Indexed OCR Text
Pages 621-640
فمن كان لا يؤمن بالله، بل بسب الله، ويقول: إنه ثالث ثلاثة، وإنه صلب . ولا يؤمن برسله ؛ بل يزعم أن الذي حمل وولد ، وكان يأكل ويشرب، ويتغوط، وينام: هو الله، وابن اللّه. وأن الله أو ابنه حل فيه ، وتدرعه ، ويجحد ما جاء به محمد خاتم المرسلين ، ويحرف نصوص التوراة والإنجيل ؛ فإن في الأناجيل الأربعة من التناقض والاختلاف بين ما أمر الله به وأوجبه ما فيها ، ولا يدين الحق. ودين الحق هو الإقرار بما أمر الله به وأوجبه، من عبادته ، وطاعته ، ولا يحرم ما حرم الله ورسوله ؛ من الدم والميتة ولحم الخنزير ، الذي مازال حراما من لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ما أباحه نبي قط ؛ بل علماء النصارى يعلمون أنه محرم ، وما يمنع بعضهم من إظهار ذلك إلا الرغبة والرهبة ، وبعضهم يمنعه العناد والعادة ونحو ذلك . ولا يؤمنون باليوم الآخر ؛ لأن عامتهم وإن كانوا يقرون بقيامة الأبدان ؛ لكنهم لا يقرون بما أخبر الله به من الأكل والشرب واللباس والنكاح والنعيم والعذاب فى الجنة والنار ؛ بل غاية ما يقرون به من النعيم السماع والشم. ومنهم متفلسفة ينكرون معاد الأجساد، وأكثر علمائهم زنادقة ، وثم يضمرون ذلك ، ويسخرون بعوامهم ؛ لاسيما بالنساء والمترهبين منهم: بضعف العقول . فمن هذا حاله فقد أمر الله رسوله بجهاده حتى يدخل فى دين الله، أو يؤدي الجزية، وهذا دين محمد صلى الله عليه وسلم. ثم المسيح صلوات الله عليه لم يأمر بجهاد؛ لا سيما يجهاد الأمة ٦٢١ الحنيفية ، ولا الحواريون بعده . فيا أيها الملك كيف تستحل سفك الدماء وسبى الحريم وأخذ الأموال بغير حجة من الله ورسله. ثم أما يعلم الملك أن بديارنا من النصارى أهل الذمة والأمان مالا يحصى عددم إلا الله ، ومعاملتنا فيهم معروفة ، فكيف يعاملون أسرى المسلمين بهذه المعاملات التى لا يرضى بها ذو مروءة ، ولا ذو دين ؟! لست أقول عن الملك وأهل بيته ولا إخوته ؛ فإن أبا العباس شاكر للملك ولأهل بيته كثيراً، معترفا بما فعلوه معه من الخير ، وإنما أقول عن عموم الرعية . أليس الأسرى فى رعية الملك؟! أليست عهود المسيح وسائر الأنبياء توصي بالبر والإحسان. فأين ذلك ؟ ! . ثم إن كثيراً منهم إنما أخذوا غدراً، والغدر حرام فى جميع الملل والشرائع والسياسات ، فكيف تستحلون أن تستولوا على من أخذ غدراً؟! أفتأمنون مع هذا أن يقابلكم المسلمون ببعض هذا ، وتكونون مغدورين ؟! والله ناصرهم ومعينهم؛ لاسيما في هذه الأوقات ، والأمة قد امتدت للجهاد. واستعدت للجلاد . ورغب الصالحون وأولياء الرحمن فى طاعته ، وقد تولى الثغور الساحلية أمراء ذوو بأس شديد، وقد ظهر بعض أثرهم ، وم في ازدياد . ثم عند المسلمين من الرجال الفداوية ، الذين يغتالون الملوك فى ٦٢٢ فرشها ، وعلى أفراسها : من قد بلغ الملك خبرم ؛ قديما ، وحديثاً . وفيهم الصالحون الذين لا يرد الله دعواتهم ، ولا يخيب طلباتهم، الذين يغضب الرب لغضبهم، ويرضى لرضام. وهؤلاء النار مع كثرتهم وانتسابهم إلى المسلمين لما غضب المسلمون عليهم أحاط بهم من البلاء ما يعظم عن الوصف . فكيف يحسن أيها الملك بقوم يجاورون المسلمين من أكثر الجهات أن يعاملوم هذه المعاملة التى لا يرضاها عاقل ؛ لا مسلم ، ولا معاهد ؟ ! . هذا وأنت تعلم أن المسلمين لا ذنب لهم أصلا ؛ بل م المحمودون على ما فعلوه ؛ فإن الذي أطبقت العقلاء على الإقرار بفضله هو دينهم ، حتى الفلاسفة أجمعوا على أنه لم يطرق العالم دين أفضل من هذا الدين . فقد قامت البراهين على وجوب متابعته . ثم هذه البلاد ما زالت بأيديهم الساحل ؛ بل وقبرص أيضا ما أخذت منهم إلا من أقل من ثلاثمائة سنة، وقد وعدم النبى صلى الله عليه وسلم أنهم لا يزالون ظاهرين إلى يوم القيامة . فما يؤمن الملك أن هؤلاء الأسرى المظلومين ببلدته بنتقم لهم رب العباد والبلاد ، كما ينتقم لغيرهم ؟! وما يؤمنه أن تأخذ المسلمين حمية إسلامهم فينالوا منها ما نالوا من غيرها ؟! ونحن إذا رأينا من الملك وأصحابه ما يصلح عاملنام بالحسنى ، وإلا فمن بغي عليه لينصرفه الله . ٦٢٣ وأنت تعلم أن ذلك من أيسر الأمور على المسلمين . وأنا ما غرضي الساعة إلا مخاطبتكم بالتي هي أحسن ، والمعاونة على النظر فى العلم ، واتباع الحق ، وفعل ما يجب . فإن كان عند الملك من يثق بعقله ودينه فليبحث معه عن أصول العلم وحقائق الأديان ، ولا يرضى أن يكون من هؤلاء النصارى المقلدين ، الذين لا يسمعون ولا يعقلون؛ إن ثم إلا كالأنعام ؛ بل هم أضل سبيلا . وأصل ذلك أن تستعين بالله، وتسأله الهداية، وتقول : اللهم ! أربى الحق حقا ، وأعني على اتباعه. وأرنى الباطل باطلا ، وأعني على اجتابه ، ولا تجعله مشتبها علي فأتبح الهوى فأضل، وقل : اللهم! رب جبريل ، وميكائيل ، وإسرافيل ، فاطر السموات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون : اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم . والكتاب لا يحتمل البسط أكثر من هذا؛ لكن أنا ما أريد للملك إلا ما ينفعه فى الدنيا والآخرة، وهما شيئان . ( أحدهما ) له خاصة، وهو معرفته بالعلم والدين ، وانكشاف الحق ، وزوال الشبهة ، وعبادة الله، كما أمر. فهذا خير له من ملك الدنيا بحذافيرها . وهو الذي بعث به المسيح ، وعلمه الحواريين . ( الثانى ) له وللمسلمين، وهو مساعدته للأسرى الذين فى بلاده، وإحسانه إليهم ، وأمر رعيته بالاحسان إليهم ، ٦٢٤ والمعاونة لنا على خلاصهم ؛ فإن فى الإساءة إليهم دركا على الملك فى دينه ودين الله تعالى ، ودركا من جهة المسلمين ، وفى المعاونة على خلاصهم حسنة له فى دينه ، ودين الله تعالى وعند المسلمين ؛ وكان المسيح أعظم الناس توصية بذلك . ومن العجب كل العجب أن يأسر النصارى قوماً غدراً أو غير غدر ولم يقاتلوم، والمسيح يقول: (( من لطمك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر، ومن أخذ رداءك فأعطه قميصك))؟! وكما كثرت الأسرى عندكم كان أعظم لغضب الله وغضب عباده المسلمين ؛ فكيف يمكن السكوت على أسرى المسلمين فى قبرص ، سيما وعامة هؤلاء الأسرى قوم فقراء ، وضعفاء ، ليس لهم من يسعى فيهم . وهذا أبو العباس مع أنه من عباد المسلمين، وله عبادة ، وفقر ، وفيه مشيخة، ومع هذا فما كاد يحصل له فداؤه إلا بالشدة . ودين الإسلام بأمرنا أن نعين الفقير ، والضعيف . فالملك أحق أن يساعد على ذلك من وجوه كثيرة؛ لاسيما والمسيح يومي بذلك فى الإنجيل ، ويأمر بالرحمة العامة ، والخير الشامل ، كالشمس والمطر . والملك وأصحابه إذا عاونونا على تخليص الأسرى والإحسان إليهم كان الحظ الأوفر لهم فى ذلك في الدنيا والآخرة. أما فى الآخرة فإن الله يثيب على ذلك ويأجر عليه، وهذا مما لا ريب فيه عند العلماء المسيحيين ٦٢٥ الذين لا يتبعون الهوى ؛ بل كل من انقى الله وأنصف على أنهم أسروا بغير حق ، لاسيما من أخذ غدراً ، والله تعالى لم يأمر المسيح ولا أحدا من الحواربين ، ولا من اتبع المسيح على دينه ؛ لا بأسر أهل ملة إبراهيم ، ولا بقتلهم . وكيف وعامة النصارى يقرون بأن محمداً رسول الأميين ؟! فكيف يجوز أن يقاتل أهل دين اتبعوا رسولهم . فإن قال قائل : م قاتلونا أول مرة . قيل : هذا باطل فيمن غدرتم به ومن بدأتموه بالقتال . وأما من بدأكم منهم فهو معذور ، لأن الله تعالى أمره بذلك، ورسوله؛ بل المسيح والحواريون أخذ عليهم المواثيق بذلك ، ولا يستوي من عمل بطاعة الله ورسله ودعا إلى عبادته ودينه، وأقر بجميع الكتب والرسل، وقاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، وليكون الدين كله لله، ومن قاتل في هوى نفسه وطاعة شيطانه على خلاف أمر الله ورسله . وما زال فى النصارى من الملوك والقسيسين والرهبان والعامة من له مزبة على غيره في المعرفة والدين ؛ فيعرف بعض الحق ، وينقاد لكثير منه ، ويعرف من قدر الإسلام وأهله ما يجهله غيره ، فيعاملهم معاملة تكون نافعة له فى الدنيا والآخرة . ثم في فكاك الأسير وثواب العتق من كلام الأنبياء والصديقين ما هو معروف لمن طلبه ، فمهما عمل الملك معهم وجد ثمرته . ٦٢٦ وأما فى الدنيا فإن المسلمين أقدر على المكافأة فى الخير والشر من كل أحد ، ومن حاربوه فالويل كل الويل له ، والملك لا بد أن يكون سمع السير ، وبلغه أنه ما زال فى المسلمين النفر القليل منهم من يغلب أضعافا مضاعفة من النصارى وغيرم، فكيف إذا كانوا أضعافهم ؟! وقد بلغه الملاحم المشهورة فى قديم الدهر وحديثه : مثل أربعين ألفا يغلبون من النصارى أكثر من أربعمائة ألف، أكثرم فارس . وما زال المرابطون بالثغور مع قلتهم واشتغال ملوك الإسلام عنهم يدخلون بلاد النصارى ، فكيف وقد من الله تعالى على المسلمين باجتماع كلمتهم ، وكثرة جيوشهم ، وبأس مقدميهم ، وعلو هممهم، ورغبتهم فيما يقرب إلى الله تعالى، واعتقادم أن الجهاد أفضل الأعمال المطوعة ، وتصديقهم بما وعدم نبيهم حيث قال: « يعطى الشهيد ست خصال: يغفر له بأول قطرة من دمه . ويرى مقعده فى الجنة . ويكسى حلة الإيمان . ويزوج باثنتين وسبعين من الحور العين . ويوقى فتنة القبر . ويؤمن من الفزع الأكبر يوم القيامة)). ثم إن فى بلادهم من النصارى أضعاف ما عندكم من المسلمين ؛ فإن فيهم من رؤوس النصارى من ليس فى البحر مثلهم إلا قليل . وأما أسراء المسلمين فليس فيهم من يحتاج إليه المسلمون ، ولا من ينتفعون به ، وإنما نسعى فى تخليصهم لأجل اللّه تعالى رحمة لهم، وتقربا إليه يوم مجزى ٦٢٧ الله المصدقين، ولا يضيع أجر المحسنين . وأبو العباس حامل هذا الكتاب قد بث محاسن الملك وإخوته عندنا واستعطف قلوبنا إليه ؛ فلذلك كاتبت الملك لما بلغتنى رغبته في الخير ، وميله إلى العلم والدين ، وأنا من نواب المسيح وسائر الأنبياء في مناصحة الملك وأصحابه ، وطلب الخير لهم؛ فإن أمة محمد خير أمة أخرجت للناس، يريدون للخلق خير الدنيا والآخرة ، يأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر، ويدعونهم إلى الله، ويعينونهم على مصالح دينهم ودنياهم. وإن كان الملك قد بلغه بعض الأخبار التى فيها طعن على بعضهم، أو طعن على دينهم؛ فإما أن يكون الخبر كاذبا ، أو ما فهم التأويل ، وكيف صورة الحال . وإن كان صادقا عن بعضهم بنوع من المعاصي والفواحش والظلم: فهذا لا بد منه في كل أمة ؛ بل الذي يوجد فى المسلمين من الشر أقل مما فى غيرهم بكثير ، والذي فيهم من الخير لا يوجد مثله فى غيرم . والملك وكل عاقل يعرف أن أكثر النصارى خارجون عن وصايا المسيح والحواريين ، ورسائل بولص وغيره من القديسين ؛ وإن كان أكثر ما معهم من النصرانية شرب الخمر ، وأكل الخنزير ، وتعظيم الصليب ، ونواميس مبتدعة ما أنزل الله بها من سلطان ، وأن بعضهم يستحل بعض ما حرمته الشريعة النصرانية . هذا فيما يقرون به . وأما ٦٢٨ مخالفتهم لما لا يقرون به فکلهم داخل في ذلك . بل قد ثبت عندنا عن الصادق المصدوق رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المسيح عيسى ابن مريم ينزل عندنا بالمنارة البيضاء فى دمشق ، واضعاً كفيه على منكى ملكين ، فيكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ولا يقبل من أحد إلا الإسلام ، ويقتل مسيح الضلالة الأعور الدجال الذي يتبعه اليهود، ويسلط المسلمون على اليهود ، حتى يقول الشجر والحجر : يا مسلم ! هذا يهودي ورائي فاقتله. وينتقم الله للمسيح بن مريم مسيح الهدى من اليهود ما آذوه وكذبوه لما بعث إليهم . وأما ما عندنا فى أمر النصارى، وما يفعل الله بهم من إدالة المسلمين عليهم ، وتسليطه عليهم : فهذا مما لا أخبر به الملك ؛ لئلا يضيق صدره ؛ ولكن الذي أنصحه به أن كل من أسلف إلى المسلمين خيراً ومال إليهم كانت عاقبته معهم حسنة بحسب ما فعله من الخير ؛ فإن الله يقول: ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ, * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّا يَرَهُ ). والذي أختم به الكتاب الوصية بالشيخ أبى العباس ، وبغيره من الأسرى ، والمساعدة لهم ، والرفق بمن عندهم من أهل القرآن ، والامتناع من تغيير دين واحد منهم ، وسوف يرى الملك عاقبة ذلك كله . ونحن نجزي الملك على ذلك بأضعاف ما فى نفسه. والله يعلم أنى قاصد للملك الخير ؛ لأن الله تعالى أمرنا بذلك ، وشرع لنا أن نزيد الخير لكل ٦٢٩ أحد، ونعطف على خلق الله، وندعوهم إلى الله، وإلى دينه، وندفع عنهم شياطين الإنس والجن . والله المسئول أن يعين الملك على مصلحته التى هى عند الله المصلحة، وأن يخير له من الأقوال ما هو خير له عند الله، ويختم له بخاتمة خير. والحمد لله رب العالمين. وصلواته على أنبيائه المرسلين، ولا سيما محمد خاتم النبيين والمرسلين ، والسلام عليهم أجمعين . وسئل هل المدينة من الشام؟ فأجاب : مدينة النبى صلى الله عليه وسلم من الحجاز باتفاق أهل العلم ، ولم يقل أحد من المسلمين ولا غيرهم إن المدينة النبوية من الشام ، وإنما يقول هذا جاهل بحد الشام والحجاز ، جاهل بما قاله الفقهاء وأهل اللغة وغيرهم . ولكن يقال المدينة شامية ، ومكة يمانية : أي المدينة أقرب إلى الشام، ومكة أقرب إلى اليمن ، وليست مكة من اليمن ، ولا المدينة من الشام . وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته : أن تخرج اليهود والنصارى من جزيرة العرب - وهي الحجاز - فأخرجهم عمر ٦٣٠ ابن الخطاب رضي الله عنه من المدينة، وخيبر، وينبع، واليمامة، ومخاليف هذه البلاد ؛ ولم يخرجهم من الشام ؛ بل لما فتح الشام أقر اليهود والنصارى بالأردن ، وفلسطين ، وغيرهما ، كما أقرهم بدمشق وغيرها . وتربة الشام تخالف تربة الحجاز ، كما يوجد الفرق بينها عند المنحنى الذي يسمى عقبة الصوان . فإن الإنسان يجد تلك التربة مخالفة لهذه التربة ، كما تختلف تربة الشام ومصر. فما كان دون وادي المنحنى فهو من الشام: مثل معان. وأما العلا، وتبوك، ونحوهما : فهو من أرض الحجاز . والله أعلم. ٠ ٦٣١ ما تقول السادة العلماء أئمة الدين فى الكنائس التى بالقاهرة وغيرها ، التى أغلقت بأمر ولاة الأمور ، إذا ادعى أهل الذمة أنها أغلقت ظلما ، وأنهم يستحقون فتحها ، وطلبوا ذلك من ولي الأمر أيده الله تعالى ونصره ، فهل تقبل دعواهم ؟ وهل تجب إجابتهم أم لا ؟ . وإذا قالوا : إن هذه الكنائس كانت قديمة من زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وغيره من خلفاء المسلمين ، وأنهم يطلبون أنهم بقرون على ما كانوا عليه في زمن عمر وغيره، وأن إغلاقها مخالف لحكم الخلفاء الراشدين . فهل هذا القول مقبول منهم أو مردود ؟ . وإذا ذهب أهل الذمة إلى من يقدم من بلاد الحرب من رسول أو غيره فسألوه أن يسأل ولي الأمر فى فتحها، أو كاتبوا ملوك الحرب ليطلبوا ذلك من ولي أمر المسلمين . فهل لأهل الذمة ذلك ؟ وهل ينتقض عهدهم بذلك أم لا ؟ وإذا قال قائل : إنهم إن لم يجابوا إلى ذلك حصل للمسلمين ضرر، ٦٣٢ إما بالعدوان على من عندم من الأسرى والمساجد ، وإما بقطع متاجرم عن ديار الإسلام، وإما بترك معاونتهم لولي أمر المسلمين على ما يعتمده من مصالح المسلمين ونحو ذلك فهل هذا القول صواب أو خطأ ؟ بينوا ذلك مبسوطا مشروعا . وإذا كان فى فتحها تغير قلوب المسلمين فى مشارق الأرض ومغاربها ؛ وحصول الفتنة والفرقة بينهم ، وتغير قلوب أهل الصلاح والدين وعموم الجند والمسلمين : على ولاة الأمور ؛ لأجل إظهار شعائر الكفر وظهور عزهم وفرحهم وسرورهم بما يظهرونه وقت فتح الكنائس من الشموع والجموع والأفراح وغير ذلك . وهذا فيه تغير قلوب المسلمين من الصالحين وغيرهم ، حتى أنهم يدعون الله تعالى على من تسبب فى ذلك ، وأعان عليه . فهل لأحد أن يشير على ولي الأمر بذلك ؟ . ومن أشار عليه بذلك هل يكون ناصحاً لولي أمر المسلمين أم غاشاً ؟. وأي الطرق هو الأفضل لولي الأمر أيده الله تعالى ، إذا سلكه نصره الله تعالى على أعدائه . بينوا لنا ذلك وابسطوه بسطا شافياً، مثابين مأجورين إن شاء الله تعالى. وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين ، ورضي الله عن الصحابة المكرمين ، ٦٣٣ وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين . فأجاب: الحمد لله رب العالمين . أما دعواهم أن المسلمين ظلموهم فى إغلاقها فهذا كذب مخالف لإجماع المسلمين ؛ فإن علماء المسلمين من أهل المذاهب الأربعة : مذهب أبى حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم من الأئمة . كسفيان الثوري ، والأوزاعي، والليث بن سعد ، وغيرهم ، ومن قبلهم من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين: متفقون على أن الإمام لو هدم كل كنيسة بأرض العنوة ؛ كأرض مصر ، والسواد بالعراق، وبر الشام ، ونحو ذلك ، مجتهداً فى ذلك ، ومتبعاً فى ذلك لمن يرى ذلك ، لم يكن ذلك ظلما منه ؛ بل يجب طاعته فى ذلك ، ومساعدته فى ذلك ممن يرى ذلك . وإن امتنعوا عن حكم المسلمين لهم كانوا ناقضين العهد ، وحلت بذلك دماؤهم وأموالهم . وأما قولهم : إن هذه الكنائس قائمة من عهد أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، وأن الخلفاء الراشدين أقروم عليها. فهذا أيضا من الكذب ؛ فإن من العلم المتواتر أن القاهرة بنيت بعد عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: بأكثر من ثلاثمائة سنة ، بنيت بعد بغداد، وبعد البصرة ؛ والكوفة ، وواسط . وقد اتفق المسلمون على أن ما بناء المسلمون من المدائن لم يكن ٦٣٤ لأهل الذمة أن يحدثوا فيها كنيسة ؛ مثل ما فتحه المسلمون صلحاً ، وأبقوا لهم كنائسهم القديمة : بعد أن شرط عليهم فيها عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن لا يحدثوا كنيسة فى أرض الصلح ، فكيف فى مدائن المسلمين ؟! بل إذا كان لهم كنيسة بأرض العنوة كالعراق ومصر ونحو ذلك فبنى المسلمون مدينة عليها ، فإن لهم أخذ تلك الكنيسة ؛ لئلا تترك فى مدائن المسلمين كنيسة بغير عهد ؛ فإن في سنن أبى داود بإسناد جيد عن ابن عباس رضي الله عنهما ، عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تصلح قبلتان بأرض، ولا جزية على مسلم)). والمدينة التى يسكنها المسلمون والقرية التى يسكنها المسلمون وفيها مساجد المسلمين لا يجوز أن يظهر فيها شيء من شعائر الكفر ؛ لا كنائس ؛ ولا غيرها؛ إلا أن يكون لهم عهد فيوفى لهم بعهدهم . فلو كان بأرض القاهرة ونحوها كنيسة قبل بنائها لكان للمسلمين أخذها ؛ لأن الأرض عنوة، فكيف وهذه الكنائس محدثة أحدثها النصارى ؟! فإن القاهرة بقي ولاة أمورها نحو مائتى سنة على غير شريعة الإسلام ؛ وكانوا يظهرون أنهم رافضة ، وثم فى الباطن : إسماعيلية ، ونصيرية، وقرامطة باطنية ، كما قال فيهم الغزالي - رحمه الله تعالى - في كتابه الذي صنفه فى الرد عليهم : ظاهر مذهبهم الرفض ، وباطنه الكفر المحض ، واتفق طوائف المسلمين : علماؤهم وملوكهم وعامتهم من ٦٣٥ الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وغيرم: على أنهم كانوا خارجين عن شريعة الإسلام ، وأن قتالهم كان جائزاً ؛ بل قصوا على أن نسبهم كان باطلا ، وأن جدهم كان عبيد الله بن ميمون القداح، لم يكن من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم . وصنف العلماء فى ذلك مصنفات . وشهد بذلك مثل الشيخ أبى الحسن القدوري إمام الحنفية ، والشيخ أبى حامد الإسفرائينى إمام الشافعية ، ومثل القاضي أبي يعلى إمام الحنبلية ، ومثل أبى محمد بن أبى زيد إمام المالكية . وصنف القاضى أبو بكر ابن الطيب فيهم كتابا فى كشف أسرارم، وسماء (( كشف الأسرار وهتك الأستار)» في مذهب القرامطة الباطنية . والذين يوجدون في بلاد الإسلام من الإسماعيلية والنصيرية والدرزية وأمثالهم من أتباعهم. وهم الذين أعلنوا النتر على قتال المسلمين ، وكان وزير ((هولا كو)) النصير الطوسي من أمتهم وهؤلاء أعظم الناس عداوة للمسلمين وملوكهم ، ثم الرافضة بعدهم. فالرافضة يوالون من حارب أهل السنة والجماعة ، ويوالون التتار ، ويوالون النصارى ، وقد كان بالساحل بين الرافضة وبين الفرنج مهادئة، حتى صارت الرافضة تحمل إلى قبرص خيل المسلمين وسلاحهم ، وغلمان السلطان ، وغيرهم من الجند والصبيان . وإذا انتصر المسلمون على التنار أقاموا المآتم والحزن ، وإذا انتصر التنار على المسلمين أقاموا ٦٣٦ الفرح والسرور. وثم الذين أشاروا على التتار بقتل الخليفة ، وقتل أهل بغداد . ووزير بغداد ابن العلقمي الرافضي هو الذي خاصر على المسلمين، وكاتب التتار ، حتى أدخلهم أرض العراق بالمكر والخديعة ، ونهى الناس عن قتالهم . وقد عرف العارفون بالإسلام : أن الرافضة تميل مع أعداء الدين . ولما كانوا ملوك القاهرة كان وزيرم مرة يهوديا، ومرة نصرانيا أرمينيا، وقويت النصارى بسبب ذلك النصراني الأرمينى ، وبنوا كنائس كثيرة بأرض مصر في دولة أولئك الرافضة المنافقين وكانوا ينادون بين القصرين : من لعن وسب فله دينار وإردب . وفى أيامهم أخذت النصارى ساحل الشام من المسلمين ، حتى فتحه نور الدين ، وصلاح الدين . وفي أيامهم جاءت الفرنج إلى بلبيس ، وغلبوا من الفرنج؛ فإنهم منافقون ، وأعانهم النصارى ، والله لا ينصر المنافقين الذين م يوالون النصارى ، فبعثوا إلى نور الدين يطلبون النجدة ، فأمدم بأسد الدين ، وابن أخيه صلاح الدين . فلما جاءت الغزاة المجاهدون إلى ديار مصر قامت الرافضة مع النصارى ، فطلبوا قتال الغزاة المجاهدين المسلمين ، وجرت فصول يعرفها الناس حتى قتل صلاح الدين مقدمهم شاور . ومن حينئذ ظهرت بهذه البلاد كلمة الإسلام والسنة والجماعة ، وصار يقرأ فيها أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كالبخاري، ٦٣٧ ومسلم، ونحو ذلك. ويذكر فيها مذاهب الأئمة ، ويترضى فيها عن الخلفاء الراشدين ؛ وإلا كانوا قبل ذلك من شر الخلق . فيهم قوم يعبدون الكواكب ويرصدونها ، وفيهم قوم زنادقة دهرية لا يؤمنون بالآخرة ولا جنة ولا نار ، ولا يعتقدون وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج ، وخير من كان فيهم الرافضة ، والرافضة شر الطوائف المنتسبين إلى القبلة . فبهذا السبب وأمثاله كان إحداث الكنائس فى القاهرة وغيرها . وقد كان فى برمصر كنائس قديمة ؛ لكن تلك الكنائس أقرم المسلمون عليها حين فتحوا البلاد ؛ لأن الفلاحين كانوا كلهم نصارى ، ولم يكونوا مسلمين؛ وإنما كان المسلمون الجند خاصة، وأقروم، كما أقر النبى صلى الله عليه وسلم اليهود على غير لما فتحها ؛ لأن اليهود كانوا فلاحين، وكان المسلمون مشتغلين بالجهاد . ثم إنه بعد ذلك في خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه لما كثر المسلمون واستغنوا عن اليهود أحلام أمير المؤمنين من خيبر، كما أمر بذلك النبى صلى الله عليه وسلم حيث قال: (( أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب )) حتى لم يبق فى خبير يهودي . وهكذا القرية التى يكون أهلها نصارى وليس عندم مسلمون ولا مسجد للمسلمين ، فإذا أقرم المسلمون على كنائسهم التى فيها جاز ذلك ، كما فعله المسلمون : وأما إذا سكنها المسلمون ٦٣٨ وبنوا بها مساجدهم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا تصلح قبلتان بأرض)) وفى أثر آخر: ((لا يجتمع بيت رحمة، وبيت عذاب )) . والمسلمون قد كثروا بالديار المصرية ، وعمرت فى هذه الأوقات حتى صار أهلها بقدر ما كانوا فى زمن صلاح الدين مرات متعددة ، وصلاح الدين وأهل بيته ما كانوا يوالون النصارى، ولم يكونوا يستعملون منهم أحداً في شىء من أمور المسلمين أملا؛ ولهذا كانوا مؤيدين منصورين على الأعداء ، مع قلة المال والعدد؛ وإنما قويت شوكة النصارى والتنار بعد موت العادل أخي صلاح الدين ، حتى إن بعض الملوك أعطاهم بعض مدائن المسلمين ، وحدث حوادث بسبب التفريط فيما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ فإن الله تعالى يقول: (وَلَيَنصُرَنَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَلَقَوِىُّ عَزِيزُ) وقال الله تعالى: ( الَّذِينَ إِن ◌َّكَّتَهُمْ فِ آلْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتَواْالزَّكَوَةَ وَأَمَرُ واْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْعَنِ اٌلْمُنكَرِّ وَلِلَِّ عَقِبَةُ الْأُمُورِ ) . فكان ولاة الأمور الذين يهدمون کنائسهم وبقیمون أمر الله فيهم، كعمر بن عبد العزيز، وهارون الرشيد ، ونحوهما: مؤبدين، منصورين. وكان الذين هم بخلاف ذلك مغلوبين مقهورين . وإنما كثرت الفتن بين المسلمين وتفرقوا على ملوكهم من حين دخل ٦٣٩ النصارى مع ولاة الأمور بالديار المصرية ؛ فى دولة المعز ، ووزارة الفائز ، وتفرق البحرية ، وغير ذلك . والله تعالى يقول في كتابه : وَإِنَّ جُنْدَنَا ( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِنْنَا لِعِبَادِنَالْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْلَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ لهُمُ الْغَلِبُونَ ) وقال تعالى فى كتابه : ( ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ) وقال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ إِن تَصُرُواْ اللَّهَيَصُرْكُمْ وَيُثَبَتْ أَقْدَامَكُمْ ) وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ، ولا من خالفهم ، حتى تقوم الساعة )). وكل من عرف سير الناس ومسلوكهم ، رأى كل من كان أنصر لدين الإسلام وأعظم جهاداً لأعدائه وأقوم بطاعة الله ورسوله : أعظم نصرة وطاعة وحرمة : من عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وإلى الآن . وقد أخذ المسلمون منهم كنائس كثيرة من أرض العنوة بعد أن أقروا عليها فى خلافة عمر بن عبد العزيز وغيره من الخلفاء ، وليس فى المسلمين من أنكر ذلك . فعلم أن هدم كنائس العنوة جائز ؛ إذا لم يكن فيه ضرر على المسلمين . فإعراض من أعرض عنهم كان لقلة المسلمين ، ونحو ذلك من الأسباب ، كما أعرض النبى صلى الله عليه وسلم عن إجلاء اليهود حتى أجلاهم عمر بن الخطاب ٦٤٠