Indexed OCR Text
Pages 441-460
افتتح اللّه السورة بقوله: (يَأَيُّهَا النَّبِىُّ ◌َتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَ) (وََشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنََّهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيرًا * وذ کر فی اتنائها قوله : ( وَأَتَّبِعْ ثم قال : وَلَا نُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَ ) مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * وَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وَكَفَى فأمره باتباع ما أوحى إليه من الكتاب والحكمة بِاللَّهِ وَكِيلًا ) . - التى هي سنته - وبأن يتوكل على الله. فبالأولى يحقق قوله : ( إِيَّكَ نَعْبُدُ). وبالثانية يحقق قوله: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيُ). ومثل ذلك قوله : (فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ) وقوله: (عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِأَنِبُ ) . وهذا وإن كان مأمورا به فى جميع الدين ؛ فإن ذلك فى الجهاد أوكد ؛ لأنه يحتاج إلى أن يجاهد الكفار والمنافقين ؛ وذلك لا يتم إلا بتأييد قوي من الله ؛ ولهذا كان الجهاد سنام العمل ، وانتظم سنام جميع الأحوال الشريفة . ففيه سنام المحبة ، كما فى قوله : ( فَوْفَ يَأْتِى اللَّهُ بِقَوْمِ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ وَأَذِلٍَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ يُجَهِدُونَ فِ وفيه سنام التوكل، سَبِيلِ اللَّهِ وَلَ يَخَافُونَ لَوْمَةً لَآيٍ ) . وسنام الصبر ؛ فإن المجاهد أحوج الناس إلى الصبر والتوكل ؛ ولهذا قال تعالى: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِ الهِمِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُوّثَنَّهُمْ فِ الذُّنْيَا حَسَنَّةٌ وَلَأَجْرُ اَلْآَخِرَةِ أَكْبٌ لَوَّ كَانُواْ يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُواْ وَ عَلَى رَبِّهِمْ يَتَّوَكَّلُونَ ) وقال: ٤٤١ (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ وَأَصْبِرُ وَأْإِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ). ولهذا كان الصبر واليقين - اللذين هما أصل التوكل - يوجبان الإمامة في الدين ، كما دل عليه قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَبِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمِنَلَمَّا صَبَرُ واْ وَكَانُوا بِعَايَتِنَا يُوقِنُونَ ). ولهذا كان الجهاد موجباً للهداية التى هي محيطة بأبواب العلم . كما دل عليه قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَهَدُ وافِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) فجعل لمن جاهد فيه هداية جميع سبله تعالى ؛ ولهذا قال الإمامان عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما : إذا اختلف الناس فى شيء فانظروا ماذا عليه أهل الثغر فإن الحق معهم؛ لأن اللّه يقول: ( وَالَّذِينَ جَهَدُ وافِينَا لَهْدِيَّهُمْ سُبُلَنَا ). وفى الجهاد أيضا : حقيقة الزهد فى الحياة الدنيا ، وفى الدار الدنيا . وفيه أيضا : حقيقة الإخلاص . فإن الكلام فيمن جاهد فى سبيل اللّه، لا فى سبيل الرياسة ، ولا في سبيل المال ، ولا في سبيل الحمية ، وهذا لا يكون إلا لمن قاتل ليكون الدين كله لله ، ولتكون كلمة الله هي العليا . وأعظم مراتب الإخلاص : تسليم النفس والمال للمعبود ، كما قال ٤٤٢ تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَتِلُونَ فِ سَبِيلِ الَّهِفَيَقْنُونَ وَيُقْنَلُونَ). و (الجنة) اسم للدار التى حوت كل نعيم. أعلاه النظر إلى الله، إلى ما دون ذلك مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، مما قد نعرفه وقد لا نعرفه ، كما قال الله تعالى فيما رواه عنه رسوله صلى اللّه عليه وسلم: ((أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر)). فقد تبين بعض أسباب افتاح هذه السورة بهذا . (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُ واْنِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتَّكُمْ ثم إنه تعالى قال : جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَ حُدًا لَّمْ تَرَوَهَأَ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ). وكان مختصر القصة : أن المسلمين تحزب عليهم عامة المشركين الذين حولهم ، وجاءوا بجموعهم إلى المدينة ليستأصلوا المؤمنين . فاجتمعت قريش وحلفاؤها من بني أسد ، وأشجع ، وفزارة ، وغيرهم من قبائل نجد . واجتمعت أيضا اليهود: من قريظة ، والنضير . فإن بنى النضير كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أحلام قبل ذلك، كما ذكره الله تعالى فى ((سورة الحشر)). فجاءوا فى الأحزاب إلى قريظة وم معاهدون للنبي صلى الله عليه وسلم، ومجاورون له ، قريباً من ٤٤٣ المدينة - فلم يزالوا بهم حتى نقضت قريظة العهد ، ودخلوا في الأحزاب . فاجتمعت هذه الأحزاب العظيمة ، وم بقدر المسلمين مرات متعددة . فرفع النبى صلى الله عليه وسلم الذرية من النساء والصبيان فى آطام المدينة ، وهي مثل الجواسق ، ولم ينقلهم إلى مواضع أخر . وجعل ظهرهم إلى سلع - وهو الجبل القريب من المدينة من ناحية الغرب والشأم ـ وجعل بينه وبين العدو خندقا. والعدو قد أحاط بهم من العالية والسافلة . وكان عدوا شديد العداوة ، لو تمكن من المؤمنين لكانت نكايته فيهم أعظم النكايات . وفى هذه الحادثة تحزب هذا العدو من مغول وغيرهم من أنواع الترك ، ومن فرس ومستعربة ، ونحوهم من أجناس المرتدة ، ومن نصارى الأرمن وغيرهم. ونزل هذا العدو بجانب ديار المسلمين ، وهو بين الإقدام والإحجام ، مع قلة من بإزائهم من المسلمين . ومقصودهم الاستيلاء على الدار ، واصطلام أهلها . كما نزل أولئك بنواحي المدينة بإزاء المسلمين . ودام الحصار على المسلمين عام الخندق - على ما قيل - بضعا وعشرين ليلة . وقيل : عشرين ليلة . وهذا العدو عبر الفرات سابع عشر ربيع الآخر ، وكان أول ٤٤٤ انصرافه راجعا عن حلب لما رجع مقدمهم الكبير قازان بمن معه : يوم الاثنين حادي أو ثانى عشر جمادى الأولى، يوم دخل العسكر عسكر المسلمين إلى مصر المحروسة . واجتمع بهم الداعي ، وخاطبهم فى هذه القضية . وكان الله سبحانه وتعالى لما ألقى فى قلوب المؤمنين ما ألقى من الاهتمام والعزم: ألقى الله فى قلوب عدوم الروع والانصراف. وكان عام الخندق برد شديد ، وربح شديدة منكرة ، بها صرف الله الأحزاب من المدينة ، كما قال تعالى : (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَ حُنُودًا لَّمْ تَرَوَهَا ) . وهكذا هذا العام أكثر الله فيه الثلج والمطر والبرد ، على خلاف أكثر العادات . حتى كره أكثر الناس ذلك. وكنا نقول لهم: لا تكرهوا ذلك ؛ فإن الله فيه حكمة ورحمة. وكان ذلك من أعظم الأسباب التى صرف الله به العدو؛ فإنه كثر عليهم الثلج والمطر والبرد ، حتى هلك من خيلهم ما شاء الله . وهلك أيضاً منهم من شاء الله . وظهر فيهم وفى بقية خيلهم من الضعف والعجز بسبب البرد والجوع ما رأوا أنهم لا طاقة لهم معه بقتال . حتى بلغنى عن بعض كبار المقدمين فى أرض الشأم أنه قال : لا بيض اللّه وجوهنا: أعدونا فى الثلج إلى شعره، ونحن قعود لا نأخذم ؟ وحتى علموا أنهم كانوا صيداً للمسلمين ، لو يصطادونهم ؛ لكن في تأخير الله اصطيادهم حكمة عظيمة. ٤٤٥ وقال الله في شأن الأحزاب: (إِذْ جَآءُوكُمْ مِن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْزَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَاْ * هُنَالِكَ أَبْتُلِى الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوْ زِلْمَالَ شَدِيدًا ). وهكذا هذا العام . جاء العدو من ناحيتى علو الشام ، وهو شمال الفرات. وقبلي الفرات . فزاغت الأبصار زيغا عظيما، وبلغت القلوب الحناجر ؛ لعظم البلاء ؛ لاسيما لما استفاض الخبر بانصراف العسكر إلى مصر ، وتقرب العدو ، وتوجهه إلى دمشق . وظن الناس بالله الظنونا . هذا يظن أنه لا يقف قدامهم أحد من جند الشام ، حتى يصطلموا أهل الشام . وهذا بظن أنهم لو وقفوا لكسروم كسرة ، وأحاطوا بهم إحاطة الهالة بالقمر . وهذا يظن أن أرض الشأم ما بقيت تسكن ، ولا بقيت تكون تحت مملكة الإسلام . وهذا يظن أنهم يأخذونها ، ثم يذهبون إلى مصر فيستولون عليها ، فلا يقف قدامهم أحد ، فيحدث نفسه بالفرار إلى اليمن، ونحوها . وهذا - إذا أحسن ظنه - قال: إنهم يملكونها العام ، كما ملكوها عام هولاكو . سنة سبع وخمسين. ثم قد يخرج العسكر من مصر فيستنقذها منهم ، كما خرج ذلك العام . وهذا ظن خيارهم . وهذا يظن أن ما أخبره به أهل الآثار النبوية ، وأهل التحديث والمبشرات أمانى كاذبة ، وخرافات لاغية . وهذا قد استولى عليه الرعب والفزع ، حتى يمر الظن بفؤاده حر السحاب ، ليس له عقل ٤٤٦ يتفهم ، ولا لسان يتكلم . وهذا قد تعارضت عنده الأمارات ، وتقابلت عنده الإرادات ؛ لا سيما وهو لا يفرق من المبشرات بين الصادق والكاذب . ولا يميز فى التحديث بين المخطئ والصائب . ولا يعرف النصوص الأثرية معرفة العلماء ؛ بل إما أن يكون جاهلا بها وقد سمعها سماع العبر ، ثم قد لا يتفطن لوجوه دلالتها الخفية ، ولا يهتدي لدفع ما يتخيل أنه معارض لها فى بادئ الروبة . فلذلك استولت الخيرة على من كان متسما بالاهتداء ، وتراجمت به (هُنَالِكَ أَبْتُلِى الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالًا الآراء تراجم الصبيان بالحصاء . شَدِيدًا). ابتلاهم الله بهذا الابتلاء ، الذي يكفر به خطيئاتهم، ويرفع به درجاتهم ، وزلزلوا بما يحصل لهم من الرجفات ، ما استوجبوا به أعلى الدرجات . قال الله تعالى: (وَإِذْيَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضُ مَّا وَعَدَنَا ◌َللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ). وهكذا قالوا في هذه الفتنة فيما وعدم أهل الوراثة النبوية ، والخلافة الرسالية ، وحزب الله المحدثون عنه. حتى حصل لهؤلاء التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما قال الله تعالى : (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أَسْوَةُ حَسَنَّةٌ ) . فأما المنافقون فقد مضى التنبيه عليهم . ٤٤٧ وأما الذين فى قلوبهم مرض فقد تكرر ذكرم في هذه السورة . فذكروا هنا، وفى قوله: (لَّبِ لََّهِ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم قَرَضٌ وَالْمُرْحِفُونَ فِ الْمَدِينَةِ ) وفي قوله: (فَطَمَعَ الَّذِىِفِقَلِّهِ. مَرَضٌ ) . وذكر الله مرض القلب في مواضع. فقال تعالى: (إِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َرَضُ غَزَّهَؤُلَاءِ دِينُهُمُّ ). والمرض فى القلب كالمرض فى الجسد ، فكما أن هذا هو إحالة عن الصحة والاعتدال من غير موت ، فكذلك قد يكون فى القلب مرض يحيله عن الصحة والاعتدال ، من غير أن يموت القلب ، سواء أفسد إحساس القلب وإدراكه ، أو أفسد عمله وحركته . وذلك - كما فسروه -: هو من ضعف الإيمان؛ إما بضعف على القلب واعتقاده ، وإما بضعف عمله وحركته . فيدخل فيه من ضعف تصديقه ، ومن غلب عليه الجبن والفزع ؛ فإن أدواء القلب من الشهوة المحرمة والحسد والجين والبخل وغير ذلك ، كلها أمراض . وكذلك الجهل والشكوك والشبهات التى فيه . وعلى هذا فقوله: (فَطْمَعَ الَّذِى فِ قَلْبِهِ، مَرَضٌ ) هو إرادة الفجور، وشهوة الزنا ، كما فسروه به . ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم: ٤٤٨ « وأي داء أدوا من البخل ؟)). وقد جعل الله تعالى كتابه شفاء لما فى الصدور، وقال النبى صلى الله عليه وسلم: (( إنما شفاء العي السؤال)). وكان يقول فى دعائه: ((اللهم إنى أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأهواء والأدواء )). ولن يخاف الرجل غير الله إلا لمرض فى قلبه ، كما ذكروا أن رجلا شكا إلى أحمد بن حنبل خوفه من بعض الولاة، فقال : لو مححت لم تخف أحداً . أي خوفك من أجل زوال الصحة من قلبك . ولهذا أوجب الله على عباده ألا يخافوا حزب الشيطان ؛ بل لا يخافون غيره تعالى، فقال: (إِنََّاذَ لِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِفُ أَوْلِيَاءَ هُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنَكُم ◌ُؤْمِنِينَ ) أي يخوفكم أولياء . . وقال لعموم بنى إسرائيل تنبيها لنا : (وَإِّىَ فَأَرْهَبُونِ ) . وقال: (فَلَا تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَأَخْشَوْنِ) وقال: (لِتَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلَا تَّخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنِيٍ ) وقال تعالى: (الْيَوْمَ يَبِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنِ ) . وقال: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَلَتِ وقال : وَءَاتَ الزَّكَوَةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّ اللَّهَ) ٤٤٩ (أَلَا تُقَئِلُونَ قَوْمًا وقال : اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ, وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّ اللَّهَ ) ◌َّكَثُوا أَيْمَنَهُمْ وَهَمُواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَهُ وكُمْ أَوَّلَ مَرَّةَ أَتَخْشَوْنَهُمَّ فَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ ) . فدلت هذه الآية - وهى قوله تعالى: (إِذْيَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَاُلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضُ) - على أن المرض والنفاق في القلب يوجب الريب فى الأنباء الصادقة التى توجب أمن الإنسان من الخوف ، حتى يظنوا أنها كانت غروراً لهم ، كما وقع فى حادثتنا هذه سواء . ثم قال تعالى : (وَإِذْ قَالَت ◌َّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَأَهْلَ يَغْرِبَ لَ هُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُواْ ) وكان النبى صلى الله عليه وسلم قد عسكر بالمسلمين عند سلح ، وجعل الخندق بينه وبين العدو . فقالت طائفة منهم : لا مقام لكم هنا ؛ لكثرة العدو . فارجعوا إلى المدينة . وقيل : لا مقام لكم على دين محمد ، فارجعوا إلى دين الشرك. وقيل : لا مقام لكم على القتال ، فارجعوا إلى الاستثمان والاستجارة بهم . وهكذا لما قدم هذا العدو كان من المنافقين من قال : ما بقيت الدولة الإسلامية تقوم ، فينبغي الدخول فى دولة التتار . وقال بعض الخاصة : ما بقيت أرض الشأم تسكن ؛ بل ننتقل عنها ، إما إلى الحجاز واليمن ، وإما إلى مصر . وقال بعضهم: بل المصلحة الاستسلام لهؤلاء ، كما قد ٤٥٠ استسلم لهم أهل العراق ، والدخول تحت حكمهم. فهذه المقالات الثلاث قد قيلت فى هذه النازلة . كما قيلت فى تلك. وهكذا قال طائفة من المنافقين، والذين فى قلوبهم مرض ، لأهل دمشق خاصة والشأم عامة : لا مقام لكم بهذه الأرض . ونفي المُقام بها أبلغ من نفي المقام . وإن كانت قد قرئت بالفتح أيضا . فإن من لم يقدر أن يقوم بالمكان ، فكيف يقيم به ؟. قال الله تعالى: ( وَيَسْتَشْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِىِّ يَقُولُونَ إِنَّبُوتَنَاعَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٌ إِن يُرِيدُونَإِلَّا فِرَارًا). وكان قوم من هؤلاء المذمومين يقولون - والناس مع النبي صلى اللّه عليه وسلم عند سلح داخل الخندق، والنساء والصبيان في آطام المدينة - : يا رسول الله ، إن بيوتنا عورة . أى مكشوفة ليس بينها وبين العدو حائل . - وأصل العورة : الحالى ، الذي يحتاج إلى حفظ وستر . بقال : اعور مجلسك إذا ذهب ستره، أو سقط جداره . ومنه عورة العدو - . وقال مجاهد والحسن : أي ضائعة تخشى عليها السراق . وقال قتادة : قالوا : بيوتنا مما يلي العدو ، فلا نأمن على أهلنا ، فائذن لنا أن ٤٥١ نذهب إليها، لحفظ النساء والصبيان. قال الله تعالى: (وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ) فهم يقصدون الفرار من لأن الله يحفظها (إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا) الجهاد ، ويحتجون بحجة العائلة . وهكذا أصاب كثيرا من الناس في هذه الغزاة . صاروا يفرون من الثغر إلى المعاقل والحصون ، وإلى الأماكن البعيدة ، كمصر . ويقولون : ما مقصودنا إلا حفظ العيال ، وما يمكن إرسالهم مع غيرنا . وهم يكذبون فى ذلك . فقد كان يمكنهم جعلهم فى حصن دمشق ، لودنا العدو . كما فعل المسلمون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد كان يمكنهم إرسالهم والمقام للجهاد . فكيف بمن فر بعد إرسال عياله؟ قال الله تعالى: (وَلَوْدُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ الْفِتْنَةَ فأخبر أنه لو دخلت عليهم لَتَوْهَا وَمَاتَلَّئُواْبِهَا إِلَّا يَسِيرًا ) المدينة من جوانبها ثم طلبت منهم الفتنة ـ وهي الافتتان عن الدين بالكفر ، أو النفاق - لأعطوا الفتنة. ولجاءوها من غير توقف . وهذه حال أقوام لو دخل عليهم هذا العدو المنافق المجرم . ثم طلب منهم موافقته على ما هو عليه من الخروج عن شريعة الإسلام - وتلك فتنة عظيمة - لكانوا معه على ذلك . كما ساعدهم فى العام الماضى أقوام بأنواع من الفتنة فى الدين والدنيا ، ما بين ترك واجبات ، وفعل محرمات ، إما في حق الله، وإما في حق العباد. كترك الصلاة ، وشرب ٤٥٢ الخمور ، وسب السلف ، وسب جنود المسلمين ، والتجسس لهم على المسلمين ، ودلالتهم على أموال المسلمين ، وحريمهم . وأخذ أموال الناس ، وتعذيبهم ، وتقوية دولتهم الملعونة ، وإرجاف قلوب المسلمين منهم ، إلى غير ذلك من أنواع الفتنة . (وَلَقَدْ كَانُواْ عَهَدُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُونَ ثم قال تعالى : اُلْأَدْبَرَّ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا ) وهذه حال أقوام عاهدوا ثم نكثوا ، قديما وحديثا ، فى هذه الغزوة . فإن فى العام الماضى ، وفى هذا العام : فى أول الأمر ، كان من أصناف الناس من عاهد على أن يقاتل ولا يفر، ثم فر منهزما، لما اشتد الأمر . ثم قال الله تعالى (قُل لَّنْ يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذَا لَّا تُمَعُونَ إِلََّقَلِيلاً ) فأخبر الله أن الفرار لا ينفع لا من الموت ولا من القتل . فالفرار من الموت كالفرار من الطاعون . ولذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه)) والفرار من القتل كالفرار من الجهاد. وحرف ((لن)) ينفى الفعل في الزمن المستقبل . والفعل نكرة . والنكرة فى سياق النفى نعم جميع أفرادها . فاقتضى ذلك : أن الفرار من الموت أو القتل ليس فيه منفعة أبدا . وهذا خبر الله الصادق . فمن اعتقد أن ذلك ينفعه فقد كذب الله في خبره . ٤٥٣ والتجربة تدل على مثل ما دل عليه القرآن . فإن هؤلاء الذين فروا في هذا العام لم ينفعهم فرارم ؛ بل خسروا الدين والدنيا ، وتفاوتوا فى المصائب . والمرابطون الثابتون نفعهم ذلك في الدين والدنيا ، حتى الموت الذي فروا منه كثر فيهم . وقل في المقيمين . فما منع الهرب من شاء الله. والطالبون للعدو والمعاقبون له لم يمت منهم أحد ، ولا قتل ؛ بل الموت قل فى البلد من حين خرج الفارون . وهكذا سنة الله قديماً وحديثا . ثم قال تعالى: ( وَإِذَا لََّ تُمَنَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا) يقول: لو كان الفرار ينفعكم لم ينفعكم إلا حياة قليلة ، ثم تموتون. فإن الموت لا بد منه. وقد حكى عن بعض الحمقى أنه قال : فنحن نريد ذلك القليل . وهذا جهل منه بمعنى الآية . فإن الله لم يقل: إنهم يمتعون بالفرار قليلا. لكنه ذكر أنه لا منفعة فيه أبداً. ثم ذكر جوابا ثانيا . أنه لو كان ينفع لم يكن فيه إلا متاع قليل . ثم ذكر جوابا ثالثاً ، وهو أن الفار يأتيه ما قضى له من المضرة ، ويأتي الثابت ما قضى له من المسرة . فقال : ( قُلْ مَن ذَا الَّذِى يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَبِكُمْ سُوءًا أَوْأَرَادَبِكُمْرَحْمَةً وَلَايَجِدُونَلَهُمِّندُونِ ج اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا تَصِيرًا ). ونظيره : قوله في سياق آيات الجهاد: (أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ اُلْمَوْتُ وَلَوْ كُمْ فِى بُرُوجِ مُشَيِّدَةٍ) ٤٥٤ (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخْوَنِهِمْ إِذَا الآية وقوله : ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزَّى لَّوْكَانُواْ عِندَنَا مَامَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُيُحِى، وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيٌِّ ). فمضمون الأمر: أن المنايا محتومة ، فكم ممن حضر الصفوف فسلم ، وكم ممن فر من المنية فصادفته ، كما قال خالد بن الوليد - لما احتضر - لقد حضرت كذا وكذا صفاء وإن يبدنى بضعا وثمانين ، ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح ، ورمية بسهم . وهأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير. فلا نامت أعين الجبناء . ثم قال تعالى: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوَّقِينَ مِنكُمُوَالْفَآَيِلِينَ لِإِخْوَنِهِمْ هَلُمَّإِلَيْنَا ). قال العلماء : كان من المنافقين من يرجع من الخندق فيدخل المدينة ، فإذا جاء أحد قالوا له : ويحك ! اجلس ، فلا تخرج ويكتبون بذلك إلى إخوانهم الذين بالعسكر : أن انتونا بالمدينة ، فإنا ننتظركم . يثبطونهم عن القتال . وكانوا لا يأتون العسكر إلا ألا يجدوا بداً . فيأتون العسكر ليرى الناس وجوههم . فإذا غفل عنهم عادوا إلى المدينة . فانصرف بعضهم من عند النبى صلى الله عليه وسلم، فوجد أخاه لأبيه وأمه وعنده شواء ونبيذ . فقال : أنت ههنا ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرماح والسيوف؟ فقال: علم إلي ، فقد أحيط بك وبصاحبك . ٤٥٥ فوصف المثبطين عن الجهاد - وم صنفان ـ بأنهم إما أن يكونوا فى بلد الغزاة ، أو فى غيره ، فإن كانوا فيه عوقوهم عن الجهاد بالقول ، أو بالعمل ، أو بها . وإن كانوا فى غيره راسلوم ، أو كاتبومٍ : بأن يخرجوا إليهم من بلد الغزاة ، ليكونوا معهم بالحصون ، أو بالبعد . كما جرى في هذه الغزاة . فإن أقواما في العسكر والمدينة وغيرهما صاروا يعوقون من أراد الغزو ، وأقواما بعثوا من المعاقل والحصون وغيرها إلى إخوانهم : هلم (وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلََّقَلِيلًا * أَشِخَةً إلينا . قال الله تعالى فيهم : عَلَيْكُمْ) أي بخلاء عليكم بالقتال معكم، والنفقة فى سبيل الله. وقال مجاهد : بخلاء عليكم بالخير والظفر والغنيمة . وهذه حال من بخل على المؤمنين بنفسه وماله ، أو شح عليهم بفضل الله: من نصره ورزقه الذي يجريه بفعل غيره . فإن أقواما يشحون بمعروفهم ، وأقواما يشحون بمعروف الله وفضله . وم الحساد . ﴿فَإِذَا جَآءَالْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ ثم قال تعالى : كَلَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) من شدة الرعب الذي فى قلوبهم، يشبهون المغمى عليه وقت النزع ؛ فإنه يخاف ويذهل عقله ، ويشخص بصره، ولا يطرف . فكذلك هؤلاء ؛ لأنهم يخافون القتل . ويقال فى اللغة (فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ) ٤٥٦ ((صلقوكم )) وهو رفع الصوت بالكلام المؤذي. ومنه ((الصالقة)) وهي التى ترفع صوتها بالمصيبة . يقال: صلقه ، وسلقه ـ وقد قرأ طائفة من السلف بها ؛ لكنها خارجة عن المصحف - إذا خاطبه خطابا شديداً قوياً . ويقال : خطيب مسلاق : إذا كان بليغاً فى خطبته ؛ لكن الشدة هنا في الشر لا فى الخير. كما قال (بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ) وهذا السلق بالألسنة الحادة ، يكون بوجوه : تارة يقول المنافقون للمؤمنين : هذا الذي جرى علينا بشؤمكم ؛ فإنّكم أنتم الذين دعوتم الناس إلى هذا الدين ، وقائلتم عليه ، وخالفتموم؛ فإن هذه مقالة المنافقين للمؤمنين من الصحابة . ونارة يقولون: أنتم الذين أشرتم علينا بالمقام هنا ، والثبات بهذا الثغر إلى هذا الوقت ، وإلا فلو كنا سافرنا قبل هذا لما أصابنا هذا . وتارة يقولون - أنتم مع قلتكم وضعفكم - تريدون أن ( إِذْ يَقُولُ نكسروا العدو ، وقد غركم دينكم ، كما قال تعالى : اَلْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ قَرَضُ غَرَّهَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). وتارة يقولون : أنتم مجانين ، لا عقل لكم ، تريدون أن تهلكوا ٤٥٧ أنفسكم والناس معكم . وتارة يقولون : أنواعا من الكلام المؤذي الشديد. وم مع ذلك أشحة على الخير ، أي حراص على الغنيمة والمال الذي قد حصل لكم . قال قتادة : إن كان وقت قسمة الغنيمة ، بسطوا ألسنتهم فيكم . يقولون : أعطونا، فلستم بأحق بها منا . فأما عند البأس فأجبن قوم وأخذ لهم للحق . وأما عند الغنيمة فأشح قوم. وقيل : أشحة على الخير ، أي بخلاء به ، لا ينفعون ، لا بنفوسهم ولا بأموالهم . وأصل الشح: شدة الحرص الذي يتولد عنه البخل والظلم : من منح الحق ، وأخذ الباطل . كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إياكم والشح؛ فإن الشح أهلك من كان قبلكم. أمرم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا )). فهؤلاء أشحاء على إخوانهم ، أي بخلاء عليهم ، وأشحاء على الخير أي حراص عليه . فلا ينفقونه. كما قال: (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدُ). ثم قال تعالى: (يَحْسَبُونَ الْأَخْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَذُواْ لَوْ أَذَّهُمْ بَادُونَ فِى الْأَعْرَابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبَابِكُمْ وَلَوْكَانُواْفِيكُمْ مَّا قَتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا ). فوصفهم بثلاثة أوصاف : ٤٥٨ أحدها : أنهم لفرط خوفهم يحسبون الأحزاب لم ينصرفوا عن البلد . وهذه حال الجبان الذي فى قلبه مرض ؛ فإن قلبه يبادر إلى تصديق الخبر المخوف ، وتكذيب خبر الأمن . الوصف الثاني : أن الأحزاب إذا جاءوا تمنوا أن لا يكونوا بينكم ؛ بل يكونون في البادية بين الأعراب ، يسألون عن أنباتكم : إيش خبر المدينة ؟ وإيش جرى للناس ؟. والوصف الثالث : أن الأحزاب إذا أتوا ، وم فيكم ، لم يقاتلوا إلا قليلا . وهذه الصفات الثلاث منطبقة على كثير من الناس فى هذه الغزوة كما يعرفونه من أنفسهم ، ويعرفه منهم من خبرم . (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ ثم قال تعالى : فأخبر سبحانه أن حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُواْاللَّهَ وَلْيَوْمِ الْآَخِرَوَذَكَرَاللَّهَ كَثِيرًا ). الذين يبتلون بالعدو ، كما ابتلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلهم فيه أسوة حسنة ، حيث أصابهم مثل ما أصابه . فليتأسوا به فى التوكل والصبر ، ولا يظنون أن هذه نقم لصاحبها ، وإهانة له . فإنه لو كان كذلك ما ابتلي بها رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الخلائق؛ بل بها ينال الدرجات العالية ، وبها يكفر الله الخطايا لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً. وإلا فقد يبتلى بذلك من ليس كذلك ٤٥٩ فيكون فى حقه عذاباً . كالكفار والمنافقين . ثم قال تعالى: (وَلَمَّارَءَالْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ. وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ, وَمَازَادَهُمْ إِلَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا). قال العلماء : كان الله قد أنزل في سورة البقرة: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْ خُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّآءُ وَزُلْزِ لُواْحَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهُ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) فبين الله سبحانه - منكرا على من حسب خلاف ذلك - أنهم لا يدخلون الجنة إلا بعد أن يبتلوا مثل هذه الأمم قبلهم بـ ((البأساء)) ، وهي الحاجة والفاقة. و((الضراء)) وهي الوجع والمرض. و((الزلزال)) وهي زلزلة العدو . فلما جاء الأحزاب عام الخندق فرأوم. قالوا: (هَذَامَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ. وعلموا أن الله قد ابتلام بالزلزال . وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ, ) وأتام مثل الذين خلوا من قبلهم ، وما زادهم إلا إيماناً وتسليما لحكم الله وأمره . وهذه حال أقوام فى هذه الغزوة : قالوا ذلك . وكذلك قوله: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْمَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن أي عهده الذي عاهد الله عليه ، فقاتل حتى قتل ، قَضَى نَحْبَهُ,) أو عاش. و((النحب)) النذر والعهد. وأصله من النحيب. وهو ٤٦٠