Indexed OCR Text

Pages 161-180

وأما نهيه عن ذلك فى المصائب فمثل قوله صلى الله عليه وسلم:
((ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية)). وقال:
((أنا برىء من الحالقة والصالقة والشاقة)). وقال: ((ما كان من العين
والقلب فمن الله، وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان)). وقال:
(( إن الله لا يؤاخذ على دمع العين ولا حزن القلب ؛ ولكن يعذب بهذا
أو يرحم - وأشار إلى لسانه)) وقال: ((من ينح عليه فإنه يعذب
بما نيح عليه)). واشترط على النساء فى البيعة أن لا ينحن، وقال :
(( إن النائحة إذا لم تتب قبل موتها فإنها تلبس يوم القيامة درعا من
جرب وسربالا من قطران)).
وقال فى الغلبة والمصائب والفرح: ((إن الله كتب الإحسان على
كل شيء ؛ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة؛
وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته)). وقال: ((إن أعف الناس قتلةً
أهل الإيمان)). وقال: (( لا تمثلوا ولا تغدروا ، ولا تقتلوا وليداً)).
إلى غير ذلك مما أمر به في الجهاد من العدل وترك العدوان ؛ اتباعا
لقوله تعالى: (وَلَا يَجْرِ مَنَّكُمْ سَنَّثَانُ قَوْمٍ عَلَىَّ أَلَّاتَعْدِ لُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ
لِلتَّقْوَى ) ولقوله تعالى: (وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ وَلَا تَفْتَدُوَّأَ
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ).
ونهى عن لباس الحرير وتختم الذهب ؛ والشرب فى آنية الذهب
١٦١

والفضة : وإطالة الثياب : إلى غير ذلك من أنواع السرف والخيلاء فى
النعم، وذم الذين يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ، وجعل فيهم
الخسف والمسخ. وقد قال اللّه تعالى: (إِنَّاللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا
( إِذْ قَالَ لَهُ، قَوْمُهُ لَا تَفْرَعْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
فَخُورًا ) . وقال عن قارون :
وهذه الأمور الثلاثة مع الصبر عن الاعتداء فى
اُلْفَرِحِينَ ) .
الشهوة هي جوامع هذا الباب .
وذلك أن الإنسان بين ما يحبه ويشتهيه ؛ وبين ما يبغضه ويكرهه .
فهو يطلب الأول بمحبته وشهوته ، ويدفع الثاني ببغضه ونفرته . وإذا
حصل الأول أو اندفع الثاني أوجب له فرحا وسروراً ، وإن حصل
الثانى أو اندفع الأول حصل له حزن ، فهو محتاج عند المحبة والشهوة
أن يصبر عن عدوانهما : وعند الغضب والنفرة أن يصبر عن عدوانهما :
وعند الفرح أن يصبر عن عدوانه ؛ وعند المصيبة أن يصبر عن الجزع منها .
فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر الصوتين الأحمقين الفاجرين : الصوت
الذي يوجب الاعتداء فى الفرح حتى يصير الإنسان فرحا فوراً ؛ والصوت
الذي يوجب الجزع .
وأما الصوت الذي يثير الغضب لله : كالأصوات التى تقال فى
الجهاد من الأشعار المنشدة: فتلك لم تكن بآلات ، وكذلك أصوات
الشهوة فى الفرح ؛ فرخص منها فيما وردت به السنة من الضرب بالدف
١٦٢

فى الأعراس والأفراح للنساء والصبيان .
وعامة الأشعار التى تنشد بالأصوات لتحريك النفوس هي من هذه
الأقسام الأربعة ، وهي التشبيب ؛ وأشعار الغضب والحمية ؛ وهي الحماسة
والهجاء . وأشعار المصائب كالمرائي، وأشعار النعم والفرح، وهى المدائح.
والشعراء جرت عادتهم أن يمشوا مع الطبع؛ كما قال الله تعالى: (أَلَمْ
تَرَأَنَّهُمْ فِى كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ) ؛
ولهذا
أخبر أنهم يتبعهم الغاوون ، والغاوي : هو الذي يتبع هواء بغير على؛
وهذا هو الغي ؛ وهو خلاف الرشد . كما أن الضال الذي لا يعلم
مصلحته هو خلاف المهتدي، قال الله سبحانه وتعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى *
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم :
مَاضَلَّ صَاحِبُكُمْوَمَاغَوَى ) ؛
((عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)). فلهذا
تجدهم يمدحون جنس الشجاعة وجنس السماحة ؛ إذ كان عدم هذين
مذموماً على الإطلاق ، وأما وجودهما فيه تحصل مقاصد النفوس على
الإطلاق ؛ لكن العاقبة في ذلك للمتقين . وأما غير المنقين فلهم عاجلة
لا عاقبة ، والعاقبة وإن كانت فى الآخرة فتكون فى الدنيا أيضا ؛ كما
قال تعالى لما ذكر قصة نوح ومجانه بالسفينة : ( قِيلَ يَنْنُحُ أَهْبِطْ بِسَلَمٍ
مِنَّا وَبَرَّكَتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىَّ أُمَمِ مِمَّن مَّعَكَّ وَأَمَمْ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَ يَمَسُّهُمِ مِنَا عَذَابٌ أَلِيمٌ )
إلى قوله: (فَأَصْبِرٍ إِنَّ الْعَقِبَةَ لِلْمُنَّقِينَ ). وقال :
١٦٣

(فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اُعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَعْلَمُوْ اْأَنَّ اللَّهَ مَعَ
الْمُتَّقِينَ ) .
والفرقان: أن يحمد من ذلك ما حمده الله ورسوله ؛ فإن الله تعالى
هو الذي حمده زين ، وذمه شين ؛ دون غيره من الشعراء والخطباء
وغيرهم ؛ ولهذا لما قال القائل من بني تميم للنبي صلى الله عليه
وسلم: إن حمدي زين ونمي شين! قال له: ((ذاك الله)).
والله سبحانه حمد الشجاعة والسماحة فى سبيله؛ كما في الصحيح عن
أبى موسى قال : قيل : يا رسول الله! الرجل يقاتل شجاعة ؛ ويقاتل
حمية؛ ويقاتل رياء، فأي ذلك فى سبيل الله؟ فقال: ((من قاتل
لتكون كلمة الله هي العليا فهو فى سبيل الله)). وقد قال سبحانه :
(وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَاتَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الذِينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) وذلك أن هذا
هو المقصود الذي خلق الخلق له؛ كما قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ
وَاْإِنسَ إِلََّ لِيَعْبُدُونِ ) فكل ما كان لأجل الغابة التى خلق لها
الخلق كان محموداً عند الله ، وهو الذي يبقى لصاحبه ، وهذه
الأعمال الصالحات.
ولهذا كان الناس أربعة أصناف : من يعمل لله بشجاعة وسماحة :
فهؤلاء م المؤمنون المستحقون للجنة . ومن يعمل لغير الله بشجاعة وسماحة؛
١٦٤

فهذا ينتفع بذلك فى الدنيا وليس له في الآخرة من خلاق . ومن
يعمل اللّه لكن لا بشجاعة ولا سماحة؛ فهذا فيه من النفاق ونقص الإيمان
بقدر ذلك . ومن لا يعمل لله وليس فيه شجاعة ولا سماحة ؛ فهذا
ليس له دنيا ولا آخرة .
فهذه الأخلاق والأفعال يحتاج إليها المؤمن عموما ، وخصوصا
فى أوقات المحن والفتن الشديدة ؛ فإنهم يحتاجون إلى صلاح
نفوسهم ودفع الذنوب عن نفوسهم عند المقتضى للفتنة عندهم ، ويحتاجون
أيضاً إلى أمر غيرم ونهيه بحسب قدرتهم، وكل من هذين الأمرين
فيه من الصعوبة ما فيه : وإن كان يسيراً على من يسره الله عليه . وهذا
لأن الله أمر المؤمنين بالإيمان والعمل الصالح، وأمرم بدعوة الناس
وجهادهم على الإيمان والعمل الصالح؛ كما قال الله تعالى: (وَلَيَنصُرَنَّ
اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُ وَإِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزُ * الَّذِينَ إِن مَّكَتَهُمْ فِ الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَوَةَ
وَءَاتَوْالزَّكَوَةَ وَأَمَرُ واْبِالْمَعْرُوفٍ وَنَهَوْاْعَنِ الْمُنكَرِّ وَلِلَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ ) .
وكما قال: (إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ)
وكما قال: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَ غْلِيَنَّ أَنَا وَرُسُلَِّإِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ).
وكما قال: (وَإِنَّ جُنْدَ نَالَهُ الْغَالِبُونَ ).
ولما كان (فى) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد فى سبيل الله
من الابتلاء والمحن ما يعرض به المرء للفتنة : صار فى الناس من يتعلل
١٦٥

لترك ما وجب عليه من ذلك بأنه يطلب السلامة من الفتنة ، كما قال عن
(وَمِنْهُمْ مَن يَقُولُ أَثْذَن ◌ِىِ وَلَا نَفْتِنِّى أَلَا فِى الْفِتْنَةِ
المنافقين :
سَقَطُواْ ) الآية . وقد ذكر فى التفسير أنها نزلت في الجد بن قيس لما
أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالتجهز لغزو الروم - وأظنه قال :
((هل لك فى نساء بنى الأصفر؟)) - فقال يا رسول الله: إني رجل لا
أصبر عن النساء ؛ وإني أخاف الفتنة بنساء بنى الأصفر؛ فائذن لي ولا
تفتني . وهذا الجد هو الذي تخلف عن بيعة الرضوان تحت الشجرة؛
واستتر بجمل أحمر؛ وجاء فيه الحديث: ((أن كلهم مغفور له إلا
صاحب الجمل الأحمر)) فأنزل الله تعالى فيه: (وَمِنْهُم مَنْ يَقُولُ أَثْذَن
لِي وَلَا نَفْتِتِِّ أَلَا فِى اُلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ ).
يقول : إنه طلب القعود ليسلم من فتنة النساء ، فلا يفتتن بهن ،
فيحتاج إلى الاحتراز من المحظور ومجاهدة نفسه عنه فيتعذب بذلك أو
يواقعه فيأثم ؛ فإن من رأى الصور الجميلة وأحبها فإن لم يتمكن منها
إما لتحريم الشارع وإما للعجز عنها يعذب قلبه ، وإن قدر عليها وفعل
المحظور هلك . وفي الحلال من ذلك من معالجة النساء ما فيه بلاء .
فهذا وجه قوله: (وَلَا نَفْتِنِّ ) قال الله تعالى: (أَلَا فِ اُلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ )
يقول نفس إعراضه عن الجهاد الواجب ونكوله عنه وضعف إيمانه
ومرض قلبه الذي زين له ترك الجهاد : فتنة عظيمة قد سقط فيها ،
١٦٦

فكيف يطلب التخلص من فتنة صغيرة لم نصبه بوقوعه فى فتنة عظيمة
قد أصابته ؟ والله يقول: ( وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ
كُلُّهُ لِلَّهِ). فمن ترك القتال الذي أمر الله به لئلا تكون فتنة : فهو
في الفتة ساقط بما وقع فيه من ربب قلبه ومرض فؤاده، وتركه ما أمر
الله به من الجهاد .
فتدبر هذا ؛ فإن هذا مقام خطر ؛ فإن الناس هنا ثلاثة أقسام :
قسم بأمرون وينهون ويقاتلون : طلباً لإزالة الفتنة التى زعموا ،
ويكون فعلهم ذلك أعظم فتنة ؛ كالمقتلين في الفتنة الواقعة بين الأمة .
وأقوام يتكلمون عن الأمر والنهي والقتال الذي يكون به الدين كله
اللّه وتكون كلمة الله هي العليا ؛ لئلا يفتنوا ، وهم قد سقطوا في الفتنة،
وهذه الفتنة المذكورة فى ((سورة براءة)) دخل فيها الافتتان بالصور
الجميلة ؛ فإنها سبب نزول الآية . وهذه حال كثير من المتدينين ؛ يتركون
ما يجب عليهم من أمر ونهي وجهاد يكون به الدين كله لله وتكون كلمة
الله هي العليا؛ لئلا يفتنوا بجنس الشهوات؛ وهم قد وقعوا في الفتنة التى
هي أعظم مما زعموا أنهم فروا منه ، وإنما الواجب عليهم القيام بالواجب
وترك المحظور . وهما متلازمان؛ وإنما تركوا ذلك لكون نفوسهم لا تطاوعهم
إلا على فعلها جميعا أو تركها جميعا : مثل كثير ممن يحب الرئاسة أو
١٦٧

المال وشهوات الغي ؛ فإنه إذا فعل ما وجب عليه من أمر ونهي وجهاد
وإمارة ونحو ذلك فلا بد أن يفعل شيئا من المحظورات .
فالواجب عليه أن ينظر أغلب الأمرين . فإن كان المأمور أعظم
أجراً من ترك ذلك المحظور لم يترك ذلك لما يخاف أن يقترن به ما هو
دونه فى المفسدة ؛ وإن كان ترك المحظور أعظم أجراً لم يفوت
ذلك برجاء ثواب بفعل واجب يكون دون ذلك ؛ فذلك يكون بما
يجتمع له من الأمرين من الحسنات والسيئات ؛ فهذا هذا . وتفصيل
ذلك يطول .
وكل بشر على وجه الأرض فلا بد له من أمر ونهي ، ولا بد
أن يأمر وينهى ، حتى لو أنه وحده لكان بأمر نفسه وينهاها ؛ إما
بمعروف وإما بمنكر ؛ كما قال تعالى: (إِنَّالنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ) فإن
الأمر هو طلب الفعل وإرادته ؛ والنهي طلب الترك وإرادته ، ولا
بد لكل حي من إرادة وطلب في نفسه يقتضي بهما فعل نفسه ،
ويقتضي بهما فعل غيره إذا أمكن ذلك ؛ فإن الإنسان حي يتحرك
بإرادته . وبنو آدم لا يعيشون إلا باجتماع بعضهم مع بعض ، وإذا اجتمع
اثنان فصاعداً فلا بد أن يكون بينها اثتمار بأمر وتناه عن أمر ؛ ولهذا
كان أقل الجماعة فى الصلاة اثنين ؛ كما قيل: الاثنان فما فوقها جماعة ؛
لكن لما كان ذلك اشتراكا فى مجرد الصلاة حصل باثنين أحدهما إمام
١٦٨

والآخر مأموم ، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث
وصاحبه: ((إذا حضرت الصلاة فأذنا وأفيما؛ وليؤمكما أكبركما))
وكانا متقاربين فى القراءة .
وأما الأمور العادية ففي السنن أنه صلى الله عليه وسلم قال :
((لا يحل لثلاثة يكونون فى سفر إلا أمروا عليهم أحدهم».
وإذا كان الأمر والنهي من لوازم وجود بني آدم : فمن لم يأمر
بالمعروف الذي أمر الله به ورسوله ، وينه من المنكر الذي نهى الله عنه
ورسوله ، ويؤمر بالمعروف الذي أمر الله به ورسوله، وينه عن المنكر
الذي نهى الله عنه ورسوله؛ فلا بد أن يأمر وينهى . ويؤمر
وينهى: إما بما يضاد ذلك؛ وإما بما يشترك فيه الحق الذي أنزل الله بالباطل
الذي لم ينزله الله، وإذا اتخذ ذلك ديناً كان ديناً مبتدعا. وهذا كما أن
كل بشر فإنه متحرك بإرادته هام حارث ، فمن لم تكن نيته صالحة وعمله
عملا صالحاً لوجه الله وإلا كان عملا فاسداً أو لغير وجه الله ، وهو
الباطل ، كما قال تعالى: (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَقّ).
وهذه الأعمال كلها باطلة ، من جنس أعمال الكفار ( الَّذِينَ كَفَرُواْ
وَصَدُّ واعَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ ) وقال تعالى:
(وَالَّذِينَ كَفَرُوْ أَعْمَلُهُمْ كَمَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الطَّمْكَانُ مَآءَ حَتَّىَ إِذَاجَآءَ هُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا
١٦٩

وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَقَّتُهُ حِسَابَهُ, وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ).
وقال: (وَقَدِ مْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَنهُ هَبَآَ مَنْشُورًا).
وقد أمر الله فى كتابه بطاعته وطاعة رسوله وطاعة أولى الأمر
من المؤمنين؛ كما قال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ
اُلْأَمْيِ مِنْكُمْ فَإِ نَّعْنُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنَ كُ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ ذَلِكَ
خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا )
و ( أولو الأمر ) أصحاب الأمر وذووه ؛ وهم الذين يأمرون
الناس ؛ وذلك يشترك فيه أهل اليد والقدرة وأهل العلم والكلام ؛
فلهذا كان أولو الأمر صنفين: العلماء ؛ والأمراء . فإذا صلحوا صلح
الناس ، وإذا فسدوا فسد الناس ، كما قال أبو بكر الصديق رضي الله
عنه للأحمسية لما سألته : ما بقاؤنا على هذا الأمر ؟ قال : ما استقامت
لكم أئمتكم . ويدخل فيهم الملوك والمشايخ وأهل الديوان ؛ وكل من
كان متبوعا فإنه من أولي الأمر ، وعلى كل واحد من هؤلاء أن يأمر
بما أمر الله به، وينهى عما نهى عنه، وعلى كل واحد ممن عليه طاعته
أن يطيعه فى طاعة الله؛ ولا يطيعه في معصية الله، كما قال أبو بكر
الصديق رضي الله عنه حين تولى أمر المسلمين وخطبهم ؛ فقال فى
خطبته : أيها الناس ! القوي فيكم الضعيف عندي حتى آخذ منه الحق ؛
١٧٠

والضعيف فيكم القوي عندي حتى آخذ له الحق ؛ أطيعونى ما أطعت
الله! فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم.
فصل
وإذا كانت جميع الحسنات لا بد فيها من شيئين : أن يراد بها
وجه الله؛ وأن تكون موافقة للشريعة. فهذا فى الأقوال والأفعال؛
في الكلم الطيب ؛ والعمل الصالح ؛ فى الأمور العلمية والأمور العبادية.
ولهذا ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن أول
ثلاثة تسجر بهم جهنم : رجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن وأقرأ. ليقول
الناس: هو عالم وقارىء . ورجل قاتل وجاهد ليقول الناس : هو
شجاع وجري . . ورجل تصدق وأعطى ليقول الناس: جواد سخي))
فإن هؤلاء الثلاثة الذين يربدون الرياء والسمعة هم بإزاء الثلاثة الذين
بعد النبيين من الصديقين والشهداء والصالحين ؛ فإن من تعلم العلم الذي
بعث الله به رسله وعلمه لوجه الله كان صديقا؛ ومن قاتل لتكون كلمة
الله هي العليا وقتل كان شهيداً ، ومن تصدق يبتغي بذلك وجه الله
كان صالحاً ؛ ولهذا يسأل المفرط فى ماله الرجعة وقت الموت ؛ كما قال
ابن عباس : من أعطي مالا فلم يحمج منه ولم يزك سأل الرجعة وقت
الموت، وقرأ قوله تعالى: (وَأَنْفِقُواْ مِنْعَّارَزَقْنَكُمْ مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِى أَحَدَكُمُ
١٧١

اَلْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَرْتَنِّ إِلَى أَجَلِ قَرِيبٍ فَأَصَّدَقَ وَأَكُنْ مِّنَ الصَّلِحِينَ ).
فهذه الأمور العلمية الكلامية يحتاج المخبر بها أن يكون ما
يخبر به عن الله واليوم الآخر ، وما كان وما يكون ، حقا صوابا.
وما يأمر به وينهى عنه كما جاءت به الرسل عن اللّه. فهذا هو الصواب
الموافق للسنة والشريعة ؛ المتبح لكتاب الله وسنة رسوله ، كما أن العبادات
التى يتعبد العباد بها إذا كانت مما شرعه الله وأمر الله به ورسوله ،
كانت حقا صوابا ، موافقاً لما بعث الله به رسله. وما لم يكن كذلك
من القسمين كان من الباطل والبدع المضلة والجهل ، وإن كان يسميه
من يسميه علوما ومعقولات ؛ وعبادات ومجاهدات ؛ وأذواقا ومقامات .
ويحتاج أيضا أن يؤمر بذلك لأمر الله ؛ وينهى عنه لنهي الله ؛
ويخبر بما أخبر الله به ؛ لأنه حق وإيمان وهدى كما أخبرت به الرسل.
كما تحتاج العبادة أن يقصد بها وجه الله. فإذا قيل ذلك لاتباع الهوى
والحمية؛ أو لإظهار العلم والفضيلة ؛ أو لطلب السمعة والرياء: كان
بمنزلة المقاتل شجاعة وحمية ورياء .
ومن هنا يتبين لك ما وقع فيه كثير من أهل العلم والمقال ؛ وأهل
العبادة والحال . فكثيراً ما يقول هؤلاء من الأقوال ما هو خلاف
١٧٢

الكتاب والسنة ووفاقها . وكثيراً ما يتعبد هؤلاء بعبادات لم يأمر الله
بها ؛ بل قد نهى عنها ، أو ما يتضمن مشروعا محظوراً. وكثيراً ما
يقاتل هؤلاء قتالا مخالفا للقتال المأمور به ؛ أو متضمناً لمأمور محظور .
ثم كل من الأقسام الثلاثة : المأمور؛ والمحظور ؛ والمشتمل على
الأمرين: قد يكون لصاحبه نية حسنة ؛ وقد يكون متبعاً لهواه ، وقد
يجتمع له هذا وهذا .
فهذه تسعة أقسام في هذه الأمور ؛ وفى الأموال المنفقة عليها من
الأموال السلطانية : الفيء وغيره ، والأموال الموقوفة ؛ والأموال الموصى
بها والمنذورة: وأنواع العطايا والصدقات والصلات . وهذا كله من
لبس الحق بالباطل ، وخلط عمل صالح وآخر سيء.
والسي من ذلك قد يكون صاحبه مخطئاً أو ناسيا مغفوراً له ،
كالمجتهد المخطئ الذي له أجر وخطؤه مغفور له، وقد يكون صغيراً
مكفرا باجتناب الكبائر، وقد يكون مغفوراً بتوبة أو بحسنات تمحو السيئات؛
أو مكفراً بمصائب الدنيا ونحو ذلك؛ إلا أن دين الله الذي أنزل به كتبه
وبعث به رسله ما تقدم من إرادة الله وحده بالعمل الصالح . وهذاهو الإسلام
العام الذي لا يقبل اللّه من أحد غيره، قال تعالى: (وَمَن يَبْتَغْ غَيْرَ اَلْإِسْلَمِ
دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ). وقال تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ
١٧٣

أَنَّهُلَا إِلَهَ إِلََّّهُوَ وَالْمَلَبِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِّ لَا إِلَهَ إِلََّ هُوَ الْعَيِزُ الْحَكِيمُ*
إِنَّ الِّينَ عِندَ اللَّهِ اَلْإِسْلَمُ ).
والإسلام يجمع معنيين: أحدهما الاستسلام والانقياد ؛ فلا يكون
متكبراً . والثانى الإخلاص من قوله تعالى: (وَرَجُلَا سَلَمَّا لِّرَجُلٍ )
فلا يكون مشركا ، وهو: أن يسلم العبد لله رب العالمين، كما قال
تعالى: (وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَهِمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ أَصْطَفَيْنَهُ فِي الدُّنْيَاً
وَإِنَّهُ، فِى الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ * إِذْقَالَ لَهُرَبُّهُ: أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ *
وَوَضَّى بِهَآ إِبْرَهِمُ بَنِهِ وَيَعْقُوبُ يَبَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم
مُسْلِمُونَ ) .
(قُلْ إِنَّنِ هَدَيْنِ رَبِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَفِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا
وقال تعالى :
وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِ وَنُسُكِى وَيَحْيَاىَ وَمَمَاتِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
*
لَا شَرِيكَ لَهُ, وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْلِمِينَ ).
والإسلام يستعمل لازما معدى بحرف اللام ؛ مثل ما ذكر فى
هذه الآيات ؛ ومثل قوله تعالى: (وَنِبُوْإِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوْلَهُ, مِن قَبْلِ
أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ) ومثل قوله تعالى: (قَالَتْ رَبِّ إِنِ
ومثل قوله :
ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَنَ لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ ).
( أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُوَأَسْلَمَ مَن فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوَّعًا وَكَرْهًا
١٧٤

وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) ومثل قوله: (قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا
وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَ نَنَا ◌َللَّهُ كَالَّذِى أُسْتَهْوَتُهُ الشَّيَاطِينُ فِ الْأَرْضِ حَيْرَانَ
لَهُوَأَصْحَبُ يَدْعُونَهُإِلَى الْهُدَى أَثْتِنَاقُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ اُلْهُدَىّ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ
الْعَلَمِينَ * وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَأَتَّقُوهُ ).
ويستعمل متعديا مقرونا بالإحسان؛ كقوله تعالى: (وَقَالُواْ لَن
يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْنَصَرَىُّ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْبُرْهَنَكُمْ
إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ * بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ
رَبِّهِ، وَلَاخَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ ) .
وقوله :
(وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِوَهُوَ مُحْسِنٌ وَأَتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًاً
وَأَتَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا)، فقد أنكر أن يكون دين أحسن من هذا الدين ؛
وهو إسلام الوجه لله مع الإحسان . وأخبر أن كل من أسلم وجهه
للّه وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون
أثبتت هذه الكلمة الجامعة والقضية العامة رداً لما زعم من زعمه أن لا
يدخل الجنة إلا متهود أو متنصر .
وهذان الوصفان - وهما إسلام الوجه لله ؛ والإحسان - ها
الأصلان المتقدمان ، وهما : كون العمل خالصا لله، صوابا: موافقا للسنة
والشريعة . وذلك أن إسلام الوجه لله هو متضمن للقصد والنية لله؛ كما
١٧٥

قال بعضهم :
أستغفر الله ذنباً لست محصيه رب العباد إليه الوجه والعمل
وقد استعمل هنا أربعة ألفاظ: إسلام الوجه ؛ وإقامة الوجه ؛
كقوله تعالى: ( وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَكُلّ مَسْجِدٍ ) . وقوله: ( فَقِمْ
وتوجيه الوجه
وَجْهَكَ لِّينِ حَنِيفًاً فِطْرَتَ اللَّهِالَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا )
كقول الخليل: (إِّ وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًاً
وكذلك كان النبى صلى الله عليه
وَمَآ أَنْمِنَ الْمُشْرِكِينَ ) .
وسلم يقول فى دعاء الاستفتاح فى صلاته: (وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَآ أَنَاْمِنَ الْمُشْرِكِينَ ) . وفى الصحيحين
عن البراء بن عازب عن النبى صلى الله عليه وسلم مما يقول إذا
أوى إلى فراشه: ((اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك)).
فالوجه يتناول المتوجه والمتوجه إليه ، ويتناول المتوجه نحوه كما يقال :
أي وجه نريد ؟ أي : أي وجهة وناحية تقصد : وذلك أنهما متلازمان.
فحيث توجه الإنسان توجه وجهه ؛ ووجهه مستلزم لتوجهه ؛ وهذا فى
باطنه وظاهره جميعا. فهذه أربعة أمور. والباطن هو الأصل، والظاهر
هو الكمال والشعار ، فإذا توجه قلبه إلى شيء تبعه وجهه الظاهر ، فإذا
كان العبد قصده ومراده وتوجهه إلى الله فهذا صلاح إرادته وقصده ،
١٧٦

فإذا كان مع ذلك محسنا فقد اجتمع أن يكون عمله صالحا ولا يشرك
بعبادة ربه أحدا ، وهو قول عمر رضي الله عنه: اللهم اجعل عملي كله
صالحا واجعله لوجهك خالصا ، ولا تجعل لأحد فيه شيئا. والعمل الصالح
هو الإحسان؛ وهو فعل الحسنات، وهو ما أمر الله به، والذي أمر الله
به هو الذي شرعه الله ، وهو الموافق لسنة الله وسنة رسوله ؛ فقد أخبر
اللّه تعالى أنه من أخلص قصده لله وكان محسنا فى عمله فإنه مستحق
للثواب سالم من العقاب .
ولهذا كان أئمة السلف يجمعون هذين الأصلين ؛ كقول الفضيل
ابن عياض فى قوله تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْأَحْسَنُ عَلًا ) قال: أخلصه
وأصوبه، فقيل: يا أبا على! ما أخلصه وأصوبه ؟ فقال: إن العمل إذا كان
صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل. وإذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل حتى يكون
خالصا صوابا. والخالص : أن يكون لله ، والصواب أن يكون على السنة .
وقد روى ابن شاهين واللالكائي عن سعيد بن جبير ، قال : لا
يقبل قول وعمل إلا بنية ، ولا يقبل قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة .
ورويا عن الحسن البصري مثله، ولفظه: (( لا يصلح)) مكان يقبل . وهذا
فيه رد على المرجئة الذين يجعلون مجرد القول كافياً ، فأخبر أنه لا بد
من قول وعمل ، إذ الإيمان قول وعمل ؛ لا بد من هذين ، كما قد
بسطناه فى غير هذا الموضع . وبينا أن مجرد تصديق القلب واللسان
١٧٧

مع البغض والاستكبار لا يكون إيمانا ـ باتفاق المؤمنين - حتى يقترن
بالتصديق عمل .
وأصل العمل عمل القلب ، وهو الحب والتعظيم المنافي للبغض
والاستكبار ، ثم قالوا : ولا يقبل قول وعمل إلا بنية ، وهذا ظاهر ،
فإن القول [أو](١) العمل إذا لم يكن خالصاً لله تعالى لم يقبله الله تعالى. ثم
قالوا : ولا يقبل قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة ؛ وهي الشريعة ،
وهى ما أمر الله به ورسوله؛ لأن القول [أو](٢) العمل [ أو](٣) النية الذي لا
يكون مسنوناً مشروعا قد أمر الله به يكون بدعة ليس مما يحبه الله،
فلا يقبله الله ؛ ولا يصلح: مثل أعمال المشركين وأهل الكتاب .
ولفظ ((السنة)) فى كلام السلف يتناول السنة في العبادات وفى
الاعتقادات ، وإن كان كثير ممن صنف فى السنة يقصدون الكلام فى
الاعتقادات ، وهذا كقول ابن مسعود وأبي بن كعب وأبى الدرداء رضي
الله عنهم : اقتصاد فى سنة خير من اجتهاد فى بدعة . وأمثال ذلك .
والحمد لله رب العالمين. وصلواته على محمد وآله الطاهرين وأصحابه أجمعين.
(١) (٢) (٣) أُضيفت ألف [ أو ] حسب مفهوم السياق
١٧٨

وقال شيخ الإسلام بعد كلام سبور
وأصل ذلك العلم ؛ فإنه لا يعلم العدل والظلم إلا بالعلم . فصار الدين
كله العلم والعدل ؛ وضد ذلك الظلم والجهل. قال الله تعالى: ( وَحَلَهَا
ولما كان ظلوما جهولا - وذلك يقع
اُلْإِنسَنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً )
من الرعاة تارة ، ومن الرعية تارة ، ومن غيرم تارة- كان من العلم
والعدل المأمور به الصبر على ظلم الأئمة وجورم ، كما هو من أصول
أهل السنة والجماعة، وكما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث
المشهورة عنه لما قال: ((إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني
على الحوض )) وقال: (( من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه))
إلى أمثال ذلك . وقال: (( أدوا إليهم الذي لهم ، واسألوا الله الذي
لكم )، ونهوا عن قتالهم ما صلوا ؛ وذلك لأن معهم أصل الدين المقصود،
وهو توحيد الله وعبادته ، ومعهم حسنات ، وترك سيئات كثيرة .
وأما ما يقع من ظلمهم وجورهم بتأويل سائغ ، أو غير سائغ ، فلا
يجوز أن يزال لما فيه من ظلم وجور ، كما هو عادة أكثر النفوس
تزيل الشر بما هو شر منه ، وتزيل العدوان بما هو أعدى منه ؛
١٧٩

فالخروج عليهم يوجب من الظلم والفساد أكثر من ظلمهم ، فيصبر عليه
كما يصبر عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ظلم المأمور والمنهي
( وَأَمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ
فى مواضع كثيرة ، كقوله :
عَلَى مَآ أَصَابَكَ ) وقوله :
(فَأَصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْالْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ)
وقوله : ( وَأَصْبِرْ لِحُكْمِرَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ).
وهذا عام فى ولاة الأمور وفى الرعية ، إذا أمروا بالمعروف ونهوا
عن المنكر؛ فعليهم أن يصبروا على ما أصيبوا به في ذات الله، كما يصبر
المجاهدون على ما يصاب من أنفسهم وأموالهم . فالصبر على الأذى فى
العرض أولى وأولى ؛ وذلك لأن مصلحة الأمر والنهي لا تتم إلا بذلك،
وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، ويندرج فى ذلك ولاة الأمور ،
فإن عليهم من الصبر والحلم ما ليس على غيرهم . كما أن عليهم من الشجاعة
والسماحة ما ليس على غيرم ، لأن مصلحة الإمارة لا تتم إلا بذلك .
فكما وجب على الأئمة الصبر على أذى الرعية وظلمها إذا لم تتم المصلحة
إلا بذلك ، إذ كان تركه يفضى إلى فساد أكثر منه : فكذلك يجب
على الرعية الصبر على جور الأئمة وظلمهم إذا لم يكن في ترك الصبر
مفسدة راجحة .
فعلى كل من الراعي والرعية للآخر حقوقا يجب عليه أداؤها ، كما
ذكر بعضه في ((كتاب الجهاد، والقضاء)) وعليه أن بصبر للآخر ويحلم
١٨٠