Indexed OCR Text

Pages 81-100

وإن كان المقصود مع السكنى التجارة فى الثمر ، وهو أكثر من منفعة
السكنى : فالمنع هنا أوجه منه فى التى قبلها ، كما فرق بينهما مالك
وأحمد. وإن كان المقصود السكنى والأ كل : فهو شبيه بما لوقصد السكنى
والشرب من البشر . وإن كان ثمن المأكول أكثر : فهنا الجواز فيه
أظهر من التى قبلها ، ودون الأولى على قول من يفرق . وأما على
قول ابن عقيل المأثور عن السلف: فالجميع جائز ، كما قررناه لأجل
الجمع . فإن اشترط مع ذلك أن يحرث له المضمن مقشاة: فهو كما لو
استأجر أرضا من رجل للزرع على أن يحرثها المؤجر . فقد استأجر
أرضه واستأجر منه عملا فى الذمة . وهذا جائز ، كما لو استكرى
منه جملا أو حماراً على أن يحمل المؤجر للمستأجر عليه متاعه . وهذه
إجارة عين وإجارة على عمل فى الذمة ؛ إلا أن يشترط عليه أن يكون
هو الذي يعمل العمل ، فيكون قد استأجر عينين .
ولو لم تكن السكنى مقصودة ، وإنما المقصود ابتياع ثمرة فى بستان
ذي أجناس ، والسقي على البائع : فهذا عند الليث يجوز ، وهو قياس
القول الثالث الذي ذكرناه عن أصحابنا وغيرهم وقررناء ؛ لأن الحاجة
إلى الجمع بين الجنسين كالحاجة إلى الجمع بين بيع الثمرة والمنفعة ، وربما
کان أشد ، فإنه قد لا یمکن بيع کل جنس عند بدو صلاحه . فإنه فى
كثير من الأوقات لا يحصل ذلك ، وفى بعضها إنما يحصل بضرر كثير .
٨١

وقد رأيت من يواطئ المشتري على ذلك ، ثم كما صلحت ثمرة بقسط
عليها بعض الثمن . وهذا من الحيل الباردة التى لا تخفى حالها، كما
تقدم. وما يزال العلماء والمؤمنون ذوو الفطر السليمة ينكرون تحريم
مثل هذا ، مع أن أصول الشريعة تنافى تحريمه ؛ لكن ما سمعوه من
العمومات اللفظية والقياسية، التى اعتقدوا شمولها لمثل هذا مع ما سمعوه من
قول العلماء الذين يدرجون هذا فى العموم : هو الذي أوجب ما أوجب .
وهو قياس ما قررناه من جواز بيع المقناة جميعها بعد بدو صلاحها ؛
لأن تفريق بعضها متعسر أو متعذر ، كتعسر تفريق الأجناس في البستان
الواحد ، وإن كانت المشقة فى المقناة أوكد ؛ ولهذا جوزها من منع
الأجناس كالك .
فإن قيل : هذه الصورة داخلة في عموم نهى النبي صلى الله
عليه وسلم عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه ؛ بخلاف ما إذا أكراه
الأرض والشجر ليعمل عليه ، فإنه - كما قررتم - ليس بداخل في
العموم ، لأنه إجارة لمن يعمل ، لا بيع لعين ، وأما هذا فبيع للثمرة ،
فيدخل في النهي . فكيف مخالفون النهي ؟
قلنا : الجواب عن هذا كالجواب عما يجوز بالسنة والإجماع من
ابتياع الشجر مع تمره الذي لم يبد صلاحه ، وابتياع الأرض مع زرعها
الذي لم يشتد حبه ؛ وما نصرناه من ابتياع المقائى، مع أن بعض
٨٢

خضرها لم يخلق . وجواب ذلك كله بطريقين :
أحدهما : أن يقال : إن النهي لم يشمل بلفظه هذه الصورة ؛ لأن
نهيه صلى اللّه عليه وسلم عن بيع الثمر: انصرف إلى البيع المعهود
عند المخاطبين وما كان مثله ؛ لأن لام التعريف تنصرف إلى ما يعرفه
المخاطبون . فإن كان هناك شخص معهود أو نوع معهود الصرف الكلام
إليه ، كما انصرف اللفظ إلى الرسول المعين في قوله تعالى: (لََّتَجْعَلُواْ
دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضَّا ) وفى قوله: ( فَعَصَى فِرْعُوْنُ
الرَّسُولَ ) أو إلى النوع المخصوص: نهيه عن بيع الثمر. فإنه لا خلاف
بين المسلمين : أن المراد بالثمر هنا الرطب ، دون العنب وغيره ، وإن
لم يكن معهود شخصي ولا نوعي انصرف إلى العموم .
فالبيع المذكور للثمر هو بيع الثمر الذي يعهدونه ، دخل كدخول
القرن الثانى والقرن الثالث فيما خاطب به الرسول أصحابه .
ونظير هذا: ما ذكره أحمد في « نهي النبى صلى الله عليه
وسلم عن بول الرجل فى الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه )»
فحمله على ما كان معهوداً على عهده من المياه الدائمة ، كالآبار والحياض التى
بين مكة والمدينة . فأما المصانع الكبار التى لا يمكن نزحها التى
أحدثت بعده ، فلم يدخله في العموم لوجود الفارق المعنوي ، وعدم
٨٣

العموم اللفظي .
ويدل على عدم العموم فى مسألتنا : أن فى الصحيحين عن أنس
ابن مالك رضي الله عنه: « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى
عن بيع الثمار حتى تزهو : قيل: وما تزهو ؟. قال : محمر وتصفر))
وفى لفظ مسلم: (( نهى عن بيع الثمر حتى يزهو)). ولفظ مسلم: ((نهى
عن بيع ثمر النخل حتى يزهو)).
ومعلوم أن ذلك : هو تمر النخل ، كما جاء مقيداً ؛ لأنه هو الذي
يزهو فيحمر أو يصفر ، وإلا فمن الثمار ما يكون نضجها بالبياض ؛
كالتوت ، والتفاح ، والعنب الأبيض ، والإجاص الأبيض الذي يسميه
أهل دمشق الخوخ ، والخوخ الأبيض الذي يسمى الفرسك ، ويسميه
الدمشقيون الدراق ، أو باللين بلا تغير لون كالتين ونحوه . ولذلك باه
فى الصحيحين عن جابر قال: ((نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن بيع
الثمرة حتى تشقح . قيل : وما تشقح ؟ قال : نحمار أو تصفار ويؤكل
منها )) وهذه الثمرة هي الرطب . وكذلك فى صحيح مسلم عن أبى
هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((لا تبتاعوا الثمار حتى يبدو صلاحها، ولا تبتاعوا التمر بالتمر))،
والتمر الثانى هو الرطب بلا ريب. فكذلك الأول ؛ لأن اللفظ واحد.
ء
وفي صحيح مسلم أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لا تبتاعوا
٨٤

الثمر حتى يبدو صلاحه، وتذهب عنه الآفة)) وقال ((بدو صلاحه :
حمرنه أو صفرته)) فهذه الأحاديث التى فيها لفظ ((الثمر)).
وأما غيرها فصريح فى النخل ، كحديث ابن عباس المتفق عليه :
((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع النخل حتى يأكل منه،
أو يؤكل منه)). وفى رواية لمسلم عن ابن عمر: ((أن رسول اللّه
صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع النخل حتى يزهو ، وعن السنبل
حتى يبيض وبأمن العاهة. نهى البائع والمشتري)). والمراد بالنخل ثمره
بالاتفاق. لأنه صلى الله عليه وسلم قد جوز اشتراء النخل المؤبر
مع اشتراط المشترى لثمرته .
فهذه النصوص ليست عامة عموما لفظيا في كل ثمرة فى الأرض ،
وإنما هي عامة لفظاً لكل ما عهده المخاطبون ، وعامة معنى لكل ما
كان فى معناه. وما ذكرنا عدم تحريمه ليس بمنصوص على تحريمه
ولا فى معناه ، فلم يتناوله دليل الحرمة . فيبقى على الحل . وهذا وحده
دليل على عدم التحريم ، وبه يتم ما نبهنا عليه أولا : من أن الأدلة النافية
للتحريم من الأدلة الشرعية والاستصحابية تدل على ذلك؛ لكن بشرط
نفي الناقل المغير ، وقد بينا انتفاءه .
الطريق الثانى : أن نقول : وإن سلمنا العموم اللفظي ؛ لكن ليست
٨٥

هي مرادة ؛ بل هي مخصوصة بما ذكرناه من الأدلة التى تخص مثل هذا
العموم ؛ فإن هذا العموم مخصوص بالسنة والإجماع فى الثمر التابع
لشجره، حيث قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( من ابتاع نخلا
لم يؤبر فثمرتها للبائع، إلا أن يشترط المبتاع)) أخرجاه من حديث
ابن عمر . فجعلها للمبتاع إذا اشترطها بعد التأثير . ومعلوم أنها حينئذ
لم يبد صلاحها ، ولا يجوز بيعها مفردة . والعموم المخصوص بالنص أو
الإجماع : يجوز أن يخص منه صور فى معناه عند جمهور الفقهاء من
سائر الطوائف . ويجوز أيضا تخصيصه بالإجماع ، وبالقياس القوى.
وقد ذكرنا من آثار السلف ومن المعانى ما يخص مثل هذا لو كان
عاما ، أو بالاشتداد بلا تغير لون ، كالجوز واللوز . فبدو الصلاح فى
الثمار متنوع : تارة يكون بالرطوبة بعد اليس. وتارة بالييس بعد الرطوبة
ونارة بلينه . وتارة بتغير لونه بحمرة أو صفرة أو بياض . وتارة لا يتغير .
وإذا كان قد نهى عن بيع الثمر حتى يحمر أو يصفر : على أن هذا
اللفظ لم يشمل جميع أصناف الثمار ، وإنما يشمل ما تأتي فيه الحمرة
والصفرة ، وقد جاء مقيداً : أنه النخل .
فتدبر ما ذكرناه فى هذه المسألة ، فإنه عظيم المنفعة في هذه القضية
التي عمت بها البلوى ، وفى نظائرها ، وانظر فى عموم كلام الله عن
وجل ورسوله لفظا ومعنى ، حتى تعطيه حقه . وأحسن ما تستدل به
٨٦

على معناه : آثار الصحابة الذين كانوا أعلم بمقاصده ، فإن ضبط ذلك
يوجب توافق أصول الشريعة وجريها على الأصول الثابتة المذكورة فى
قوله تعالى: ( يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنَّهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ
الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ
عَلَيَّهِمْ ) .
وأما نهيه صلى الله عليه وسلم عن المعاومة الذي جاء مفسراً فى
رواية أخرى : بأنه بيع السنين . فهو - والله أعلم - مثل نهيه عن
بيع حبل الحبلة ، إنما نهى أن يبتاع المشتري الثمرة التي يستثمرها رب
الشجرة. وأما اكتراء الأرض والشجرة حتى يستثمرها : فلا يدخل هذا
فى البيع المطلق ، وإنما هو نوع من الإجارة .
ونظير هذا: ما تقدم من حديث جابر فى الصحيح من أنه ((نهى
عن كراء الأرض، وأنه ((نهى من المخابرة)) وأنه ((نهى عن المزارعة))
وأنه قال: ((لا تكروا الأرض)) فإن المراد بذلك: الكراء الذي كانوا
يعتادونه كما جاء مفسراً ، وهي المخابرة والمزارعة التي كانوا يعتادونها ،
فنهاهم عما كانوا يعتادونه من الكراء والمعاومة ، الذي يرجع حاصله إلى
بيع الثمرة قبل أن تصلح ، وإلى المزارعة المشروط فيها جزء معين .
وهذا نهي عما فيه مفسدة راجحة . هذا نهي عن الغرر فى جنس
٨٧

البيع ، وذاك نهى عن الغرر فى جنس الكراء العام الذى يدخل فيه
المساقاة والمزارعة ، وقد بين فى كل منهما أن هذه المبايعة وهذه المكاراة
كانت تفضي إلى الخصومة والشنآن. وهو ما ذكره الله فى حكمة تحريم
الميسر بقوله تعالى: ( إِنَّمَايُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَاَلْبَغْضَآءَ فِىِ الْخَمْرِ
وَاُلْمَيْسِرِ ).
فصل
ومن القواعد التي أدخلها قوم من العلماء فى الغرر المنهى عنه :
أنواع من الإجارات والمشاركات ؛ كالمساقاة ، والمزارعة ، ونحو ذلك .
فذهب قوم من الفقهاء إلى ان المساقاة والمزارعة حرام باطل ؛ بناء
ء
على أنها نوع من الإجارة ؛ لأنها عمل بعوض ، والإجارة لابد أن
يكون الأجر فيها معلوماً ؛ لأنها كالثمن . ولما روى أحمد عن أبي
سعيد أن النبى صلى الله عليه وسلم: ((نهى عن استئجار الأجير
حتى يبين له أجره، وعن النجش واللمس، وإلقاء الحجر )
والعوض فى المساقاة والمزارعة مجهول ؛ لأنه قد يخرج الزرع والثمر
قليلا ، وقد يخرج كثيراً، وقد يخرج على صفات ناقصة ، وقد لا يخرج،
فإن منع اللّه الثمرة كان استيفاء عمل العامل باطلا. وهذا قول أبى
٨٨

حنيفة . وهو أشد الناس قولا بتحريم هذا .
وأما مالك والشافعي، فالقياس عندهما ما قاله أبو حنيفة، إدخالا لذلك
فى الغرر ؛ لكن جوزا منه ما تدعو إليه الحاجة .
نجوز مالك والشافعي فى القديم : المساقاة مطلقا ؛ لأن كراء الشجر
لا يجوز ؛ لأنه بيع للثمر قبل بدو صلاحه ؛ والمالك قد يتعذر عليه
سقي شجره وخدمته ، فيضطر إلى المساقاة ؛ بخلاف المزارعة فإنه يمكنه
كراء الأرض بالأجر المسمى ، فيغنيه ذلك عن المزارعة عليه تبعاً ، لكن
جوزا من المزارعة ما يدخل فى المساقاة تبعاً ؛ فإذا كان بين الشجر بياض
قليل جازت المزارعة عليه تبعاً للمساقاة .
ومذهب مالك : أن زرع ذلك البياض للعامل بمطلق العقد . فإن
شرطاه بينهما جاز . وهذا إذا لم يتجاوز الثلث .
والشافعي لا يجعله للعامل ؛ لكن يقول: إذا لم يمكن سقي الشجر
إلا بسقيه جازت المزارعة عليه. ولأصحابه فى البياض إذا كان كثيرا
أكثر من الشجر وجهان .
وهذا إذا جمعهما فى صفقة واحدة ؛ فإن فرق بينهما فى
صفقتين فوجهان :
٨٩

أحدهما : لا يجوز بحال ، لأنه إنما جاز تبعا ، فلا يفرد بعقد .
و((الثانى)): يجوز إذا ساقى ثم زارع: لأنه يحتاج إليه حينئذ. وأما
إذا قدم المزارعة لم يجز وجها واحدا . وهذا إذا كان الجزء المشروط
فيها واحداً ، كالثلث أو الربح ، فإن فاضل بينها ، ففيه وجهان .
وروي من قوم من السلف - منهم : طاوس ، والحسن ، وبعض
الخلف - : المنع من إجارتها بالأجرة المسماة ، وإن كانت دراهم
أو دنانير .
روى حرب عن الأوزاعي أنه سئل : هل يصلح اكتراء الأرض؟
فقال : اختلف فيه ، جماعة من أهل العلم لا يرون باكترائها بالدينار
والدرهم بأساً . وكره ذلك آخرون منهم، وذلك : لأنه فى معنى بيع
الغرر ؛ لأن المستأجر يلتزم الأجرة بناء على ما يحصل له من الزرع ؛
وقد لا ينبت الزرع ، فيكون بمنزلة اكتراء الشجر للاستثمار . وقد كان
طاوس يزارع ، ولأن المزارعة أبعد من الغرر من المؤاجرة ، لأن
المتعاملين فى المزارعة إما أن يغنما جميعا ، أو يغرما جميعا ، فتذهب
منفعة بدن هذا وبقره ، ومنفعة أرض هذا . وذلك أقرب إلى العدل
من أن يحصل أحدهما على شيء مضمون . ويبقى الآخر تحت الخطر :
إذ المقصود بالعقد : هو الزرع ؛ لا القدرة على حرث الأرض
وبذرها وسقيها .
٩٠

وعذر الفريقين - مع هذا القياس - ما بلغهم من الآثار عن
النبى صلى الله عليه وسلم من نهيه عن المخابرة، وعن كراء الأرض؛
كحديث رافع بن خديج، وحديث جابر. فعن نافع (( أن ابن عمر
كان يكري مزارعه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وفي إمارة
أبى بكر وعمر وعثمان ، وصدراً من إمارة معاوية ، ثم حدث عن رافع
ابن خديج : أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء المزارع،
فذهب ابن عمر إلى رافع ، فذهبت معه ، فسأله ؟ فقال : نهى النى
صلى الله عليه وسلم عن كراء المزارع. فقال ابن عمر: قد علمت
أنا كنا نكري مزارعنا بما على الأربعاء وشيء من التبن)) أخرجاه فى
الصحيحين، وهذا لفظ البخاري. ولفظ مسلم: ((حتى بلغه في آخر
خلافة معاوية : أن رافع بن خديج يحدث فيها بنهي عن النبي صلى
اللّه عليه وسلم، فدخل عليه وأنا معه، فسأله. فقال : كان رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم: ينهى عن كراء المزارع، فتركها ابن عمر
بعد ، فكان إذا سئل عنها بعد قال : زعم رافع بن خديج أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها )) وعن سالم بن عبد الله
ابن عمر (( أن عبد الله بن عمر كان يكري أرضه، حتى بلغه أن رافع
ابن خديج الأنصاري كان ينهى عن كراء الأرض ، فلقيه عبد الله،
فقال : يا ابن خديج ، ماذا تحدث عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم فى كراء الأرض ؟ قال رافع بن خديج لعبد الله : سمعت عمي
٩١

- وكانا قد شهد بدرا ـ يحدثان أهل الدار : أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء الأرض. قال عبد الله: لقد كنت
أعلم فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأرض تكرى ، ثم
خشى عبد الله أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدث
فى ذلك شيئاً لم يعلمه، فترك كراء الأرض)) رواه مسلم. وروى البخاري
قول عبد الله الذى فى آخره عن رافع بن خديج عن عمه ظهير بن
رافع، قال ظهير: (( لقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر
كان بنا رافقا. فقلت: وما ذاك؟ ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو
حق. قال: دعانى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما تصنعون بمحاقلكم؟
فقلت : تؤاجرها يا رسول الله على الربح أو على الأوسق من التمر والشعير.
قال: فلا تفعلوا، ازرعوها أو أزرعوها أو أمسكوها . قال رافع: قلت: سمعا
وطاعة)) أخرجاه فى الصحيحين. وعن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (( من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه . فإن
أبى فليمسك أرضه)) أخرجاء، وعن جابر بن عبد الله قال: ((كانوا
يزرعونها بالثلث والربع ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه . فإن لم يفعل فليمسك
أرضه)) أخرجاه وهذا لفظ البخاري . ولفظ مسلم: ((كنا فى زمان
رسول الله صلى الله عليه وسلم نأخذ الأرض بالثلث أو الربح
بالماذيانات . فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ذلك فقال :
٩٢

من كانت له أرض فليزرعها . فإن لم يزرعها فليمنحها أخاه . فإن لم
يمنحها فليمسكها)، وفى رواية فى الصحيح ((ولا يكريها)). وفى رواية فى
الصحيح (( نهى عن كراء الأرض)).
وقد ثبت أيضا فى الصحيحين عن جابر قال: ((نهى النبى صلى
الله عليه وسلم عن المحاقلة، والمزابنة، والمعاومة، والمخابرة)) وفى
رواية فى الصحيحين عن زيد بن أبى أنيسة ، عن عطاء ، عن جابر :
(( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المحاقلة، والمزابنة.
والمخابرة ، وأن يشترى النخل حتى يشقح: والإشقاح: أن يحمر أو
يصفر، أو يؤكل منه شيء . والمحاقلة: أن يباع الحقل بكيل من الطعام
معلوم . والمزابنة : أن يباع النخل بأوساق من التمر ، والمخابرة : الثلث
والربع وأشباه ذلك . قال زيد: قلت لعطاء بن أبي رباح: أسمعت
جابراً يذكر هذا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم؟ فقال: نعم)).
فهذه الأحاديث قد يستدل بها من ينهى عن المؤاجرة والمزارعة ؛
لأنه نهى عن كرائها، والكراء يعمها؛ لأنه قال: ((فليزرعها، أو
ليمنحها أخاه. فإن لم يفعل فليمسكها)) فلم يرخص إلا فى أن يزرعها
أو يمنحها لغيره ، ولم يرخص فى المعاوضة عنها ؛ لا بمؤاجرة ولا بمزارعة.
ومن يرخص في المزارعة - دون المؤاجرة - يقول : الكراء هو
٩٣

الإجارة ، أو المزارعة الفاسدة التى كانوا يفعلونها ؛ بخلاف المزارعة
الصحيحة التى ستأتى أدلتها ، التى كان النبي صلى الله عليه وسلم
يعامل بها أهل خيبر ، وعمل بها الخلفاء الراشدون بعده .
وسائر الصحابة .
يؤيد ذلك : أن ابن عمر الذي ترك كراء الأرض لما حدثه رافع
كان يروي حديث أهل خيبر رواية من يفتى به . ولأن النبى صلى
الله عليه وسلم نهى عن المحاقلة ، والمزابنة ، والمخابرة ، والمعاومة .
وجميع ذلك من أنواع الغرر . والمؤاجرة أظهر فى الغرر من المزارعة ،
كما تقدم .
ومن يجوز المؤاجرة دون المزارعة يستدل بما رواه مسلم في صحيحه
عن ثابت بن الضحاك: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هى
عن المزارعة، وأمر بالمؤاجرة. وقال: لا بأس بها )) فهذا صريح في
النهي عن المزارعة ، والأمر بالمؤاجرة . ولأنه سيأتى عن رافع بن
خديج - الذي روى الحديث عن النى صلى الله عليه وسلم -
((أنه لم ينههم النبي صلى الله عليه وسلم عن كرائها بشيء معلوم
مضمون ، وإنما نهام عما كانوا يفعلونه من المزارعة)).
وذهب جميع فقهاء الحديث الجامعون لطرقه كلهم - كأحمد بن
٩٤

حنبل ، وأصحابه كلهم من المتقدمين والمتأخرين ، وإسحاق بن راهويه،
وأبى بكر بن أبى شيبة ، وسليمان بن داود الهاشمى ، وأبى خيثمة زهير
ابن حرب ، وأكثر فقهاء الكوفيين كسفيان الثوري ، ومحمد بن
عبد الرحمن بن أبى ليلى ، وأبي يوسف ومحمد صاحى أبى حنيفة ،
والبخاري صاحب الصحيح ، وأبى داود ، وجماهير فقهاء الحديث من
المتأخرين ؛ كابن المنذر ، وابن خزيمة ، والخطابى ، وغيرهم ، وأهل
الظاهر ، وأكثر أصحاب أبى حنيفة - إلى جواز المزارعة والمؤاجرة
ونحو ذلك ، اتباعا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه
وأصحابه ، وما عليه السلف ، وعمل جمهور المسلمين . وبينوا معانى
الأحاديث التى يظن اختلافها فى هذا الباب .
فمن ذلك معاملة التى صلى الله عليه وسلم لأهل غيير هو
وخلفاؤه من بعده إلى ان أجلام عمر. فعن ابن عمر قال: ((عامل
رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل غيير بشطر ما يخرج منها من
تمر أو زرع)) أخرجاه. وأخرجا أيضاً عن ابن عمر (( أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم أعطى أهل غيير على أن يعملوها ويزرعوها ولهم
شطر ما خرج منها)). هذا لفظ البخاري ولفظ مسلم: (( لما افتتحت
خيبر سألت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرم فيها على أن
يعملوها على نصف ما خرج منها من الثمر والزرع . فقال رسول الله
٩٥

صلى الله عليه وسلم: أقركم فيها على ذلك ما شئنا . وكان الثمر
على السهان من نصف خيبر . فيأخذ رسول الله صلى الله عليه
وسلم الخمس )). وفى رواية مسلم عن عبد الله بن عمر، عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (( أنه دفع إلى يهود غيبر نخل خيبر وأرضها
على أن يعتملوها من أموالهم وللرسول صلى الله عليه وسلم شطر ثمرها))
وعن ابن عباس (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى خيبر أهلها
على النصف: نخلها وأرضها)، رواه الإمام أحمد وابن ماجة، وعن طاوس:
((أن معاذ بن جبل أكرى الأرض على عهد رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان على الثلث والربع . فهو يعمل به إلى
يومك هذا)، رواه ابن ماجه . وطاوس كان باليمن ، وأخذ عن أصحاب
معاذ الذين باليمن من أعيان المخضرمين، وقوله ((وعمر وعثمان)) أي :
كنا نفعل كذلك على عهد عمر وعثمان ، فحذف الفعل لدلالة الحال
عليه ؛ لأن المخاطبين كانوا يعلمون أن معاذا خرج من اليمن فى خلافة
الصديق ، وقدم الشام فى خلافة عمر ، ومات بها فى خلافته . قال
البخاري في صحيحه : وقال قيس بن مسلم عن أبى جعفر - يعني :
الباقر - ((ما بالمدينة دار هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع)) قال :
(( وزارع علي ، وسعد بن مالك ، وعبد الله بن مسعود ، وعمر بن
عبد العزيز، والقاسم، وعروة، وآل أبى بكر، وآل عمر، وآل علي
وابن سيرين . وعامل عمر الناس على أنه إن جاء عمر بالبذر من
٩٦

عنده فله الشطر، وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا)). وهذه الآثار
التى ذكرها البخاري قد رواها غير واحد من المصنفين في الآثار .
فإذا كان جميع المهاجرين كانوا يزارعون والخلفاء الراشدون وأ كابر
الصحابة والتابعين ، من غير أن ينكر ذلك منكر : لم يكن إجماع أعظم
من هذا ؛ بل إن كان فى الدنيا إجماع فهو هذا . لا سيما وأهل بيعة
الرضوان جميعهم زارعوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
وبعده إلى أن أجلى عمر اليهود إلى تيماء .
وقد تأول من أبطل المزارعة والمساقاة ذلك بتأويلات مردودة .
مثل أن قال كان اليهود عبيدا للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين .
فجعلوا ذلك مثل المخارجة بين العبد وسيده .
ومعلوم بالنقل المتواتر: أن النبى صلى الله عليه وسلم صالحهم
ولم يسترقهم حتى أحلام عمر ، ولم يبعهم ، ولا مكن أحداً من المسلمين
من استرقاق أحد منهم .
ومثل أن قال: هذه معاملة مع الكفار . فلا يلزم أن تجوز مع
المسلمين . وهذا مردود ؛ فإن خيبر قد صارت دار إسلام ، وقد أجمع
المسلمون على أنه يحرم فى دار الإسلام بين المسلمين وأهل العهد ما
يحرم بين المسلمين من المعاملات الفاسدة . ثم إنا قد ذكرنا أن
٩٧

النبى صلى الله عليه وسلم عامل بين المهاجرين والأنصار ، وأن معاذ
ابن جبل عامل على عهده أهل اليمن بعد إسلامهم على ذلك ، وأن
الصحابة كانوا يعاملون بذلك . والقياس الصحيح يقتضي جواز ذلك مع
عمومات الكتاب والسنة المبيحة ، أو النافية للحرج ، ومع الاستصحاب ،
وذلك من وجوه .
أحدها : أن هذه المعاملة مشاركة ؛ ليست مثل المؤاجرة المطلقة ؛
فإن النماء الحادث يحصل من منفعة أصلين : منفعة العين التى لهذا ،
كبدنه وبقره. ومنفعة العين التى لهذا، كأرضه وشجره، كما تحصل
المغانم بمنفعة أبدان الغانمين وخيلهم ، وكما يحصل مال الفىء بمنفعة أبدان
المسلمين من قوتهم ونصرهم ؛ بخلاف الإجارة . فإن المقصود فيها هو
العمل، أو المنفعة. فمن استؤجر لبناء أو خياطة، أو شق الأرض أو بذرها
أو حصاد ، فإذا وفاء ذلك العمل فقد استوفى المستأجر مقصوده بالعقد ،
واستحق الأجير أجره . ولذلك يشترط فى الإجارة اللازمة : أن يكون
العمل مضبوطا ، كما يشترط مثل ذلك فى المبيع . وهنا منفعة بدن
العامل وبدن بقره وحديده : هو مثل منفعة أرض المالك وشجره .
ليس مقصود واحد منهما استيفاء منفعة الآخر ، وإنما مقصودها جميعا :
ما يتولد من اجتماع المنفعتين . فإن حصل نماء اشتركا فيه . وإن لم يحصل
نماء ذهب على كل منها منفعته ، فيشتركان فى المغنم وفي المغرم ، كسائر
٩٨

المشتركين فيما يحدث من نماء الأصول التى لهم. وهذا جنس من التصرفات
يخالف في حقيقته ومقصوده وحكمه الإجارة المحضة ، وما فيه من شوب
المعاوضة من جنس ما فى الشركة من شوب المعاوضة .
فإن التصرفات العدلية فى الأرض جنسان : معاوضات ، ومشاركات.
فالمعاوضات : كالبيع والإجارة. والمشاركات: شركة الأملاك وشركة العقد.
ويدخل فى ذلك اشتراك المسلمين فى مال بيت المال ، واشتراك الناس
في المباحات . كمنافع المساجد والأسواق المباحة، والطرقات ، وما يحيى
من الموات ، او يوجد من المباحات ، واشتراك الورثة فى الميراث ،
واشتراك الموصى لهم والموقوف عليهم في الوصية والوقف ، واشتراك
التجار والصناع شركة منان أو أبدان ، ونحو ذلك وهذان الجنسان ما
منشأ الظلم . كما قال تعالى عن داود عليه السلام (وَإِنَّكَثِيرًا مِّنَ الْخُلَآءِ
لَتْغِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ وَقَلِلٌ مَّاهُمْ ).
والتصرفات الأخر هي الفضيلة : كالقرض ، والعارية، والهبة ،
والوصية . وإذا كانت التصرفات المبنية على المعادلة هي معاوضة أو
مشاركة . فمعلوم قطعا : أن المساقاة والمزارعة ونحوهما من جنس المشاركة،
ليسا من جنس المعاوضة المحضة ، والغرر إنما حرم بيعه في المعاوضة ، لأنه
أكل مال بالباطل. وهنا لا يأكل أحدهما مال الآخر ؛ لأنه إن لم
٩٩

ينبت الزرع فإن رب الأرض لم يأخذ منفعة الآخر ؛ إذ هو لم يستوفها ،
ولا ملكها بالعقد ، ولا هي مقصودة ؛ بل ذهبت منفعة بدنه ، كما
ذهبت منفعة أرض هذا ، ورب الأرض لم يحصل له شيء حتى يكون
قد أخذه والآخر لم يأخذ شيئاً ؛ بخلاف بيوع الغرر وإجارة الغرر ؛
فإن أحد المتعاوضين يأخذ شيئاً، والآخر يبقى تحت الخطر ، فيفضى
إلى ندم أحدهما وخصومتها . وهذا المعنى منتف في هذه المشاركات
التى مبناها على المعادلة المحضة التى ليس فيها ظلم ألبتة ، لا فى غرر ،
ولا فى غير غرر .
ومن تأمل هذا تبين له مأخذ هذه الأصول . وعلى أن جواز هذه
أشبه بأصول الشريعة ، وأعرف فى العقول ، وأبعد عن كل محذور من
جواز إجارة الأرض ؛ بل ومن جواز كثير من البيوع والإجارات المجمع
عليها ، حيث هي مصلحة محضة للخلق بلا فساد . وإنما وقع اللبس فيها
على من حرمها من إخواننا الفقهاء بعد ما فهموه من الآثار : من جهة
أنهم اعتقدوا هذا إجارة على عمل مجهول ؛ لما فيها من عمل بعوض .
وليس كل من عمل لينتفع بعمله يكون أجيراً ، كعمل الشريكين فى
المال المشترك ، وعمل الشريكين فى شركة الأبدان ، وكاشتراك الغانمين
فى المغانم، ونحو ذلك مما لا يعد ولا يحصى ، نعم ! لو كان أحدهما يعمل
بمال يضمنه له الآخر لا يتولد من عمله : كان هذا إجارة .
١٠٠