Indexed OCR Text

Pages 581-600

محتاج إليه فى إقامة الدين وقمع أعدائه وإظهاره وإعلائه أعظم من إعطاء
من لا يكون كذلك ، وإن كان الثانى أحوج .
وقول القائل إن هذه القيود على مذهب الشافعي دون مذهب
مالك ، وما نقله من مذهب عمر . فهذا يحتاج إلى معرفة بمذاهب الأئمة
فى ذلك ، وسيرة الخلفاء فى العطاء . وأصل ذلك أن الأرض إذا فتحت
عنوة ففيها للعلماء ثلاثة أقوال .
أحدها - وهو مذهب الشافعى - أنه يجب قسمها بين الغانمين، إلا
أن يستطيب أنفسهم فيقفها، وذكر فى ((الأم)) أنه لو حكم حاكم
بوقفها من غير طيب أنفسهم نقض حكمه ؛ لأن النبي صلى الله عليه
وسلم قسم خيير بين الغانمين ؛ لكن جمهور الأئمة خالفوا الشافعي فى ذلك ،
ورأوا أن ما فعله عمر بن الخطاب من جعل الأرض المفتوحة عنوة فيئا
حسن جائز ، وأن عمر حبسها بدون استطابة أنفس الغانمين ، ولا
نزاع أن كل أرض فتحها عمر بالشام عنوة ، والعراق ومصر وغيرها
لم يقسمها عمر بين الغانمين، وإنما قسم المنقولات ؛ لكن قال مالك
وطائفة - وهو القول الثانى - أنها مختصة بأهل الحديدية . وقد
صنف إسماعيل بن إسحق إمام المالكية فى ذلك بما نازع به الشافعي فى
هذه المسألة ، وتكلم على حججه .
وعن الإمام أحمد كالقولين ؛ لكن المشهور فى مذهبه هو القول
٥٨١

الثالث ، وهو مذهب الأكثرين ؛ أبى حنيفة وأصحابه ، والثوري ،
وأبى عبيد: وهو أن الإمام يفعل فيها ما هو أصلح للمسلمين من قسمها
أو حبسها ؛ فإن رأى قسمها كما قسم النبى صلى الله عليه وسلم خيبر
فعل ، وإن رأى أن يدعها فيئا للمسلمين فعل ، كما فعل عمر ،
وكما روي أن النبى صلى الله عليه وسلم فعل بنصف خيبر، وأنه
قسم نصفها ، وحبس نصفها لنوائبه ، وأنه فتح مكة عنوة ولم يقسمها
بين الغانمين .
فعلم أن أرض العنوة يجوز قسمها ، ويجوز ترك قسمها . وقد
صنف فى ذلك مصنفا كبيراً. إذا عرف ذلك : فمصر هي مما فتح عنوة،
ولم يقسمها عمر بين الغانمين، كما صرح بذلك أئمة المذاهب : من
الحنفية ، والمالكية ، والحنبلية ، والشافعية ؛ لكن تنقلت أحوالها بعد
ذلك ، كما تنقلت أحوال العراق . فإن خلفاء بنى العباس نقلوه إلى
المقاسمة بعد المخارجة ، وهذا جائز فى أحد قولى العلماء . وكذلك مصر
رفع عنها الخراج من مدة لا أعلم ابتداءها ، وصارت الرقبة للمسلمين .
وهذا جائز فى أحد قولى العلماء .
وأما مذهب عمر فى الفيء فإنه يجعل لكل مسلم فيه حقا ؛ لكنه
يقدم الفقراء وأهل المنفعة، كما قال عمر رضي الله عنه: ليس أحد
أحق بهذا المال من أحد ، إنما هو الرجل وبلاؤه، والرجل وغناؤه،
٥٨٢

والرجل وسابقته ، والرجل وحاجته . فكان بقدم فى العطاء بهذه
الأسباب ، وكانت سيرته التفضيل فى العطاء بالفضائل الدينية . وأما
أبوبكر الصديق - رضي الله عنه - فسوى بينهم فى العطاء إذا استووا
في الحاجة ، وإن كان بعضهم أفضل فى دينه . وقال : إنما أسلموا الله
وأجورج على الله، وإنما هذه الدنيا بلاغ. وروى عنه أنه قال : استوى
فيهم إيمانهم - يعنى أن حاجتهم إلى الدنيا واحدة - فأعطيهم لذلك؛
لا السابقة والفضيلة فى الدين ؛ فإن أجرم يبقى على الله . فإذا استووا
في الحاجة الدنيوية سوى بينهم فى العطاء .
ويروى أن عمر فى آخر عمره قال : لئن عشت إلى قابل لأجعلن
الناس بَّانا (١) واحدا، أي: ماية واحدة . أي: صنفا واحدا.
وتفضيله كان بالأسباب الأربعة التى ذكرها : الرجل وبلاؤه، وهو
الذي يجتهد فى قتال الأعداء . والرجل وغناؤه . وهو الذي يغنى عن
المسلمين فى مصالحهم لولاة أمورهم ومعلميهم، وأمثال هؤلاء . والرجل
وسابقته . وهو من كان من السابقين الأولين ؛ فإنه كان يفضلهم في
العطاء على غيرهم . والرجل وفاقته . فإنه كان يقدم الفقراء على الأغنياء،
وهذا ظاهر ؛ فإنه مع وجود المحتاجين كيف يحرم بعضهم ويعطى لغنى
لا حاجة له ولا منفعة به؛ لا سيما إذا ضاقت أموال بيت المال عن
إعطاء كل المسلمين غنيهم وفقيرهم . فكيف يجوز أن يعطى الغنى الذي
(١) بموحدتين مفتوحتين الثانية ثقيلة وبعد الألف نون
٥٨٣

ليس فيه نفع عام ، ويحرم الفقير المحتاج ، بل الفقير النافع .
وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم: (( أنه أعطى من
أموال بني النضير ، وكانت للمهاجرين ، الفقيرهم ، ولم يعط الأنصار
منها شيئًا، لغناهم؛ إلا أنه أعطى بعض الأنصار لفقره)). وفي السنن:
(( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أناء مال أعطى الآهل قسمين
والعزب قسما )) فيفضل المتأهل على المتعزب؛ لأنه محتاج إلى نفقة نفسه ،
ونفقة امرأته. والحديث رواه أبو داود وأبو حاتم في صحيحه، والإمام أحمد
فى رواية أبى طالب وقال حديث حسن ، ولفظه عن عوف بن مالك
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أناء الفيء قسمه من
يومه ، فأعطى الآهل حظين وأعطى العزب حظا )) .
وحديث عمر رواه أحمد وأبو داود . ولفظ أبى داود عن مالك
ابن أوس بن الحدثان ، قال : ذكر عمر يوما الفيء فقال : ما أنا بأحق
بهذا الفيء منكم وما أحد منا بأحق به من أحد ، إلا أنا على منازلنا
من كتاب الله. الرجل وقدمه، والرجل وبلاؤه، والرجل وغناؤه،
والرجل وحاجته . ولفظ أحمد قال : كان عمر يحلف على أيمان ثلاث:
والله ما أحد أحق بهذا المال من أحد ، وما أنا أحق به من أحد ،
ووالله ما من المسلمين أحد إلا وله في هذا المال نصيب إلا عبداً مملوكا ،
ولكنا على منازلنا من كتاب الله. فالرجل وبلاؤه فى الإسلام، والرجل
٥٨٤

وقدمه ، والرجل وغناؤه فى الإسلام، والرجل وحاجته. والله
لئن بقيت لهم لأوتين الراعى بجبل صنعاء حظه فى هذا المال وهو
يرعى مكانه )) .
فهذا كلام عمر الذي يذكر فيه بأن لكل مسلم حقا . يذكر فيه
تقديم أهل الحاجات . ولا يختلف اثنان من المسلمين أنه لا يجوز أن
يعطى الأغنياء الذين لا منفعة لهم ويحرم الفقراء ؛ فإن هذا مضاد لقوله
فإذا جعل الفيء
(كَ لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ اُلْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ )
تعالى :
متداولا بين الأغنياء فهذا الذي حرمه الله ورسوله ، وهذه الآية في
نفس الأمر .
وأما نقل الناقل مذهب مالك بأن في («المدونة » وجزية جماجم
أهل الذمة ، وخراج الأرضين ما كان منها عنوة أو صلحا . فهو عند
مالك جزية . والجزية عنده فى . . قال: ويعطى هذا الفيء أهل كل
بلد افتتحوها عنوة أو صالحوا عليها ، فيقسم عليهم ، ويفضل بعض
الناس على بعض من الفيء ، ويبدأ بأهل الحاجة حتى يغنوا منه ، ولا
يخرج إلى غيرهم إلا أن ينزل بقوم حاجة فينقل إليهم بعد أن يعطى
أهله منه ما يغنيهم؛ عن الاحتياج . وقال أيضا : قال مالك : وأما جزبة
الأرض فما أدري كيف كان يصنع فيها ، إلا أن عمر قد أقر الأرض
فلم يقسمها بين الذين افتتحوها . وأرى لمن ينزل ذلك أن يكشف عنه
٥٨٥

من يرضاه ، فإن وجد عالما يستفقيه وإلا اجتهد هو ومن بحضرته رأساً .
وأما إحياء الموات فجائز بدون إذن الإمام في مذهب الشافعي
وأحمد وأبى يوسف ومحمد . واشترط أبو حنيفة أن يكون بإذن الإمام .
وقال مالك : إن كان بعيدا عن العمران بحيث لا تباح الناس فيه لم
يحتج إلى إذنه ، وإن كان مما قرب من العمران ويباح الناس فيه
افتقر إلى إذنه .
لكن إن كان الإحياء فى أرض الخراج. فهل يملك بالإحياء ولا
خراج عليه، أو يكون بيده وعليه الخراج، على قولين للعلماء. هما
روايتان عن أحمد .
وأما من قتل أو مات من المقاتلة فإنه ترزق امرأته وأولاده
الصغار . وفى مذهب أحمد والشافعي فى أحد قوليه وغيرهما فينفق
على امرأته حتى تتزوج وعلى ابنته الصغيرة حتى تتزوج وعلى ابنه الصغير
حتى يبلغ . ثم يجعل من المقاتلة إن كان يصلح للقتال؛ وإلا إن كان
من أهل الحاجة والذين يعطون من الصدقة وفاضل الفيء والمصالح:
أعطي له من ذلك وإلا فلا .
٥٨٦

وقال رحمه الله :
إذا كان بيت المال مستقيما أمره ؛ بحيث لا يوضع ماله إلا فى حقه ،
ولا يمنع من مستحقه . فمن صرف بعض أعيانه أو منافعه فى جهة من
الجهات التى هي معارف بيت المال ؛ كعمارة طريق ونحو ذلك بغير إذن
الإمام فقد تعدى بذلك؛ إذ ولايته إلى الإمام ، ثم الإمام يفعل الأصلح،
فإن كان نقض ذلك أصلح للمسلمين نقض التصرف، وإن كان الأصلح
إقراره أقره . وكذلك إن تصرف فى ملك الوقف واليتيم بغير إذن
الناظر تصرفا من جنس التصرف المشروع ، كأن يعمر بأعيان ماله
حانوتا أو دارا فى عرصة الوقف أو اليتيم .
وأما إذا كان أمر بيت المال مضطربا . فقال الفقهاء : من صرف
بعض أعيانه أو منافعه في جهة بعض المصالح من غير أن يكون متها
فى ذلك التصرف ؛ بل كان التصرف واقعا على جهة المصلحة . فإنه لا
ينبغى للإمام نقض التصرف ، ولا تضمين المتصرف ؛ مع أنه لا تجوز
معصية الإمام برا كان أو فاجرا ؛ إلا أن يأمره بمعصية الله. وحكمه
أو قسمه إذا وافق الحق نافذ: برا كان أو فاجرا . وأما إذا تصرف
٥٨٧

الرجل تصرفايتهم فيه . مثل أن يقبض المال لنفسه متأولا : إن لي
حقا فى بيت المال ، وإنى لا أعطى حقى . فهذا. (١)
ومثل رحم اللّه
عن أقوام لهم أملاك إرث من آباتهم وأجدادم، وهي للسلطان
مقاسمة الثلث ، ثلث المغل . وأن شخصا ضامنا اشترى ما يخص
السلطان من الثلث ، وأخذ الملك الذي لهم جميعه باليد القوية . فهل
له ذلك أم لا ؟ .
فأجاب : ليس له أن ينزع أملاك الناس التى بأيديهم بما ذكر .
ولا يجوز رفع أيدي المسلمين الثابتة على حقوقهم بما ذكر ؛ إذ الأرض
الخراجية كالسواد وغيره نقلت من المخارجة إلى المقاسمة ، كما فعل
أبو جعفر المنصور بسواد العراق ، وأقرت بيد أهلها . وهي تنتقل عن
أهلها إلى ذريتهم وغير ذريتهم بالإرث والوصية والهبة ، وكذلك البيع في
أصح قولي العلماء ؛ إذ حكمها بيد المشتري كحكمها بيد البائع ، وليس
هذا تبعاً للوقف الذي لا يباع ولا يوهب ولا يورث ، كما غلط فى
ذلك من منع بيع أرض السواد ، معتقداً أنها كالوقف الذي لا يجوز
(١) بياض بالأصل.
٥٨٨

بيعه ، مع أنه يجوز أن يورث ويوهب ؛ إذ لا خلاف فى هذا . بل
ينبغي أن يبيع ما لبيت المال من هذه الأرضين . وما لبيت المال من
المقاسمة الذي هو بمنزلة الخراج . وقيل: لاتباع لما فيه من إضاعة
حقوق المسلمين .
وسئل
إذا دخل التتار الشام ، ونهبوا أموال النصارى والمسلمين ، ثم
نهب المسلمون التتار وسلبوا القتلى منهم. فهل المأخوذ من أموالهم
وسلبهم حلال أم لا ؟
فأجاب : كل ما أخذ من التتار يخمس ، ويباح الانتفاع به .
وسئل رحم الله
عن رجل فقير ملازم الصلوات الخمس غريب . فهل إذا حصل له
من السلطان راتب بتقوت به ويستغنى عن السؤال يكون مأثوماً ؟ وهل
يحصل له المسامحة ؟ .
فأجاب : نعم . إذا أعطى ولي الأمر لمثل هذا ما يكفيه من أموال
٥٨٩

بيت المال كان ذلك جائزاً . ومال الديوان الإسلامي ليس كله ولا
أكثره حراما . حتى يقال فيه ذلك . بل فيه من أموال الصدقات
والفيء وأموال المصالح مالا يحصيه إلا الله، وفيه ما هو حرام أو شبهة،
فإن علم أن الذي أعطاء من الحرام لم يكن له أخذ ذلك ، وإن جهل
الحال لم يحرم عليه ذلك . والله أعلم .
وسئل رحمه اللّه
عن رجل أعطاء ولي الأمر إقطاعا ، وفيه شيء من المكوس . فهل
يجوز له الأكل منها ، أو يقطعها لأجناده ، أو يصرفها فى علف خيوله،
وجامكية الغلمان ؟ .
فأجاب - الحمد لله - أما المال المأخوذ من الجهات ، فلا يخلو
عن شبهة ، وليس كله حراماً محضاً ؛ بل فيه ما هو حرام ، وفيه ما يؤخذ
بحق ، وبعضه أخف من بعض .
فما على الساحل وإقطاعه أخف مما على بيع العقار ، ونحو ذلك من
السلع ، ومما على سوق الغزل ونحوه . فإن هذا لا شبهة فيه ، فإنه ظلم
بين . وكذلك ضمان الأفراج ، فإنه قد يؤخذ إما من الفواحش المحرمة،
وإما من المناكح المباحة، فهذا ظلم ، وذلك إعانة على الفواحش التى
٥٩٠

تسمى ((مغاني العرب)) ونحو ذلك. فإن هذا فيه ضمان الحانة في
بعض الوجوه . فهذا أقبح ما يكون ، بخلاف ساحل القبلة ، فإنه قد
يظلم فيه كثير من الناس .
لكن أهل الإقطاعات الكثيرة الذين أقطعوا أكثر مما يستحقونه ،
إذا أمر السلطان أن يؤخذ منها بعض الزيادة ، لم يكن هذا ظلماً
وإقطاعه أصلها زكاة ، لكن زيد فيها ظلم .
وإذا كان كذلك فمن كان فى إقطاعه شيء من ذلك ، فليجعل
الحلال الطيب لأكله وشربه ، ثم الذي للناس ، ثم الذي يليه يجعل
العلف الجمال ، ويكون علف الخيل أطيب منها فإنها أشرف ، ويعطى
الذي يليه للدبادب والبوقات والبازيات ونحوهم . فإن الله يقول: (فَأَنَّقُوا
اللهَمَا اسْتَطَعْتُمْ ) فعلى كل إنسان أن يتقي الله ما استطاع ، وما لم يمكن
إزالته من الشر يخفف بحسب الإمكان ، فإن الله بعث الرسل بتحصيل
المصالح وتكميلها ، وتعطيل المفاسد وتقليلها .
٥٩١

وسئل شيخ الإسلام رحمه الله
عن الأموال التى يجهل مستحقها مطلقاً أو مبها .
فإن هذه عامة النفع ؛ لأن الناس قد يحصل في أيديهم أموال
يعلمون أنها محرمة ، لحق الغير ؛ إما لكونها قبضت ظلماً ، كالغصب
وأنواعه من الجنايات والسرقة والغلول . وإما لكونها قبضت بعقد فاسد
من ربا أو ميسر ، ولا يعلم عين المستحق لها ، وقد يعلم أن المستحق
أحد رجلين ولا يعلم عينه ؛ كالميراث الذي يعلم أنه لإحدى
الزوجين الباقية دون المطلقة ، والعين التى يتداعاها اثنان ، فيقربها
ذو اليد لأحدهما .
فذهب الإمام أحمد وأبي حنيفة ومالك وعامة السلف إعطاء هذه
الأموال لأولى الناس بها . ومذهب الشافعى أنها تحفظ مطلقا ، ولا
تنفق بحال ، فيقول فيما جهل مالكه من الغصوب والعواري والودائع :
إنها تحفظ حتى يظهر أصحابها، كسائر الأموال الضائعة . ويقول فى
العين التى عرفت لأحد رجلين : يوقف الأمر حتى يصطلحا . ومذهب
أحمد وأبى حنيفة فيما جهل مالكه ، أنه يصرف عن أصحابه فى المصالح :
٥٩٢

كالصدقة على الفقراء ، وفيما استبهم مالكه القرعة عند أحمد ،
والقسمة عند أبى حنيفة . ويتفرع على هذه القاعدة ألف من المسائل
النافعة ، الواقعة .
وبهذا يحصل الجواب عما فرضه أبو المعالي فى كتابه «الغيائى))
وتبعه من تبعه: إذا طبق الحرام الأرض ، ولم يبق سبيل إلى الحلال ،
فإنه يباح للناس قدر الحاجة من المطاعم والملابس والمساكن، والحاجة
أوسع من الضرورة . وذكر أن ذلك يتصور إذا استولت الظلمة من
الملوك على الأموال بغير حق ، وبنتها فى الناس ، وإن زمانه قريب من
هذا التقدير ، فكيف بما بعده من الأزمان .
وهذا الذي قاله فرض محال ، لا يتصور ؛ لما ذكرته من هذه
((القاعدة الشرعية)): فإن المحرمات قسمان: محرم لعينه ، كالنجاسات :
من الدم ، والميتة . ومحرم لحق الغير ، وهو ما جنسه مباح : من
المطاعم ، والمساكن، والملابس ، والمراكب ، والنقود ، وغير ذلك .
وتحريم هذه جميعها يعود إلى الظلم ، فإنها إنما تحرم لسيبين :
( أحدهما ) قبضها بغير طيب نفس صاحبها ، ولا إذن الشارع .
وهذا هو الظلم المحض ؛ كالسرقة ، والخيانة ، والغصب الظاهر . وهذا
أشهر الأنواع بالتحريم .
٥٩٣

( والثانى ) قبضها بغير إذن الشارع ، وإن أذن صاحبها ، وهي
العقود والقبوض المحرمة ، كالربا والميسر ، ونحو ذلك . والواجب على
من حصلت بيده ردها إلى مستحقها ، فإذا تعذر ذلك فالمجهول كالمعدوم،
وقد دل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في اللقطة: ((فإن
وجدت صاحبها فارددها إليه، وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء)) فبين
النبى صلى الله عليه وسلم أن اللقطة التى عرف أنها ملك لمعصوم،
وقد خرجت عنه بلا رضاء ، إذا لم يوجد فقد آناها الله لمن سلطه
عليها بالالتقاط الشرعي .
وكذلك اتفق المسلمون على أنه من مات ولا وارث له معلوم فماله
يصرف فى مصالح المسلمين ، مع أنه لابد فى غالب الخلق أن يكون له
عصبة بعيد ؛ لكن جهلت عينه، ولم ترج معرفته. فجعل كالمعدوم .
وهذا ظاهر ، وله دليلان قياسيان قطعيان ، كما ذكرنا من السنة
والإجماع . فإن مالا يعلم بحال ، أولا يقدر عليه بحال ، هو فى حقنا
بمنزلة المعدوم ، فلا نكلف إلا بما نعلمه ونقدر عليه .
وكما أنه لا فرق في حقنا بين فعل لم تؤمر به ، وبين فعل أمرنا
به جملة عند فوت العلم أو القدرة - كما فى حق المجنون والعاجز -
كذلك لا فرق فى حقنا بين مال لا مالك له ، أمرنا بإيصاله إليه ،
وبين ما أمرنا بإيصاله إلى مالكه جملة؛ إذا فات العلم به أو القدرة
٥٩٤

عليه . والأموال كالأعمال سواء .
وهذا النوع إنما حرم لتعلق حق الغير به ، فإذا كان الغير معدوماً
أو مجهولا بالكلية أو معجوزاً عنه بالكلية ، سقط حق تعلقه به مطلقا،
كما بسقط تعلق حقه به إذا رجى العلم به ، أو القدرة عليه، إلى حين
العلم والقدرة ، كما في اللقطة سواء ، كما نبه عليه صلى الله عليه وسلم
بقوله: ((فإن جاء صاحبها وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء)) فإنه لو
عدم المالك أنتقل الملك عنه بالاتفاق ، فكذلك إذا عدم العلم به إعداما
مستقراً، وإذا عجز عن الإيصال إليه إعجازاً مستقراً . فالإعدام ظاهر .
والإعجاز مثل الأموال التى قبضها الملوك - كالمكوس وغيرها - من أصحابها.
وقد تيقن أنه لا يمكننا إعادتها إلى أصحابها ، فإنفاقها في مصالح أصحابها
من الجهاد عنهم أولى من إبقائها بأيدي الظلمة يأكلونها، وإذا
أنفقت كانت لمن يأخذها بالحق مباحة ، كما أنها على من يأكلها
بالباطل محرمة .
والدليل الثاني («القياس)) - مع ما ذكرناه من السنة والإجماع -
أن هذه الأموال لا يخلو إما أن تحبس ، وإما أن تتلف ، وإما
أن تنفق .
فأما إتلافها فإفساد لها ( وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) وهو إضاعة لها ،
٥٩٥

والنبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن إضاعة المال ؛ وإن كان فى
مذهب أحمد ومالك مجويز العقوبات المالية : تارة بالأخذ . وتارة بالإتلاف
كما يقوله أحمد فى متاع الغال ، وكما يقوله أحمد ومن يقوله من المالكية
فى أوعية الخمر ، ومحل المار ، وغير ذلك .
فإن العقوبة بإتلاف بعض الأموال أحياناً ، كالعقوبة بإتلاف بعض
النفوس أحياناً . وهذا يجوز إذا كان فيه من التنكيل على الجريمة من
المصلحة ما شرع له ذلك ، كما فى إتلاف النفس والطرف ، وكما أن قتل
النفس يحرم إلا بنفس أو فساد، كما قال تعالى: ( مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ
نَفْسٍ أَوْفَسَادٍ فِى الْأَرْضِ )
وقالت الملائكة: (أَتَّجَعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ
فكذلك إتلاف المال ، إنما يباح قصاصاً أو
فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ )
لإفساد مالكه ، كما أبجنا من إتلاف البناء والغراس الذي لأهل الحرب
مثل ما يفعلون بنا ، بغير خلاف . وجوزنا لإ فساد مالكه ما جوزنا .
ولهذا لم أعلم أحدا من الناس قال: إن الأموال المحترمة المجهولة
المالك تتلف ، وإنما يحكى ذلك عن بعض الغالطين من المتورعة : أنه
ألقى شيئاً من ماله في البحر ، أو أنه تركه فى البر ونحو ذلك .
فهؤلاء تجد منهم حسن القصد وصدق الورع ؛ لا صواب العمل .
وأما حبسها دائما أبداً إلى غير غاية منتظرة ؛ بل مع العلم أنه لا
٥٩٦

يرجى معرفة صاحبها ، ولا القدرة على إيصالها إليه ، فهذا مثل إتلافها؛
فإن الإتلاف إنما حرم لتعطيلها من انتفاع الآدميين بها ، وهذا تعطيل
أيضا ؛ بل هو أشد منه من وجهين :
( أحدهما ) أنه تعذيب للنفوس بإبقاء ما يحتاجون إليه من
غير انتفاع به .
( الثانى) أن العادة جارية بأن مثل هذه الأمور لابد أن يستولى
عليها أحد من الظلمة بعد هذا ، إذا لم ينفقها أهل العدل والحق ،
فيكون حبسها إعانة للظلمة ، وتسليا فى الحقيقة إلى الظلمة ؛ فيكون قد
منعها أهل الحق ، وأعطاها أهل الباطل ، ولا فرق بين القصد وعدمه
في هذا ؛ فإن من وضع إنساناً بمسبعة فقد قتله ، ومن ألقى اللحم
بين السباع فقد أكله ، ومن حبس الأموال العظيمة لمن يستولي عليها
من الظلمة فقد أعطاهموها . فإذا كان إتلافها حراماً ، وحبسها أشد
من إتلافها ، تعين إنفاقها ، وليس لها مصرف معين ، فتصرف فى جميع
جهات البر والقرب التى يتقرب بها إلى الله؛ لأن الله خلق الخلق
لعبادته ، وخلق لهم الأموال ليستعينوا بها على عبادته ، فتصرف فى
سبيل اللّه . والله أعلم.
٠
٥٩٧

وسئل شيخ الإسلام - حمد الله
عن رجل له حق في بيت المال ، إما لمنفعة فى الجهاد أو لولايته ،
فأحيل ببعض حقه على بعض المظالم .
فأجاب: لا تستخرج أنت هذا ، ولا تعن على استخراجه ، فإن ذلك
ظلم . لكن اطلب حقك من المال المحصل عندم، وإن كان مجموعا من
هذه الجهة وغيرها ، لأن ما اجتمع فى بيت المال ولم يرد إلى أصحابه ،
فصرفه فى مصالح أصحابه والمسلمين أولى من صرفه فيما لا ينفع أصحابه
أو فيما بضره - وقد كتبت نظير هذه المسألة في غير هذا الموضع -
وأيضا فإنه يصير مختلطا ، فلا يبقى محكوما بتحريمه بعينه ، مع كون
الصرف إلى مثل هذا واجباً على المسلمين .
فإن الولاة يظلمون تارة في استخراج الأموال، وتارة في صرفها ،
فلا تحل إعانتهم على الظلم فى الاستخراج ، ولا أخذ الإنسان
مالا يستحقه .
وأما ما يسوغ فيه الاجتهاد من الاستخراج والصرف فلمسائل
الاجتهاد . وأما مالا يسوغ فيه اجتهاد من الأخذ والإعطاء فلا يعاونون،
٥٩٨

لكن إذا كان المصروف إليه مستحقا بمقدار المأخوذ ، جاز أخذه من
كل مال يجوز صرفه ، كالمال المجهول مالكه إذا وجب صرفه . فإن
امتنعوا من إعادته إلى مستحقه ، فهل الأولى إقراره بأيدي الظلمة ،
أو السعي فى صرفه فى مصالح أصحابه والمسلمين . إذا كان السامي في
ذلك ممن يكره أصل أخذه، ولم يعن على أخذه ، بل سعى فى منع
أخذه ؟ فهذه مسألة حسنة ينبغي التفطن لها وإلا دخل الإنسان فى
فعل المحرمات ، أو فى ترك الواجبات . فإن الإعانة على الظلم من
فعل المحرمات .
وإذا لم تمكن الواجبات إلا بالصرف المذكور ، كان تركه من
ترك الواجبات . وإذا لم يمكن إلا إقراره بيد الظالم أو صرفه فى المصالح،
كان النهي عن صرفه فى المصالح إعانة على زيادة الظلم التى هي إقراره
بيد الظالم . فكما يجب إزالة الظلم ، يجب تقليله عند العجز عن إزالته
بالكلية . فهذا أصل عظيم والله أعلم. وأصل آخر وهو أن الشبهات
ينبغي صرفها فى الأبعد عن المنفعة فالأبعد ، كما أمر النبي صلى الله
عليه وسلم في كسب الحجام بأن يطعمه الرقيق والناضح . فالأقرب
ما دخل فى الطعام والشراب ونحوه ، ثم ما ولى الظاهر من اللباس ، ثم
ما ستر مع الانفصال من البناء ، ثم ما عرض من الركوب ونحوه .
فهكذا ترتيب الانتفاع بالرزق ، وكذلك أصحابنا يفعلون .
٥٩٩

وسئل رحمه اللّه
عن رجل أهدى إلى ملك عبداً ، ثم إن المهدى إليه مات وولى
مكانه ملك آخر ، فهل يجوز له عتق ذلك .
فأجاب: الأرقاء الذين يشترون بمال المسلمين- كالخيل والسلاح
الذي يشترى بمال المسلمين ، أو يهدى لملوك المسلمين . - من
أموال بيت المال ، فإذا تصرف فيهم الملك الثانى بعتق أو إعطاء فهو بمنزلة
تصرف الأول له . وهل بالإعتاق والإعطاء ينفذ تصرف الثانى كما ينفذ
تصرف الأول ؟ نعم . وهذا مذهب الآثمة كلهم . والله أعلم .
وسل
عمن سبى من دار الحرب دون البلوغ ، واشتراه النصارى ، وكبر
الصبى، وتزوج، وجاءه أولاد نصارى ، ومات هو ، وقامت البينة أنه أسر
دون البلوغ ، لكنهم ما علموا من سباء ، هل السابى له كتابى أم مسلم .
فهل يلحق أولاده بالمسلمين أم لا ؟
٦٠٠