Indexed OCR Text
Pages 281-300
وقال رحمه الله بعد كلام سبق: وأصل المسألة : أن النهي يدل على أن المنهى عنه فساده راجح على صلاحه، ولا يشرع التزام الفساد ممن بشرع [له] دفعه. وأصل هذا أن كل ما نهى الله عنه وحرمه في بعض الأحوال ، وأباحه فى حال أخرى، فإن الحرام لا يكون صحيحاً نافذا كالحلال ، يترتب عليه الحكم، كما يترتب على الحلال، ويحصل به المقصود كما يحصل به . وهذا معنى قولهم : النهي يقتضى الفساد ، وهذا مذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، وأئمة المسلمين ، وجمهورم . وكثير من المتكلمين من المعتزلة ، والأشعرية ؛ يخالف في هذا ، لما ظن أن بعض ما نهى عنه ليس بفاسد ، كالطلاق المحرم ، والصلاة فى الدار المغصوبة ، ونحو ذلك . قال : لو كان النهي موجباً للفساد لزم انتقاض هذه العلة، فدل على أن الفساد حصل بسبب آخر غير مطلق النهي . وهؤلاء لم يكونوا من أئمة الفقه العارفين بتفصيل أدلة الشرع . فقيل لهم : بأي شي يعرف أن العبادة فاسدة ، والعقد فاسد ؟ قالوا : بأن يقول الشارع : هذا صحيح ، وهذا فاسد . وهؤلاء لم يعرفوا أدلة ٢٨١ الشرع الواقعة ؛ بل قدروا أشياء قد لا تقع ، وأشياء ظنوا أنها من جنس كلام الشارع ، وهذا ليس من هذا الباب . فإن الشارع لم يدل الناس قط بهذه الألفاظ التى ذكروها ، ولا يوجد فى كلامه : شروط البيع والنكاح : كذا، وكذا. ولا هذه العبادة، والعقد صحيح ، أو ليس بصحيح ، ونحو ذلك مما جعلوه دليلا على الصحة والفساد ؛ بل هذه كلها عبارات أحدثها من أحدثها من أهل الرأي والكلام . وإنما الشارع دل الناس بالأمر والنهي ، والتحليل والتحريم ، وبقوله فى عقود: ((هذا لا يصلح)) على أنه فساد ، كما قال فى بيع مدين بمد تمراً: ((لا يصلح)) والصحابة والتابعون وسائر أئمة المسلمين كانوا يحتجون على فساد العقود بمجرد النهي ، كما احتجوا على فساد نكاح ذوات المحارم بالنهي المذكور فى القرآن ، وكذلك فساد عقد الجمع بين الأختين . ومنهم من توم أن التحريم فيها تعارض فيه نصان ، فتوقف . وقيل : إن بعضهم أباح الجمع . وكذلك نكاح المطلقة ثلاثاً استدلوا على فساده بقوله تعالى : ( فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَّحِلُ لَهُمِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ). وكذلك الصحابة استدلوا على فساد نكاح الشغار بالنهي عنه ، فهو من الفساد ليس من الصلاح . فإن الله لا يحب الفساد، ويحب الصلاح. ٢٨٢ ولا ينهى عما يحبه. وإنما ينهى عما لا يحبه ، فعلموا أن المنهي عنه فاسد؛ ليس بصالح . وإن كانت فيه مصلحة فمصلحته مرجوحة بمفسدته ، وقد علموا أن مقصود الشرع رفع الفساد ، ومنعه ؛ لا إيقاعه ، والإلزام به. فلو ألزموا موجب العقود المحرمة، لكانوا مفسدين غير مصلحين، والله لا يصلح عمل المفسدين. وقوله : (وَإِذَاقِيلَ لَهُمْ لَانُفْسِدُ وا فِي الْأَرْضِ) أي : لا تعملوا بمعصية الله تعالى ، فكل من عمل بمعصية الله فهو مفسد، والمحرمات معصية الله ، فالشارع ينهى عنه ليمنع الفساد ، ويدفعه ، ولا يوجد قط في شيء من صور النهي صورة ثبتت فيها الصحة بنص ، ولا إجماع . فالطلاق المحرم ، والصلاة فى الدار المغصوبة: فيها نزاع، وليس على الصحة نص يجب اتباعه ، فلم يبق مع المحتج بهما حجة . لكن من البيوع ما نهي عنه لما فيها من ظلم أحدهما للآخر ، كبيع المصراة ، والمعيب وتلقى السلع ، والنجش، ونحو ذلك ؛ ولكن هذه البيوع لم يجعلها الشارع لازمة ، كالبيوع الحلال ؛ بل جعلها غير لازمة. والخيرة فيها إلى المظلوم ، إن شاء أبطلها وإن شاء أجازها ، فإن الحق في ذلك له، والشارع لم ينه عنها لحق مختص باللّه، كما نهى عن الفواحش؛ بل هذه إذا على المظلوم بالحال فى ابتداء العقد ، مثل أن يعلم بالعيب ، والتدليس والتصرية ، ويعلم السعر إذا كان قادماً بالسلعة ، ويرضى بأن ٢٨٣ يغبنه المتلقى ، جاز ذلك ، فكذلك إذا علم بعد العقد إن رضى جاز ، وإن لم يرض كان له الفسخ . وهذا يدل على أن العقد بقع غير لازم، بل موقوفا على الإجازة، إن شاء أجازه صاحب الحق ، وإن شاء رده . وهذا متفق عليه فى مثل بيع المعيب ، مما فيه الرضا بشرط السلامة من العيب ، فإذا فقد الشرط بقى موقوفاً على الإجازة ، فهو لازم إن كان على صفة وغير لازم إن كان على صفة . وأما إذا كان غير لازم مطلقا ، بل هو موقوف على رضا المجيز ، فهذا فيه نزاع . وأكثر العلماء يقولون بوقف العقود ، وهو مذهب مالك، وأبى حنيفة، وغيرهما، وعليه أكثر نصوص أحمد ، وهو اختيار القدماء من أصحابه . كالخرقى ، وغيره ، كما هو مبسوط فى موضعه . إذ المقصود هنا أن هذا النوع يحسب طائفة من الناس أنه من جملة ما نهي عنه . ثم تقول طائفة أخرى ؛ وليس بفاسد. فالنهي يجب أن يقتضى الفساد . ويقول طائفة أخرى : بل هذا فساد . فمنهم من أفسد بيع النجش إذا نجش البائع أو واطأ . ومنهم من أفسد نكاح الخاطب إذا خطب على خطبة أخيه ، وبيعه على بيعه . ومنهم من أفسد بيع المعيب المدلس. فلما عورض بالمصراة توقف . ومنهم من صحيح ٢٨٤ نكاح الخاطب على خطبة أخيه مطلقا ، وبيع النجش بلا خيار . والتحقيق: أن هذا النوع لم يكن النهي فيه لحق اللّه. كنكاح المحرمات ، والمطلقة ثلاثاً ، وبيع الربا؛ بل لحق الإنسان ؛ بحيث لو علم المشتري أن صاحب السلعة ينجش . ورضي بذلك جاز . وكذلك إذا علم أن غيره ينجش . وكذلك المخطوبة متى أذن الخاطب الأول فيها جاز . ولما كان النهي هنا لحق الآدمى: لم يجعله الشارع صحيحاً لازما . كالحلال ؛ بل أثبت حق المظلوم وسلطه على الخيار. فإن شاء أمضى وإن شاء فسخ . فالمشتري مع النجش إن شاء رد المبيع فحصل بهذا مقصوده . وإن شاء رضى به إذا علم بالنجش . فأما كونه فاسداً مردوداً ، وإن رضى به : فهذا لا وجه له . وكذلك فى الرد بالعيب ، والمدلس ، والمصراة. وغير ذلك . وكذلك المخطوبة إن شاء هذا الخاطب أن يفسخ نكاح هذا المعتدى عليه ويتزوجها برضاه؛ فله ذلك . وإن شاء أن يمضى نكاحها فله ذلك. وهو إذا اختار فسخ نكاحها عاد الأمر إلى ما كان . إن شاءت نكحته ، وإن شاءت لم تتكحه ؛ إذ مقصوده حصل بفسخ نكاح الخاطب. وإذا قيل : هو غير قلب المرأة علي . قيل : إن شئت عاقبناء على هذا ؛ بأن تمنعه من نكاح تلك المرأة . فيكون هذا قصاصاً لظلمه إياك . وإن شئت عفوت ٢٨٥ عنه فأنفذنا نكاحه . وكذلك الصلاة فى الدار المغصوبة، والذبح بآلة مغصوبة . وطبخ الطعام بحطب مغصوب . وتسخين الماء بوقود مغصوب ؛ كل هذا إنما حرم لما فيه من ظلم الإنسان . وذلك يزول بإعطاء المظلوم حقه . فإذا أعطاه ما أخذه من منفعة ماله، أو من أعيان ماله : فأعطاء كرى الدار وتمن الحطب ، وتاب هو إلى الله تعالى من فعل ما نهاه عنه ، فقد برئ من حق الله وحق العبد، وصارت صلاته كالصلاة في مكان مباح . والطعام كالطعام بوقود مباح ؛ والذبح بسكين مباحة. وإن لم يفعل ذلك كان لصاحب السكين أجرة ذبحه. ولا تحرم الشاة كلها ؛ لأجل هذه الشبهة. وهذا إذا كان أكل الطعام ، ولم يوفه تمنه ؛ كان بمنزلة من أخذ طعاماً لغيره فيه شركة : ليس فعله حراماً ولا هو حلالا محضا ، فإن نضج الطعام لصاحب الوقود فيه شركة . وكذلك الصلاة يبقى عليه إثم الظلم بنقص من صلاته بقدره، ولا تبرأ ذمته ، كبراءة من صلى صلاة تامة، ولا يعاقب كعقوبة من لم يصل؛ بل يعاقب على قدر ذنبه . وكذلك آكل الطعام يعاقب على قدر ذنبه. والله تعالى يقول: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّايَرَهُ ). ٢٨٦ وإنما قيل فى الصلاة في الثوب النجس وبالمكان : يعيد ؛ بخلاف هذا؛ لأنه هناك لا سبيل له إلى براءة ذمته إلا بالإعادة ، وهنا يمكنه ذاك، بأن يرد أرض المظلوم ؛ لكن الصلاة فى الثوب الحرير هي من ذلك القسم: الحق فيها لله؛ لكن نهي عن ذلك في الصلاة، وفى غير الصلاة؛ لم بنه عنه فى الصلاة فقط . وقد تنازع الفقهاء فى مثل هذا . فمنهم من يقول: النهي هنا لمعنى فى غير المنهي عنه ، وكذلك يقولون فى الصلاة في الدار المغصوبة ، والثوب المغصوب ، والطلاق في الحيض، والبيع وقت النداء ، ونحو ذلك . وهذا الذي قالوه لا حقيقة له ؛ فإنه إن عنى بذلك أن نفس البيع اشتمل على تعطيل الصلاة ، ونفس الصلاة اشتملت على الظلم، والفخر، والخيلاء ، ونحو ذلك مما نهى عنه، كما اشتملت الصلاة فى الثوب النجس على ملابسة الرجس الخبيث : فهذا غير صحيح . وإن أرادوا بذلك ، أن ذلك المعنى لا يختص بالصلاة ؛ بل هو مشترك بين الصلاة وغيرها : فهذا صحيح ؛ فإن البيع وقت النداء لم ينه عنه إلا لكونه شاغلا عن الصلاة ، وهذا موجود في غير البيع ، لا يختص بالبيع . لكن هذا الفرق لا يجيء فى طلاق الحائض ؛ فإنه ليس هناك معنى مشترك ، وهم يقولون : إنما نهى عنه لإطالة العدة ، وذلك خارج عن الطلاق . فيقال: وغير ذلك من المحرمات كذلك ، إنما نهى عنها لإفضائها ٢٨٧ إلى فساد خارج عنها . فالجمع بين الأختين نهي عنه لإفضائه إلى قطيعة الرحم ، والقطيعة أمر خارج عن النكاح . والخمر والميسر حرما ، وجعلا رجساً من عمل الشيطان ؛ لأن ذلك يفضي إلى الصد عن الصلاة ، وإيقاع العداوة والبغضاء ، وهو أمر خارج عن الخمر والميسر . والربا حرام؛ لأن ذلك يفضي إلى أكل المال بالباطل ، وذلك أمر خارج عن عقد الميسر والربا. فكل ما نهى الله عنه لا بد أن يشتمل على معنى فيه يوجب النهي ، ولا يجوز أن ينهى عن شيء لا لمعنى فيه أصلا ، بل لمعنى أجنبى عنه؛ فإن هذا من جنس عقوبة الإنسان بذنب غيره ، والشرع منزه عنه ؛ لكن فى الأشياء ما ينهى عنه لسد الذريعة ، فهو مجرد عن الذريعة لم يكن فيه مفسدة ، كالنهي عن الصلاة فى أوقات النهي قبل طلوع الشمس وغروبها ونحو ذلك ، وذلك لأن هذا الفعل اشتمل على مفسدة ؛ لإفضائه إلى التشبه بالمشركين . وهذا معنى فيه . ثم من هؤلاء - الذين قالوا: إن النهي قد يكون لمعنى فى المنهى عنه، وقد يكون لمعنى فى غيره - من قال : إنه قد يكون لوصف فى الفعل ؛ لا في أصله . فيدل على صحته ، كالنهي عن صوم يومي العيدين ، قالوا: هو منهى عنه لوصف العيدين ؛ لالجنس الصوم ، فإذا مام صح ؛ لأنه سماء صوماً . ٢٨٨ فيقال لهم : وكذلك الصوم في أيام الحيض ، وكذلك الصلاة بلا طهارة ، وإلى غير القبلة : جنس مشروع ؛ وإنما النهي لوصف خاص : وهو الحيض ، والحدث ، واستقبال غير القبلة . ولا يعرف بين هذا وهذا فرق معقول له تأثير فى الشرع ؛ فإنه إذا قيل : الحيض والحدث صفة فى الحائض والمحدث ، وذلك صفة فى الزمان . قيل : والصفة في محل الفعل - زمانه ومكانه - كالصفة فى فاعله ؛ فإنه لو وقف بعرفة فى غير وقتها ، أو غير عرفة لم يصح ، وهو صفة فى الزمان ، والمكان . وكذلك لو رمى الجمار فى غير أيام منى، أو المرمى ، وهو صفة فى الزمان والمكان . واستقبال غير القبلة هو لصفة فى الجهة لا فيه ، ولا يجوز ، ولو صام بالليل لم يصح ، وإن كان هذا زماناً . فإذا قيل : الليل ليس بمحل للصوم شرعا. قيل : ويوم العيد ليس بمحل الصوم شرعا، كما أن زمان الحيض ليس بمحل للصوم شرعا، فالفرق لا بد أن يكون فرقا شرعيا ، فيكون معقولا ، ويكون الشارع قد جعله مؤثراً فى الحكم ، بحيث علق به الحل أو الحرمة ، الذي يختص بأحد الفعلين . : وكثير من الناس يتكلم بفروق لا حقيقة لها ، ولا تأثير له فى الشرع ، أو يمنع تأثيره فى الأصل . وذلك أنه قد بذكر وصفاً يجمع به بين الأصل والفرع ، ولا يكون ذلك الوصف مشتركاً بينها ؛ بل ٢٨٩ قد يكون منفياً عنها ، أو عن أحدهما. وكذلك المفرق قد يفرق بوصف يدعى انتقاضه بإحدى الصورتين ، وليس هو مختصا بها ، بل هو مشترك بينها ، وبين الأخرى ، كقولهم: النهي لمعنى فى المنهي عنه ، وذلك لمعنى فى غيره ، أو ذاك لمعنى فى وصفه دون أصله . ولكن قد يكون النهي لمعنى يختص بالعبادة والعقد ، وقد يكون لمعنى مشترك بينها وبين غيرها ، كما ينهى المحرم عما يختص بالإحرام مثل حلق الرأس ، ولبس العامة ، وغير ذلك من الثياب المنهي عنها ، وينهى عن نكاح امرأته ، وينهى عن صيد البر، وينهى مع ذلك عن الزنا ، والظلم للناس فيما ملكوه من الصيد . وحينئذ فالنهى لمعنى مشترك أعظم؛ ولهذا لو قتل المحرم صيداً مملوكاً ، وجب عليه الجزاء لحق الله، ووجب عليه البدل لحق المالك. ولو زنا لأفسد إحرامه ، كما يفسد بنكاح امرأته ، ويستحق حد الزنا مع ذلك. وعلى هذا فمن لبس فى الصلاة ما يحرم فيها . وفى غيرها ، كالثياب التى فيها خيلاء وغير ؛ كالسبلة، والحرير ، كان أحق ببطلان الصلاة من الثوب النجس، وفى الحديث الذي فى السنن: ((إن الله لا يقبل صلاة مسبل)). والثوب النجس فيه نزاع. وفى قدر النجاسة نزاع ، والصلاة فى الحرير للرجال من غير حاجة حرام بالنص والإجماع . وكذلك البيع بعد النداء ، إذا كان قد نهى عنه وغيره يشغل من ٢٩٠ الجمعة ؛ كان ذلك أوكد فى النهي ، وكل ما شغل عنها فهو شر وفساد لا خير فيه . والملك الحاصل بذلك كالملك الذي لم يحصل إلا بمعصية الله، وغضبه، ومخالفته ، كالذي لا يحصل إلا بغير ذلك من المعاصي ؛ مثل الكفر والسحر والكهانة والفاحشة ، وقد قال النى صلى الله عليه وسلم : ((( حلوان الكاهن خبيث ، ومهر البغي خبيث)) فإذا كانت السلعة لا تملك إن لم تترك الصلاة المفروضة ، كان حصول الملك بسبب ترك الصلاة ، كما أن حصول الحلوان والمهر بالكهانة والبغاء ؛ وكما لو قيل له : إن تركت الصلاة اليوم أعطيناك عشرة درام . فإن ما يأخذه على ترك الصلاة خبيث ، كذلك ما يملك بالمعاوضة على ترك الصلاة خبيث . ولو استأجر أجيراً بشرط أن لا يصلي كان هذا الشرط باطلا ، وكان ما يأخذه عن العمل الذي يعمله بمقدار الصلاة خييئاً ، مع أن جنس العمل بالأجرة جائز ، كذلك جنس المعاوضة جائز ؛ لكن بشرط أن لا يتعدى عن فرائض الله . وإذا حصل البيع فى هذا الوقت وتعذر الرد فله نظير ثمنه الذي أداه ، ويتصدق بالريح، والبائع له نظير سلعته، ويتصدق بالريح ، إن كان قد ريح، ولو تراضيا بذلك بعد الصلاة لم ينفع ؛ فإن النهي هنا لحق اللّه تعالى، فهو كما لو تراضيا بمهر البغي، وهناك يتصدق به على ٢٩١ أصح القولين : لا يعطى للزاني . وكذلك في الخمر ، ونحو ذلك مما أخذ صاحبه منفعة محرمة ، فلا يجمع له العوض والمعوض ؛ فإن ذلك أعظم إثماً من بيعه . وإذا كان لا يحل أن يباع الخمر بالثمن، فكيف إذا أعطى المر وأعطى الثمن؟! وإذا كان لا يحل للزانى أن يزنى وإن أعطى، فكيف إذا أعطى المال والزنا جميعا ؟! بل يجب إخراج هذا المال كسائر أموال المصالح المشتركة ، فكذلك هنا إذا كان قد باع السلعة ، وقت النداء بريح ، وأخذ سلعته ، فإن فانت تصدق بالريح ، ولم يعطه للمشتري ، فيكون أعانه على الشراء . والمشترى يأخذ ثمنه ، ويعيد السلعة ، فإن باعها برج تصدق به ، ولم يعطه للبائع فيكون قد جمع له بين ربين . وقد تنازع الفقهاء فى المقبوض بالعقد الفاسد ، هل يملك ؟ أو لا يملك ؟ أو يفرق بين أن يفوت أولا يفوت ، كما هو مبسوط فى غير هذا الموضع ، والله أعلم . ٢٩٢ وسل عن الرجل يشتري سلعة بمال حلال ، ولم يعلم أصل السلعة ، هل هو حرام ؟ أو حلال ؟ ثم كانت حراماً فى الباطن ، هل يأثم أم لا ؟. فأجاب : متى اعتقد المشترى أن الذي مع البائع ملكه ، فاشتراء منه على الظاهر ، لم يكن عليه إثم فى ذلك . وإن كان فى الباطن قد سرقه البائع ، لم يكن على المشترى إثم ، ولا عقوبة ؛ لا فى الدنيا ، ولا فى الآخرة . والضمان والدرك على الذي غره وباعه. وإذا ظهر صاحب السلعة فيما بعد ردت إليه سلعته ، ورد على المشترى ثمنه ، وعوقب البائع الظالم ؛ فمن فرق بين من يعلم ومن لا يعلم فقد أصاب ، ومن لا أخطأ . والله أعلم . ٢٩٣ (١) وقال رحم الله فصل حديث النبي صلى الله عليه وسلم: لما ((أمرم بشق ظروف الخمر، وكسر دنانها )) دليل على إحدى الروايتين في جواز إتلاف ذلك عند الإنكار ، وأن الظرف يتبع المظروف. ومثله ما ثبت عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبى طالب : أنهما أمرا بتحريق المكان الذي يباع فيه الحمر ، وقد نص أحمد على ذلك . ومثله إتلاف الآلة التى يقوم بها صورة التأليف المحرم ، وهي آلات اللهو ؛ فإن هذه العقوبات المالية ثابتة بالسنة وسيرة الخلفاء . ومن قال: إنها منسوخة فما معه دليل على ذلك . وقد احتج بعضهم : بأنه صلى الله عليه وسلم لما بلغه أنهم قد طبخوا لحوم الخمر . قال لهم: (( أريقوها ، واكسروا القدور . قالوا: أفلا نزيقها ، ونغسل القدور؟ قال: افعلوا)) قالوا : فلعلهم لو استأذنو. فى أوعية الخمر ، لقال ذلك . فأجيب بجوابين : (١) محلها أول الجهاد . ٢٩٤ ((أحدهما)): أن دفع الشريعة بمثل هذه التقديرات لا تجوز، فإنا إذا سوغنا فيما أمر به أو نهى عنه أنه لو روجع لنسخ ذلك : لجاز رفع كثير من الشريعة بمثل هذه الخيالات . مثل أن يقال : لو روجع الرب فى نقص الصلاة عن خمس لنقصها ، ولو ، ولو ... ويقال : هذا باطل من وجهين : ((أحدهما)): أنا لا نعلم أنه لو روجع لفعل، وثبوت ذلك في صورة لا يوجب ثباته في سائر الصور ؛ إلا بتقدير المساواة من كل وجه ، وانتفاء الموانع ، وهذا غير معلوم . ((الثانى)): أنه لو فرض أنه لو كان لكان، لكن لم يكن ، وإذا كان النسخ معلقاً بسؤالهم ، ولم يسألوا لم يقع النسخ . كما أن ابتداء الإيجاب والتحريم قد يكون معلقاً بسؤالهم. كما قال تعالى: (يَكَأَيُّهَا اُلَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تَسْثَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ). وقال صلى الله عليه وسلم: ((إنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم)) وقال: ((إن أعظم المسلمين فى المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم ، فحرم من أجل مسألته)). وقال فى الحج لما سألوه: أفي كل عام؟ فقال: ((لو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت لما قمتم به )) وقال فى قيام رمضان: «إنما منعنى أن أخرج إليكم خشية أن يفترض عليكم، فلا تقوموا )). فقد بين ٢٩٥ النبي صلى الله عليه وسلم أن السؤال والعمل قد يكون سبباً لابتداء الحكم من وجوب أو تحريم . ثم إذا لم يكن السبب فلم يكن الوجوب والتحريم ، لم يثبت بعد موته صلى الله عليه وسلم ، وكذلك قد يكون سبباً لرفع حكم من وجوب أو تحريم ، ثم إذا لم يوجد السبب لم يرتفع الحكم بعد موته . وليس من هذا قول عائشة: لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع النساء بعده لمنعهن المسجد ، كما منعت نساء بنى إسرائيل . فإن عائشة كانت أتقى الله من أن تسوغ رفع الشريعة بعد موته ، وإنما أرادت أن التى صلى الله عليه وسلم لو رأى مافى خروج بعض النساء من الفساد لمنعهن الخروج ، تريد بذلك أن قوله: (( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)) وإن كان مخرجه على العموم ، فهو مخصوص بالخروج الذي فيه فساد ، كما قال أكثر الفقهاء : إن الشواب التى في خروجهن فساد يمنعهن. فقصد بذلك تخصيص اللفظ الذي ظاهره أنها علمت من حال النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه لا بأذن فى مثل هذا الخروج ، لا أنها قعدت منع النساء مطلقاً . فإنه ليس كل النساء أحدثن ، وإنما قصدت منع المحدثات . ((الجواب الثاني)): إن هذا الحديث الوارد في أوعية لحوم الحمر، حجة أيضاً فى المسألة ، فإنه أمر أولا بتكسير الأوعية ، ثم لما استأذنوم ٢٩٦ فى الغسل أذن فيه ، فعلم بذلك أن الكسر لا يجب ، وليس فيه أنه لا يجوز ؛ بل يقال : يجوز الأمران . الكسر والغسل . وكذلك يقال فى أوعية الخمر : إنه يجوز إتلافها ، ويجوز تطهيرها، فإذا كان الأصلح الإتلاف أتلفت، ولو أن صاحب أوعية الخمرة والملاهي طهر الأوعية ، وغسل الآلات لجاز بالاتفاق ؛ لكن إذا أظهر المنكر حتى أنكر عليه فإنه يستحق العقوبة بالإتلاف . والصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا علموا التحريم فأسقط عنهم الإتلاف لذلك . والله أعلم . وسئل عن رجل بتجر فى الأقباع : هل يجوز له بيع القبح المرعزى ، وشراؤه ، والاكتساب منه، وما يجري مجراه من الحرير الصامت ؟ أو يحرم عليه لكون القبح لبس الرجال دون النساء ؟ وهل يجوز للجند والصبيان إذا كانوا دون البلوغ، أو اليهود والنصارى ، ومن يجرى مجرام ؟ أو يحرم جميع ذلك؟ وهل يجوز لمن يتجر فى هذا الصنف وغيره أن يبيع لأهل البادية ، والنساء والصبيان ، ممن يجهل القيمة ما تمنه درهم بدرهمين ، أو قريب منها ، مع علمه أن الذي يشتريه لو ٢٩٧ احتاج إلى تمنه في بقية يومه لم يصل إلى الدرم الذي هو أصل تمنه . بل أقل منه ، أو يحرم عليه ذلك ؟ وما القدر الذي يجوز من الكسب فيما يباع مساومة ، وهل هو الثلث ، أو أقل منه ، أو أكثر ؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين . أما أقباع الحرير : فيحرم لبسها على الرجال ، والنساء ، أما على الرجال فلأنها حرير ، ولبس الحرير حرام على الرجال بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإجماع العلماء؛ وإن كان مبطنا بقطن أو كتان . وأما على النساء؛ فلأن الأقباع من لباس الرجال ، وقد ((لعن النبى صلى الله عليه وسلم المتشبهات من النساء بالرجال ، والمتشبهين من الرجال بالنساء )». وأما لباس الحرير للصبيان الذين لم يبلغوا . ففيه قولان مشهوران للعلماء ؛ لكن أظهرهما أنه لا يجوز ؛ فإن ما حرم على الرجال فعله حرم عليه أن يمكن منه الصغير ؛ بل عليه أن يأمره بالصلاة ، إذا بلغ سبع سنين، ويضربه عليها إذا بلغ عشراً ، فكيف يحل له أن يلبسه المحرمات . وقد رأى عمر بن الخطاب على صبي للزبير ثوباً من حرير فمزقه ، وقال : لا تلبسوم الحرير . وكذلك ابن عمر مزق ثوب حرير كان على ابنه ، وما حرم لبسه لم يحل صناعته، ولا بيعه لمن يلبسه من ٢٩٨ أهل التحريم . ولا فرق فى ذلك بين الجند وغيرهم . فلا يحل للرجل أن يكتسب بأن يخيط الحرير لمن يحرم عليه لبسه، فإن ذلك إعانة على الإثم والعدوان ، وهذه مثل الإعانة على الفواحش، ونحوها . وكذلك لا يباع الحرير لرجل يلبسه من أهل التحريم . وأما إذا بيع الحرير للنساء فيجوز. وكذلك إذا بيع لكافر ؛ فإن عمر بن الخطاب أرسل بحرير أعطاه إياه النبى صلى الله عليه وسلم إلى رجل مشرك . وأما البيع فلا يجوز أن يباع لمسترسل إلا بالسعر الذي يباع به غيره ، لا يجوز لأحد استرساله أن يغبن من الريح غبناً يخرج من العادة . وقدر ذلك بعض العلماء بالثلث ، وآخرون بالسدس ، وبعضهم قالوا : يرجع فى ذلك إلى عادة الناس مما جرت به عادتهم من الريح على الماكسين ما يربحونه على المسترسل . والمسترسل قد فسر بأنه الذى لا يماكس، بل يقول : خذ وأعطنى. وبأنه الجاهل بقيمة المبيع ، فلا يغبن غبناً فاحشا، لا هذا، ولا هذا. وفى الحديث (( غبن المسترسل رباً )). ومن على أنه يغنهم استحق العقوبة ؛ بل يمنع من الجلوس فى سوق المسلمين ، حتى يلزم طاعة الله ورسوله ، وللمغبون أن يفسخ البيع ، فيرد عليه السلعة ، ويأخذ منه الثمن . وإذا تاب هذا الغابن ٢٩٩ الظالم ، ولم يمكنه أن يرد إلى المظلومين حقوقهم ، فليتصدق بمقدار ما ظلمهم عنهم ؛ لتبرأ ذمته من ذلك . وبيع المساومة إذا كان مع أهل الخبرة بالأسعار التى يشترون بها السلع في غالب الأوقات ، فإنهم يباع غيرهم كما يباعون ، فلا يربح على المسترسل أكثر من غيره . وكذلك المضطر الذي لا يجد حاجته إلا عند هذا الشخص . ينبغى له أن يربج عليه مثل ما يربح على غير المضطر؛ فإن في السنن ((أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المضطر)) ولو كانت الضرورة إلى مالا بدمنه : مثل أن يضطر الناس إلى ما عنده من الطعام واللباس؛ فإنه يجب عليه أن لا يبيعهم إلا بالقيمة المعروفة بغير اختياره ، ولا يعطوه زيادة على ذلك . والله أعلم . وسئل رحم الله عن رجل باع قمحاً بثمن مؤجل ، فلما حل الأجل لم يكن عند المدين إلا قمحاً . فهل له أن يأخذ منه قمحاً ؟؟ فأجاب : نعم ! يجوز له أن يأخذ منه قمحاً ، وليس ذلك رباً عند ٣٠٠