Indexed OCR Text
Pages 501-520
القول بنصوص الوعد والوعيد والتكفير والتفسيق، ولا يحكم للمعين بدخوله فى ذلك العام حتى يقوم فيه المقتضى الذي لا معارض له . وقد بسطت هذه القاعدة في ((قاعدة التكفير)). ولهذا لم يحكم النبى صلى الله عليه وسلم بكفر الذي قال : إذا أنامت فأحرقونى، ثم ذرونى فى اليم، فوالله لأن قدر الله علي ليذنى عذابا لا يعذبه أحداً من العالمين ، مع شكه فى قدرة الله وإعادته ؛ ولهذا لا يكفر العلماء من استحل شيئاً من المحرمات لقرب عهده بالإسلام أو لنشأنه ببادية بعيدة ؛ فإن حكم الكفر لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة . وكثير من هؤلاء قد لا يكون قد بلغته النصوص المخالفة لما يراه ، ولا يعلم أن الرسول بعث بذلك ، فيطلق أن هذا القول كفر ، ويكفر من قامت عليه الحجة التى يكفر تاركها ؛ دون غيره . والله أعلم . ما تقول الفقهاء أئمة الدين فى هؤلاء التتار ، الذين قدموا سنة تسع وتسعين وستمائة ، وفعلوا ما اشتهر من قتل المسلمين ، وسى بعض الذراري ، والنهب لمن وجدوه من المسلمين ، وهتكوا حرمات الدين من إذلال المسلمين، وإهانة المساجد، لا سيما ((بيت المقدس)) وأفسدوا فيه ، ٥٠١ وأخذوا من أموال المسلمين وأموال بيت المال الحمل العظيم ، وأسروا من رجال المسلمين الجم التفير وأخرجوم من أوطانهم . وادعوا مع ذلك التمسك بالشهادتين ، وادعوا تحريم قتال مقاتلهم ، لما زعموا من اتباع أصل الإسلام، ولكونهم عفوا عن استئصال المسلمين . فهل يجوز قتالهم أو يجب ، وأيما كان فمن أي الوجوه جوازه أو وجوبه ؟ أفتونا مأجورين . فأجاب: الحمد لله. كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائح الإسلام الظاهرة المتواترة من هؤلاء القوم وغيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه ، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين ، وملتزمين بعض شرائعه ، كما قائل أبوبكر الصديق والصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة . وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم بعد سابقة مناظرة عمر لأبي بكر رضي الله عنهما . فاتفق الصحابة رضي الله عنهم على القتال على حقوق الإسلام . عملا بالكتاب والسنة . وكذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من عشرة أوجه الحديث عن الخوارج، وأخبر أنهم شر الخلق والخليقة، مع قوله: ((تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم)) فعلم أن مجرد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه ليس بمسقط للقتال . فالقتال واجب حتى يكون الدين كله لله وحتى لا تكون فتنة . فمتى كان الدين لغير الله ٥٠٢ فالقتال واجب . فأيما طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام ، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء، والأموال، والخمسر ، والزنا ، والميسر ، أو عن نكاح ذوات المحارم ، أو عن التزام جهاد الكفار ، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب ، وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته - التى لا عذر لأحد في جحودها وتركها - التى يكفر الجاحد لوجوبها . فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها . وهذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء . وإنما اختلف الفقهاء فى الطائفة الممتنعة إذا أصرت على ترك بعض السنن كركعتى الفجر ، والأذان والإقامة - عند من لا يقول بوجوبها - ونحو ذلك من الشعائر . هل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا ؟ فأما الواجبات والمحرمات المذكورة ونحوها فلا خلاف في القتال عليها . وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنزلة البغاة الخارجين على الإمام ، أو الخارجين عن طاعته؛ كأهل الشام مع أمير المؤمنين علي بن أبى طالب رضي الله عنه . فإن أولئك خارجون عن طاعة إمام معين، أو خارجون عليه لإزالة ولايته. وأما المذكورون فهم خارجون عن ٥٠٣ الإسلام ؛ بمنزلة مانعي الزكاة ، وبمنزلة الخوارج الذين قائلهم علي بن أبى طالب رضي اللّه عنه. ولهذا افترقت سيرة علي رضي الله عنه في قتاله لأهل البصرة والشام ، وفى قتاله لأهل النهروان : فكانت سيرته مع أهل البصرة والشاميين سيرة الأخ مع أخيه ، ومع الخوارج بخلاف ذلك . وثبتت النصوص عن النبى صلى الله عليه وسلم بما استقر عليه إجماع الصحابة من قتال الصديق وقتال الخوارج ؛ بخلاف الفتنة الواقعة مع أهل الشام والبصرة ؛ فإن النصوص دلت فيها بما دلت ، والصحابة والتابعون اختلفوا فيها . على أن من الفقهاء الأئمة من يرى أن أهل البغي الذين يجب قتالهم هم الخارجون على الإمام بتأويل سائغ؛ لا الخارجون عن طاعته. وآخرون يجعلون القسمين بغاة ، وبين البغاة والتتار فرق بين . فأما الذين لا يلتزمون شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فلا أعلم في وجوب قتالهم خلافاً . فإذا تقررت هذه القاعدة فهؤلاء القوم المسئول عنهم عسكرهم مشتمل على قوم كفار من النصارى والمشركين ، وعلى قوم منتسبين إلى الإسلام - وهم جمهور العسكر - ينطقون بالشهادتين إذا طلبت منهم ، ويعظمون الرسول ، وليس فيهم من يصلي إلا قليل جدا، وصوم رمضان أكثر فيهم من الصلاة، والمسلم عندهم أعظم من غيره ، ٥٠٤ وللصالحين من المسلمين عندهم قدر ، وعندم من الإسلام بعضه، وم متفاوتون فيه ؛ لكن الذى عليه عامتهم والذى يقاتلون عليه متضمن لترك كثير من شرائع الإسلام أو أكثرها ؛ فإنهم أولاً يوجبون الإسلام ولا يقاتلون من تركه ؛ بل من قاتل على دولة المغول عظموه وتركوه وإن كان كافراً عدواً لله ورسوله، وكل من خرج عن دولة المغول أو عليها استحلوا قتاله وإن كان من خيار المسلمين . فلا يجاهدون الكفار ، ولا يلزمون أهل الكتاب بالجزية والصغار ، ولا ينهون أحداً من عسكرهم أن يعبد ما شاء من شمس أو قمر أو غير ذلك ؛ بل الظاهر من سيرتهم أن المسلم عندهم بمنزلة العدل أو الرجل الصالح أو المتطوع في المسلمين ، والكافر عندهم بمنزلة الفاسق في المسلمين أو بمنزلة تارك التطوع . وكذلك أيضا عامتهم لا يحرمون دماء المسلمين وأموالهم ؛ إلا أن ينهاهم عنها سلطانهم ، أي لا يلتزمون تركها ، وإذا نهاهم عنها أو عن غيرها أطاعوه لكونه سلطاناً لا بمجرد الدين . وعامتهم لا يلتزمون أداء الواجبات ؛ لا من الصلاة ، ولا من الزكاة ، ولا من الحج ، ولا غير ذلك. ولا يلتزمون الحكم بينهم بحكم الله؛ بل يحكمون بأوضاع لهم توافق الإسلام تارة وتخالفه أخرى . وإنما كان الملتزم لشرائع الإسلام الشيزبرون، وهو الذى أظهر من شرائع الإسلام ما استفاض عند الناس. وأما هؤلاء فدخلوا فيه وما التزموا شرائعه . ٥٠٥ وقتال هذا الضرب واجب بإجماع المسلمين ، وما يشك فى ذلك من عرف دين الإسلام وعرف حقيقة أمرهم ؛ فإن هذا السلم الذى هم عليه ودين الإسلام لا يجتمعان أبداً . وإذا كان الأكراد والأعراب وغيرهم من أهل البوادى الذين لا يلتزمون شريعة الاسلام يجب قتالهم وإن لم يتعد ضررهم إلى أهل الأمصار فكيف بهؤلاء. نعم يجب أن يسلك في قتاله المسلك الشرعى ، من دعائهم إلى التزام شرائع الإسلام إن لم تكن الدعوة إلى الشرائح قد بلغتهم ، كما كان الكافر الحربى يدعى أولا إلى الشهادتين إن لم تكن الدعوة قد بلغته . فإن اتفق من يقاتلهم على الوجه الكامل فهو الغاية فى رضوان الله، وإعزاز كلمته ، وإقامة دينه ، وطاعة رسوله ، وإن كان فيهم من فيه فجور وفسادنية بأن يكون يقاتل على الرياسة أو يتعدى عليهم فى بعض الأمور ، وكانت مفسدة ترك قنالهم أعظم على الدين من مفسدة قتالهم على هذا الوجه : كان الواجب أيضا قتالهم دفعاً لأعظم المفسدتين بالتزام أدناهما ؛ فإن هذا من أصول الإسلام التى ينبغى مراعاتها . ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كل بر وفاجر ؛ فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ، وبأقوام لاخلاق لهم ، كما أخبر بذلك التى صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه إذا لم يتفق الغزو إلا مع الأمراء الفجار ، أو مع عسكر كثير الفجور ؛ فإنه لا بد من أحد ٥٠٦ أمرين : إما ترك الغزو معهم فيلزم من ذلك استيلاء الآخرين الذين هم أعظم ضرراً فى الدين والدنيا ، وإما الغزو مع الأمير الفاجر فيحصل بذلك دفع الأنجرين، وإقامة أكثر شرائع الإسلام؛ وإن لم يمكن إقامة جميعها. فهذا هو الواجب فى هذه الصورة ، وكل ما أشبهها ؛ بل كثير من الغزو الحاصل بعد الخلفاء الراشدين لم يقع إلا على هذا الوجه . وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((الخيل معقود فى نواصيها الخير إلى يوم القيامة : الأجر والمغنم )) فهذا الحديث الصحيح بدل على معنى ما رواه أبو داود فى سننه من قوله صلى الله عليه وسلم: ((الغزو ماض منذ بعثنى الله إلى أن يقاتل آخر أمتى الدجال ، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل )) وما استفاض عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم إلى يوم القيامة )) إلى غير ذلك من النصوص التى اتفق أهل السنة والجماعة من جميع الطوائف على العمل بها فى جهاد من يستحق الجهاد مع الأمراء أبرارهم وفجارهم ؛ بخلاف الرافضة والخوارج الخارجين عن السنة والجماعة . هذا مع إخباره صلى الله عليه وسلم بأنه ((سيلى أمراء ظلمة خونة فجرة. فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم فليس منى ولست منه ، ٥٠٧ ولا يرد علي الحوض . ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه . وسيرد علي الحوض)). فإذا أحاط المرء علماً بما أمر به النبى صلى الله عليه وسلم من الجهاد الذى يقوم به الأمراء إلى يوم القيامة ، وبما نهى عنه من إعانة الظلمة على ظلمهم : علم أن الطريقة الوسطى التى هي دين الإسلام المحض جهاد من يستحق الجهاد ، كهؤلاء القوم المسئول عنهم ، مع كل أمير وطائفة هي أولى بالإسلام منهم ، إذا لم يمكن جهادم إلا كذلك ، واجتناب إعانة الطائفة التى يغزو معها على شيء من معاصى الله ؛ بل يطيعهم فى طاعة الله، ولا يطيعهم فى معصية الله، إذ لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق . وهذه طريقة خيار هذه الأمة قديماً وحديثاً . وهي واجبة على كل مكلف . وهي متوسطة بين طريق الحرورية وأمثالهم ممن يسلك مسلك الورع الفاسد الناشئ عن قلة العلم ، وبين طريقة المرجئة وأمثالهم ممن يسلك مسلك طاعة الأمراء مطلقاً وإن لم يكونوا أبراراً . ونسأل الله أن يوفقنا وإخواننا المسلمين لما يحبه ويرضاه من القول والعمل . والله أعلم . وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. ٥٠٨ ما تقول السادة العلماء أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين، وأعانهم على بيان الحق المبين ، وكشف غمرات الجاهلين والزائغين ، فى هؤلاء التتار الذين يقدمون إلى الشام مرة بعد مرة ، وتكلموا بالشهادتين ، وانتسبوا إلى الإسلام ، ولم يبقوا على الكفر الذى كانوا عليه فى أول الأمر ، فهل يجب قتالهم أم لا ؟ وما الحجة على قتالهم ؟ وما مذاهب العلماء فى ذلك ؟ وما حكم من كان معهم ممن يفر إليهم من عسكر المسلمين : الأمراء وغيرهم ؟ وما حكم من قد أخرجوه معهم مكرها؟ وما حكم من يكون مع عسكرهم من المنتسبين إلى العلم والفقه والفقر والتصوف ونحو ذلك ؟ وما يقال فيمن زعم أنهم مسلمون ، والمقاتلون لهم مسلمون ، وكلاهما ظالم ، فلا يقاتل مع أحدهما . وفى قول من زعم أنهم يقاتلون كما تقاتل البغاة المتأولون ؟ وما الواجب على جماعة المسلمين من أهل العلم والدين ، وأهل القتال ، وأهل الأموال في أمرهم ؟ أفتونا في ذلك بأجوبة مبسوطة شافية ، فإن أمرهم قد أشكل على كثير من المسلمين ؛ بل على أكثرهم. تارة لعدم العلم بأحوالهم . وتارة لعدم العلم بحكم الله ٥٠٩ تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في مثلهم . والله الميسر لكل خير بقدرته ورحمته ؛ إنه على كل شيء قدير ، وهو حسبنا ونعم الوكيل . فأجاب: الحمد لله رب العالمين. نعم يجب قتال هؤلاء بكتاب الله، وسنة رسوله ؛ وانفاق أئمة المسلمين . وهذا مبني على أصلين: أحدهما المعرفة بحالهم. والثاني معرفة حكم الله في مثلهم. فأما الأول فكل من باشر القوم يعلم حالهم ، ومن لم يباشرهم يعلم ذلك بما بلغه من الأخبار المتواترة وأخبار الصادقين . ونحن نذكر جل أمورهم بعد أن نبين الأصل الآخر الذي يختص بمعرفته أهل العلم بالشريعة الإسلامية فنقول : كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين ؛ وإن تكلمت بالشهادتين . فإذا أقروا بالشهادتين وامتنعوا عن الصلوات الخمس وجب قتالهم حتى يصلوا. وإن امتنعوا عن الزكاة وجب قتالهم حتى يؤدوا الزكاة . وكذلك إن امتنعوا عن صيام شهر رمضان أو حج البيت العتيق . وكذلك إن امتنعوا عن تحريم الفواحش ، أو الزنا ، أو الميسر ، أو الخمر ، أو غير ذلك من محرمات الشريعة . وكذلك إن امتنعوا عن الحكم فى الدماء والأموال والأعراض والأبضاع ونحوها بحكم الكتاب والسنة . وكذلك ٥١٠ إن امتنعوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وجهاد الكفار إلى أن يسلموا ويؤدوا الجزية عن يدوم صاغرون . وكذلك إن أظهروا البدع المخالفة للكتاب والسنة واتباع سلف الأمة وأتمتها ؛ مثل أن يظهروا الإلحاد فى أسماء الله وآياته، أو التكذيب بأسماء الله وصفاته، أو التكذيب بقدره وقضائه ، أو التكذيب بما كان عليه جماعة المسلمين على عهد الخلفاء الراشدين ، أو الطعن فى السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوم بإحسان ، أو مقاتلة المسلمين حتى يدخلوا فى طاعتهم التى توجب الخروج من شريعة الإسلام ، وأمثال هذه الأمور . قال الله تعالى: (وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ. لِلَّهِ ) فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله . وقال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُ واْ مَا بَقِىَ مِنَ الْرِّبَوْأ إِنَ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِ لَّمْتَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْبِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) . وهذه الآية نزلت في أهل الطائف ، وكانوا قد أسلموا وصلوا وصاموا، لكن كانوا يتعاملون بالربا . فأنزل الله هذه الآية ، وأمر المؤمنين فيها بترك ما بقي من الربا . وقال: (فَإِ لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْبِحَرْبٍ مِّنَ اْللَّهِ وَرَسُولِهِ ) وقد قرئ ( فأذنوا ) (وآذنوا) وكلا المعنيين صحيح . والربا ٥١١ آخر المحرمات فى القرآن ، وهو مال يؤخذ بتراضي المتعاملين . فإذا كان من لم ينته عنه محاربا لله ورسوله، فكيف بمن لم يفته عن غيره من المحرمات التى هي أسبق تحريما وأعظم تحريما . وقد استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم الأحاديث بقتال الخوارج ، وهي متواترة عند أهل العلم بالحديث . قال الإمام أحمد صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه، وقد رواها مسلم في صحيحه ، وروى البخاري منها ثلاثة أوجه : حديث علي ، وأبى سعيد الخدري، وسهل بن حنيف . وفي السنن والمسانيد طرق أخر متعددة . وقد قال صلى الله عليه وسلم في صفتهم ((يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم ، وقراءته مع قراءتهم ، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم . يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية . أينما لقيتموم فاقتلوهم ؛ فإن فى قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة؛ لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد » . وهؤلاء قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبى طالب بمن معه من الصحابة، واتفق على قتالهم سلف الأمة وأتمتها ؛ لم يتنازعوا فى قتالهم كما تنازعوا في القتال يوم الجمل وصفين . فإن الصحابة كانوا في قتال الفتنة ثلاثة أصناف: قوم قاتلوا مع علي رضي الله عنه . وقوم قاتلوا مع من قائله. وقوم قعدوا عن القتال لم يقاتلوا الواحدة من الطائفتين . وأما الخوارج ٥١٢ فلم يكن فيهم أحد من الصحابة ، ولا نهى عن قتالهم أحد من الصحابة وفي الصحيح عن أبى سعيد ، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ((تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين ، تقتلهم أولى الطائفتين بالحق)). وفى لفظ ((أدنى الطائفتين إلى الحق)) فيهذا الحديث الصحيح ثبت أن عليا وأصحابه كانوا أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه . وإن تلك المارقة التى مرقت من الإسلام ليس حكمها حكم إحدى الطائفتين ؛ بل أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال هذه المارقة، وأكد الأمر بقتالها ، ولم يأمر بقتال إحدى الطائفتين كما أمر بقتال هذه ؛ بل قد ثبت عنه فى الصحيح من حديث أبى بكرة أنه قال للحسن: ((إن انى هذا سيد ، وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين » فمدح الحسن وأثنى عليه بما أصلح الله به بين الطائفتين حين ترك القتال، وقد بويع له واختار الأصلح ، وحقن الدماء مع نزوله عن الأمر . فلو كان القتال مأموراً به لم يمدح الحسن ويثنى عليه بترك ما أمر الله به وفعل ما نهى الله عنه . والعلماء لهم في قتال من يستحق القتال من أهل القبلة طريقان : منهم من يرى قتال على يوم حروراء ويوم الجمل وصفين كله من باب قتال أهل البغي، وكذلك يجعل قتال أبى بكر لمانعى الزكاة. وكذلك قتال سائر من قوتل من المنتسبين إلى القبلة ، كما ذكر ذلك من ذكر. ٥١٣ من أصحاب أبى حنيفة والشافعى ومن وافقهم من أصحاب أحمد وغيره . وهم متفقون على أن الصحابة ليسوا فساقا بل م عدول : فقالوا إن أهل البغي عدول مع قتالهم ، وهم مخطئون خطأ المجتهدين فى الفروع . وخالفت في ذلك طائفة كابن عقيل وغيره ، فذهبوا إلى تفسيق أهل البغي ، وهؤلاء نظروا إلى من عدوه من أهل البغي فى زمنهم فرأوم فساقا، ولا ريب أنهم لا يدخلون الصحابة فى ذلك - وإنما يفسق الصحابة بعض أهل الأهواء من المعتزلة ونحوهم ، كما يكفرهم بعض أهل الأهواء من الخوارج والروافض ، وليس ذلك من مذهب الأئمة والفقهاء أهل السنة والجماعة - ولا يقولون إن أموالهم معصومة كما كانت ، وما كان ثابتاً بعينه رد إلى صاحبه ، وما أتلف فى حال القتال لم يضمن ، حتى إن جمهور العلماء يقولون : لا يضمن لا هؤلاء ولا هؤلاء ، كما قال الزهري : وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون ، فأجمعوا أن كل مال أو دم أصيب بتأويل القرآن فإنه هدر . وهل يجوز أن يستعان بسلاحهم فى حربهم إذا لم يكن إلى ذلك ضرورة؟ على وجهين : فى مذهب أحمد يجوز ، والمنع قول الشافعى ، والرخصة قول أبى حنيفة . واختلفوا فى قتل أسيرهم واتباع مديرهم والتذفيف على جريحهم ٥١٤ إذا كان لهم فئة يلجأون إليها . فجوز ذلك أبو حنيفة، ومنعه الشافعى ، وهو المشهور فى مذهب أحمد ، وفى مذهبه وجه: أنه يتبح مدبرهم فى أول القتال. وأما إذا لم يكن لهم فئة فلا يقتل أسير ولا يذفف على جريح، كما رواه سعيد وغيره عن مروان بن الحكم قال : خرج صارخ لعلى يوم الجمل ، لا يقتلن مدبر ولا يذفف على جريح ، ومن أغلق بابه فهو آمن ، ومن ألقى السلاح فهو آمن . فمن سلك هذه الطريقة فقد يتوهم أن هؤلاء التتار من أهل البغي المتأولين ، ويحكم فيهم بمثل هذه الأحكام ، كما أدخل من أدخل في هذا الحكم مانعى الزكاة والخوارج . وسنبين فساد هذا التوهم إن شاء الله تعالى . والطريقة الثانية : أن قتال مانعى الزكاة والخوارج ونحوهم ليس كقتال أهل الجمل وصفين، وهذا هو المنصوص عن جمهور الأمة المتقدمين ، وهو الذي يذكرونه في اعتقاد أهل السنة والجماعة ، وهو مذهب أهل المدينة كالك وغيره ، ومذهب أئمة الحديث كأحمد وغيره . وقد نصوا على الفرق بين هذا وهذا في غير موضع ، حتى فى الأموال . فإن منهم من أباح غنيمة أموال الخوارج ، وقد نص أحمد في رواية أبي طالب فى حرورية كان لهم سهم فى قرية فخرجوا ٥١٥ يقاتلون المسلمين فقتلهم المسلمون ، فأرضهم في للمسلمين ، فيقسم خمسه على خمسة ، وأربعة أخماسه للذين قاتلوا يقسم بينهم ، أو يجعل الأمير الخراج على المسلمين ولا يقسم ، مثل ما أخذ عمر السواد عنوة ووقفه على المسلمين . فجعل أحمد الأرض التى للخوارج إذا غنمت بمنزلة ما غنم من أموال الكفار . وبالجملة فهذه الطريقة هي الصواب المقطوع به . فإن النص والإجماع فرق بين هذا وهذا ، وسيرة علي رضي الله عنه تفرق بين هذا وهذا . فإنه قاتل الخوارج بنص رسول الله صلى اللّه عليه وسلم، وفرح بذلك ، ولم ينازعه فيه أحد من الصحابة . وأما القتال يوم صفين فقد ظهر منه من كراهته والنم عليه ما ظهر . وقال فى أهل الجمل وغيرهم: إخواننا بغوا علينا ، طهرهم السيف ، وصلى على قتلى الطائفتين . وأما الخوارج ففى الصحيحين عن علي بن أبى طالب . قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «سيخرج قوم فى آخر الزمان حداث الأسنان. سفهاء الأحلام . يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم : يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية . فأينما لقيتموم فاقتلوم ، فإن فى قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة)). وفى صحيح مسلم ، عن زيد بن وهب أنه كان في الجيش الذي ٥١٦ كانوا مع علي، الذين ساروا إلى الخوارج، فقال علي : أيها الناس إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((يخرج قوم من أمتى يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء ، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم ، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم . يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية . لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضى لهم على لسان محمد نبيهم لنكلوا عن العمل ، وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد ليس له ذراع ، على عضده مثل حلمة الثدي ، عليه شعرات بيض)). قال فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام ، وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم. والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم ، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام ، وأغاروا فى سرح الناس ، فسيروا على اسم الله . قال : فلما التقينا وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب رئيسا . فقال لهم: ألقوا الرماح، وسلوا سيوفكم من حقوتها، فإنى أناشدكم كما ناشدوكم يوم حروراء . فرجعوا فوحشوا برماحهم وسلوا السيوف وسحرم الناس برماحهم . قال : وأقبل بعضهم على بعض ، وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان . فقال علي : التمسوا فيهم المخدج. فالتمسوه فلم يجدوه . فقام على سيفه حتى أتى ناسا قد أقبل بعضهم على بعض . قال : أخروم. فوجدوه مما يلي الأرض . فكبر، ثم قال : صدق اللّه وبلغ رسوله . قال : فقام إليه عبيدة السلمانى. فقال: يا أمير المؤمنين . الله الذي لا إله إلا ٥١٧ هو ، أسمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال : إي والله الذي لا إله إلا هو، حتى استحلفه ثلاثا، وهو يحلف له أيضا . فإن الأمة متفقون على ذم الخوارج وتضليلهم ، وإنما تنازعوا فى تكفيرم . على قولين مشهورين في مذهب مالك وأحمد ، وفي مذهب الشافعي أيضا نزاع في كفرم . ولهذا كان فيهم وجهان فى مذهب أحمد وغيره على الطريقة الأولى: أحدهما أنهم بغاة . والثاني أنهم كفار كالمرتدين ، يجوز قتلهم ابتداء ، وقتل أسيرهم ، واتباع مديرهم ، ومن قدر عليه منهم استتيب كالمرتد فإن تاب وإلا قتل : كما أن مذهبه فى مانعى الزكاة إذا قاتلوا الإمام عليها ، هل يكفرون مع الإقرار بوجوبها ؟ على روايتين وهذا كله مما يبين أن قتال الصديق لمانعى الزكاة ، وقتال علي للخوارج ، ليس مثل القتال يوم الجمل وصفين . فكلام علي وغيره في الخوارج يقتضى أنهم ليسوا كفارا كالمرتدين عن أصل الإسلام ، وهذا هو المنصوص عن الأئمة كأحمد وغيره ، وليسوا مع ذلك حكمهم كمكم أهل الجمل وصفين . بل ثم نوع ثالث . وهذا أصح الأقوال الثلاثة فيهم . ٥١٨ وممن قاتلهم الصحابة - مع إقرارهم بالشهادتين والصلاة وغير ذلك - مانعو الزكاة، كما في الصحيحين ((عن أبى هريرة أن عمر بن الخطاب قال لأبى بكر : يا خليفة رسول الله ! كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأنى رسول اللّه، فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها. فقال له أبوبكر: ألم يقل لك: إلا بحقها. فإن الزكاة من حقها . والله لو منعونى عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها . قال عمر: فما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبى بكر للقتال ، فعلمت أنه الحق )). وقد اتفق الصحابة والأئمة بعدم على قتال مانعى الزكاة وإن كانوا يصلون الخمس ويصومون شهر رمضان . وهؤلاء لم يكن لهم شبهة سائغة، فلهذا كانوا مرتدين ، وثم يقاتلون على منعها وإن أقروا بالوجوب ، كما أمر الله. وقد حكي عنهم أنهم قالوا: إن الله أمر نيه بأخذ الزكاة بقوله: ( خُذْمِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً ) وقد سقطت بموته. وكذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال الذين لا ينتهون عن شرب الخمر . وأما الأصل الآخر وهو معرفة أحوالهم . فقد على أن هؤلاء ٥١٩ القوم جازوا على الشام فى المرة الأولى : عام تسعة وتسعين ، وأعطوا الناس الأمان ، وقرؤوه على المنبر بدمشق ، ومع هذا فقد سبوا من ذراري المسلمين ما يقال إنه مائة ألف أو يزيد عليه ، وفعلوا ببيت المقدس، ويجبل الصالحية ونابلس وحمص وداريا ، وغير ذلك من القتل والسى ما لا يعلمه إلا الله ، حتى يقال إنهم سبوا من المسلمين قريبا من مائة ألف ، وجعلوا يفجرون بخيار نساء المسلمين في المساجد وغيرها ، كالمسجد الأقصى والأموى وغيره ، وجعلوا الجامع الذى بالعقيبة دكا . وقد شاهدنا عسكر القوم ، فرأينا جمهورهم لا يصلون ، ولم تر فى عسكرهم مؤذنا ولا إماما ، وقد أخذوا من أموال المسلمين وذراريهم وخربوا من ديارهم ما لا يعلمه إلا الله . ولم يكن معهم فى دولتهم إلا من كان من شر الخلق . إما زنديق منافق لا يعتقد دين الإسلام فى الباطن، وإما من هو من شر أهل البدع كالرافضة والجهمية والاتحادية ونحوهم ، وإما من هو من أفجر الناس وأفسقهم . وهم في بلادهم مع تمكنهم لا يحجون البيت العتيق ، وإن كان فيهم من يصلي ويصوم فليس الغالب عليهم إقام الصلاة ولا إيتاء الزكاة . وثم يقاتلون على ملك جنكسخان . فمن دخل في طاعتهم جعلوه ٥٢٠