Indexed OCR Text

Pages 261-280

فيهم الحدود وغيرها مما يفعله أمير الحرب، وكذلك خلفاؤه بعده ، ومن
بعدم من الملوك الأمويين وبعض العباسيين ؛ وذلك لأن أم أمر الدين
الصلاة والجهاد ؛ ولهذا كانت أكثر الأحاديث عن النبي صلى الله
عليه وسلم فى الصلاة والجهاد، وكان إذا عاد مريضاً بقول: ((اللهم
اشف عبدك، يشهد لك صلاة ، وبنكأ لك عدوا)).
ولما بعث النبى صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن قال :
((يا معاذ إن أم أمرك عندى الصلاة)).
وكذلك كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكتب إلى عماله:
« إن أم أموركم عندي الصلاة ؛ فمن حافظ عليها وحفظها حفظ دينه ،
ومن ضيعها كان لما سواها من عمله أشد إضاعة)).
وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الصلاة عماد
الدين)). فإذا أقام المتولى عماد الدين: فالصلاة تنهى عن الفحشاء
والمنكر ، وهي التي تعين الناس على ماسواها من الطاعات ، كما قال
اللّه تعالى: (وَأَسْتَعِينُوْبِالصَّبْرِ وَالصَّلَوْةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيَرَةُ إِلََّ عَلَى ◌ْخَشِعِينَ) وقال
سبحانه وتعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةَ إِنَّ اللَّهَ مَعَ
وقال لنبيه: (وَأَمُرْأَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ
الصَّبِرِينَ)
وقال
وَأَصْطَيِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْتَلُكَ رِزْقًّا فَحْنُ نَرْزُقُكُ وَالْعَقِبَةُ لِنَّقْوَى )
٢٦١

تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن
يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّقُ ذُوالْقُوَّةِ الْمَتِينُ) .
فالمقصود الواجب بالولايات : إصلاح دين الخلق الذي متى فانهم
خسروا خسرانا مبيناً ، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا ؛ وإصلاح ما لا
يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم . وهو نوعان : قسم المال بين
مستحقيه؛ وعقوبات المعتدين ، فمن لم يعتد أصلح له دينه ودنياه ؛
ولهذا كان عمر بن الخطاب يقول: ((إنما بعثت عمالى إليكم ليعلموكم
كتاب ربكم، وسنة نبيكم، ويقسموا بينكم فيئكم ». فلما تغيرت
الرعية من وجه ، والرعاة من وجه ؛ تناقضت الأمور . فإذا اجتهد الراعى
فى إصلاح دينهم ودنياهم بحسب الإمكان كان من أفضل أهل زمانه ،
وكان من أفضل المجاهدين فى سبيل الله؛ فقد روى: (( يوم من إمام
عادل أفضل من عبادة ستين سنة)) وفى مسند الإمام أحمد عن النبي
صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ((أحب الخلق إلى الله إمام عادل ،
وأبغضهم إليه إمام جائر )، وفى الصحيحين عن أبى هريرة رضي الله عنه
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سبعة يظلهم الله فى ظله
يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل ، وشاب نشأ فى طاعة الله ، ورجل
قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ، ورجلان تحابا فى
اللّه، اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت
٢٦٢

عيناه ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إنى أخاف الله
رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما
تنفق يمينه )).
وفى صحيح مسلم عن عياض بن حمار ، رضى الله عنه، قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان
مقسط ، ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذى قربى ومسلم، ورجل غني
عفيف متصدق)). وفى السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :
((الساعى على الصدقة بالحق كالمجاهد في سبيل اللّه)) وقد قال الله تعالى -
لما أمر بالجهاد -: (وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ.
لِلَّهِ ) وقيل للنبى صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! الرجل يقاتل
شجاعة ، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء ، فأي ذلك فى سبيل الله ؟ فقال :
(( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو فى سبيل الله)) أخرجاه
فى الصحيحين .
فالمقصود أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا،
وكلمة الله : اسم جامع لكلماته التى تضمنها كتابه ، وهكذا قال الله تعالى:
(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَّيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ
فالمقصود من إرسال الرسل ، وإنزال الكتب ، أن
بِالْقِسْطِ )
يقوم الناس بالقسط فى حقوق الله ، وحقوق خلقه . ثم قال تعالى :
٢٦٣

(وَأَنَزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأَسٌْ شَدِيدٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ, وَرُسُلَهُ.
فمن عدل عن الكتاب قوم بالحديد ؛ ولهذا كان
بِالْغَيْبِ ) .
قوام الدين بالمصحف والسيف . وقد روى عن جابر بن عبد الله رضى
الله عنهما، قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نضرب
بهذا - يعنى السيف - من عدل عن هذا - يعني المصحف - فإذا
كان هذا هو المقصود ، فإنه يتوسل إليه بالأقرب فالأقرب ، وينظر إلى
الرجلين ، أيهما كان أقرب إلى المقصود ولي ؛ فإذا كانت الولاية مثلا
- إمامة صلاة فقط ؛ قدم من قدمه النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث
قال: (( يؤم القوم أقرؤم لكتاب الله ، فإن كانوا فى القراءة سواء
فأعلمهم بالسنة ، فإن كانوا فى السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا فى
الهجرة سواء فأقدمهم سناً ، ولا يؤمن الرجلُ الرجلَ فى سلطانه، ولا
يجلس فى بيته على تكرمته إلا بإذنه )) رواه مسلم فإذا تكافأ رجلان ؛
وخفى أصلحها ، أقرع بينها ، كما أقرع سعد بن أبي وقاص بين الناس يوم
القادسية ، لما تشاجروا على الأذان ؛ متابعة لقوله صلى الله عليه وسلم :
(( لو يعلم الناس ما فى النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا
عليه لاستهموا)). فإذا كان التقديم بأمر الله إذا ظهر، وبفعله ــ وهو
ما يرجحه بالقرعة إذا خفي الأمر - كان المتولي قد أدى الأمانات في
الولايات إلى أهلها .
٢٦٤

فصل
القسم الثانى من الأمانات : الأموال ، كما قال تعالى فى الديون :
﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَّدِ الَّذِى أَوْتُمِنَ أَمَنَتَهُ، وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ).
ويدخل في هذا القسم : الأعيان ، والديون الخاصة ، والعامة: مثل
رد الودائع ، ومال الشريك ، والموكل ، والمضارب ، ومال المولى من
اليتيم ، وأهل الوقف ونحو ذلك، وكذلك وفاء الديون من أتمان المبيعات،
وبدل القرض ، وصدقات النساء وأجور المنافع ، ونحو ذلك . وقد قال
الله تعالى: (إِنَّاُلْإِنْسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَامَسَّهُ الشَّرُّجُزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا
إِلَّا الْمُصَلِينَ * الَّذِينَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَآئِمُونَ * وَالَّذِينَ فِيَّ أَمْوَلِهِمْ حَقٌ مَّعْلُومٌ
لِّلِسَّابِلِ وَالْمَعْرُومِ ) إلى قوله: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَتَِهِمْ وَعَهْدِ هِمْرَعُونَ)
وقال تعالى: ( إِنَّا أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَئِكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ
لِّلْخَابِنِينَ خَصِيمًا )
أى لا تخاصم عنهم . وقال النبي صلى
الله عليه وسلم: ((أد الأمانة إلى من انتمنك، ولا تخن من خانك))
وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن من أمنه المسلمون على دمائهم
وأموالهم، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر ما
٢٦٥

نهى الله عنه، والمجاهد من جاهد نفسه في ذات الله)). وهو حديث صحيح
بعضه في الصحيحين ، وبعضه فى سنن الترمذى ، وقال صلى الله عليه
وسلم : ((من أخذ أموال الناس يريد أداءها، أداها الله عنه، ومن
أخذها يريد إتلافها أتلفه الله)) رواه البخارى .
وإذا كان الله قد أوجب أداء الأمانات التى قبضت بحق ؛ ففيه تنبيه
على وجوب أداء الغصب والسرقة والخيانة ونحو ذلك من المظالم ، وكذلك
أداء العارية. وقد خطب النبى صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع ،
وقال فى خطبته: ((العارية مؤداة ، والمنحة مردودة ، والدين مقضي والزعيم
غارم ؛ إن الله قد أعطى كل ذى حق حقه، فلا وصية لوارث)).
وهذا القسم يتناول الولاة والرعية ، فعلى كل منها : أن يؤدي إلى
الآخر ما يجب أداؤه إليه ، فعلى ذى السلطان ، ونوابه في العطاء ، أن
يؤنوا كل ذى حق حقه . وعلى جباة الأموال كأهل الديوان أن
يؤدوا إلى ذى السلطان ما يجب إيتاؤه إليه ؛ وكذلك على الرعية الذين
تجب عليهم الحقوق ؛ وليس للرعية أن يطلبوا من ولاة الأموال ما لا
يستحقونه ، فيكونون من جنس من قال الله تعالى فيه : ( وَمِنْهُم مَّن
بَلْمِزُكَ فِ الصَّدَقَتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَ إِن لَّمْ يُعْطَوْ مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ *
وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْ مَآءَاتَمُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَقَالُواْحَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِيْنَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ،
ثم بين سبحانه لمن تكون
وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَغِبُونَ)
٢٦٦

بقوله: (إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ فُلُوبُهُمْ وَفِى
الْرِقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اْللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيهُ
حَكِيمٌ ).
ولا لهم أن يمنعوا السلطان ما يجب دفعه إليه من الحقوق ، وإن
كان ظالماً؛ كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، لما ذكر جور الولاة،
فقال: ((أدوا إليهم الذى لهم؛ فإن الله سائلهم عما استرعام)). ففى
الصحيحين عن أبى هريرة رضى الله عنه، عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: ((كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك فى،
خلفه نى ، وإنه لا نى بعدى ، وسيكون خلفاء ويكثرون . قالوا : فما
تأمرنا ؟ فقال : أوفوا بديعة الأول فالأول ، ثم أعطوم حقهم ؛ فإن الله
سائلهم عما استرعام )) .
وفيهما عن ابن مسعود رضى الله عنه، قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (( إنكم سترون بعدى أثرة وأموراً تتكرونها ،
قالوا : فما تأمرنا به يا رسول الله ؟ قال : أدوا إليهم حقهم ؛ واسألوا
الله حقكم )) .
وليس لولاة الأمور أن يقسموها بحسب أهوائهم ، كما يقسم المالك
ملكه؛ فإنما م أمناء ونواب ووكلاء ، ليسوا ملاكا ؛ كما قال رسول الله
٢٦٧

صلى الله عليه وسلم: ((إني - والله - لا أعطى أحداً، ولا أمنح
أحداً؛ وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت ». رواه البخارى وعن أبى
هريرة رضى الله عنه محوه. فهذا رسول رب العالمين قد أخبر أنه
ليس المنع والعطاء بإرادته واختياره، كما يفعل ذلك المالك الذى أبيح له
التصرف فى ماله ، وكما يفعل ذلك الملوك الذين يعطون من أحبوا ،
ويمنعون من أبغضوا وإنما هو عبد الله ، يقسم المال بأمره ، فيضعه حيث
أمره الله تعالى .
وهكذا قال رجل لعمر بن الخطاب : يا أمير المؤمنين . لو وسعت على
نفسك فى النفقة من مال الله تعالى . فقال له عمر : أندري ما مثلي
ومثل هؤلاء؟ كمثل قوم كانوا في سفر ، فجمعوا منهم مالا ، وسلموه
إلى واحد ينفقه عليهم ، فهل يحل لذلك الرجل أن يستأثر عنهم من
أموالهم ؟ . وحمل مرة إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مال
عظيم من الخمس ؛ فقال : إن قوماً أدوا الأمانة فى هذا لأمناء . فقال
له بعض الحاضرين: إنك أديت الأمانة إلى الله تعالى ، فأدوا إليك
الأمانة ، ولو رتعت لرتعوا .
وينبغى أن يعرف أن أولي الأمر كالسوق، ما نفق فيه جلب إليه؛
هكذا قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه . فإن نفق فيه الصدق
والبر والعدل والأمانة ، جلب إليه ذلك ؛ وإن نفق فيه الكذب والفجور
٢٦٨

والجور والخيانة ، جلب إليه ذلك . والذى على ولي الأمر ، أن يأخذ
المال من حله ، ويضعه فى حقه ، ولا يمنعه من مستحقه ؛ وكان علي بن
أبى طالب رضي الله عنه إذا بلغه أن بعض نوابه ظلم، يقول: اللهم إنى
لم أمرهم أن يظلموا خلقك ، ولا يتركوا حقك .
فصل
الأموال السلطانية التى أصلها فى الكتاب والسنة ؛ ثلاثة أصناف :
الغنيمة ، والصدقة ، والفيء .
فأما (( الغنيمة)) فهي المال المأخوذ من الكفار بالقتال ، ذكرها
اللّه في ((سورة الأنفال)) التى أنزلها في غزوة بدر، وسماها أنفالا ؛
لأنها زيادة فى أموال المسلمين ، فقال: ( يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ اَلْأَنْفَالُ
لِلّهِ وَالرَّسُولِ) إلى قوله: (وَأَعْلَمُواْأَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلَرَّسُولِ
وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ ) . الآية.
وقال: ( فَكُلُوْمِمَّا غَنِمْتُمْ حَلًا طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
وفي الصحيحين عن جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما ، أن النبى
صلى الله عليه وسلم قال: ((أعطيت خمساً لم يعطهن نبى قبلي: نصرت
٢٦٩

بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ، فأيما رجل
من أمتى أدركته الصلاة فليصل ؛ وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد
قبلي ، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبى يبعث إلى قومه خاصة ، وبعثت
إلى الناس عامة)) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( بعثت بالسيف
بين يدي الساعة ، حتى يعبد الله وحده لا شريك له ، وجعل رزقي
تحت ظل رمحي ، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري ، ومن
تشبه بقوم فهو منهم)). رواه أحمد فى المسند عن ابن عمر ، واستشهد
به البخاري .
فالواجب في المغنم خميسه ، وصرف الخمس إلى من ذكره الله
تعالى ؛ وقسمة الباقي بين الغانمين ، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
الغنيمة لمن شهد الوقعة . وهم الذين شهدوها للقتال ، قاتلوا أو لم يقاتلوا.
ويجب قسمها بينهم بالعدل ، فلا يحابى أحد ، لا لرياسته ، ولا لنسبه ، ولا
لفضله ، كما كان النبى صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه يقسمونها. وفى
صحيح البخاري : أن سعد بن أبى وقاص رضي الله عنه ، رأى له فضلا
على من دونه ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((هل تنصرون
وترزقون إلا بضعفائكم؟ )) وفي مسند أحمد عن سعد بن أبي وقاص ،
قال: قلت: يا رسول الله! الرجل يكون حامية القوم، يكون سهمه وسهم
غيره سواء؟ قال: (( نَكلتك أمك ابن أم سعد ؛ وهل ترزقون وتنصرون
٢٧٠

إلا بضعفائكم؟ ».
وما زالت الغنائم تقسم بين الغانمين فى دولة بنى أمية ، ودولة بني
العباس ، لما كان المسلمون يغزون الروم والترك والبربر ؛ لكن يجوز
للإمام أن ينفل من ظهر منه زيادة نكاية: كسرية تسرت من الجيش ،
أو رجل صعد حصنا عالياً ففتحه ، أو حمل على مقدم العدو فقتله ،
فهزم العدو ونحو ذلك ؛ لأن النبى صلى الله عليه وسلم وخلفاء.
كانوا ينفلون لذلك .
وكان ينفل السرية فى البداية الربح بعد الخمس ، وفى الرجعة
الثلث بعد الخمس . وهذا النفل؛ قال العلماء : إنه يكون من الخمس .
وقال بعضهم: إنه يكون من خمس الخمس ؛ لئلا يفضل بعض الغانمين
على بعض . والصحيح أنه يجوز من أربعة الأخماس ، وإن كان فيه
تفضيل بعضهم على بعض لمصلحة دينية ؛ لا لهوى النفس ، كما فعل
رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة . وهذا قول فقهاء الشام،
وأبى حنيفة ، وأحمد ، وغيرهم ، وعلى هذا فقد قيل: إنه ينفل الربح
والثلث بشرط وغير شرط ، وينفل الزيادة على ذلك بالشرط ، مثل
أن يقول : من دلنى على قلعة فله كذا ، أو من جاءني برأس فله كذا
ونحو ذلك . وقيل : لا ينفل زيادة على الثلث ، ولا ينفله إلا بالشرط .
وهذان قولان لأحمد وغيره . وكذلك - على القول الصحيح -
٢٧١

للإمام أن يقول : من أخذ شيئاً فهو له ؛ كما روي أن النبى صلى
الله عليه وسلم كان قد قال ذلك في غزوة بدر . إذا رأى ذلك
مصلحة راجحة على المفسدة .
وإذا كان الإمام يجمع الغنائم ويقسمها لم يجز لأحد أن يغل منها
شيئاً (وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا عَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ) فإن الغلول خيانة . ولا
تجوز النهبة ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها. فإذا ترك
الإمام الجمع والقسمة ، وأذن فى الأخذ إذناً جائزاً : فمن أخذ شيئاً بلا
عدوان ، حل له بعد تخميسه ، وكل ما دل على الإذن فهو إذن .
وأما إذا لم يأذن أو أذن إذناً غير جائز : جاز للإنسان أن يأخذ مقدار
ما يصيبه بالقسمة ، متحريا للعدل فى ذلك .
ومن حرم على المسلمين جمع الغنائم، والحال هذه ، وأباح للإمام
أن يفعل فيها ما يشاء : فقد تقابل القولان تقابل الطرفين ، ودين الله
وسط . والعدل فى القسمة : أن يقسم للراجل سهم ، وللفارس ذي
الفرس العربى ثلاثة أسهم : سهم له ، وسهان لفرسه ؛ هكذا قسم
النبي صلى الله عليه وسلم عام خيبر. ومن الفقهاء من يقول :
للفارس سهان . والأول هو الذي دلت عليه السنة الصحيحة ؛ ولأن
الفرس يحتاج إلى مئونة نفسه وسائسه - ومنفعة الفارس به أكثر من
منفعة راجلين -. ومنهم من يقول: يسوى بين الفرس العربى والحجين
٢٧٢

فى هذا . ومنهم من يقول : بل الهجین یسهم له سهم واحد ، كما روى
عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه . والفرس الهجين : الذي تكون
أمه نبطية - ويسمى البرذون - وبعضهم يسميه التتري ، سواء كان
حصاناً ، أو خصيا، ويسمى الأكديش أو رمكة، وهي الحجر ؛ كان السلف
يعدون للقتال الحصان ، لقوته وحدته ، وللإغارة والبيات الحجر ،
لأنه ليس لها صهيل ينذر العدو فيحترزون ، وللسير الحصى ، لأنه
أصبر على السير .
وإذا كان المغنوم مالا - قد كان للمسلمين قبل ذلك : من عقار
أو منقول، وعرف صاحبه قبل القسمة - فإنه يرد إليه بإجماع المسلمين.
وتفاريع المغانم وأحكامها: فيها آثار وأقوال اتفق المسلمون على بعضها ،
وتنازعوا فى بعض ذلك ؛ وليس هذا موضعها ؛ وإنما الغرض ذكر
الجمل الجامعة .
فصل
وأما الصدقات ، فهي لمن سمى الله تعالى في كتابه ؛ فقد روى عن
النبى صلى الله عليه وسلم: أن رجلا سأله من الصدقة، فقال: ((إن
الله لم يرض فى الصدقة بقسم نى ولا غيره؛ ولكن جزاها ثمانية أجزاء ،
٢٧٣

فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك » .
( فالفقراء والمساكين ) يجمعهما معنى الحاجة إلى الكفاية؛ فلا تحل
الصدقة لغني ، ولا لقوي مكتسب ( والعاملين عليها ) ثم الذين يحبونها ،
ويحفظونها، ويكتبونها، ونحو ذلك. (والمؤلفة قلوبهم ) فنذكرم - إن شاء
الله تعالى - فى مال الفيء. (وفي الرقاب ) يدخل فيه إعانة المكاتبين، وافتداء
الأسرى ، وعتق الرقاب . هذا أقوى الأقوال فيها . ( والغارمين ) ثم
الذين عليهم ديون لا يجدون وفاءها . فيعطون وفاء ديونهم ، ولوكان
كثيراً، إلا أن يكونوا غرموه في معصية الله تعالى، فلا يعطون حتى
يتوبوا. (وفى سبيل الله) وم الغزاة ، الذين لا يعطون من مال الله
ما يكفيهم لغزوم ، فيعطون ما يغزون به ، أو تمام ما يغزون به، من
خيل وسلاح ونفقة وأجرة؛ والحج من سبيل الله، كما قال النبي صلى
اللّه عليه وسلم. (وابن السبيل) هو المجتاز من بلد إلى بلد.
فصل
وأما الفيء ، فأصله ما ذكره الله تعالى فى سورة الحشر، التى أنزلها الله
فى غزوة بني النضير، بعد بدر، من قوله تعالى: (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِمِنْهُمْ
٢٧٤

ج
فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلِ وَلَارِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاَللَّهُ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ * ◌َّآ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَاَلْيَتَغَى
وَالْمَسَكِيْنِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ كَى لَا يَكُونَ دُوْلَةٌ بَيْنَ آلْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَآءَانَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُوَمَا
تَهَنَكُمْ عَنْهُ قَنْتَهُواْ وَأَّقُواْاللّهَ إِنَّاللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * لِلْفُقَرَآءِالْمُهَجِنَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ
مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, أُوْلَكَ هُمُ
الصَّدِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّهُ وَالدَّارَ وَآلْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ
فِ صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّعَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْكَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ
شُعَ نَفْسِهِ، فَأُوْلَبِّكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُ و مِنْ بَعْدِ هِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا
أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيْنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِآلْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا غِلَّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْرَبَّنَاً
إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) .
فذكر سبحانه وتعالى المهاجرين والأنصار ، والذين جاءوا من بعدهم
على ما وصف ، فدخل فى الصنف الثالث كل من جاء على هذا الوجه
إلى يوم القيامة؛ كما دخلوا فى قوله تعالى: ( وَالَّذِينَءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُواْ
وَجَهَدُ واْمَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ ) وفى قوله: (وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَنٍ )
وفي قوله: (وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَايَلْحَقُواْبِهِمَّ وَهُوَ أَلْعَنِزُ الْحَكِيمُ).
ومعنى قوله: ﴿فَمَآأَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَارِكَابٍ ) . أي ما
٢٧٥

حركتم ولا سقتم خيلا ولا إبلا . ولهذا قال الفقهاء : إن الفيء هو
ما أخذ من الكفار بغير قتال ؛ لأن إيجاف الخيل والركاب هو معنى
القتال . وسمى فيئًا ؛ لأن الله أفاءه على المسلمين ، أي رده عليهم من
الكفار ؛ فإن الأصل أن الله تعالى، إنما خلق الأموال إعانة على عبادته؛
لأنه إنما خلق الخلق لعبادته . فالكافرون به أباح أنفسهم التى لم
يعبدوه بها ، وأموالهم التى لم يستعينوا بها على عبادته؛ لعباده المؤمنين
الذين يعبدونه ، وأفاء إليهم ما يستحقونه ، كما يعاد على الرجل ما غصب
من ميراثه ، وإن لم يكن قبضه قبل ذلك ؛ وهذا مثل الجزية التى على
اليهود والنصارى ، والمال الذي يصالح عليه العدو، أو يهدونه إلى
سلطان المسلمين ، كالحمل الذي يحمل من بلاد النصارى ومحوم ؛ وما
يؤخذ من تجار أهل الحرب ، وهو العشر ، ومن تجار أهل الذمة إذا
انجروا فى غير بلادهم ، وهو نصف العشر . هكذا كان عمر بن الخطاب
رضي الله عنه بأخذ . وما يؤخذ من أموال من ينقض العهد منهم .
والخراج الذي كان مضروبا فى الأصل عليهم ، وإن كان قد صار بعضه
على بعض المسلمين .
ثم إنه يجتمع من الفيء جميع الأموال السلطانية التى لبيت مال
المسلمين : كالأموال التى ليس لها مالك معين ، مثل من مات من
المسلمين وليس له وارث معين ؛ وكالغصوب ، والعواري ، والودائع:
٢٧٦

التى تعذر معرفة أصحابها ؛ وغير ذلك من أموال المسلمين ، العقار والمنقول .
فهذا ونحوه مال المسلمين. وإنما ذكر الله تعالى في القرآن الفيء
فقط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يموت على عهده
ميت ، إلا وله وارث معين لظهور الأنساب فى أصحابه ، وقد مات مرة
رجل من قبيلة فدفع ميراثه إلى أكبر رجل من تلك القبيلة ، أي :
أقربهم نسباً إلى جدهم ، وقد قال بذلك طائفة من العلماء ، كأحمد في
قول منصوص وغيره ، ومات رجل لم يخلف إلا عتيقا له . فدفع
ميراثه إلى عتيقه ، وقال بذلك طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم ، ودفع
ميراث رجل إلى رجل من أهل قريته . وكان صلى الله عليه وسلم
هو وخلفاؤه بتوسعون في دفع ميراث الميت إلى من بينه وبينه
نسب ، كما ذكرناه .
ولم يكن بأخذ من المسلمين إلا الصدقات، وكان بأمرم أن يجاهدوا
فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم : كما أمر الله به في كتابه.
ولم يكن للأموال المقبوضة والمقسومة ؛ ديوان جامع ، على عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه؛ بل كان
يقسم المال شيئاً فشيئاً ، فلما كان في زمن عمر بن الخطاب رضي الله
عنه كثر المال ، واتسعت البلاد ، وكثر الناس ، فجعل ديوان العطاء
للمقائلة وغيرهم ؛ وديوان الجيش - فى هذا الزمان - مشتمل على
٢٧٧

أكثره؛ وذلك الديوان هو أهم دواوين المسلمين . وكان الأمصار
دواوين الخراج والفيء وما يقبض من الأموال ؛ وكان النبي صلى
الله عليه وسلم وخلفاؤه يحاسبون العمال على الصدقات ، والفيء
وغير ذلك .
فصارت الأموال في هذا الزمان وما قبله ثلاثة أنواع : نوع يستحق
الإمام قبضه بالكتاب والسنة والإجماع ، كما ذكرنا .. ونوع يحرم أخذه
بالإجماع ، كالجبايات التى تؤخذ من أهل القرية لبيت المال ؛ لأجل قتيل
قتل بينهم ، وإن كان له وارث ، أو على حد ارتكبه ، وتسقط عنه
العقوبة بذلك ، وكالمكوس التى لا يسوغ وضعها اتفاقا . ونوع فيه
اجتهاد وتنازع كمال من له ذو رحم ، وليس بذي فرض ولا عصبة ،
ونحو ذلك .
وكثيراً ما يقع الظلم من الولاة والرعية : هؤلاء يأخذون مالا
يحل، وهؤلاء يمنعون ما يجب ، كما قد يتظالم الجند والفلاحون ، وكما
قد يترك بعض الناس من الجهاد ما يجب ، ويكنز الولاة من مال الله
مالا يحل كنزه. وكذلك العقوبات على أداء الأموال ؛ فإنه قد بترك
منها ما يباح أو يجب ؛ وقد يفعل مالا يحل .
والأصل فى ذلك : أن كل من عليه مال ، يجب أداؤه ؛ كرجل
٢٧٨

عنده وديعة ، أو مضاربة ، أو شركة ، أو مال لموكله ، أو مال يتيم ،
أو مال وقف ، أو مال لبيت المال ؛ أو عنده دين وهو قادر على
أدائه ؛ فإنه إذا امتنع من أداء الحق الواجب : من عين ، أو دين ؛
وعرف أنه قادر على أدائه ؛ فإنه يستحق العقوبة ، حتى يظهر المال ، أو
يدل على موضعه . فإذا عرف المال ، وصبر على الحبس فإنه يستوفي
الحق من المال ، ولا حاجة إلى ضربه ، وإن امتنع من الدلالة على ماله
ومن الإيفاء ، ضرب حتى يؤدي الحق أو يمكن من أدائه . وكذلك لو
امتنع من أداء النفقة الواجبة عليه مع القدرة عليها ؛ لما روى عمرو بن
الشريد عن أبيه ، عن النبى صلى الله عليه وسلم ، أنه قال :
((ليّ الواجد يحل عرضه وعقوبته)) رواه أهل السنن. وقال صلى الله
عليه وسلم: ((مطل الغني ظلم)) أخرجاه في الصحيحين، و((اللي ))
هو المطل : والظالم يستحق العقوبة والتعزير .
وهذا أصل متفق عليه : أن كل من فعل محرماً ، أو ترك واجباً ،
استحق العقوبة ؛ فإن لم تكن مقدرة بالشرع كان تعزيراً يجتهد فيه ولي
الأمر ، فيعاقب الننى الماطل بالحبس ، فإن أصر عوقب بالضرب حتى
يؤدي الواجب ، وقد نص على ذلك الفقهاء : من أصحاب مالك ،
والشافعي ، وأحمد ، وغيرهم، رضي الله عنهم؛ ولا أعلم فيه خلافاً.
وقد روى البخاري فى صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن
٢٧٩

النبى صلى الله عليه وسلم لما صالح أهل خيبر على الصفراء والبيضاء
والسلاح ، سأل بعض اليهود - وهو سعية عم حُيي بن أخطب -
عن كنز مال حيي بن أخطب . فقال: أذهبته النفقات والحروب، فقال:
((العهد قريب، والمال أكثر من ذلك)) فدفع النبى صلى الله عليه
وسلم سعية إلى الزبير ، فمسه بعذاب ، فقال: قد رأيت حيباً
يطوف في خربة ههنا ، فذهبوا فطافوا ، فوجدوا المسك في الخربة ؛
وهذا الرجل كان ذمياً، والذي لا تحل عقوبته إلا بحق ؛ وكذلك كل
من كتم ما يجب إظهاره من دلالة واجبة ونحو ذلك ، يعاقب على
ترك الواجب .
وما أخذه العمال وغيرهم من مال المسلمين بغير حق ، فلولي الأمر
العادل استخراجه منهم ؛ كالهدايا التى يأخذونها بسبب العمل . قال أبو
سعيد الخدري ، رضى الله عنه : هدايا العمال غلول . وروى إبراهيم
الحربى - في كتاب الهدايا - عن ابن عباس رضي الله عنها ، أن
النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((هدايا الأمراء غلول)) وفي
الصحيحين عن أبي حميد الساعدي ، رضي الله عنه ، قال : استعمل
النبي صلى اللّه عليه وسلم رجلا من الأزد ؛ يقال له ابن التبية ،
على الصدقة ، فلما قدم ، قال : هذا لكم ، وهذا أهدي إلي . فقال
النبى صلى الله عليه وسلم: ((ما بال الرجل نستعمله على العمل مما
٢٨٠