : إن الكفار إذا تعاملوا بينهم بمعاملات يعتقدون جوازها، ونقابضوا الأموال ثم أسلموا كانت تلك الأموال لهم حلالا ، وإن تحاكموا إلينا أقررناها فى أيديهم، سواء تحاكموا قبل الإسلام، أو بعده. وقد قال تعالى: ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْاللَّهَ وَذَرُواْمَابَقِىَ مِنَ الرِّبَوْ إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) فأمرهم بترك ما بقى في النعم من الربا، ولم يأمرم برد ما قبضوه ؛ لأنهم كانوا يستحلون ذلك . والمسلم إذا عامل معاملات يعتقد جوازها كالخيل الربوية التى يفتى بها من يفتى من أصحاب أبي حنيفة ، وأخذ تمنه ، أو زارع على أن البذر من العامل ، أو أكرى الأرض بجزء من الخارج منها ، ونحو ذلك ، وقبض المال جاز لغيره من المسلمين أن يعامله فى ذلك المال، وإن لم يعتقد جواز تلك المعاملة بطريق الأولى والأحرى ، ولو أنه تبين له فيما بعد رجحان التحريم لم يكن عليه إخراج المال الذي كسبه ٣١٩ بتأويل سائغ ؛ فإن هذا أولى بالعفو والعذر من الكافر المتأول ، ولما ضيق بعض الفقهاء هذا على بعض أهل الورع ألجأ إلى أن يعامل الكفار، ويترك معاملة المسلمين. ومعلوم أن الله ورسوله لا يأمر المسلم أن يأكل من أموال الكفار ، ويدع أموال المسلمين ؛ بل المسلمون أولى بكل خير ، والكفار أولى بكل شر . ((الأصل الثالث » : أن الحرام نوعان : حرام لوصفه كالميتة والدم ولحم الخنزير . فهذا إذا اختلط بالماء والمائع وغيره من الأطعمة ، وغير طعمه أو لونه أو ريحه حرمه. وإن لم يغيره ففيه نزاع ، ليس هذا موضعه . والثانى الحرام لكسبه : كالمأخوذ غصباً ، أو بعقد فاسد ، فهذا إذا اختلط بالحلال لم يحرمه ، فلو غصب الرجل درامٍ أو دنانير ، أو دقيقا ، أو حنطة ، أو خبزا، وخلط ذلك بماله لم يحرم الجميع ؛ لا على هذا ، ولا على هذا ؛ بل إن كانا متماثلين أمكن أن يقسموه ، ويأخذ هذا قدر حقه ، وهذا قدر حقه، وإن كان قد وصل إلى كل منها عين مال الآخر ؛ الذي أخذ الآخر نظيره . وهل يكون الخلط كالإتلاف ؟ فيه وجهان فى مذهب الشافعي ، وأحمد ، وغيرها . أحدهما : أنه كالإتلاف ، فيعطيه مثل حقه من أين أحب . ٣٢٠