Indexed OCR Text
Pages 301-320
( إِنَّمَا جَزَاؤُأْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ وقد قال تعالى : اُللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَبْدِ يهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْيُنفَوْ مِنَ اٌلْأَرْضِّ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِ الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَعْلَمُواْ أَنَّ فاستثنى التائبين قبل القدرة عليهم فقط ، اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) فالتائب بعد القدرة عليه باق فيمن وجب عليه الحد ؛ للعموم ، والمفهوم، والتعليل . هذا إذا كان قد ثبت بالبينة . فأما إذا كان بإقرار ، وجاء مقراً بالذنب تائبا : فهذا فيه نزاع مذكور فى غير هذا الموضع . وظاهر مذهب أحمد : أنه لا تجب إقامة الحد فى مثل هذه الصورة ؛ بل إن طلب إقامة الحد عليه أقيم ، وإن ذهب لم يقم عليه حد . وعلى هذا حمل حديث ماعز بن مالك، لما قال: ((فهلا تركتموه)) وحديث الذي قال «أصبت حداً فأقمه)) مع آثار أخر . وفى سنن أبى داود والنسائى عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب)) وفي سنن النسائي وابن ماجه عن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( حد يعمل به فى الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحا)). وهذا لأن المعاصي سبب لنقص الرزق والخوف من العدو ، كما يدل عليه الكتاب والسنة . فإذا ٣٠١ أقيمت الحدود ، ظهرت طاعة الله، ونقصت معصية الله تعالى، فحصل الرزق والنصر . ولا يجوز أن يؤخذ من الزانى أو السارق أو الشارب أو قاطح الطريق ونحوهم مال تعطل به الحدود ؛ لا لبيت المال ولا لغيره . وهذا المال المأخوذ لتعطيل الحد سحت خبيث ، وإذا فعل ولي الأمر ذلك فقد جمع فسادين عظيمين: ( أحدهما ): تعطيل الحد ، و ( الثانى ) : أكل السحت . فترك الواجب وفعل المحرم . قال الله تعالى: (لَؤْلًا يَنْهَهُمُ الرََِّّيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ) ( سَفَّعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ وقال الله تعالى عن اليهود : لشُّحْتِ ) لأنهم كانوا يأكلون السحت من الرشوة التى تسمى البرطيل، وتسمى أحياناً الهدية وغيرها. ومتى أكل السحت ولي الأمر احتاج أن يسمع الكذب من شهادة الزور وغيرها. وقد «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي والرائش - الواسطة - الذي بينها ، رواه أهل السنن . وفى الصحيحين: ((أن رجلين اختصما إلى النبى صلى الله عليه وسلم، فقال أحدهما : يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله . فقال صاحبه - وكان أفقه منه - نعم يا رسول الله ! اقض بيننا بكتاب اللّه، وائذن لي . فقال: قل. فقال: إن ابني كان عسيفا في أهل ٣٠٢ هذا - يعنى أجيرا - فزنى بامرأته ، فافتديت منه بمائة شاة وخادم. وإنى سألت رجالا من أهل العلم فأخبرونى أن على انى جلد مائة وتغريب عام ، وأن على امرأة هذا الرجم . فقال : والذي نفسي بيده ، لأفضين بينكما بكتاب الله: المائة والخادم رد عليك . وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام ، واغد يا أنيس على امرأة هذا فاسألها ، فإن اعترفت فارجها . فسألها ، فاعترفت ، فرجمها )). ففى هذا الحديث ، أنه لما بذل عن المذنب هذا المال لدفع الحد عنه أمر النبي صلى الله عليه وسلم بدفع المال إلى صاحبه، وأمر بإقامة الحد . ولم يأخذ المال للمسلمين : من المجاهدين والفقراء وغيرهم . وقد أجمع المسلمون على أن تعطيل الحد بمال يؤخذ ، أو غيره لا يجوز ، وأجمعوا على أن المال المأخوذ من الزانى ، والسارق والشارب، والمحارب وقاطع الطريق ونحو ذلك لتعطيل الحد ، مال سحت خبيث. وكثير مما يوجد من فساد أمور الناس، إنما هو لتعطيل الحد بمال أو جاه ، وهذا من أكبر الأسباب التى هي فساد أهل البوادي والقرى والأمصار : من الأعراب، والتركمان، والأكراد ، والفلاحين، وأهل الأهواء كقيس ، ويمن ، وأهل الحاضرة من رؤساء الناس وأغنيائهم وفقرائهم ، وأمراء الناس ومقدميهم وجندم ، وهو سبب سقوط حرمة المتولى ، وسقوط قدره من القلوب ، وانحلال أمره ، فإذا ارتشى وتبرطل على تعطيل حد ضعفت نفسه أن يقيم حداً آخر ، ٣٠٣ وصار من جنس اليهود الملعونين . وأصل البرطيل هو الحجر المستطيل، سميت به الرشوة ، لأنها تلقم المرتشي عن التكلم بالحق ، كما يلقمه الحجر الطويل ، كما قد جاء فى الأثر: (( إذا دخلت الرشوة من الباب ، خرجت الأمانة من الكوة )) وكذلك إذا أخذ مال للدولة على ذلك، مثل هذا السحت الذي يسمى التأديبات . ألا ترى أن الأعراب المفسدين أخذوا لبعض الناس ، ثم جاءوا إلى ولي الأمر فقادوا إليه خيلا يقدمونها له أو غير ذلك ، كيف يقوى طمعهم في الفساد . وتتكسر حرمة الولاية والسلطنة ، وتفسد الرعية ؟؟! وكذلك الفلاحون وغيرهم ، وكذلك شارب الخمر إذا أخذ فدفع بعض ماله : كيف يطمع المارون ، فيرجون إذا أمسكوا أن يفتدوا ببعض أموالهم ، فيأخذها ذلك الوالي سحتاً ، لا يبارك فيها ، والفساد قائم . وكذلك ذوو الجاه . إذا حموا أحداً أن يقام عليه الحد ، مثل أن يرتكب بعض الفلاحين جريمة ، ثم بأوى إلى قرية نائب السلطان أو أميره فيحمى على الله ورسوله، فيكون ذلك الذي حماه، ممن لعنه الله ورسوله، فقد روى مسلم فى صحيحه ، عن علي بن أبى طالب رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لعن الله من أحدث حدثا أو آوى محدثا)). فكل من آوى محدثا من هؤلاء المحدثين، ٣٠٤ فقد لعنه الله ورسوله. وإذا كان النبى صلى الله عليه وسلم قد قال : ((إن من حالت شفاعته دون حد من حدود الله، فقد ضاد الله فى أمره )) فكيف بمن منع الحدود بقدرته ويده ، واعتاض عن المجرمين بسحت من المال يأخذه ، لاسيما الحدود على سكان البر ؛ فإن من أعظم فسادهم حماية المعتدين منهم بجاء أو مال ، سواء كان المال المأخوذ لبيت المال أو للوالي : سراً أو علانية ، فذلك جميعه محرم بإجماع المسلمين ، وهو مثل تضمين الحانات والخمر ، فإن من مكن من ذلك ، أو أعان أحدا عليه بمال يأخذه منه ، فهو من جنس واحد . والمال المأخوذ على هذا يشبه ما يؤخذ من مهر البغي ، وحلوان الكاهن ، وثمن الكلب ، وأجرة المتوسط فى الحرام : الذي يسمى القواد . قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( ثمن الكلب خبيث ، ومهر البغي خبيث ، وحلوان الكاهن خبيث )) رواه البخاري . ثمهر البغي الذي يسمى حدور القحاب . وفى معناه ما يعطاء المختئون الصبيان من الماليك أو الأحرار على الفجور بهم ، وحلوان الكاهن : مثل حلاوة المنجم ونحوه على ما يخبر به من الأخبار المبشرة بزعمه ، ونحو ذلك . وولي الأمر إذا ترك إنكار المنكرات وإقامة الحدود عليها بمال بأخذه : كان بمنزلة مقدم الحرامية ، الذي يقاسم المحاربين على الأخيذة، وبمنزلة القواد الذي يأخذ ما يأخذه ؛ ليجمع بين اثنين على فاحشة ، ٣٠٥ وكان حاله شبيها بحال عجوز السوء امرأة لوط ، التى كانت تدل الفجار على ضيفه، التى قال الله تعالى فيها: (فَأَنْجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ: إِلَّا أَمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ (فَأَشْرِبِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الَيْلِ وقال تعالى : الْغَبِينَ )، وَلَا يَلْنَفِتْ مِنكُمْ أَحَدُّ إِلَّا أَفَأَنَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ) . فعذب الله عجوز السوء القوادة بمثل ما عذب قوم السوء الذين كانوا يعملون الخبائث ، وهذا لأن هذا جميعه أخذ مال للإعانة على الإثم والعدوان ، وولي الأمر إنما نصب ليأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، وهذا هو مقصود الولاية. فإذا كان الوالي يمكن من المنكر بمال يأخذه، كان قد أتى بضد المقصود ، مثل من نصبته ليعينك على عدوك ، فأعان عدوك عليك . وبمنزلة من أخذ مالا ليجاهد به فى سبيل الله، فقاتل به المسلمين . يوضح ذلك أن صلاح العباد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ فإن صلاح المعاش والعباد في طاعة الله ورسوله ، ولا يتم ذلك إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وبه صارت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، قال الله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ) . وقال تعالى: (وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِلْغُرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ) ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِّ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وقال تعالى : وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) وقال تعالى عن بني إسرائيل: (كَانُواْلَا يَتَنَاهَوْنَ ٣٠٦ وقال تعالى : عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِنْسَ مَاكَانُوا يَفْعَلُونَ). ( فَلَمَّا نَسُوْ مَا ذُكِّرُ واْبِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوْءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَيِسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ). فأخبر الله تعالى أن العذاب لما نزل نجى الذين ينهون عن السوء ، وأخذ الظالمين بالعذاب الشديد . وفى الحديث الثابت : أن أبا بكر الصديق ، رضى الله عنه خطب الناس على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية وتضعونها فى غير موضعها: (يَأَيُهَا الَّذِينَ وإنی سمعت رسول ءَامَنُوْعَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ ) الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الناس إذا رأوا المنكر في يغيروه ، أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده)). وفى حديث آخر : ((إن المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، ولكن إذا ظهرت فلم تتنكر ضرت العامة )) . وهذا القسم الذي ذكرناه من الحكم فى حدود الله وحقوقه : مقصوده الأكبر : هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . فالأمر بالمعروف : مثل الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والصدق ، والأمانة ، وبر الوالدين ، وصلة الأرحام ، وحسن العشرة مع الأهل والجيران ونحو ذلك . فالواجب على ولي الأمر أن يأمر بالصلوات المكتوبات جميع من يقدر على أمره ، ويعاقب التارك بإجماع المسلمين، ٣٠٧ فإن كان التاركون طائفة ممتنعة قوتلوا على تركها بإجماع المسلمين ، وكذلك يقاتلون على ترك الزكاة ، والصيام ، وغيرها ، وعلى استحلال المحرمات الظاهرة المجمع عليها ، كنكاح ذوات المحارم، والفساد فى الأرض، ونحو ذلك . فكل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائح الإسلام الظاهرة المتواترة يجب جهادها ، حتى يكون الدين كله لله ، باتفاق العلماء . وإن كان التارك للصلاة واحداً فقد قيل : إنه يعاقب بالضرب والحبس حتى يصلي ، وجمهور العلماء على أنه يجب قتله إذا امتنع من الصلاة بعد أن يستتاب ، فإن تاب وصلى، وإلا قتل . وهل يقتل كافرا أو مسلما فاسقا ؟ فيه قولان . وأكثر السلف على أنه يقتل كافراً وهذا كله مع الإقرار بوجوبها ، أما إذا جحد وجوبها ، فهو كافر بإجماع المسلمين ، وكذلك من جحد سائر الواجبات المذكورات والمحرمات التى يجب القتال عليها . فالعقوبة على ترك الواجبات ، وفعل المحرمات ، هي مقصود الجهاد في سبيل الله، وهو واجب على الأمة بالاتفاق ، كما دل عليه الكتاب والسنة . وهو من أفضل الأعمال . قال رجل : يا رسول الله ! دلنى على عمل يعدل الجهاد فى سبيل الله. قال: لا تستطيعه، أو لا تطيقه. قال: أخبرني به ؟ قال : هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم ولا تفطر ، ٣٠٨ وتقوم ولا تفتر ؟ قال : ومن يستطيع ذلك ؟ قال : فذلك الذي يعدل الجهاد في سبيل الله)). وقال: ((إن في الجنة لمئة درجة، بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض ، أعدها الله للمجاهدين في سبيله ، كلاهما في الصحيحين . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد فى سبيل الله)). وقال الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْبِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّلَمْ يَرْتَابُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمَّوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِ سَبِيلِ اللّهِأُوْلَئِكَ هُمُ الضَدِقُونَ). وقال تعالى : ١ أَجَعَلْتُمُ سِقَائَةَ الْحَجِ وَعَمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِالْآَخِرِ وَجَهَدَ فِى الَّذِينَ ءَامَنُواْوَهَاجَرُواْ سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ وَجَهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَاللّهِوَأُوْلَ هُمُ الْفَآِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا * رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوٍَ وَجَنَّاتٍ لَُّمْفِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيهُ إِنَّاللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ). فصل ومن ذلك عقوبة المحاربين ، وقطاع الطريق : الذين يعترضون الناس بالسلاح في الطرقات ونحوها ، ليغصوم المال مجاهرة : من الأعراب ، والتركمان ، والأكراد ، والفلاحين ، وفسقة الجند ، أو مردة الحاضرة ، ٣٠٩ أو غيرهم، قال الله تعالى فيهم: ( إِنَّمَا جَزَّؤُأ ◌َلَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُواْ أَوْيُصَلَّبُواْ أَوْتُقَطَعَ أَيْدِ يهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِنْ خِلَفٍ أَوْيُنِفَوْ مِنَ اٌلْأَرْضِّ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيّاً وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وقد روى الشافعي رحمه الله فى عَذَابٌ عَظِيمٌ ). مسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما - فى قطاع الطريق -: ((إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا ، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا ، قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض » . وهذا قول كثير من أهل العلم ، كالشافعي وأحمد ، وهو قريب من قول أبى حنيفة رحمه الله . ومنهم من قال : للإمام أن يجتهد فيهم، فيقتل من رأى قتله مصلحة ، وإن كان لم يقتل : مثل أن يكون رئيساً مطاعا فيهم، ويقطع من رأى قطعه مصلحة ؛ وإن كان لم يأخذ المال ، مثل أن يكون ذا جلد وقوة فى أخذ المال . كما أن منهم من يرى أنهم إذا أخذوا المال قتلوا وقطعوا وصلبوا . والأول قول الأكثر. فمن كان من المحاربين قد قتل ، فإنه يقتله الإمام حدا ، لا يجوز العفو عنه بحال بإجماع العلماء . ذكره ابن المنذر ، ولا يكون أمره إلى ورثة المقتول ؛ بخلاف ما لو قتل رجل رجلا لعداوة بينهما أو خصومة أو نحو ٣١٠ ذلك من الأسباب الخاصة؛ فإن هذا دمه لأولياء المقتول ، إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا عفوا، وإن أحبوا أخذوا الدية ؛ لأنه قتله لغرض خاص . وأما المحاربون فإنما يقتلون لأخذ أموال الناس ، فضرر عام ؛ بمنزلة السراق ، فكان قتلهم حداً لله . وهذا متفق عليه بين الفقهاء ، حتى لو كان المقتول غير مكافىء للقائل ، مثل أن يكون القاتل حراً والمقتول عبداً ، أو القاتل مسلما ، والمقتول ذمياً أو مستأمنا فقد اختلف الفقهاء هل يقتل فى المحاربة ؟ والأقوى أنه يقتل ؛ لأنه قتل للفساد العام حدا، كما يقطع إذا أخذ أموالهم ، وكما يحبس بحقوقهم . وإذا كان المحاربون الحرامية جماعة ، فالواحد منهم باشر القتل بنفسه ، والباقون له أعوان ورده له، فقد قيل: إنه يقتل المباشر فقط ، والجمهور على أن الجميع يقتلون ، ولو كانوا مائة ، وأن الرد. والمباشر سواء ، وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين ؛ فإن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قتل ربيئة المحاربين . والربيئة هو الناظر الذي يجلس على مكان عال ، ينظر منه لهم من يجيء . ولأن المباشر إنما تمكن من قتله بقوة الردم ومعونته . والطائفة إذا انتصر بعضها ببعض حتى صاروا ممتنعين فهم مشتركون فى الثواب والعقاب ، كالمجاهدين. فإن النبى صلى الله عليه وسلم ٣١١ قال: ((المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدنام، وم يد على من سواهم، ويرد متسريهم على قعدم)). يعنى أن جيش المسلمين إذا تسرت منه سرية فغنمت مالا ، فإن الجيش يشاركها فيما غنمت ؛ لأنها بظهره وقوته تمكنت ؛ لكن تنفل عنه نفلا ؛ فإن النبى صلى الله عليه وسلم كان ينفل السرية إذا كانوا في بدايتهم الربح بعد الخمس ، فإذا رجعوا إلى أوطانهم وتسرت سرية نفلهم الثلث بعد الخمس ، وكذلك لو غنم الجيش غنيمة شاركته السرية ، لأنها في مصلحة الجيش ، كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم لطلحة والزبير يوم بدر ؛ لأنه كان قد بعثها فى مصلحة الجيش ، فأعوان الطائفة الممتنعة ، وأنصارها منها ، فيما لهم وعليهم. وهكذا المقتلون على باطل لا تأويل فيه ؛ مثل المقتلين على عصبية، ودعوى جاهلية ؛ كقيس ويمن ونحوهما ؛ مما ظالمتان . كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إذا التقى المسلمان بسيفيها فالقاتل والمقتول فى النار . قيل: يا رسول الله! هذا القاتل، فما بال المقتول ؟ قال: إنه أراد قتل صاحبه)). أخرجاه في الصحيحين. وتضمن كل طائفة ما أتلفته للأخرى من نفس ومال. وإن لم يعرف عين القاتل ؛ لأن الطائفة الواحدة الممتنع بعضها ببعض كالشخص الواحد ، وفى ذلك قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِىِ الْقَبْلَى ). ٣١٢ وأما إذا أخذوا المال فقط، ولم يقتلوا - كما قد يفعله الأعراب كثيرا - فإنه يقطع من كل واحد بدء اليمنى ، ورجله اليسرى ، عند أكثر العلماء : كأبى حنيفة، وأحمد ، وغيرم . وهذا معنى قول الله تعالى: ( أَوْتُقَطَعَ أَيْدِ يِهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ ) . تقطع اليد التى يبطش بها ، والرجل التى يمشي عليها، وتحسم بده ورجله بالزيت المغلي ونحوه ؛ لينحسم الدم فلا يخرج فيفضى إلى تلفه ، وكذلك تحسم بد السارق بالزيت . وهذا الفعل قد يكون أزجر من القتل ؛ فإن الأعراب ، وفسقة الجند وغيرهم إذا رأوا دائماً من هو بينهم مقطوع اليد والرجل ، ذكروا بذلك جرمه فارتدعوا ؛ بخلاف القتل ، فإنه قد بنسى؛ وقد يؤثر بعض النفوس الأبية قتله على قطع بده ورجله من خلاف ، فيكون هذا أشد تنكيلا له ولأمثاله. وأما إذا شهروا السلاح ولم يقتلوا نفساً، ولم يأخذوا مالا، ثم أغمدوه ، أو هربوا ، وتركوا الحراب ، فإنهم ينفون . فقيل : نفيهم تشريدهم ، فلا يتركون يأوون فى بلد . وقيل : هو حبسهم . وقيل : هو ما يراه الإمام أصلح من نفي أو حبس أو نحو ذلك . والقتل المشروع: هو ضرب الرقبة بالسيف ونحوه ، لأن ذلك أروح أنواع القتل ، وكذلك شرع الله قتل ما يباح قتله من الآدميين والبهائم، ٣١٣ إذا قدر عليه على هذا الوجه . قال النبى صلى الله عليه وسلم : ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته )) رواه مسلم، وقال: ((إن أعف الناس قتلة أهل الإيمان)). وأما الصلب المذكور فهو رفعهم على مكان عال ليرام الناس ، ويشتهر أمرهم ، وهو بعد القتل عند جمهور العلماء . ومنهم من قال : يصلبون ثم يقتلون وهم مصلبون . وقد جوز بعض العلماء قتلهم بغير السيف ، حتى قال : يتركون على المكان العالي ، حتى يموتوا حتف أنوفهم بلا قتل . فأما التمثيل فى القتل فلا يجوز إلا على وجه القصاص ، وقد قال عمران بن حصين رضي الله عنهما : ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة إلا أمرنا بالصدقة ، ونهانا عن المثلة، حتى الكفار إذا قتلنام، فإنا لا تمثل بهم بعد القتل ، ولا تجدع آذانهم وأنوفهم ، ولا نبقر بطونهم إلا أن يكونوا فعلوا ذلك بنا، فنفعل بهم مثل ما فعلوا . والترك أفضل كما قال الله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَاعُوقِبْتُم بِهِ وَلَيِنِ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلِصَّبِينَ * وَأَصْبِرُ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّ بِاللَّهِ ) قيل إنها نزلت لما مثل المشركون بحمزة وغيره من شهداء أحد ، رضي الله عنهم ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((لئن أظفرنى الله بهم لأمثلن بضعفى ما مثلوا بنا، فأنزل الله هذه الآية - وإن كانت قد نزلت قبل ذلك بمكة، ٣١٤ مثل قوله: ( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحُ قُلِ الزُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِى ) وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ الَيْلِ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ وقوله: ( السّيِّئَاتِ ) وغير ذلك من الآيات التى نزلت بمكة ، ثم جرى بالمدينة سبب يقتضى الخطاب ، فأنزلت مرة ثانية - فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((بل نصبر)) وفى صحيح مسلم عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميراً على سرية أو جيش أو فى حاجة نفسه أوصاه فى خاصة نفسه بتقوى الله تعالى وبمن معه من المسلمين خيرا ، ثم يقول : اغزوا بسم الله ، فى سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله ، ولا تغلوا ولا تغدروا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا وليدا)). ولو شهروا السلاح في البنيان - لا فى الصحراء - لأخذ المال، فقد قيل : إنهم ليسوا محاربين، بل هم بمنزلة المختلس والمنتهب ، لأن المطلوب يدركه الغوث ، إذا استغاث بالناس . وقال أكثرم : إن حكمهم فى البنيان والصحراء واحد . وهذا قول مالك - فى المشهور عنه - والشافعى، وأكثر أصحاب أحمد ، وبعض أصحاب أبى حنيفة ؛ بل ثم فى البنيان أحق بالعقوبة منهم فى الصحراء ؛ لأن البنيان محل الأمن والطمأنينة ، ولأنه محل تناصر الناس وتعاونهم، فإقدامهم عليه بقتفى شدة المحاربة والمغالبة ؛ ولأنهم يسلبون الرجل فى داره جميع ماله ، والمسافر ٣١٥ لا يكون معه - غالبا - إلا بعض ما له . وهذا هو الصواب؛ لا سيما هؤلاء المتحزبون (١) الذين تسميهم العامة فى الشام ومصر المنسر (٢) وكانوا يسمون ببغداد العيارين، ولو حاربوا بالعصى والحجارة المقذوفة بالأيدى . أو المقاليح ونحوها : فهم محاربون أيضاً . وقد حكى عن بعض الفقهاء لا محاربة إلا بالمحدد . وحكى بعضهم الإجماع : على أن المحاربة تكون بالمحدد والمثقل . وسواء كان فيه خلاف أو لم يكن . فالصواب الذى عليه جماهير المسلمين : أن من قاتل على أخذ المال بأى نوع كان من أنواع القتال فهو محارب قاطع ، كما أن من قاتل المسلمين من الكفار بأى نوع كان من أنواع القتال فهو حربى ، ومن قاتل الكفار من المسلمين بسيف، أو رمح، أو سهم ، أو حجارة، أو عصى ، فهو مجاهد في سبيل الله . وأما إذا كان يقتل النفوس سرا ، لأخذ المال ؛ مثل الذى يجلس في خان يكريه لأبناء السبيل ، فإذا انفرد يقوم منهم قتلهم وأخذ أموالهم . أو يدعو إلى منزله من يستأجره لخياطة ، أو طب أو نحو ذلك فيقتله، ويأخذ ماله، وهذا يسمى القتل غيلة ، ويسميهم بعض العامة المعرجين (٣) فإذا كان لأخذ المال ، فهل هم كالمحاربين ، أو يجرى عليهم حكم القود ؟ فيه قولان للفقهاء . أحدهما : أنهم كالمحاربين، لأن القتل بالحيلة كالقتل مكابرة ، كلاهما لا يمكن الاحتراز منه ؛ بل قد يكون ضرر هذا أشد ؛ لأنه لا (١) نسخة المحترفون (٢) نسخة المفسد (٣) نسخة المعرضين ٣١٦ بدرى به . والثانى : أن المحارب هو المجاهر بالقتال ، وأن هذا المغتال يكون أمره إلى ولي الهم . والأول أشبه بأصول الشريعة ؛ بل قد يكون ضرر هذا أشد ؛ لأنه لا يدرى به . واختلف الفقهاء أيضا فيمن يقتل السلطان ، كقتلة عثمان ، وقاتل علي رضي الله عنها : هل ثم كالمحاربين ، فيقتلون حدا، أو يكون أمرهم إلى أولياء الدم - على قولين في مذهب أحمد وغيره - لأن فى قتله فساداً عاماً . فصل وهذا كله إذا قدر عليهم . فأما إذا طلبهم السلطان أو نوابه ، لإقامة الحد بلا عدوان فامتنعوا عليه ، فإنه يجب على المسلمين قتالهم باتفاق العلماء، حتى يقدر عليهم كلهم . ومتى لم ينقادوا إلا بقتال يفضى إلى قتلهم كلهم قوتلوا ، وإن أفضى إلى ذلك ؛ سواء كانوا قد قتلوا أو لم يقتلوا . ويقتلون في القتال كيفما أمكن : فى العنق وغيره . ويقاتل من قاتل معهم ممن يحميهم ويعينهم . فهذا قتال ، وذاك إقامة حد. وقتال هؤلاء أوكد من قتل الطوائف الممتنعة عن شرائع الإسلام . ٣١٧ فإن هؤلاء قد تحزبوا لفساد النفوس والأموال ، وهلاك الحرث والنسل ؛ ليس مقصودهم إقامة دين ولا ملك . وهؤلاء كالمحاربين الذين يأوون إلى حصن ، أو مغارة أو رأس جبل ، أو بطن واد ، ونحو ذلك : يقطعون الطريق على من مر بهم ، وإذا جاءهم جند ولي الأمر يطلبهم للدخول فى طاعة المسلمين والجماعة لإقامة الحدود : قاتلوهم ودفعوهم ؛ مثل الأعراب الذين يقطعون الطريق على الحاج أو غيره من الطرقات ، أو الجبلية الذين يعتصمون برموس الجيال أو المغارات ؛ لقطع الطريق. وكالأحلاف الذين تحالفوا لقطع الطريق بين الشام والعراق، ويسمون ذلك ((النهيضة)) (١) فإنهم يقاتلون كما ذكرنا؛ لكن قتالهم ليس بمنزلة قتال الكفار، إذا لم يكونوا كفارا ، ولا تؤخذ أموالهم، إلا أن يكونوا أخذوا أموال الناس بغير حق ؛ فإن عليهم ضمانها ، فيؤخذ منهم بقدر ما أخذوا، وإن لم نعلم عين الآخذ . وكذلك لو على عينه ؛ فإن الردء والمباشر سواء كما قلناه ؛ لكن إذا عرف عينه كان قرار الضمان عليه، ويرد ما يؤخذ منهم على أرباب الأموال، فإن تعذر الرد عليهم كان لمصالح المسلمين : من رزق الطائفة المقاتلة لهم ، وغير ذلك . بل المقصود من قتالهم التمكن منهم لإقامة الحدود ، ومنعهم من الفساد ، فإذا جرح الرجل منهم جرحاً مثخناً ، لم يجهز عليه حتى يموت، (١) نسخة ((النهضة)) ونسخة ((الهينصة)). ٣١٨ إلا أن يكون قد وجب عليه القتل. وإذا هرب وكفانا شره لم نتبعه، إلا أن يكون عليه حد أو نخاف عاقبته ، ومن أسر منهم ، أقيم عليه الحد الذى يقام على غيره . ومن الفقهاء من يشدد فيهم حتى يرى غنيمة أموالهم وتخميسها ؛ وأكثرهم يأبون ذلك . فأما إذا تحيزوا إلى مملكة طائفة خارجة عن شريعة الإسلام ، وأعانوهم على المسلمين . قوتلوا كفتالهم . وأما من كان لا يقطع الطريق ، ولكنه يأخذ خفارة أو ضريبة من أبناء السبيل على الرءوس ، والدواب ، والأحمال ونحو ذلك ، فهذا مكاس ، عليه عقوبة المكاسين . وقد اختلف الفقهاء فى جواز قتله ، وليس هو من قطاع الطريق ؛ فإن الطريق لا ينقطع به ، مع أنه أشد الناس عذاباً يوم القيامة ، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم فى الغامدية: (( لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس ، لغفر له )) ويجوز للمظلومين - الذين تراد أموالهم - قتال المحاربين بإجماع المسلمين. ولا يجب أن يبذل لهم من المال لا قليل ولا كثير، إذا أمكن قتالهم. قال النبى صلى الله عليه وسلم: « من قتل دون ماله فهو شهيد ، ومن قتل دون دمه فهو شهيد ، ومن قتل دون دينه فهو شهيد ، ومن قتل دون حرمته فهو شهيد )). وهذا الذى تسميه الفقهاء ((الصائل)) وهو الظالم بلا تأويل ولا ٣١٩ ولاية ، فإذا كان مطلوبه المال جاز دفعه بما يمكن ، فإذا لم يندفع إلا بالقتال قوتل ، وإن ترك القتال وأعطاء شيئاً من المال جاز، وأما إذا كان مطلوبه الحرمة - مثل أن يطلب الزنا بمحارم الإنسان ، أو يطلب من المرأة ، أو الصبى المملوك أو غيره الفجور به ؛ فإنه يجب عليه أن يدفع عن نفسه بما يمكن ، ولو بالقتال ، ولا يجوز التمكين منه بحال ؛ بخلاف المال فإنه يجوز التمكين منه ؛ لأن بذل المال جائز، وبذل الفجور بالنفس أو بالحرمة غير جائز . وأما إذا كان مقصوده قتل الإنسان ، جاز له الدفع عن نفسه . وهل يجب عليه ؟ على قولين للعلماء فى مذهب أحمد وغيره . وهذا إذا كان للناس سلطان ، فأما إذا كان - والعياذ بالله - فتنة، مثل أن يختلف سلطانان للمسلمين، ويقتلان على الملك ، فهل يجوز للإنسان، إذا دخل أحدهما بلد الآخر ، وجرى السيف ، أن يدفع عن نفسه فى الفتنة ، أو يستسلم فلا يقاتل فيها؟ على قولين لأهل العلم ، فى مذهب أحمد وغيره . فإذا ظفر السلطان بالمحاربين الحرامية - وقد أخذوا الأموال التى للناس - فعليه أن يستخرج منهم الأموال التى للناس ، ويردها عليهم، مع إقامة الحد على أبدانهم. وكذلك السارق ؛ فإن امتنعوا من إحضار المال بعد ثبوته عليهم عاقبهم بالحبس والضرب ، حتى يمكنوا من أخذه بإحضاره أو توكيل من يحضره، أو الإخبار بمكانه كما يعاقب كل ممتنع ٣٢٠