Indexed OCR Text
Pages 181-200
عنه فى أمور ؛ فلا بد من السماحة والصبر في كل منهما ، كما قال تعالى : وفى الحديث («أفضل الإيمان (وَتَوَصَوْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْ بِالْمَرْهَةِ ) السماحة والصبر )) ومن أسماء الله ، الغفور الرحيم . فبالحلم يعفو عن سيئاتهم، وبالسماحة يوصل إليهم المنافع ، فيجمع جلب المنفعة ودفع المضرة . فأما الإمساك عن ظلمهم والعدل عليهم ، فوجوب ذلك أظهر من هذا، فلا حاجة إلى بيانه ، والله أعلم . فصل فى مراقب الذنوب أما مراتبها فى الآخرة ، فله موضع غير هذا ؛ وإنما الغرض هنا مراتبها في الدنيا : فى النم والعقاب . وقد ذكرت فيما قبل هذا، أن الذنوب التى فيها ظلم الغير ، والإضرار به ، فى الدين والدنيا ، أعظم عقوبة فى الدنيا ، مما لم يتضمن ضرر الغير ؛ وإن كان عقوبة هذا في الآخرة أكبر ، كما يعاقب ذوو الجرائم من المسلمين بما لا يعاقب به أهل الذمة من الكافرين ؛ وإن كان الكافر أشد عذابا فى الآخرة من المسلم . ويعاقب الثانى على عدالته ، مثل شارب النبيذ متأولا ، والبغاة المتأولين ، بما لا يعاقب به الفاسق المستسر بالذنب . ويعاقب ١٨١ الداعي إلى بدعة ، والمظهر للمنكر ، بما لا يعاقب به المنافق المستسر بنفاقه من غير دعوة للغير . فهذه أمثلة فى الكافر والفاسق ، وفى الفاسق والعدل ، وفى المنافق والمؤمن المظهر لبدعة أو ذنب . وبينت سبب ذلك ؛ أن عقوبة هؤلاء من باب دفع ظلم الظالمين عن الدين والدنيا ؛ بخلاف من لم يظلم إلا نفسه ، فإن عقوبته إلى ربه . ((وجماع الأمر)) أن الذنوب كلها ظلم : فأما ظلم العبد لنفسه فقط ، أو ظلمه مع ذلك لغيره ؛ فما كان من ظلم الغير ، فلا بد أن يشرع من عقوبته ما يدفع به ظلم الظالم عن الدين والدنيا ، كما قال تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِّمُواْ وَ إِنَّاللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) ج فجعل السبب المبيح لعقوبة الغير التى هي قتاله : ( أنهم ظلموا ) . وقال : (وَقَائِلُوهُمْ حَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ أَنَهَوْ فَلَا عُدْ وَنَ إِلََّّ عَلَى الظَّلِينَ) فبين أن الظالم يعتدى عليه : أي بتجاوز الحد المطلق في حقه ؛ وهو العقوبة ، وهذا عدوان جائز ، كما قال : ( فَمَنِ أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ ). وقول بعضهم : إن هذا ليس بعدوان في الحقيقة ، وإنما سماء عدوانا على سبيل المقابلة، كما قالوا مثل ذلك فى قوله: (وَجَزَُّؤَأْسَيِّئَةٍ سَتِنَّةٌ مِّثْلُهَا ). لا يحتاج إليه ؛ فإن العدوان المطلق ، هو مجاوزة الحد المطلق ، وهذا لا يجوز في حقه إلا إذا اعتدى ، فيتجاوز الحد فى حقه بقدر تجاوزه . ١٨٢ والسيئة اسم لما يسوء الإنسان ؛ فإن المصائب والعقوبات تسمى سيئة فى غير موضع من كتاب الله تعالى. والظلم نوعان : تفريط فى الحق ، وتعد للحد . فالأول ترك ما يجب للغير مثل ترك قضاء الديون ، وسائر الأمانات ، وغيرها من الأموال . والثاني الاعتداء عليه، مثل القتل، وأخذ المال ، وكلاهما ظلم ؛ ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث المتفق عليه : ((مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع))، فجعل مجرد المطل الذي هو تأخير الأداء مع القدرة ظلماً ، فكيف بالترك رأساً . (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِ النِّسَاءِ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وقد قال تعالى : وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِىِ الْكِتَبِ فِى يَتَمَى النِّسَاءِ الَّتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَاكُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ) إلى قوله: (وَأَنْ تَقُومُواْ لِلْيَتَمَى بِاَلْقِسْطِ ). قالت عائشة رضى الله عنها : هي اليتيمة تكون فى حجر وليها ، فيريد أن يتزوجها بدون أن يقسط لها في مهرها . فسمى الله تكميل المهر قسطا ؛ وضده الظلم . وهذا في الجملة ظاهر ، متفق عليه بين المسلمين : أن العدل قد يكون أداء واجب، وقد يكون ترك محرم، وقد يجمع الأمرين ، وأن الظلم أيضا قد يكون ترك واجب ، وقد يكون فعل محرم ، وقد يجمع الأمرين . فإذا عرف هذا ؛ وقد عرف أن العدل والظلم يكون ١٨٣ فى حق نفس الإنسان ، ويكون فى حقوق الناس - كما تقدم وقد كتبت فيما تقدم من ((القواعد)) وفى آخر ((مسودة الفقه)) كلاما كليا ، في أن جميع الحسنات تدخل فى العدل ، وجميع السيئات تدخل في الظلم - فإنه يتبين بهذا مسائل نافعة . منها : أن أولي الأمر من المسلمين من العلماء ، والأمراء ، ومن يتبعهم ، على كل واحد منهم حقوق للناس ، هي المقصودة الواجبة منه في مرتبته ؛ وإن لم تكن مطلوبة من غير ذلك النوع ، ولا واجبة عليه ؛ إذ وجوبها عليه دون ذلك . وكذلك قد تكون عليه محرمات حرمتها عليه مرتبته، وإن لم تحرم على غير أهل تلك المرتبة ، أو تحريمها عليهم أخف : مثال ذلك الجهاد ، فإنه واجب على المسلمين عموما ، على الكفاية منهم ؛ وقد يجب أحياناً على أعيانهم ؛ لكن وجوبه على المرتزقة الذين يعطون مال الفيء لأجل الجهاد أوكد ؛ بل هو واجب عليهم عينا ؛ واجب بالشرع ، وواجب بالعقد الذي دخلوا فيه ، لما عقدوا مع ولاة الأمر عقد الطاعة فى الجهاد ، وواجب بالعوض . فإنه لو لم يكن واجباً ، لا بشرع ، ولا بديعة إمام: لوجب بالمعاوضة عليه ، كما يجب العمل على الأجير الذي قبض الأجرة ، ويجب تسليم المبيع على من قبض الثمن، وهذا وجوب بعقد المعاوضة ، وبقبض العوض ، كما أن الأول وجوب ١٨٤ بالشرع ، وبمجرد مبايعة الإمام ، وهو واجب أيضا من جهة ما فى تركه من تغرير بالمسلمين ، والضرر اللاحق لهم بتركه وجوب الضمان للمضمون له . فإن ((المرتزقة)) ضمنوا للمسلمين بالارتزاق الدفع عنهم . فاطمأن الناس إلى ذلك ، واكتفوا بهم، وأعرضوا عن الدفع بأنفسهم ، أعظم مما يطمئن الموكل والمضارب إلى وكيله وعامله ، فإذا فرط بعضهم وضيع كان ذلك من أعظم الضرر على المسلمين ؛ فإنهم أدخلوا الضرر العظيم على المسلمين فى دينهم ودنياهم ، بما تركوه من القتال عن المسلمين الواجب عليهم ، حتى لحق المسلمين من الضرر فى دينهم ودنيام : في الأنفس ، والذرية ، والأموال ، مالا يقدر قدره أحد . فظلم المقاتلة بترك الجهاد عن المسلمين من أعظم ظلم يكون ؛ بخلاف ما يلحق أحدم من الضرر ، فإن ذلك ظلم لنفسه . وكذلك ما يفعله من المعصية المختصة به - كشرب الخمر ، وفعل الفاحشة - فإن هذا ظلم لنفسه مختص به ، فعقوبته على ترك الجهاد وذمه على ذلك أعظم بكثير من ذمه وعقوبته على ذلك . وإذا لم يمكن جمع العقوبتين كانت العقوبة على ترك الجهاد مقدمة على العقوبة على هذه المعاصي ، كما أن منفعة الجهاد له وللمسلمين قد ١٨٥ تكون أعظم بكثير من منفعة ردعه عن الخمر والفاحشة ، إذا استسر بذلك ، ولم يظلم به غيره ؛ فيدفع هنا أعظم الفسادين باحتمال أدناهما . وفى مثل هذا ، قال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ، وبأقوام لاخلاق لهم ، ويذم أحد هؤلاء ، أو يزجر بما فيه من عجز عن الجهاد ، أو تفريط فيه، مالا يفعل بغيره ممن ليس مرصداً للجهاد. وكذلك أهل العلم الذين يحفظون على الأمة الكتاب والسنة: صورة ومعنى ؛ مع أن حفظ ذلك واجب على الأمة عموماً على الكفاية منهم، ومنه ما يجب على أعيانهم ، وهو علم العين ، الذي يجب على المسلم فى خاصة نفسه ؛ لكن وجوب ذلك عينا وكفاية على أهل العلم الذين رأسوا فيه ، أو رزقوا عليه، أعظم من وجوبه على غيرم؛ لأنه واجب بالشرع عموما . وقد يتعين عليهم لقدرتهم عليه ومجز غيرم ؛ ويدخل فى القدرة استعداد العقل ، وسابقة الطلب ، ومعرفة الطرق الموصلة إليه ، من الكتب المصنفة ، والعلماء المتقدمين ، وسائر الأدلة المتعددة ، والتفرغ له عما يشغل به غيرهم . ولهذا مضت السنة ، بأن الشروع فى العلم والجهاد يلزم، كالشروع في الحج، يعنى أن ما حفظه من علم الدين ، وعلم الجهاد ليس له ١٨٦ إضاعته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من قرأ القرآن ثم نسيه، لقي الله وهو أجذم)) رواه أبو داود. وقال: ((عرضت علي أعمال أمتى - حسنها وسيئها - فرأيت فى مساوىء أعمالها، الرجل يؤتيه الله آية من القرآن ثم ينام عنها حتى ينساها)، وقال: ((من تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا )) رواه مسلم . وكذلك الشروع في عمل الجهاد . فإن المسلمين إذا صافوا عدوا ، أو حاصروا حصنا ، ليس لهم الانصراف عنه حتى يفتحوه . ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن ينزعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه )). فالمرصدون للعلم ، عليهم للأمة حفظ علم الدين ، وتبليغه ؛ فإذا لم يبلغوم علم الدين ، أو ضيعوا حفظه ، كان ذلك من أعظم الظلم للمسلمين ؛ ولهذا قال تعالى: ( إِنَّالَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ اْبَيْنَتِ وَاَلْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَابَيِّنَهُ لِلنَّاسِ فِىِ الْكِتَبِّ أُوْلَكَ يَلْعَنُهُمُ اللّهُ وَ يَلْعَُّهُمُ اللَّعِنُونَ) فإن ضرر كتمانهم تعدى إلى البهائم ، وغيرها ، فلعنهم اللاعنون ، حتى البهائم . كما أن معلم الخير يصلي عليه الله وملائكته ، ويستغفر له كل شيء، حتى الحيتان في جوف البحر ، والطير فى جو السماء . ١٨٧ وكذلك كذبهم في العلم من أعظم الظلم . وكذلك إظهارهم المعاصي. والبدع ، التى تمنع الثقة بأقوالهم ، وتصرف القلوب عن اتباعهم ، وتقتضي متابعة الناس لهم فيها ؛ هي من أعظم الظلم . ويستحقون من الذم والعقوبة عليها مالا يستحقه من أظهر الكذب والمعاصي والبدع من غيرم ؛ لأن إظهار غير العالم - وإن كان فيه نوع ضرر - فليس هو مثل العالم فى الضرر الذي يمنع ظهور الحق ، ويوجب ظهور الباطل ؛ فإن إظهار هؤلاء للفجور والبدع بمنزلة إعراض المقاتلة عن الجهاد ، ودفع العدو ؛ ليس هو مثل إعراض آحاد المقاتلة ؛ لما فى ذلك من الضرر العظيم على المسلمين . فترك أهل العلم لتبليغ الدين كترك أهل القتال للجهاد ، وترك أهل القتال للقتال الواجب عليهم كترك أهل العلم للتبليغ الواجب عليهم ، كلاهما ذنب عظيم ؛ وليس هو مثل ترك ما تحتاج الأمة إليه ، مما هو مفوض إليهم ؛ فإن ترك هذا أعظم من ترك أداء المال الواجب إلى مستحقه . وما يظهرونه من البدع ، والمعاصي ، التى تمنح قبول قولهم، وتدعو النفوس إلى موافقتهم ، وتمنعهم وغيرهم من إظهار الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر أشد ضرراً للأمة وضرراً عليهم من إظهار غيرم لذلك . ولهذا جبل الله قلوب الأمة على أنها تستعظم جبن الجندي ، ١٨٨ وفشله ، وتركه للجهاد، ومعاونته للعدو أكثر مما نستعظمه من غيره. وتستعظم إظهار العالم الفسوق ، والبدع أكثر مما تستعظم ذلك من غيره ؛ بخلاف فسوق الجندي وظلمه وفاحشته ؛ وبخلاف قعود العالم عن الجهاد بالبدن . ومثل ذلك ولاة الأمور ، كل بحسبه ، من الوالي ، والقاضي ؛ فإن تفريط أحدهم فيما عليه رعايته من مصالح الأمة ، أو فعل ضد ذلك ، من العدوان عليهم يستعظم أعظم مما يستعظم ذنب يخص أحدهم . ١٨٩ وقال شيخ الإسلام رحمه الله فصل فى الولاية والعداوة فإن المؤمنين أولياء الله، وبعضهم أولياء بعض ؛ والكفار أعداء الله، وأعداء المؤمنين . وقد أوجب الموالاة بين المؤمنين ، وبين أن ذلك من لوازم الإيمان ، ونهى عن موالاة الكفار ، وبين أن ذلك منتف فى حق المؤمنين ، وبين حال المنافقين في موالاة الكافرين . ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ فأما ((موالاة المؤمنين)) فكثيرة كقوله : ءَامَنُواْ ) إلى قوله: (وَمَن يَنَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَالَّذِينَءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) وقوله : (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُ واْبِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَاُلَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُواْ أُوْلَبِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) إلى قوله: (وَالَّذِينَءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُ واْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ) وقال تعالى: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَخَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَّهُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ ١٩٠ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ). وقال: (لَا تَتَّخِذُ واْعَدُوِى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ) إلى قوله: (قَدْ إلى آخر السورة ، كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ فِىَ إِنَزَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ ) وقوله: (لَا تَتَوَلَّوْ قَوْمًا غَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْيَبِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَايَبِسَ الْكُفَّارُ مِنْ (اللَّهُ وَلِىُّالَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم وقال : أَصْحَبِ الْقُبُورِ ) (ذَلِكَ بِأَنَّاللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ الْكَفِرِينَ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ ) وقال : (وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ وَجِبْرِيلُ وقال : لَا مَوْلَئَهُمْ ) ( فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌ لِّلْكَفِرِينَ ) وقال : وَصَلِحُ اَلْمُؤْمِنِينَ ) وقال : (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوَأْءَابَآءَ كُمْ وَإِخْوَتَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ آَسْتَحَبُّوْاُلْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَنَّ وَمَنْ يَنَّوَلَّهُمْ مِّنْكُمْ فَأُوْلَكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِن كَانَ ءَآبَاؤُكُمْ إلى قوله : (وَاللهُ لَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ) وَأَبْنَاؤُكُمْ) وقال: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا نَتَّخِذُ واْ الْيَهُودَ وَالنَّصَرَّ أَوْلِيَةَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍٍّ وَ مَن يَتَوَّم مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّاللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الَّلِمِينَ * فَتَرَىَ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يُسَرِعُونَ ج فِيِهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَ أَن تُصِيبَنَا دَآِرَةٌ فَعَسَى اَللّهُ أَن يَأْتِىَ بِالْفَتْحِ أَوْأَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ، فَيُصْبِحُواْ عَ مَآ وَيَقُولُ الَّذِينَءَامَنُوْأَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ أَسَرُواْ فِيَّ أَنْفُسِهِمْنَدِمِينَ * إِنَّهُمْ ◌َعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَأَصْبَحُواْخَسِرِينَ * يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَنْ يَرْتَّدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ، ) ١٩١ (وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تَّخِذُواْالَّذِينَ آَتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ إلى قوله : اَلْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءِ وَتَّقُواْاللَّهَ إِن كُمُّؤْمِنِينَ ) ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَنِى إِسْرِِّ يلَ عَلَى إلى تمام الكلام . وقال : لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُلَبِنْسَ مَاكَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ لَمِنْسَ مَا فَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِ الْعَذَابِ هُمْ خَلِّدُونَ * وَلَوْ كَانُواْ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أَنْزِلَ إِلَيْهِ مَا أَتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ). فذم من يتولى الكفار من أهل الكتاب قبلنا ، وبين أن ذلك ينافي الإيمان (بَشْرِ الْمُنَفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَّ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) إلى قوله : ( سَبِيلاً ) وقال: (يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ اُلْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتْرِدُونَ أَنْ تَجْعَلُوْلِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَنَّا مُّبِينًا * إِنَّالْنَفِقِينَ فِى الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا). (وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوَاْءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى وقال عن المنافقين : شَيِطِينِهِمْ قَالُوَإِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ) كما قال عن الكفار المنافقين من أهل الكتاب : ( وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْقَالُواْءَامَنًا ١٩٢ وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآَجُوكُمْ بِهِ، عِنْدَ وقال : رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) (أَلَوْتَإلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْ أَقَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَّاهُمْ تِنَكُمْ وَلَا مِنْهُمْ ) نزلت فيمن تولى اليهود من المنافقين وقال: ( مَّاهُمْ مِنْكُمْ ) ولا من اليهود (وَيَحْلِفُونَ عَلَى اَلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أَعَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * أَتَّخَذُواْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةٌ فَصَدُ واْعَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌمُهِينٌ ) (لَّا تَجِدُ قَوْمَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَدُونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ إلى قوله : وَرَسُولَهُ،وَلَوْكَانُوْءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْعَشِيرَتَهُمْ ) وقال: ( أَمْ تَرَإِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِإِخْوَنِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ لَيِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَرِنَّ مَعَكُمْ ) إلى تمام القصة ، وقال : (إِنَّالَّذِينَ أَرْتَدُ واْ عَلَ أَدْبَرِهِم مِّنْ بَعْدِ مَانَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَىْ الشَّيْطَنُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّكَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ الْأَمْرِّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ). وتبين أن موالاة الكفار كانت سبب ارتدادم على أدبارهم ؛ ولهذا ذكر فى ((سورة المائدة)) أئمة المرتدين عقب النهي عن موالاة الكفار ( يَأَيُّهَا الرَّسُولُ وقال : قوله: (وَمَن يَتَوَّم ◌ِنْكُمْ فَإِنَّهُمِنْهُمْ) لَا يَحْزُّنِكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوَاْ ءَامَنَا بِأَفْوَهِهِمْ وَلَوْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُ وْأُسَفَعُونَ لِلْكَذِبِ سَفَعُونَ لِقَوْمٍ وَآخَرِينَ ١٩٣ لَمْ يَأْتُوَكٌ يُحِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِةٍ، يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوَّهُ فَاحْذَرُوا ) . فذكر المنافقين ، والكفار المهادنين ، وأخبر أنهم بسّمعون لقوم آخرين لم يأتوك، وهو استماع المنافقين والكفار المهادنين للكفار المعلنين الذين لم يهادنوا ، كما أن في المؤمنين من قد يكون سماعا للمنافقين كما قال: (وَفِيَكُمْ سَمَّعُونَ لَهُمْ ). وبعض الناس يظن أن المعنى : سماعون لأجلهم ، بمنزلة الجاسوس ؛ أي يسمعون ما يقول وينقلونه إليهم ، حتى قيل لبعضهم : أين فى القرآن: الحيطان لها آذان؟ قال: في قوله: (وَفِيكُمْ سَمَّعُونَ لَّمْ ) وكذلك قوله: ( سَفَّعُونَ لِلْكَذِبِ) أي ليكذبوا: أن اللام لام التعدية، لا لام التبعية؛ وليس هذا معنى الآيتين ؛ وإنما المعنى فيكم من يسمع لهم أى يستجيب لهم ويتبعهم. كما فى قوله: ((سمع الله لمن حمده)) استجاب الله لمن حمده، أى قبل منه، يقال: فلان يسمع لفلان، أى يستجيب له ويطيعه . وذلك أن المسمع وإن كان أصله نفس السمع الذى يشبه الإدراك؛ لكن إذا كان المسموع طلبا : ففائدته وموجبه الاستجابة والقبول . وإذا كان المسموع خبرا . ففائدته التصديق والاعتقاد ، فصار يدخل ١٩٤ مقصوده وفائدته فى مسماء نفيا وإثباتا ، فيقال : فلان يسمع لفلان : أى يطيعه فى أمره ، أو يصدقه فى خبره. وفلان لا يسمع ما يقال له: أى لا يصدق الخبر ولا يطيع الأمر ، كما بين اللّه السمع عن الكفار فى غير موضع، كقوله: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْكَمَثَلِ لَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّادُعَآءَ وَنِدَآءُ) وقوله: (وَلَا يَسْمَعُ الصُّةُّ الدُّعَاءَ) وذلك لأن سمع الحق يوجب قبوله إيجاب الإحساس الحركة ، وإيجاب على القلب حركة القلب ، فإن الشعور بالملائم يوجب الحركة إليه ، والشعور بالمنافر يوجب النفرة عنه ، فحيث انتفى موجب ذلك دل على انتفاء ( إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونُّ وَالْمَوْنَى مبدئه ؛ ولهذا قال تعالى : يَبْعَثُّهُمُ اللَّهُ ). ولهذا جعل سمع الكفار بمنزلة سمع البهائم لأصوات الرعاة ، أى يسمعون مجرد الأصوات سمع الحيوان ، لا يسمعون ما فيها - من تأليف الحروف المتضمنة للمعانى - السمع الذى لا بد أن يكون بالقلب مع الجسم؛ فقال تعالى: (سَنَعُونَ لِلْكَذِبِ سَفَعُونَ لِقَوْمٍ ءَآخَرِينَ لَمْ يَأْتُوٌ يُحرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِةٍ، يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ ) يقول: هم يستجيبون (لقوم آخرين) وأولئك (لم يأتوك ) وأولئك ( يُحرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ،) يقولون لهؤلاء الذين أتوك : ( إِنْ كما ذكروا فى سبب نزول أُوْتِلِتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوَهُ فَاحْذَرُواْ ) ١٩٥ الآية: أنهم قالوا فى حد الزنا ، وفى القتل : اذهبوا إلى هذا النبى الأمي ، فإن حكم لكم بما ترويدنه فاقبلوه، وإن حكم بغيره فأنتم قد تركثم حكم التوراة أفلا تتركون حكمه ؟ !. فهذا هو استماع المتحاكمين من أولئك الذين لم يأتوه ؛ ولو كانوا بمنزلة الجاسوس ، لم يخص ذلك بالسماع؛ بل يرون ويسمعون ، وإن كانوا قد ينقلون إلى شياطينهم ما رأوه وسمعوه ؛ لكن هذا من توابع كونهم يستجيبون لهم ويوالونهم . ( لَوْخَرَ جُواْفِيَكُمْ مَّازَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا يبين ذلك أنه قال : وَلَوَضَعُواْ خِلَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيَكُمْ سَمَّعُونَ لَهُمْ ) أى : لأسرعوا بينكم يطلبون الفتنة بينكم ، ثم قال : وفيكم مستجيبون لهم إذا أوضعوا خلالكم ، ولو كان المعنى وفيكم من تجسس لهم: لم يكن مناسبا ؛ وإنما المقصود: أنهم إذا أوضعوا بينكم بطلبون الفتنة ، وفيكم من يسمع منهم : حصل الشر. وأما الجس فلم يكونوا يحتاجون إليه ، فإنهم بين المؤمنين ، وم يوضعون خلالهم . مما يبين ذلك أنه قال: (سَمَّعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ لِلِسُّحْتِ) فذكر ما يدخل في آذانهم وقلوبهم من الكلام ، وما يدخل فى أفواههم وبطونهم من الطعام : غذاء الجسوم، وغذاء القلوب ، فإنهما غذاءان ١٩٦ خبيثان : الكذب والسحت ، وهكذا من بأكل السحت من البرطيل ونحوه: يسمع الكذب، كشهادة الزور؛ ولهذا قال: (لَوْلَا يَنْهَهُمُ الرَّبَّنِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ) . فلما كان هؤلاء : يستجيبون لغير الرسول ، كما يستجيبون له إذا وافق آراءهم وأهواءهم ، لم يجب عليه الحكم بينهم ، فإنهم متخيرون بين القبول منه ، والقبول ممن يخالفه . فكان هو متخيرا في الحكم بينهم ، والإعراض عنهم. وإنما يجب عليه الحكم بين من لابد له منه من المؤمنين . وإذا ظهر المعنى ، تبين فصل الخطاب فى وجوب الحكم بين المعاهدين من أهل الحرب : كالمستأمن ، والمهادن ، والذمي ؛ فإن فيه نزاعا مشهوراً بين العلماء . قيل : ليس بواجب ؛ للتخير . وقيل : ( وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَآَ بل هو واجب ، والتخيير منسوخ بقوله : أَنْزَلَ اللَّهُ ) . قال الأولون : أما الأمر هنا أن يحكم بما أنزل الله إذا حكم : فهو أُمر بصفة الحكم ؛ لا بأصله ، كقوله: ( وَإِنْ حَكَمْتَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِاَلْقِسْطِ ) وقوله: ( وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَّحْكُمُواْبِالْعَدْلِ ). وهذا أصوب ؛ فإن النسخ لا يكون بمحتمل ؛ فكيف بمرجوح ، وقيل : يجب فى مظالم العباد ؛ دون غيرها . والخلاف فى ذلك مشهور فى ١٩٧ مذهب الإمام أحمد ، وغيره من الأئمة . وحقيقة الآية: إن كان مستجيبا لقوم آخرين لم يأتوه ، لم يجب عليه الحكم بينهم . كالمعاهد : من المستأمن وغيره ، الذي يرجع إلى أمرائه وعلمائه فى دارم ، وكالنمي الذي إن حكم له بما يوافق غرضه وإلا رجع إلى أكبرهم وعلمائهم ، فيكون متخيراً بين الطاعة لحكم الله ورسوله، وبين الإعراض عنه. وأما من لم يكن إلا مطيعاً لحكم الله ورسوله ، ليس عنه مندوحة ، كالمظلوم الذي يطلب نصره من ظالمه ، وليس له من ينصره من أهل دينه . فهذا: ليس فى الآية تخيير . وإذا كان عقد الذمة قد أوجب نصره من أهل الحرب ، فنصره ممن يظلمه من أهل الذمة أولى أن يوجب ذلك . وكذلك لو كان المتحاكم إلى الحاكم والعالم : من المنافقين الذين يتخيرون بين القبول من الكتاب والسنة ، وبين ترك ذلك ، لم يجب عليه الحكم بينهم . وهذا من حجة كثير من السلف الذين كانوا لا يحدثون المعلنين بالبدع بأحاديث النبى صلى الله عليه وسلم. ومن هذا الباب : من لا يكون قصده فى استفتائه وحكومته الحق ؛ بل غرضه من يوافقه على هواه ، كائنا من كان ، سواء كان محيحاً أو باطلا . فهذا سماع لغير ما بعث الله به رسوله ؛ فإن الله إنما بعث رسوله ١٩٨ بالهدى ودين الحق ، فليس على خلفاء رسول الله أن يفتوه ويحكموا له، كما ليس عليهم أن يحكموا بين المنافقين والكافرين المستجيبين لقوم آخرين ، لم يستجيبوا لله ورسوله . ومن جنس موالاة الكفار التى ذم الله بها أهل الكتاب والمنافقين: الإيمان ببعض ماهم عليه من الكفر ، أو التحاكم إليهم دون كتاب الله، ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ كما قال تعالى : اَلْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْسَبِيلًا ) وقد عرف أن سبب نزولها شأن كعب بن الأشرف - أحد رؤساء اليهود - لما ذهب إلى المشركين ، ورجح دينهم على دين محمد وأصحابه. والقصة قد ذكرناها في ((الصارم المسلول)) لما ذكرنا قول النبي صلى الله عليه وسلم ((من لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله)). ونظير هذه الآية قوله تعالى عن بعض أهل الكتاب: (وَلَمَاجَآءَ هُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَيِّقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ اُلْكِنَبَ كِتَبَ اللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَأَتَّبَعُواْ مَاتَنْلُواْ الشَّيَطِيْنُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَ) الآية. فأخبر أنهم اتبعوا السحر وتركوا كتاب الله، كما يفعله كثير من اليهود ، وبعض المنتسبين إلى الإسلام من اتباعهم كتب السحرة - أعداء إبراهيم وموسى - من المتفلسفة ومحوم ، ١٩٩ وهو كايمانهم بالجيت والطاغوت ؛ فإن الطاغوت هو الطاغي من الأعيان، والجيت : هو من الأعمال والأقوال ، كما قال عمر بن الخطاب : الجبت السحر ، والطاغوت الشيطان . ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((العيافة، والطيرة، والطرق: من الجبت)) رواه أبو داود . وكذلك ما أخبر عن أهل الكتاب بقوله : ( قُلّ هَلّ أُنَّبِّئُكُمْ بِشَرِعِنْ ذَلِكَ مَنُوَةً عِنْدَ الَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ أي : ومن عبد الطاغوت ؛ فإن أهل وَاْخَازِيَرَ وَعَبَدَ اَلَّغُوتَ) الكتاب كان منهم من أشرك ، وعبد الطواغيت . فهنا ذكر عبادتهم للطاغوت، وفى ((البقرة)) ذكر اتباعهم للسحر، وذكر فى ((النساء )) إيمانهم بهما جميعا: بالجبت والطاغوت . وأما التحاكم إلى غير كتاب الله ، فقد قال : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْبِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوْ إِلَى الطَّغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْبِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ يَصُدُونَ عَنكَ صُدُودًا ) . والطاغوت فعلوت من الطغيان . كما أن الملكوت فعلوت من الملك . والرحموت ، والرهبوت ، والرغبوت . فعلوت من الرحمة ، ٢٠٠