Indexed OCR Text
Pages 221-240
من يخاف أن يفسد دينه : بين أمره له لتقي معاشرته . وإذا كان مبتدعا يدعو إلى عقائد تخالف الكتاب والسنة ، أو يسلك طريقا يخالف الكتاب والسنة ، ويخاف أن يضل الرجل الناس بذلك : بين أمره للناس ليتقوا ضلاله ويعلموا حاله . وهذا كله يجب أن يكون على وجه النصح وابتغاء وجه الله تعالى لا لهوى الشخص مع الإنسان مثل : أن يكون بينها عداوة دنيوية ، أو تحاسد ، أو تباغض ، أو تنازع على الرئاسة ، فيتكلم بمساويه مظهراً للنصح ، وقصده فى الباطن الغض من الشخص واستيفاؤه منه، فهذا من عمل الشيطان و(( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) بل يكون الناصح قصده أن الله يصلح ذلك الشخص ، وأن يكفى المسلمين ضرره في دينهم ودنياهم ، ويسلك فى هذا المقصود أيسر الطرق التى تمكنه . ولا يجوز لأحد أن يحضر مجالس المنكر باختياره لغير ضرورة ، كما فى الحديث أنه قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة بشرب عليها الخمر )) ورفع لعمر بن عبد العزيز قوم بشربون الخمر فأمر بجلدم ، فقيل له : إن فيهم صائما . فقال : ابدأوا به ، أما سمعتم الله يقول: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِ الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ اللَّهِ يُكْفَرُبِهَا وَيُسْنَهْزَأُ بِهَا فَلَ نَقْعُدُ واْمَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِ هِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمُّ) ؟! بين عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه أن الله جعل حاضر ٢٢١ المنكر كفاعله. ولهذا قال العلماء: إذا دعى إلى وليمة فيها منكر كالخمر والزمر لم يجز حضورها، وذلك أن اللّه تعالى قد أمرنا بإنكار المنكر بحسب الإمكان ، فمن حضر باختياره ولم ينكره، فقد عصى الله ورسوله بترك ما أمره به، من بغضه وإنكاره والنهي عنه . وإذا كان كذلك ، فهذا الذي يحضر مجالس الخمر باختياره من غير ضرورة ، ولا ينكر المنكر كما أمره الله ، هو شريك الفساق في فسقهم فيلحق بهم . وسئل رحمه الله عن الغيبة هل تجوز على أناس معينين أو يعين شخص بعينه ؟ وما حكم ذلك ؟ أفتونا بجواب بسيط ؛ ليعلم ذلك الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ، ويستمد كل واحد بحسب قوته بالعلم والحكم . فأجاب : الحمد لله رب العالمين . أصل الكلام فى هذا أن يعلم أن الغيبة هى كما فسرها النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لما سئل عن الغيبة فقال: ((هي ذكرك أخاك بما يكره)) قيل: يا رسول الله أرأيت إن كان فى أخي ما أقول؟ قال: ((إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته)). بين صلى الله عليه وسلم الفرق بين الغيبة والبهتان، وأن الكذب ٢٢٢ عليه بهت له ، كما قال سبحانه: (وَلَوْلَا إِذْسَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَنْ تَتَكَلَّمَ وقال تعالى: ( وَلَا يَأْتِينَ ◌ِهَذَا سُبْحَتَكَ هَذَابُهْتَنُ عَظِيمٌ) وفى الحديث الصحيح: ((أن بِبُهْتَنِ يَفْتَّرِينَهُ و بَيْنَ أَبْدِيِهِنَّ وَأَرْجُلِهِتَّ ) اليهود قوم بهت )). فالكذب على الشخص حرام كله ، سواء كان الرجل مسلما أو كافراً، براً أو فاجراً ؛ لكن الافتراء على المؤمن أشد ؛ بل الكذب كله حرام . ولكن تباح عند الحاجة الشرعية ((المعاريض)) وقد تسمى كذبا ؛ لأن الكلام يعنى به المتكلم معنى ، وذلك المعنى يريد أن يفهمه المخاطب، فإذا لم يكن على ما يعنيه فهو الكذب المحض ، وإن كان على ما يعنيه ولكن ليس على ما يفهمه المخاطب فهذه المعاريض ، وهي كذب باعتبار الأفهام ، وإن لم تكن كذبا باعتبار الغابة السائغة . ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات كلهن فى ذات الله: قوله لسارة: أختى، وقوله: (بَّ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) وقوله ( إِنِ سَقِيمٌ ))) وهذه الثلاثة معاريض. وبها احتج العلماء على جواز التعريض للمظلوم ، وهو أن يعني بكلامه ما يحتمله اللفظ وإن لم يفهمه المخاطب ؛ ولهذا قال من قال من ٢٢٣ العلماء : إن ما رخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو من هذا ، كما فى حديث أم كلثوم بنت عقبة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ليس الكاذب بالذي يصلح بين الناس فيقول خيراً أو ينمى خيراً)). ولم يرخص فيما يقول الناس: إنه كذب؛ إلا في ثلاث : فى الإصلاح بين الناس ، وفي الحرب ؛ وفى الرجل يحدث امرأته . قال : فهذا كله من المعاريض خاصة . ولهذا نفى عنه النبي صلى الله عليه وسلم اسم الكذب باعتبار القصد والغابة، كما ثبت عنه أنه قال: ((الحرب خدعة)) وأنه كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها . ومن هذا الباب قول الصديق في سفر الهجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: هذا الرجل يهديني السبيل. وقول النبى صلى الله عليه وسلم للكافر السائل له في غزوة بدر: ((نحن من ماء)، وقوله للرجل الذي حلف على المسلم الذي أراد الكفار أسره: إنه أخي . وعى أخوة الدين ، وفهموا منه أخوة النسب . فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إن كنت لأبرهم وأصدقهم، المسلم أخو المسلم » . والمقصود هنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين الاغتياب وبين البهتان ، وأخبر أن المخبر بما يكره أخوه المؤمن عنه إذا كان صادقا فهو المغتاب، وفى قوله صلى الله عليه وسلم: ((ذكرك أخاك بما : ٢٢٤ بكره )) موافقة لقوله تعالى: (وَلَيَغْتَبِ بَعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن فجعل جهة التحريم كونه أخا يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهِتُمُوهُ ) أخوة الإيمان ؛ ولذلك تغلظت الغيبة بحسب حال المؤمن ، فكلما كان أعظم إيماناً كان اغتيابه أشد . ومن جنس الغيبة الهمز واللمز ؛ فإن كلاهما فيه عيب الناس والطعن عليهم ، كما في الغيبة ؛ لكن الهمز هو الطعن بشدة وعنف ؛ بخلاف اللمز فإنه قد يخلو من الشدة والعنف، كما قال تعالى: (وَمِنْهُمْ مَّنْ يَلِّمِزُكَ فِى الصَّدَقَتِ ) أي يعيبك ويطعن عليك، وقال تعالى (وَلَتَلْمِزُوْأَنفُسَكُمْ) أي لا يلمز بعضكم بعضا، وقال: (هَمَّازِمَّشََّ بِنَمِيمٍ ) وقال: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةِ لُّمَزَةٍ ). إذا تبين هذا فنقول : ذكر الناس بما يكرهون هو فى الأصل على وجهين ( أحدهما ) ذكر النوع (والثانى ) ذكر الشخص المعين الحي أو الميت . أما الأول فكل صنف ذمه الله ورسوله يجب ذمه ؛ وليس ذلك من الغيبة ، كما أن كل صنف مدحه الله ورسوله يجب مدحه ، وما لعنه الله ورسوله لعن، كما أن من صلى الله عليه وملائكته يصلى عليه. فالله تعالى ذم الكافر ، والفاجر ، والفاسق ، والظالم ، والغاوي ، والضال . ٣٢٥ والحاسد ، والبخيل ، والساحر ، وآكل الربا ، وموكله ، والسارق ، والزاني ، والمختال ، والفخور، والمتكبر الجيار، وأمثال هؤلاء ؛ كما حمد المؤمن التقي ، والصادق ، والبار ، والعادل ، والمهتدي ، والراشد، والكريم؛ والمتصدق، والرحيم، وأمثال هؤلاء . ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه، والمحلّل والمحدِّل له، ولعن من عمل عَمَل قوم لوط . ولعن من أحدث حدثا أو آوى محدثاً ، ولمن المخمر وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومشتريها وساقيها وشاربها وآ كل ثمنها ، ولعن اليهود والنصارى حيث حرمت عليهم الشحوم جملوها فباعوها وأكلوا أتمانها ، ولعن اللّه الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات من بعد ما بينه للناس ، وذكر لعنة الظالمين . والله هو وملائكته يصلون على النبى، ويصلون على الذين آمنوا. والصابر المسترجع عليه صلاة من ربه ورحمة . والله وملائكته يصلون على معلم الناس الخير ، ويستغفر له كل شيء حتى الحيتان والطير ، وأمر الله نبيه أن يستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات . فإذا كان المقصود الأمر بالخير والترغيب فيه ، والنهي عن الشر والتحذير منه: فلابد من ذكر ذلك ؛ ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا بلغه أن أحداً فعل ما ينهى عنه يقول: ((ما بال رجال يشترطون ٢٢٦ شروطا ليست فى كتاب الله؟ من اشترط شرطا ليس فى كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط)) ((ما بال رجال يتنزهون عن أشياء أترخص فيها؟ والله إنى لأتقاكم الله وأعلمكم بحدوده)) ((ما بال رجال يقول أحدهم : أما أنا فأصوم ولا أفطر؟ ويقول الآخر: أما أنا فأقوم ولا أنام ؟ ويقول الآخر: لا أتزوج النساء، ويقول الآخر : لاآكل اللحم ؟ لكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء وآكل اللحم ؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني)) . وليس لأحد أن يعلق الحمد والنم والحب والبغض والموالاة والمعاداة والصلاة واللعن بغير الأسماء التى علق الله بها ذلك : مثل أسماء القبائل، والمدائن، والمذاهب ، والطرائق المضافة إلى الأئمة والمشايخ، ونحو ذلك مما يراد به التعريف، كما قال تعالى: ( يَأَيُّهَ النّاسُ إِنَّا خَفْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْتَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَابِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّأَكْرَ مَكُمْ عِندَاللَّهِ أَنْقَمَكُمْ) وقال تعالى: (أَلَاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِلَآَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُو ◌ْيَتَّقُونَ ) وقال: ( تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِ نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا) وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((إن آل أبى فلان ليسوا لي بأولياء؛ إنما وليي اللّه وصالح المؤمنين)) وقال ((ألا إن أوليائي المتقون حيث كانوا ومن كانوا)) وقال: ((إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية ، وغيرها بالآباء . الناس رجلان : مؤمن تقي، وفاجر شقي . ٢٢٧ الناس من آدم وآدم من تراب)) وقال: ((إنه لا فضل لعربى على عجمي، ولا العجمي على عربي ، ولا لأبيض على أسود ، ولا الأسود على أبيض: إلا بالتقوى)) . فذكر الأزمان والعدل بأسماء الإيثار والولاء والبلد والانتساب إلى عالم أو شيخ إنما يقصد بها التعريف به ليتميز عن غيره ، فأما المحمد والفم والحب والبغض والموالاة والمعاداة فإنما تكون بالأشياء التى أنزل الله بها سلطانه ، وسلطانه كتابه ، فمن كان مؤمناً وجبت موالاته من أي صنف كان ، ومن كان كافراً وجبت معاداته من أي صنف كان ، قال تعالى: ( إِنََّ وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ, وَالَّذِينَءَامَنُواْلَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ رَكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) وقال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْلَا نَتَّخِذُواْ أَلْيُهُودَ وَالنَّصَرَى أَوْلِيَةَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) وقال تعالى: (وَاُلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) وقال تعالى: (لَا تَتَّخِذُ واْعَدُوِى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ) ( أَفَتَتَّخِذُونَهُوَذُرِّيَّتَهُ( أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ وقال تعالى : وقال تعالى: ( لَّا تَجِدُ قَوْمَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا) اُلْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ حَادَّاللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كَانُوْءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ وَأَنَّدَهُمْ بِرُوجِمِّنْهُ ) . ومن كان فيه إيمان وفيه فجور أعطي من الموالاة بحسب إيمانه ، ٢٢٨ ومن البغض بحسب فجوره ، ولا يخرج من الإيمان بالكلية بمجرد الذنوب والمعاصي ، كما يقوله الخوارج والمعتزلة، ولا يجعل الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون بمنزلة الفساق فى الإيمان والدين والحب والبغض والموالاة والمعاداة، قال الله تعالى: (وَإِن طَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْبَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَمُهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَدِلُواْ الَّتِى تَبْغِىِ حَّى تَّفِىّءَ إِلَ أَمْرِاللَّهِ فَإِنِ فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْبَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَفْسِطُوَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ* إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) فجعلهم إخوة مع وجود الاقتتال والبغي ، وقال تعالى: ( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِ الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ اَلْمُتَّقِينَ كَالْفُسَّارِ) وقد قال تعالى: ( وَلَ تَأْخُذْكُمْ بِمَارَأَفَةٌ فِدِينِاللهِإِن كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ) فهذا الكلام في الأنواع . وأما الشخص المعين فيذكر ما فيه من الشر فى مواضع . منها المظلوم له أن يذكر ظالمه بما فيه ، إما على وجه دفع ظلمه واستيفاء حقه، كما قالت هند: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح ، وإنه ليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي . فقال لها النبى صلى الله عليه وسلم: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)) كما قال صلى الله عليه وسلم ((لَيُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته)) وقال وكيع: عرضه شكايته، وعقوبته حبسه، وقال تعالى: (لَّايُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوْءِ ٢٢٩ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ) وقد روى : أنها نزلت فى رجل نزل بقوم فلم يقروه. فإذا كان هذا فيمن ظلم بترك قراء الذي تنازع الناس في وجوبه وإن كان الصحيح أنه واجب ، فكيف بمن ظلم بمنع حقه الذي اتفق المسلمون على استحقاقه إياه ؟! أو يذكر ظالمه على وجه القصاص من غير عدوان ، ولا دخول في كذب ، ولا ظلم الغير ؛ وترك ذلك أفضل . ومنها أن يكون على وجه النصيحة للمسلمين فى دينهم ودنياه [كما ) فى الحديث الصحيح عن فاطمة بنت قيس لما استشارت النبى صلى الله عليه وسلم من تتكح؟ وقالت: إنه خطبني معاوية وأبو جهم فقال: ((أما معاوية فصعلوك لا مال له ، وأما أبو جهم فرجل ضراب للنساء)) وروي: ((لا يضع عصاء عن عاتقه)، فبين لها أن هذا فقير قد يعجز عن حقك، وهذا يؤذيك بالضرب . وكان هذا نصحاً لها .- وإن تضمن ذكر عيب الخاطب . وفي معنى هذا نصح الرجل فيمن يعامله، ومن يوكله ويوصي إليه، ومن يستشهده ؛ بل ومن يتحاكم إليه . وأمثال ذلك ، وإذا كان هذا فى مصلحة خاصة فكيف بالنصح فيما يتعلق به حقوق عموم المسلمين : من الأمراء والحكام والشهود والعمال : أهل الديوان وغيرم ؟ فلا ريب أن النصح في ذلك أعظم ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ٢٣٠ ((الدين النصيحة، الدين النصيحة)) قالوا لمن يا رسول الله؟ قال: ((شـ ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم)) . وقد قالوا لعمر بن الخطاب في أهل الشورى : أمر فلانا وفلانا ، فجعل يذكر فى حق كل واحد من السنة - وم أفضل الأمة - أمراً جعله مانعاً له من تعيينه . وإذا كان النصح واجباً فى المصالح الدينية الخاصة والعامة : مثل نقلة الحديث الذين يغلطون أو يكذبون ، كما قال يحي بن سعيد : سألت مالكا والثوري والليث بن سعد - أظنه - والأوزاعي عن الرجل يتهم فى الحديث أو لا يحفظ ؟ فقالوا : بين أمره. وقال بعضهم لاحمد ابن حنبل : إنه يثقل علي أن أقول فلان كذا ، وفلان كذا . فقال : إذا سكت أنت وسكت أنا فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم؟ !. ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة ، أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة ؛ فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين ، حتى قيل لأحمد بن حنبل : الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم فى أهل البدع ؟ فقال : إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه ، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين هذا أفضل . فبين أن نفع هذا عام للمسلمين فى دينهم من جنس ٢٣١ الجهاد فى سبيل الله؛ إذ تطهير سبيل اللّه ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين ، ولو لا من بقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين ، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب ؛ فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعاً ، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداء . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم؛ وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)) وذلك أن الله يقول فى كتابه: ( لَقَدْ أَرْسَلْنَارُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن فأخبر أنه أنزل الكتاب والميزان يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ) ليقوم الناس بالقسط، وأنه أنزل الحديد ، كما ذكره . فقوام الدين بالكتاب الهادي، والسيف الناصر (وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا ). والكتاب هو الأصل ؛ ولهذا أول ما بعث الله رسوله أنزل عليه الكتاب ، ومكث بمكة لم يأمره بالسيف حتى هاجر وصار له أعوان على الجهاد . وأعداء الدين نوعان : الكفار ، والمنافقون. وقد أمر الله نبيه ٢٣٢ ( بجهاد الطائفتين فى قوله : (جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأُغْلُطْ عَلَيْهِمْ في آيتين من القرآن . فإذا كان أقوام منافقون يبتدعون بدءا تخالف الكتاب ، ويلبسونها على الناس ، ولم تبين للناس : فسد أمر الكتاب ، وبدل الدين ؛ كما فسد دين أهل الكتاب قبلنا بما وقع فيه من التبديل الذي لم ينكر على أهله . وإذا كان أقوام ليسوا منافقين ، لكنهم سماعون للمنافقين : قد التبس عليهم أمرهم حتى ظنوا قولهم حقاً؛ وهو مخالف للكتاب ، وصاروا دعاة إلى بدع المنافقين، كما قال تعالى: ( لَوْخَرَ جُواْفِيَكُمْ مَّازَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَ وْضَعُواْ ◌َِلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيَكُمْ سَمَّعُونَهُمْ) فلا بد أيضاً من بيان حال هؤلاء ؛ بل الفتنة بحال هؤلاء أعظم، فإن فيهم إيمانا يوجب موالاتهم ، وقد دخلوا فى بدع من بدع المنافقين التى تفسد الدين ، فلا بد من التحذير من تلك البدع ، وإن اقتضى ذلك ذكرهم وتعينهم ؛ بل ولو لم يكن قد تلقوا تلك البدعة عن منافق؛ لكن قالوها ظانين أنها هدى، وأنها خير ، وأنها دين ؛ ولم تكن كذلك لوجب بيان حالها . ولهذا وجب بيان حال من يغلط في الحديث والرواية ، ومن ٢٣٣ يغلط في الرأي والفتيا ، ومن يغلط فى الزهد والعبادة ؛ وإن كان المخطئ المجتهد مغفوراً له خطؤه، وهو مأجور على اجتهاده. فبيان القول والعمل الذي دل عليه الكتاب والسنة واجب ؛ وإن كان فى ذلك مخالفة لقوله وعمله . ومن علم منه الاجتهاد السائغ فلا يجوز أن يذكر على وجه الفم والتأثيم له ؛ فإن الله غفر له خطأ ؛ بل يجب لما فيه من الإيمان والتقوى موالاته ومحبته ، والقيام بما أوجب الله من حقوقه : من ثناء ودعاء وغير ذلك؛ وإن على منه النفاق ، كما عرف نفاق جماعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم : مثل عبد الله بن أبي وذويه ، وكما علم المسلمون نفاق سائر الرافضة : عبد الله بن سبأ وأمثاله: مثل عبد القدوس بن الحجاج ، ومحمد بن سعيد المصلوب ؛ فهذا يذكر بالنفاق. وإن أعلن بالبدعة ولم يعلم هل كان منافقا أو مؤمنا مخطئا ذكر بما يعلم منه ، فلا يحل للرجل أن يقفو ما ليس له به علم ، ولا يحل له أن يتكلم فى هذا الباب إلا قاصدا بذلك وجه الله تعالى، وأن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله. فمن تكلم في ذلك بغير علم أو بما يعلم خلافه كان آ ثما . وكذلك القاضى والشاهد والمفتى ، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( القضاة ثلاثة : قاضيان فى النار ، وقاض فى الجنة : رجل علم الحق وقضى به فهو فى الجنة ، ورجل قضى للناس على جهل فهو فى النار ٢٣٤ ورجل علم الحق فقضى بخلاف ذلك فهو في النار )) وقد قال تعالى : (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوََّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَلِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِنَّ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًاً فَلَهُ أَوْلَى بِهِمَّ فَلَا تَتَّبِعُواْ الْمَوَ أَنْ تَعْدِ لُواْ وَإِن تَلْوُرأ أَوْتُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ) و((اللي)) هو الكذب، و((الإعراض)) كتمان الحق، ومثله ما في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، فإن صدقا وبينا بورك لما فى بيعهما ؛ وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعها )). ثم القائل فى ذلك بعلم لا بد له من حسن النية ، فلو تكلم بحق لقصد العلو في الأرض أو الفساد كان بمنزلة الذي يقاتل حمية ورياء . وإن تكلم لأجل الله تعالى مخلصاً له الدين كان من المجاهدين فى سبيل اللّه، من ورثة الأنبياء، خلفاء الرسل . وليس هذا الباب مخالفا لقوله: ((الغيبة ذكرك أخاك بما يكره)) فإن الأخ هو المؤمن، والأخ المؤمن إن كان صادقا فى إيمانه لم يكره ما قلته من هذا الحق الذي يحبه الله ورسوله ، وإن كان فيه شهادة عليه وعلى ذويه ، بل عليه أن يقوم بالقسط ، ويكون شاهداً لله ولو على نفسه أو والديه أو أقرببه ، ومتى كره هذا الحق كان ناقصا في إيمانه ، ينقص من أخوته بقدر ما نقص من إيمانه ، فلم يعتبر كراهته من الجهة التى نقص منها إيمانه ؛ إذ كراهته لما ٢٣٥ لا يحبه الله ورسوله توجب تقديم محبة الله ورسوله، كما قال تعالى: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ وَأَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ). ثم قد يقال : هذا لم يدخل في حديث الغيبة لفظا ومعنى . وقد يقال : دخل في ذلك الذين خص منه ، كما يخص العموم اللفظي والعموم المعنوي ، وسواء زال الحكم لزوال سببه أو لوجود مانعه فالحكم واحد . والنزاع فى ذلك يؤول إلى اللفظ ؛ إذ العلة قد يعنى بها التامة، وقد بنى بها المقتضية. والله أعلم وأحكم. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم . وقال رحمه الله تعالى: فمن الناس من يغتاب موافقة لجلسائه وأصحابه وعشائره ، مع علمه أن المغتاب بريء مما يقولون، أو فيه بعض ما يقولون ؛ لكن يرى أنه لو أنكر عليهم قطع المجلس واستثقله أهل المجلس ونفروا عنه ، فيرى موافقتهم من حسن المعاشرة وطيب المصاحبة ، وقد يغضبون فيغضب لغضبهم فيخوض معهم . ٢٣٦ ومنهم من يخرج الغيبة فى قوالب شتى. تارة فى قالب ديانة وصلاح ، فيقول: ليس لي عادة أن أذكر أحداً إلا بخير ، ولا أحب الغيبة ولا الكذب، وإنما أخبركم بأحواله. ويقول: والله إنه مسكين، أو رجل جيد ؛ ولكن فيه كيت وكيت . وربما يقول : دعونا منه ، الله يغفر لنا وله ؛ وإنما قصده استنقاصه وهضما لجنابه . ويخرجون الغيبة فى قوالب صلاح وديانة ، يخادعون الله بذلك ، كما يخادعون مخلوقا ، وقد رأينا منهم ألواناً كثيرة من هذا وأشباهه . ومنهم من يرفع غيره رياء فيرفع نفسه ، فيقول : لو دعوت البارحة فى صلاتى لفلان ؛ لما بلغني عنه كيت وكيت ، ليرفع نفسه ويضعه عند من يعتقده . أو يقول : فلان بليد الذهن قليل الفهم ؛ وقصده مدح نفسه ، وإثبات معرفته ، وأنه أفضل منه . ومنهم من يحمله الحسد على الغيبة فيجمع بين أمرين قبيحين : الغيبة ، والحسد . وإذا أثنى على شخص أزال ذلك عنه بما استطاع من تنقصه فى قالب دين وصلاح ، أو فى قالب حسد ونجور وقدح ، ليسقط ذلك عنه . ومنهم من يخرج الغيبة فى قالب تمسخر ولعب ، ليضحك غيره ٢٣٧ باستهزائه ومحاكاته واستصغار المستهزأ به . ومنهم من يخرج الغيبة فى قالب التعجب ، فيقول تعجبت من فلان كيف لا يفعل كيت وكيت ؟! ومن فلان كيف وقع منه كيت وكيت ، وكيف فعل كيت وكيت ، فيخرج اسمه في معرض تعجبه . ومنهم من يخرج الاغتمام ، فيقول مسكين فلان ، غمنى ما جرى له وما تم له ، فيظن من يسمعه أنه يغتم له ويتأسف وقلبه منطو على التشفي به ، ولو قدر لزاد على مابه، وربما يذكره عند أعدائه ليشتفوا به . وهذا وغيره من أعظم أمراض القلوب والمخادعات لله ولخلقه . ومنهم من يظهر الغيبة فى قالب غضب وإنكار منكر ، فيظهر فى هذا الباب أشياء من زخارف القول ، وقصده غير ما أظهر . والله المستعان. ٢٣٨ وسئل رحمه الله عن رجل مقبول القول عند الحكام يخرج للفرجة فى الزهر فى مواسم الفرج ، حيث يكون مجمع الناس ، ويرى المنكر ولا يقدر على إزالته ، وتخرج امرأته أيضا معه . هل يجوز ذلك؟ وهل يقدح في عدالته ؟ فأجاب : ليس للإنسان أن يحضر الأماكن التى يشهد فيها المنكرات ولا يمكنه الإنكار ؛ إلا لموجب شرعي : مثل أن يكون هناك أمر يحتاج إليه لمصلحة دينه أو دنياه لا بد فيه من حضوره ، أو يكون مكرها. فأما حضوره لمجرد الفرجة ، وإحضار امرأته تشاهد ذلك ، فهذا مما يقدح فى عدالته ومروءته إذا أصر عليه . والله أعلم. ٢٣٩ وسئل رحمه اللّه عن بلد ((ماردين)) هل هي بلد حرب أم بلد سلم ؟ وهل يجب على المسلم المقيم بها الهجرة إلى بلاد الإسلام أم لا ؟ وإذا وجبت عليه الهجرة ولم يهاجر ، وساعد أعداء المسلمين بنفسه أو ماله ، هل بأثم فى ذلك ؟ وهل يأثم من رماه بالتفاق وسبه به أم لا ؟ ؟ فأجاب: الحمد لله . دماء المسلمين وأموالهم محرمة حيث كانوا فى ((ماردين)) أو غيرها . وإعانة الخارجين عن شريعة دين الإسلام محرمة ، سواء كانوا أهل ماردين ، أو غيرهم . والمقيم بها إن كان عاجزاً عن إقامة دينه وجبت الهجرة عليه . وإلا استحبت ولم تجب . ومساعدتهم لعدو المسلمين بالأنفس والأموال محرمة عليهم ، ويجب عليهم الامتناع من ذلك ، بأي طريق أمكنهم ، من تغيب ، أو تعريض، أو مصانعة ؛ فإذا لم يمكن إلا بالهجرة تعينت . ولا يحل سبهم عموما ورميهم بالنفاق ؛ بل السب والرمي بالنفاق يقع على الصفات المذكورة فى الكتاب والسنة ، فيدخل فيها بعض ٢٤٠