Indexed OCR Text
Pages 201-220
فهذه المسألة ونحوها تقع كثيرا ، وفيها وجهان : كما لو أخذ السلطان من أحد المختلطين فى الماشية زيادة على الواجب عنها بلا تأويل . أحدهما : أن تلك الزيادة تذهب من مالكها، وليس على الآخر شيء منها ، وإن كان السلطان أخذها عنها ؛ لأن الظالم ظلم هذا بأخذ ماله، ونواه عن الآخر ، وهو ليس وليا للآخر ولا وكيلا عنه حتى نصح نيته ، ومجرد النية المحرمة لا يوجب ثبوت المال فى ذمة المأخوذ عنه . ولازم هذا القول أن أحد الشريكين في العقار والمنقول ، إذا أخذ السلطان ونوابه الوظائف الظلمية على المال ، أو أخذ قطاع الطريق من التجار عن المال الذي معهم شيئا من أحد الشريكين ؛ لأن المقبوض إذا كان من عين المال فإن أحد الشريكين لم يرجع على الآخر نصيبه. وعلى هذا فلو كان المعطى وكيلا ، أو وليا، كناظر الوقف ، ووصى اليتيم ، فيلزم إذا لم يكن ما أخذ منه من عين المال، أن يكون من ضمانه؛ لكن هذا إنما يلزم إذا لم يكن الدفع لحفظ المال بل كان الدفع لأنه أكره على الأداء . فأما إذا لم يمكن حفظ المال إلا بما دفعه عنه ، فهذا التصرف لحفظ المال، وهو بمنزلة إعطاء الخفارة لحفظه . وإعطاء التواطير لدفع اللصوص ، والسباع. ويضا فالولي والوكيل مأذون لهما عرفا ، فى مثل هذا الدفع ؛ فإنه ٢٠١ لم يتوكل على أنه يضرب ويحبس على مال يؤدي من المال ، فيتضرر ولا يؤديه ؛ بخلاف ما يوجد من الأجنبى ؛ لكن هذا الدليل بعينه وارد فى أحد الشريكين . فإن كلاهما وكيل الآخر فى شركة العقود . وأيضا فيفرق بين الكلف النوابية السلطانية، وبين المظالم العارضة . وسئل رحمه الله عن رجل سير على يد رجل قماشاً ليسلمه لولده بالقاهرة ، فلم يسلمه ، وباعه المسير على بدء ، وتصرف فيه ، وباعه على غير بزاز بغير النقد ، وبغير إذن صاحب القماش له فى ذلك . فهل يكون ذلك تفريطا ؟ وهل إذا فرط تلزمه قيمته ؟ وهل يكون القول فى تلفه قول صاحب القماش ؟ أو قول المسير على يده ؟ أفتونا مأجورين . فأجاب : إذا تصرف فيه بغير إذن صاحبه كان ظالما ، وكان ضامناً له ، فإن فات فعليه قيمته ، وإن قال المودع أمرتنى ببيعه ، وقال المودع لم آمرك ببيعه ، بل بتسليمه إلى ولدي . فهذا فيه نزاع ؛ لكن إن باعه بيعا خارجا عن البيع المعروف ، مثل أن يبيعه إلى أجل ، أو بغير النقد - نقد البلد - أو يبيعه لمن هو جاهل ، أو مفلس ، ونحو ذلك : فهو ضامن لما يتلف من الثمن بكل حال . ٢٠٢ وكذلك إذا باعه بدون قيمة المثل ، وسلم المبيع . فهو ضامن للنقص. والله أعلم . وسئل عن امرأة ملكت لولدها ملكا ، وباعه ، ثم بعد البيع ملكت الثانى ، وكتب على الأول حجة أن ماله فى الملك شيء بعد أن باعه فهل يلزم الأول رد الملك للثانى، أو الأول محيح ؟. فأجاب : إذا كان قد باعه بيعا صحيحا لازماً ، فقد خرج عن ملكه ، ولم يصح بعد ذلك تمليكها ، والملك باق على ملك المشتري ، واقه أعلم . وسل عن رجل له زوجة لها ملك ، فسرق الزوج كتب الملك ، وباعه ، ثم توفيت ؟. فأجاب : بيع الملك بغير إذن مالكه ، ولا ولاية عليه: بيع ٢٠٣ باطل . والواجب أن يرد إلى المشتري ما أعطاه من الثمن ، ويرد إلى المالك ملكه . وقال : فصل الذي يكره من شراء الأرض الخراجية ، إنما كان لأن المشتري يشتريها فيرفع الخراج عنها، وذلك إسقاط لحق المسلمين ، كما كانوا أحيانا يقطعون بعضها لبعض المحاربين ، إقطاع تمليك ؛ لا إقطاع استغلال، كاقطاع الموات . فهذا الانتفاع والإقطاع يسقط حق المسلمين من الرقبة والمنفعة ، والخلفاء أخذوه من الغزاة لتكون منفعته دائمة للمسلمين ، فإذا قطعت منفعته عن المسلمين صار ظلما لهم ؛ بمنزلة من غصب طريق المسلمين ، أو بنى فى منى ونحوها من المنافع المشتركة بين المسلمين على التأييد . فأما إذا اشتراها وعليه من الخراج ما على البائع ، فهو كما لو ولاء إياها بلا حق، وكما لو ورثها ؛ فإن الإرث مجمع عليه : أن الوارث أحق بها بالخراج ؛ وذلك لأن إعطاءها لمن أعطيته بالخراج ، قد قيل : ٢٠٤ إنه بيع بالثمن المقسط الدائم ، كما يقوله بعض الكوفيين . وقد قيل : إنه إجارة بالأجرة المقسطة المؤبدة المدة ، كما يقوله أصحابنا ، والمالكية والشافعية ، وكلا القائلين خرج فى قوله عن قياس البيوع والإجارات . والتحقيق : أنها معاملة قائمة بنفسها ، ذات شبه من البيع ومن الإجارة ، تشبه في خروجها عنها المصالحة على منافع مكانه للاستطراق ، أو إلقاء الزبالة . أو وضع الجذع، ونحو ذلك بعوض تاجز ، فإنه لم يملك العين مطلقا ولم يستأجرها ، وإنما ملك هذه المنفعة مؤبدة. وكذلك وضع الخراج لو كان إجارة محضة ، وكان عمر وغيره قد تركوا الأرض للمسلمين ، وأكروها ؛ لكان ينبغي إكرام المساكن أيضا؛ لأنها للمسلمين إذا فتحت عنوة . ولكان قد ظلم المسلمين ؛ فإن كراء الأرض يساوي أضاف الخراج . ولكان على المشهور عندهم، لا يستحق الآخذ إلا ما في الأرض من الشجر القائمة من النخيل ، والأعناب، وغير ذلك . كمن استأجر أرضاً فيها غراس . ولكان دفعها مساقاة ومزارعة - كما فعل المنصور والمهدي في أرض السواد - أنفع للمسلمين ، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فى أرض خيبر ؛ فإنه لا فرق إلا أن ملاك خيبر معينون ، وملاك أرض العنوة العمرى مطلقون ، وإلا فيجوز كذلك أن يؤاجر ، ويجوز له في الأرض الموقوفة أن يعامل مساقاة ومزارعة . ٢٠٥ وأما بيعها : فلو كان كذلك لباع المساكن أيضا ، ولا بيع يكون الثمن مؤبدا إلى يوم القيامة ، فالمستخرج أصل دلت عليه السنة والإجماع، فلا بقاس بغيره - فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((منعت العراق قفيزها ودرهمها ، ومنعت الشام مدها ودينارها ، ومنعت مصر أردبها ودينارها)). واتفق الصحابة مع عمر على فعله . يوضح ذلك، أن أصل الخراج في قوله: (مَآ أَقَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ) فإن هذا فرق بين العقار والمنقول ، ومع هذا فقد أضاف القرى إليهم ، فعلم اختصاصهم بها . وإذا كان كذلك فلو أخذه ذمي من الذمي الأول بالخراج ، وعاوضه على ذلك عوضا لم يكن فى ذلك ضرر أملا ، فلا وجه لمنعه ؛ لأنه إن قيل : إنه وقف ، فهذا لا يخرجه بهذه المعاوضة عن أن يكون وقفاً ؛ بل مستحق أهل الوقف باق ، كما كان ، وبيع الوقف إنما منع منه لإزالة حق أهل الوقف . وهذا لا يزول ؛ بل هو بمنزلة إمارة أرض الوقف بأكثر مما استأجرها ، فكأنه قال: أكريتك هذه الأرض بما علي من الخراج ، وبالزيادة التى تعجلها إلي ؛ ولهذا ينتقل إلى ورثة من هي في بدء ؛ والوقف لا يباع ولا يوهب ولا يورث ، فإذا جاز انتقاله بالإرث على صفة ما كان - والهبة مثله - فكذلك المعاوضة ، سواء سميت بيعا ، أو إجارة . ولهذا جوز أحمد إصداق الأرض الخراجية ، وما جاز ٢٠٦ أن يكون صداقا جاز أن يكون ثمناً ، وأجرة . وما كان ثمنا كان مثمناً . فهذا باب ينبغي تأمله . يبقى إذا أخذه المسلم : هل يكره لما فيه من الصغار ، أو لما فيه من الاشتغال عن الجهاد بالحراثة . فهذه مواضع أخر - غير كونه وقفا - تختلف باختلاف المصالح والأوقات كما أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل اليهود على خيبر لقلة المسلمين ، فلما كثر المسلمون أجلام عمر بأمر النبى صلى الله عليه وسلم ، وصار المسلمون يعمرونها ، فكذلك الأرض الخراجية إذا كثر المسلمون كان استيلاؤم عليها بالخراج ، أنفع لهم من أن يبقوا فقراء محاويج ، والكفار يستغلون الأرض بالخراج اليسير ؛ فإنهم كانوا زمن عمر قليلا، وأهل الذمة كثيرا . وقد يعكس الأمر ، مع أن النبى صلى الله عليه وسلم عاملهم على خيبر ، ثم عمرها المسلمون لماكثر المسلمون ، وتضرروا ببقاء أهل الذمة ، فى أرض العرب ، فكان المعنى ضرر المسلمين بأهل الذمة ، واكتفاء المسلمين بالمسلمين . فكيف إذا احتاج المسلمون إلى الأرض الخراجية ؛ وتضرروا ببقائها فى أيدي أهل الذمة ، فرأى من احتاج من المسلمين أن يعاوض النعي منها ، ويقوم مقامه فيها . فإن كان المؤدى أجرة فهو أحق باستئجار أرض المسلمين، وعمارتها، وإن كان ثمنا فهو أحق باشترائها، ٢٠٧ وإن كان عوضا ثالثا فهو به أحق أيضا . ومتى كثر المسلمون لم يبق صغار ، ولا جزية ، وإنما كان فيه صغار وجزية فى الزمن المتقدم ، كما لو أسلم النمي الذي هو مستول عليها ، فإنها تبقى بيده مؤديا لخراجها ، وسقط عنه جزية جمجمته ، فكيف يقاس هذا بهذا . وإذا جاز أن تبقى بيده بعد إسلامه ، فما المانع من أن يدفعها إلى مسلم غيره بعوض أو غيره، والمسلم لا صغار عليه بحال ، فلو كان المانع كونها صغارا ، لم يجامع الإسلام ، كبزية الرأس . ولا يقال: هي كالرق تمنعه الإسلام ابتداء ، ولا تمنع دوامه، لأن الرق قهرناهم عليه بغير اختيارهم ، لم نعاوضهم عليه ، فكذلك جزية الرأس ، لا تمكنهم من المقام بالأرض الإسلامية إلا بها ، فهي نوع من الرق ، لثبوتها بغير اختيار المسترق . وأما الخراج فإنما يثبت برضى المخارج، واختياره ، ولو لم يقبل الأرض منا لم ندفعها إليه ؛ بمنزلة المساقاة والمزارعة التى عامل النبى صلى الله عليه وسلم بها أهل خيبر، سواء: هناك كان العوض جزءا من الزرع ، وهنا العوض مسمى معلوم . وهناك لا يستحق شيئا إلا إذا زرعوا ، وهنا يستحق إذا أمكنهم الزرع . فنظيره أن العامل فى المزارعة يعامل غيره بأقل من الجزء الذي استحقه ؛ إذ أن المضارب يدفع المال مضاربة لكن هذا يتوقف على إذن المالك لتعيين المستحق . ٢٠٨ وبالجملة فالموانع من كونها وقفا ينظر فيها . أما جهة الوقف ، فلا يتوجه كونها مانعا على أصول الشريعة أبدا . وأما التعليل بالاشتغال بالحراثة عن الجهاد ، فهذا عام فى جميع الأراضين ؛ عشريها وخراجيها ، وذاك شيء آخر . فصل ونظير ذلك مكة : فإنه لا ريب أنها فتحت عنوة ، ومن قال : إنها فتحت صلحا ، فاستقر ملك أصحابها عليها ؛ ليجوز لهم ما يجوز فى سائر أراضى الصلح من البيع وغيره كما يقوله الشافعي : فقوله ضعيف؛ لوجوه كثيرة من المنقولات . وأيضا فإنه لا يجوز مثل ذلك ، فإنه لو صالح الإمام قوما من المشركين بغير جزية، ولا خراج، لم يجز إلا للحاجة ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية. أما إذا فتحنا الأرض فتح صلح ، وأهلها مشركون من غير أهل الجزية . فإنه لا يجوز إقرارهم بغير جزية ، بإجماع المسلمين . وأيضا : فإن النبى صلى الله عليه وسلم جعل فى العام القابل ٢٠٩ لما حج أبوبكر لمن لم يسلم منهم أجل أربعة أشهر ، وإلا جعله محاربا ، يستبيح دمه وماله ، ولو كان قد فتحها صلحا لم يجز نقض ذلك . وأيضا فإنه استباح قتل جماعة سماهم . (١) ولكن فتحها عنوة وأمن من ترك القتال منهم [ فقد أمنه ] على نفسه وماله ؛ إلا نفرا استثناهم ، وكان قد أرسل بهذا الأمان مع أبى سفيان ، فمنهم من قبله ، فانعقد له. ومنهم من لم يقبل محارب أو هرب. والأمان لا يثبت إلا بقبول المؤمن كالهدنة . وأما من لم يترك القتال فلم يؤمنه بحال ؛ لكن خص وعم فى ألفاظ الأمان. والمقصود واحد. فإن قوله: ((من دخل المسجد فهو آمن: ومن دخل داره فهو آمن ، ومن ألقى السلاح فهو آمن ، ومن دخل دار أبى سفيان فهو آمن )» كلها ألفاظ معناها من استسلم فلم يقاتل فهو آمن ، ولهذا سماهم الطلقاء ، كأنه أسرهم ثم أطلقهم كلهم (٢). وقالت الحنفية : لما فتحها عنوة ولم يقسمها ، بل أقرها فى يد أهلها ، مار هذا أصلا في أرض العنوة ، أنه يجوز إقرارها فى يد أهلها . قالوا هم وأصحابنا وغيرهم فى أحد التعليلين : ولهذا لم يجز بيعها وإجارتها : لكونها فتحت عنوة، ولم تقسم كسائر أرض العنوة، وربما يقولون : صار إنزال أهل مكة للناس عندهم هو الخراج المضروب (١) (٢) بياض مقدار سطر ٢١٠ عليهم . وأما من قال من أصحابنا إن الخراج يضرب على مزارعها ، فقد على بالنقل المتواتر فساد قوله ، مع إجرائه لقياسه . وهذا التعليل ضعيف لوجوه : أحدها : أن أرض العنوة تجوز إجارتها بالإجماع، وبيوت مكة أحسن ما فيها أنه لا يجوز إجارتها ، بل يجب بذلها للمحتاج بغير عوض ، فهذا الذي بدل عليه الكتاب والسنة ، والآثار والقياس . وأما المنع من بيعها ففيه نظر ، فلو كان المانع كون فتحها عنوة لما منع إجارتها. الثانى: أن أرض العنوة إنما يمنع من بيع مزارعها . فأما المساكن فلا يمنع ذلك فيها ؛ بل هي لأصحابها . ومكة إنما منعوا من المعاوضة فى رباعها التى لا منح منها فى أرض العنوة ، وهذا برهان ظاهر على الفرق . الثالث : أن مزارع مكة ما علمت أحداً من أصحابنا ولا غيرهم منع بيعها ، أو إجارتها ، وإنما الكلام فى الرباع ، وهي المساكن لا المزارع . فأين هذا من هذا . الرابع : أن تلك الديار كانت للمهاجرين ، وقد طلبوا من النبى صلى الله عليه وسلم إعادتها إليهم، فلم يفعل، فلو كانت كسائر العنوة ٢١١ لكان قد أعادها إلى أصحابها ؛ لأن الأرض إذا كانت للمسلمين واستولى عليها الكفار ، ثم استنقذناها ، وعرف صاحبها قبل القسمة أعيدت إليه . والخامس : أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يتعرض لشيء من أموالهم ، لا منقولها ، ولا عقارها ، ولا إلى أحد من ذراريهم ، ولو أجرى عليها أحكام غيرها من العنوة لغنم المنقولات ، والذرية ؛ بل الصواب أن المانع من إجارتها كونها أرض المشاعر ، التى يشترك فى استحقاق الانتفاع بها جميع المسلمين. كما قال الله تعالى: (سَوَآءُ اَلْعَكِّفُ فِيهِ وَالْبَادِ ) . فالساكنون بها أحق بما احتاجوا إليه ؛ لأنهم سبقوا إلى المباح . كمن سبق إلى مباح من مسجد أو طريق أو سوق وأما الفاضل فعليهم بذله ؛ لأنه إنما لهم أن يبنوا بهذا الشرط ؛ لكن العرصة مشتركة فى الأصل . وصار هذا بمنزلة من بنى بيتا من رباط ، أو مدرسة ، أو نحو ذلك : له اختصاص بسكنه ، وليس له المعاوضة عليه . أو من بنى بيتا فى جنابات السبيل ، أو فى دار الرباط ، التى تكون بالثغور، ونحو ذلك، مما تكون الأرض فيه مشتركة المنفعة. للحج أو للجهاد ، أو للمرور فى الطرقات ، أو التعلم ؛ أو التعبد ، ونحو ذلك . فإذا قال: البناء لي قيل له: والعرصة ليست لك ، وأعيان الحجر ليس لك ؛ بل لك ٢١٢ التأليف ، أو التأليف والأنقاض . فما ليس لك لا يجوز أن تعاوض عنه ، وما هو لك قد اعتضت عنه ببقائك فى الانتفاع بالعرصة . أو لأن المكى لما صار الناس يهدون إليهم الهدايا ، وتجب عليهم قسمتها فيهم ، صار يجب على المكيين إنزال الناس فى منازلهم ، مقابلة للإحسان بالإحسان ، فصاحب الهدي له أن يأكل منه - مثلا - حيث يجوز، ويعطي من شاء، ولا يعتاض عنه ، وكذلك صاحب المنزل يسكنه ، ويسكنه ، ولا يعتاض عنه . وهذا المعنى الذي ذكرناه قد يكون هو السبب الموجب لإبقائها بيد أربابها ، من غير خراج مضروب عليهم أصلا ؛ لأن للمقيمين بمكة حقا ، وعليهم حق ؛ ليست كغيرها من الأمصار ، ومن هنا بصير التعليل بفتحها عنوة مناسبا لمنع إجارتها - كما ذكرناه - لا إلحاقا لها بسائر أرض العنوة . فإن قيل : فالأرض إذا فتحت عنوة يجوز أمان أهلها على أنفسهم وأموالهم كذلك. قيل: نعم ! يجوز قبل الاستيلاء أن يؤمن من ترك القتال على نفسه وماله ؛ لما فيه من الانتفاع بترك قتاله وهو أمان بشرط ؛ بل إذا جوزنا السبى على الأسير بعد الأسر للمصلحة ، كيف لا نجوز ذلك قبل الأسر . ٢١٣ وهنا زيادة الأمان على ماله ؛ لأن ذلك قبل الاستيلاء ، كما لو نزلوا على حكم حاكم، فإنه من أسلم منهم قبل الحكم عصم دمه وماله ؛ لأنه لم يتم القهر . فإن دخوله مكة ؛ كان قبل الظهر ودخلها قهراً . وبهذا التحرير تظهر الشبهة التى أوجبت كلا من القولين . وأما بعد القهر فيجوز أن يمن على المقهورين ، وتدفع إليهم الأرض مخارجة ، فالذين حاربوا بمكة ، أو هربوا ، ثم أمنهم بعد قهرم والقدرة عليهم، هذا جائز في أنفسهم كلمن، ولهذا سمام الطلقاء، وأما في أموالهم فالأرض قد ذكرت سبب ذلك فيها . وأما المنقول والذرية (١) . وسل عن مقطع له ماء داخل إقطاعه . ويقصد بيعه لمقطع آخر ، وإجراء. فى بلده فهل يجوز للمشتري أن يشتري الماء ؟ وهل يجوز للبائع أن يبيح الماء الداخل فى إقطاعه ، ويجريه في بلد المشتري ؟. فأجاب : إذا كان الماء محبوساً عليه فى الإقطاع ، مثل أن تكون الأرض بمائها محبوسة عليه بألف درهم ، وبدون محييس عليه بخمسمائة (١) بياض بالأصل. ٢١٤ درهم . وهو يريد تعطيل ما يستحقه من الزرع، وبيعه لغيره ؛ [يسقي] به فى أرضه ، فإن هذا يجوز بيعه ؛ بخلاف الماء الذي يجري فى ملكه بلا عوض ، مثل أن يحيي أرضاً وفيها عين جارية . فإن فى جواز بيع مثل هذا الماء قولان للعلماء ، هما روايتان عن أحمد : إحداهما يجوز بيعه ، وهو مذهب الشافعي ، ومالك . والثانية لا يجوز . وهو مذهب أبى حنيفة ، وهو المشهور عن أحمد . وأما الماء الذي يكون بالأرض المباحة ، والكلأ الذي يكون بها . فهذا لا يجوز بيعه باتفاق العلماء . وسئل رحمه اللّه عن رجل له عين ماء جارية ، إذا باع منها أصبح ماء أو نحوه ، هل يجوز ، مع أنه غير مرئى، بل ينبح شيئا فشيئاً ؟. فأجاب : أما من يملك ماء نابعا مثل أن يملك بئراً محفورة . في ملكه - ويدخل فى لفظ البئر: ما ينصب عليه الدولاب ، ومالا ينصب، أو يملك عين ماء فى أرض مملوكة له - فهذا يجوز له أن يبيع البئر ٢١٥ والعين جميعاً، ويجوز أن يبيع بعضها مشاعا على أصبح وأصبعين - من أربعة وعشرين - كما يباع مع البستان والدار ماله من الماء مثل أصبح، وأصابع : من قناة كذا ، وإن كان أصل تلك القناة فى الأرض المياه ، فكيف إذا كان أصل الماء فى ملكه ، فهذا مما لا أعلم فيه نزاعا . وإن كانت العين تنبع شيئاً فشيئاً فإنه ليس من شرط المبيع أن يرى جميع المبيع ؛ بل يرى ما جرت العادة برؤيته . وأما ما يتجدد : مثل المنافع ، ونقع البئر ، فهذا لا يشترط أحد رؤيته ، لا في بيع ولا إجارة . وإنما تنازع العلماء لو باع الماء بدون القرار ، هل يصح بيعه لكونه يملك ، أو لا يصح لكونه لا يملك ؟ على قولين مشهورين ، هما روايتان عن أحمد ، وأكثر العلماء على جواز بيعه ، وهو مذهب أبى حنيفة ، ومالك ، وهو منصوص للشافعي ؛ بل نص على أن الماء مملوك . وتنازعوا فيما إذا باع الأرض، ولم يذكر الماء : هل يدخل أم لا؟ وأما بيع البئر والعين بكالها ، أو بيع جزء منها : فما علمت فيه تنازعا، إذا كانت الأرض مملوكة . وقد ندب النبى صلى الله عليه وسلم إلى شراء بئر رومة من مالكها اليهودي، فاشترى عثمان بن عفان ٢١٦ نصفها ، وحبسه على المسلمين، وكان دلوه منها كدلو واحد من المسلمين ، ثم لما رأى اليهودى ذلك باعه النصف الآخر فاشتراء عثمان وجعل البئر كلها حبساً على المسلمين . وهذا الحديث مما احتج به الفقهاء على عدة مسائل ؛ مثل وقف المشاع ، وتكلم الفقهاء فى مثل ذلك . هل فيه شفعة ؟ فأكثر الفقهاء على أن فيه الشفعة: كأبى حنيفة وأحمد فى إحدى الروايتين عنه، وهو أحد القولين فى مذهب مالك ، واختاره ابن سريج من أصحاب الشافعي، ولكن المشهور عن الشافعي ، أنه لا شفعة فيه ، وهو الرواية الأخرى عن أحمد ، اختارها كثير من أصحابه . والأظهر وجوب الشفعة فى ذلك . والمقصود هنا أنهم اتفقوا على جواز بيع ذلك ، وجواز هبة ذلك أظهر من جواز بيعه . وسئل عن رجلين لهما إقطاع فى بلد ، فاختصما فى بيع النبات الذي يطلع من عند الله . فزعم أحدهما : أنه مثل النبات البري ، لا يجوز بيعه ؛ لأنه ما هو ملكه . فقال له الآخر : بل يجوز ؛ لأن السلطان أقطعه لي فهو ملكي ، ويجوز لي أن أبيع كل ما فى حصتى، وفى قرعتى . هل ٢١٧ هما مصيبان؟ أم مخطئان ؟ وما مذاهب الأئمة فى ذلك ؟ فأجاب: الحمد لله . أما النبات الذي ينبت بغير فعل الآدمي، كالكلا الذى أنبته اللّه فى ملك الإنسان، أو فيما استأجره، ونحو ذلك . فهذا لا يجوز بيعه فى مذهب أبى حنيفة ، وأحمد في المشهور عنه وهو قول بعض أصحاب مالك، والشافعي ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الناس شركاء فى ثلاث: فى الماء، والكلأ، والنار)). ومعلوم أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يرد ما ينبت فى الأرض المباحة فقط ؛ لأن الناس يشتركون في كل ما ينبت فى الأرض المباحة من جميع الأنواع : من المعادن الجارية ؛ كالقير ، والنفط . والجامدة: كالذهب والفضة، والملح، وغير ذلك، فعلم أنه أراد ما ينبت في أرض الإنسان . وأيضا فقد ثبت فى صحيح مسلم عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ثلاثة لا بكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم ، ولهم عذاب أليم : رجل على فضل ماء يمنعه ابن السبيل ، فيقول الله له اليوم أمنعك فضلي ، كما منعت فضل مالم تعمله يداك، ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا للدنيا إن أعطاه رضى ، وإن منعه سخط ، ورجل حلف على سلعة بعد العصر كاذباً لقد أعطى بها أكثر مما ٢١٨ أعطى)). فهذا توعده الله بالعذاب؛ لكونه منع فضل مالم تعمل يداء، والكلاً الذي ينبت بغير فعله لم تعمله بداء . والمشهور من مذهب الشافعي جواز بيع ذلك ، وهو المشهور من مذهب مالك فى الأرض التى جرت عادة صاحبها بالانتفاع بها ، فأما الأرض البور التى لا يحرثها فلأصحابه فيها نزاع ، جوز ذلك ابن القاسم ، ومنعه غيره . وأما إذا كان صاحبها قصد ترك زرعها لينبت فيها الكلأ، فبيع هذا أسهل من بيع غيره ؛ لأن هذا بمنزلة استنباته . وقال في جواب د أبضاً وأما قوله: ((الناس شركاء فى ثلاث: الماء، والكلأ، والنار)). فهو حديث معروف ، رواه أهل السنن ، وقد اتفق المسلمون على أن الكلأ الثابت فى الأرض المباحة مشترك بين الناس . فمن سبق إليه فهو أحق به ، وأما الثابت فى الأرض المملوكة ، فإنه إن كان صاحب الأرض محتاجا إليه فهو أحق به ، وإن كان مستغنيا عنه ففيه قولان مشهوران لأهل العلم . وأكثرم يجوزون أخذه بغير عوض ؛ لهذا الحديث ، ويجوزون رعيه بغير عوض . ٢١٩ وكذلك الماء إن كان نابعا فى أرض مباحة ، فهو مشترك بين الناس ، وإن كان نابعاً في ملك رجل فعليه بذل فضله لمن يحتاج إليه. للشرب للآدميين والدواب بلا عوض ؛ لهذا الحديث ، ولقوله صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ، ولا ينظر إليهم ، ولا يزكيهم ، ولهم عذاب أليم، رجل على فضل ماء يمنعه ابن السبيل. يقول الله له: اليوم أمنعك فضلى، كما منعت فضل ما لم تعمل بداك ، ورجل بايع إماماً لا يبايعه إلا الدنيا فإن أعطاء منها رضي ، وإن منعه منها سخط ، ورجل أقام سلعته بعد العصر فقال: والله الذي لا إله إلا هو لقد أعطيت بها كذا وكذا)) الحديث . والله أعلم. وسل عن قوم ينقلون النحل من بلد إلى بلد ، فهل يحل لأهل البلد أن بأخذوا منهم أجرة ما جنته النحل عندهم ؟ . فأجاب: الحمد لله . لاحق على أهل النحل لأهل الأرض التى يجنى منها، فإن ذلك لا ينقص من ملكهم شيئا ؛ ولكن العسل من الطلول التى هي من المباحات ، وعلى صاحب النحل العشر بصرفه إلى ٢٢٠