Indexed OCR Text
Pages 21-40
يكون مثل هؤلاء من عسكر المسلمين ؛ بل هؤلاء من عسكر الشيطان. ولكن يحسن أن يقول لتلميذه: عليك عهد الله وميثاقه أن توالي من وإلى الله ورسوله ، وتعادي من عادى الله ورسوله ، وتعاون على البر والتقوى ولا تعاون على الإثم والعدوان ، وإذا كان الحق معي نصرت الحق ، وإن كنت على الباطل لم تنصر الباطل . فمن التزم هذا كان من المجاهدين فى سبيل اللّه تعالى، الذين يريدون أن يكون الدين كله الله ، وتكون كلمة الله هي العليا . وفي الصحيحين : أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له : يا رسول الله! الرجل بقائل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء ، فأي ذلك في سبيل اللّه؟ فقال: ((من قال لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل اللّه)). فإذا كان المجاهد الذي يقاتل حمية للمسلمين؛ أو يقاتل رياء للناس ليمدحوه ؛ أو يقاتل لما فيه من الشجاعة : لا يكون قتاله فى سبيل الله عز وجل حتى يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فكيف من يكون أفضل تعلمه صناعة القتال مبنيا على أساس فاسد ليعاون شخصا مخلوقا على شخص مخلوق ؟! فمن فعل ذلك كان من أهل الجاهلية الجهلاء ، والتتر الخارجين عن شريعة الإسلام ، ومثل هؤلاء يستحقون العقوبة البليغة الشرعية التى تزجرهم وأمثالهم عن مثل هذا التفرق والاختلاف ؛ حتى يكون الدين كله لله والطاعة لله ورسوله، ٢١ ويكونون قائمين بالقسط يوالون لله ورسوله، ويحبون الله ويبغضون لله، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر . وللمعلمين أن يطلبوا جعلا ممن يعلمونه هذه الصناعة ؛ فإن أخذ الجعل والعوض على تعليم هذه الصناعة جائز ، والاكتساب بذلك أحسن المكاسب ، ولو أهدى المعلم لأستاذه لأجل تعليمه وأعطاء ما حصل له من السبق أو غير السبق عوضا عن تعليمه وتحصيله الآلات واستكرائه الحانوت كان ذلك جائزاً للأستاذ قبوله ، وبذل العوض فى ذلك من أفضل الأعمال ، حتى إن الشريعة مضت بأنه يجوز أن يبذل العوض للمسابقين من غيرها . فإذا أُخرج ولي الأمر مالا من بيت المال للمسابقين بالنشاب والخيل والإبل كان ذلك جائزاً باتفاق الأئمة. ولو تبرع رجل مسلم ببذل الجعل فى ذلك كان مأجوراً على ذلك ، وكذلك ما يعطيه الرجل لمن يعلمه ذلك هو ممن يثاب عليه ، وهذا لأن هذه الأعمال منفعتها عامة للمسلمين ، فيجوز بذل العوض من آحاد المسلمين فكان حائزاً ، وإن أخرجا جميعا العوض وكان معهما آخر محللا یکافیها كان ذلك جائزا، وإن لم يكن بينهما محلل فبذل أحدهما شيئا طابت به نفسه من غير إلزام له أطعم به الجماعة ، أو أعطاء للمعلم أو أعطاه لرفيقه : كان ذلك جائزا . ٢٢ وأصل هذا أن يعلم أن هذه الأعمال عون على الجهاد في سبيل اللّه، والجهاد فى سبيل الله مقصوده أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا. وجماع الدين شيئان : أحدهما : ألا نعبد إلا الله تعالى. والثانى : أن نعبده بما شرع؛ لا نعبده بالبدع ، كما قال تعالى : ) ◌ِسَبْلُوَكُمْأَيُّكُمْلَحْسَنُ عَلًا ) ؛ قال الفضيل بن عياض : أخلصه وأصوبه . قيل له : ما أخلصه وأصوبه ؟ قال : إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صواباً لم يقبل ؛ وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل حتى يكون خالصا صواباً ، والخالص : أن يكون لله . والصواب : أن يكون على السنة . وكان عمر بن الخطاب يقول في دعائه : اللهم اجعل عملي كله صالحاً ؛ واجعله لوجهك خالصا ؛ ولا تجعل لأحد فيه شيئا . وهذا هو دين الإسلام الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه، وهو الاستسلام لله وحده . فمن لم يستسلم له كان مستكبرا عن عبادته ، وقد قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْ خُلُونَ ٢٣ جَهَنَّمَ دَاخِرِين ) ومن استسلم لله ولغيره كان مشركا ؛ فقد قال تعالى: ( إِنَّاللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَكَيِهِ ). ولهذا كان الله حق لا يشركه فيه أحد من المخلوقين ، فلا يعبد إلا الله ولا يخاف إلا الله، ولا يتقى إلا اللّه، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يُدْعى إلا الله، كما قال تعالى: ، وقال تعالى : ( فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَنصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب) (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُ وَأَإِلَّا إِيَّاهُ )، وقال تعالى: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ)؛ فالطاعة الله والرسول، والخشية والتقوى لله وحده . وقال تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْمَآءَاتَنُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ, وَقَالُواْحَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اُللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ إِنَّ إِلَى اللَّهِ رَغِبُونَ)، فالرغبة إلى الله وحده والتحسب بالله وحده. وأما الإبتاء فلله والرسول كما قال تعالى: (وَمَآءَانَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُواْ ). فالحلال ما حلله والحرام ما حرمه والدين ما شرعه ، فليس لأحد من المشايخ والملوك والعلماء والأمراء والمعلمين وسائر الخلق خروج عن ذلك ، بل على جميع الخلق أن يدينوا بدين الإسلام الذي بعث الله به رسله ؛ ويدخلوا به كلهم في دين خاتم الرسل وسيد ولد آدم وإمام المتقين خير الخلق وأكرمهم على الله محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما ، وكل من أمر بأمر كائنا من كان عرض على ٢٤ الكتاب والسنة ؛ فإن وافق ذلك قبل وإلا رد ؛ كما باء فى الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد » أي : فهو مردود . فإذا كان المشايخ والعلماء فى أحوالهم وأقوالهم : المعروف والمنكر ، والهدى والضلال ، والرشاد والفي ، عليهم أن يردوا ذلك إلى الله والرسول ، فيقبلوا ماقبله الله ورسوله، ويردوا ما رده الله ورسوله: فكيف بالمعلمين وأمثالهم ؟! وقد قال الله تعالى: (يَتُهَا الَّذِينَءَامَنُواْأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنِ تَعْنُمْفِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِوَالَّسُولِ إِنْ كُ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا )، وقد قال تعالى : (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُالنَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنَزَلَ مَعَهُمُ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَ تُهُمُ الْبَيِّنَتُ بَغْيَا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْفِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ، وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرٍَّمُسْتَقِيمٍ ). فنسأل الله تعالى أن يهدينا وسائر إخواننا إلى صراطه المستقيم ؛ صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا . والله سبحانه أعلم . ٢٥ وقال رضى اللّه عنه من شرط الجندي أن يكون دينا شجاعا . ثم قال : الناس على أربعة أقسام : أعلام الدين الشجاع ؛ ثم الدين بلا شجاعة ؛ ثم عكسه؛ ثم العربى عنها . وسئل عن رجل جندي وهو يريد ألا يخدم ؟ فأجاب : إذا كان للمسلمين به منفعة وهو قادر عليها لم ينبغ له أن يترك ذلك لغير مصلحة راجحة على المسلمين ؛ بل كونه مقدماً فى الجهاد الذي يحبه الله ورسوله أفضل من التطوع بالعبادة، كصلاة التطوع ، والحج التطوع، والصيام التطوع. والله أعلم . ٢٦ وسئل رحمه الله هل يجوز للجندي أن يلبس شيئاً من الحرير والذهب والفضة فى القتال ؛ أو وقت يصل رسل العدو إلى المسلمين ؟ فأجاب : الحمد لله . أما لباس الحرير عند القتال للضرورة فيجوز باتفاق المسلمين ؛ وذلك بأ لا يقوم غيره مقامه في دفع السلاح والوقاية. وأما لباسه لإرهاب العدو ففيه للعلماء قولان: أظهرهما أن ذلك جائز، فإن جند الشام كتبوا إلى عمر بن الخطاب : إنا إذا لقينا العدو ورأيناه قد كفّروا - أي : غطوا أسلحتهم بالحرير - وجدنا لذلك رعباً فى قلوبنا . فكتب إليهم عمر: وأنتم فَكَفّروا أسلحتكم . كما يكفرون أسلحتهم . ولأن لبس الحرير فيه خيلاء والله يحب الخيلاء حال القتال، كما فى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن من الخيلاء ما يحبه الله، ومن الخيلاء ما يبغضه الله، فأما الخيلاء التى يحبها الله فاختيال الرجل عند الحرب . وعند الصدقة . وأما الخيلاء التى يبغضها الله فالخيلاء فى البغي والفخر )). ولما كان يوم أحد اختال أبو دجانة ٢٧ الأنصاري بين الصفين فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إنها لمشية يبغضها الله إلا فى هذا الموطن)). وأما يسير الحرير مثل العلم الذي عرضه أربعة أصابع ونحو ذلك فيجوز مطلقا، وفى العلم الذهب نزاع بين العلماء ؛ والأظهر جوازه أيضا ؛ فإن فى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم: ((أنه نهى عن الذهب إلا مقطعا )). وسئل عن سفر صاحب العيال؟ إنغ .. فأحاب أما سفر صاحب العيال فإن كان السفر يضر بعياله لم يسافر : فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((كفى بالمرء إثماً أن يضيع من ء يقوت))، وسواء كان تضررم لقلة النفقة أو الضعفهم، وسفر مثل هذا حرام . وإن كانوا لا يتضررون بل يتألمون وتنقص أحوالهم فإن لم يكن فى السفر فائدة جسيمة تربو على ثواب مقامه عندهم كعلم يخاف فوته ، وشيخ بتعين الاجتماع به ؛ وإلا فمقامه عندم أفضل ، وهذا لعمري إذا صحت نيته فى السفر كان مشروعا . وأما إن كان كسفر كثير من الناس إنما يسافر قلقاً وتزجية للوقت فهذا مقامه يعبد الله فى بيته خير له بكل حال ، ويحتاج صاحب هذه ٢٨ الحال أن يستشير في خاصة نفسه رجلا عالماً بحاله ، وبما يصلحه، مأموناً على ذلك ؛ فإن أحوال الناس تختلف فى مثل هذا اختلافا متبايناً . والله سبحانه وتعالى أعلم . وسل عن الأيام والليالي مثل : أن يقول : السفر يكره يوم الأربعاء أو الخميس أو السبت ؛ أو يكره التفصيل أو الخياطة أو الغزل فى هذه الأيام ؛ أو يكره الجماع في ليلة من الليالي ويخاف على الولد ؟ فأجاب: الحمد لله. هذا كله باطل لا أصل له ؛ بل الرجل إذا استخار الله تعالى، وفعل شيئا مباما فليفعله في أي وقت تيسر . ولا يكره التفصيل ولا الخياطة ولا الغزل ولا نحو ذلك من الأفعال في يوم من الأيام ، ولا يكره الجماع فى ليلة من الليالي ولا يوم من الأيام. والتبى صلى الله عليه وسلم قد نهى عن التطير كما ثبت فى الصحيح عن معاوية بن الحكم السلمي قال: ((قلت: يا رسول الله ! إن منا قوما يأتون الكهان ؟ قال : فلا تأتوم . قلت : منا قوم يتطيرون؟ قال: ذاك شيء يجده أحدكم من نفسه فلا يصدفكم )) فإذا كان قد نهى عن أن تصده الطيرة عما عزم عليه: فكيف بالأيام والليالي؟ ٢٩ ولكن يستحب السفر يوم الخميس ، ويوم السبت ويوم الاثنين ؛ من غير نهى عن سائر الأيام ، إلا يوم الجمعة إذا كانت الجمعة تفوته بالسفر ففيه نزاع بين العلماء وأما الصناعات والجماع فلا يكره في شيء من الأيام. والله أعلم . رسالة من شيخ الإسلام - قدس الله روحه - إلى أصحابه وهو فى حبس الإسكندرية قال : ◌ِاللهِالرَّ الرَّحِيَّةِ ١٠ ( وَأَمَّابِنِعْمَةِ رَبِكَ فَحَدِّثْ ). والذى أعرف به الجماعة أحسن الله إليهم في الدنيا وفى الآخرة وأتم عليهم نعمته الظاهرة والباطنة ؛ فإنى - والله العظيم الذى لا إله إلا هو - فى نعم من الله ما رأيت مثلها فى عمرى كله ، وقد فتح الله سبحانه وتعالى من أبواب فضله ونعمته وخزائن جوده ورحمته ما لم يكن بالبال ؛ ولا يدور فى الخيال ما يصل الطرف إليها ، بسرها اللّه تعالى حتى صارت مقاعد، وهذه يعرف بعضها بالذوق من له نصيب من معرفة الله وتوحيده وحقائق الإيمان ، وما هو مطلوب الأولين والآخرين من العلم والإيمان . ٣٠ فإن اللذة والفرحة والسرور وطيب الوقت والنعيم الذى لا يمكن التعبير عنه إنما هو في معرفة الله سبحانه وتعالى وتوحيده والإيمان به ؛ وانفتاح الحقائق الإيمانية والمعارف القرآنية ، كما قال بعض الشيوخ : لقد كنت فى حال أقول فيها : إن كان أهل الجنة فى هذه الحال إنهم لفى عيش طيب . وقال آخر: لتمر على القلب أوقات برقص فيها طرباً ، وليس في الدنيا نعيم يشبه نعيم الآخرة؛ إلا نعيم الإيمان والمعرفة. ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم يقول: ((أرحنا بالصلاة يا بلال)) ولا يقول : أرحنا منها ، كما يقوله من تثقل عليه الصلاة، كما قال تعالى: (وَإِنَّهَا ، والخشوع : الخضوع لله تعالى والسكون لَكَبِيرَةُ إِلَّا عَلَى ◌ْخَشِعِينَ) والطمأنينة إليه بالقلب والجوارح. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( حبب إلي من دنياكم النساء والطيب)) ثم يقول: ((وجعلت قرة عيني فى الصلاة)) ولم يقل: ((حبب إلي من دنياكم ثلاث)) كما يرفعه بعض الناس ، بل هكذا رواه الإمام أحمد والنسائى أن المحبب إليه من الدنيا النساء والطيب . وأما قرة العين تحصل بحصول المطلوب وذلك في الصلاة . والقلوب فيها وسواس النفس ، والشيطان يأمر بالشهوات والشبهات ما يفسد عليه طيب عيشها ، فمن كان محباً لغير الله فهو معذب فى الدنيا ٣١ والآخرة ؛ إن نال مراده عذب به ؛ وإن لم ينله فهو في العذاب والحسرة والحزن . وليس للقلوب سرور ولا لذة تامة إلا في محبة الله والتقرب إليه بما يحبه ولا تمكن محبته إلا بالاعراض عن كل محبوب سواء ، وهذا حقيقة لا إله إلا الله، وهي ملة إبراهيم الخليل - عليه السلام - وسائر الأنبياء والمرسلين صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين ، وكان النبى صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه: «قولوا: أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وملة أبينا إبراهيم حنيفاً مسلماً ، وما كان من المشركين ) . ((والخنيف)) للسلف فيه ثلاث عبارات. قال محمد بن كعب : مستقيما. وقال عطاء : مخلصاً . وقال آخرون : متبعاً . فهو مستقيم القلب إلى الله دون ما سواه، قال الله تعالى: (فَأَسْتَقِيمُوْ إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُوهُ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ )، وقال تعالى: (إِنَّالَّذِينَ قَالُواْرَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اُسْتَقَامُواْ)، قال أبوبكر الصديق - رضي الله عنه -: فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا بسرة . فلم يلتفتوا بقلوبهم إلى ما سواء لا بالحب ولا بالخوف، ولا بالرجاء ؛ ولا بالسؤال ؛ ولا بالتوكل عليه ؛ بل لا يحبون إلا الله ولا يحبون معه أنداداً ، ولا يحبون إلا إياه ؛ لا لطلب منفعة ولا لدفع مضرة، ولا يخافون غيره كائناً من كان ، ولا يسألون غيره ولا يتشرفون ٣٢ بقلوبهم إلى غيره . ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه: ((ما أتاك من هذا المال وأنت غير سائل ولا متشرف فخذه ، وما لا فلا تتبعه نفسك))، - فالسائل بلسانه والمتشرف بقلبه - متفق على محته، وعن أبي سعيد عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من يستعفف يعفه الله؛ ومن يستغن بغنه الله؛ ومن بصبر يصبره الله))، متفق على صحته . فالغنى في القلب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ليس الغنى عن كثرة المال؛ ولكن الغنى غنى النفس)). ((والعفيف)) الذى لا يسأل بلسانه لا نصراً ولا رزقا قال تعالى: ( أَمَّنْ هَذَا الَّذِى هُوَجُنْدٌ لَّكُمُ يَنصُرُكُ مِّنِ دُونِ الرَّحْمَنَّإِنِ الْكَفِرُونَ إِلَّا فِغُرُورٍ * أَمَّنْ هَذَا الَّذِى يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَّهُ بَل (وَإِن تَوَلَّوْاْ فَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ أَّجُوْفِى عُنُّوِّ وَنُفُورٍ ) . وقال تعالى : ( وَجَهِدُواْ فِ اَللَّهِ حَقَّ مَوْلَمُكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) . وقال تعالى: جِهَادِهِ ) إلى آخر السورة. وقال تعالى: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) أي : لا فى ذاته ، ولا فى صفاته ؛ ولا فى أفعاله . فإنه سبحانه وتعالى من حسن تدبيره لعبده وتيسيره له أسباب الخير من الهدى للقلوب والزلفى لديه والتبصير : يدفع عنه شياطين الإنس والجن ما لا تبلغ العباد قدره . والخير كله فى متابعة النبى صلى الله عليه وسلم النبي الأمي الذى (يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنُهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ) إلى آخر الآية. وأكثر الناس ٣٣ لا يعرفون حقائق ما جاء به؛ إنما عنده قسط من ذلك. ( وَالَّذِينَ أُهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَءَائَنُهُمْ تَقْوَنُهُمْ )، وقال تعالى: ( وَالَّذِينَ جَهَدُ واْفِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا )، والجهاد يوجب هداية السبيل إليه. وقال تعالى: (يَأَيُهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَ مَنْ أَتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) . فكل من اتبع الرسول فإن الله حسبه ؛ أي كافيه وهاديه وناصره ؛ أي : كافيه كفايته وهدايته وناصره ورازقه . فالإنسان ظالم جاهل كما قال تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا ◌ُلْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ وَالْجِبَالِ) إلى قوله: (ظَلُومَاجَهُولًا ). وإنما غاية أولياء الله المنقين وحزبه المفلحين وجنده الغالبين التوبة. وقد قال تعالى: (فَسَيِّحْ بِحَمْدِرَبِّكَ وَاسْتَغْفِرَةُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) وتوبة كل إنسان بحسبه وعلى قدر مقامه وحاله . ولهذا كان الدين مجموعا فى التوحيد والاستغفار، قال تعالى: (فَأَعْلَمَ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ ). وقال تعالى: ( فَأَسْتَقِيمُوْ إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُوهُ ). وقال تعالى: (وَآَسْتَغْفِرُ واْرَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ ) ، ففعل جميع المأمورات وترك جميع المحظورات يدخل فى التوحيد في قول : لا إله إلا الله؛ فإنه من لم يفعل الطاعات الله ، ويترك المعاصي الله: لم يقبل اللّه عمله، قال تعالى: ( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ اُلْمُتَّقِينَ )، قال طلق بن حبيب : التقوى : أن تعمل بطاعة الله على نور ٣٤ من اللّه ترجو رحمة الله ؛ وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عذاب الله . ولا بد لكل عبد من التوبة والاستغفار بحسب حاله . والعبد إذا أنعم الله عليه بالتوحيد فشهد أن لا إله إلا الله مخلصا من ء قلبه - والإله هو المعبود ، الذى يستحق غاية الحب والعبودية بالإجلال والإكرام ، والخوف والرجاء ، يفنى القلب بحب الله تعالى عن حب ما سواء ، ودعائه والتوكل عليه وسؤاله عما سواه ، وبطاعته عن طاعة ما سواء - حلاه الله بالأمن والسرور ، والحبور ، والرحمة للخلق ؛ والجهاد في سبيل الله؛ فهو يجاهد ويرحم . له الصبر والرحمة ، قال الله تعالى: (وَتَوَصَوْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْبِ لْمَرْحَمَةِ ) وكلما قوى التوحيد فى قلب العبد قوى إيمانه وطمأنينته ، وتوكله ، ويقينه . والخوف الذي يحصل فى قلوب الناس هو الشرك الذي فى قلوبهم ، قال الله تعالى: (سَنُلْقِى فِى قُلُوبٍ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللَّهِ). وكما قال الله جل جلاله فى قصة الخليل عليه السلام: (أَتُّحَجُوْنِّ فِ اللَّهِ وَقَدْ هَدَئنِ ) إلى قوله: (الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْ إِيَمَنَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْ لَكَبِكَ . وفى الحديث الصحيح: (( نعس لَمُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) عبد الدينار ! تعس عبد الدرهم! تعس عبد الخميصة! تعس عبد الخميلة! ٣٥ تعس وانتكس! وإذا شيك فلا انتقش)). فمن كان فى قلبه رياسة المخلوق ففيه من عبوديته بحسب ذلك . فلما خوفوا خليله بما يعبدونه ويشركون به - الشرك الأكبر كالعبادة - قال الخليل: (وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَ كْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، عَلَيْكُمْ سُلْطَانَ فَتِىُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِآلْأَمْنِ إِنْ كُمْ تَعْلَمُونَ )، يقول : إن تطيعوا غير الله، وتعبدوا غيره ، وتكلموا في دينه مالم ينزل به سلطاناً : فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ؟ أي تشركون بالله ولا تخافونه وتخوفونى أنا بغير الله فمن ذا الذي يستحق الأمن إلى قوله : ( أُؤْلَكَ لَهُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) أي: هؤلاء الموحدون المخلصون ؛ ولهذا قال الإمام أحمد لبعض الناس : لو صححت لم تخف أحداً . ولكن الشيطان وسواس فى قلوب الناس ، كما قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِ نَبِّ عَدُوًّا شَيَطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُمُورًا إلى قوله تعالى: ( إِن يَشَبِعُونَ إِلَّا الَّنَّ وَإِنْ ( هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ) ؛ أخبر سبحانه وتعالى : أن ما جاءت به الرسل والأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - لا بد له من عدو شياطين الإنس والجن يوسوسون القول المزخرف ، ونهى أن يطلب حكماً من غير الله بقوله تعالى: ( أَفَغَيْرَاللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمَا وَهُوَ الَّذِى أَنْزَلَ ٣٦ ، والكتاب : هو الحاكم بين الناس إِلَيْكُمُ الْكِتَبَ مُفَصَّلًا) شرعا وديناً، وينصر القائم نصراً وقدراً. وقد قال الله تعالى: (إِنَّ وَلِقِىَ اللَّهُ الَّذِى نَزَّلَ الْكِنَبِّ وَهُوَ يَتَوَلَى الصَّلِينَ) . وقال تعالى: ( ثُمَّ جَعَلْنَكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَأَتَبِّعْهَا )، إلى قوله: (وَاللَّهُ وَلِىُّ الْمُنَّقِينَ). وقال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَارُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِشَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ )؛ إلى قوله: ( إِنَّاللََّ قَوِىُّ عَزِيزٌ)، و((الميزان)) هو : العدل ، وما به يعرف العدل ، وأنزل الحديد لينصر الكتاب ؛ فإن قام صاحبه بذلك كان سعيداً مجاهداً فى سبيل الله ؛ فإن الله نصر الكتاب بأمر من عنده؛ وانتقم ممن خرج من حكم الكتاب ، كما قال تعالى: (إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُ واْثَانِى آَثْنَيْنِ) إلى قوله: (وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيدٌ) . وقوله صلى الله عليه وسلم لأبى بكر: (إِنَ اللَّهَ مَعَنَا)، وقال تعالى: (إِنَّاللَّهَ مَعَ الَّذِينَ أَنَّقَواْوَالَّذِينَ وقال تعالى: ( إِنَّاللَّهَ مَعَ الصَّْبِرِينَ). وكل هُم ◌ُحْسِنُونَ ) . من وافق الرسول صلى الله عليه وسلم فى أمر خالف فيه غيره فهو من الذين اتبعوه فى ذلك ؛ وله نصيب من قوله: (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)؛ فإن المعية الإلهية المتضمنة للنصر هي لما جاء به إلى يوم القيامة ؛ وهذا قد دل عليه القرآن ، وقد رأينا من ذلك وجربنا ما يطول وصفه . وقال تعالى: ( سَيُرِيِهِمْ ءَايَئِنَا فِ آلْآَفَاقِ وَفِىِّ أَنْفُسِهِمْ حَقِّ يَبَّنَ لَهُمْ ) إلى آخر السورة. وقال تعالى: (وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ). ٣٧ وقال تعالى: ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ * إِنَّ شَانِثَكَ هُوَ اُلْأَبْتَرَ)، فمن ثنا شيئا مماجاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فيه من ذلك نصيب: ولهذا قال أبو بكر بن عياش لما قيل له : إن بالمسجد أقواما يجلسون ويجلس الناس إليهم فقال : من جلس للناس جلس الناس إليه ؛ لكن أهل السنة يبقون ويبقى ذكرهم، وأهل البدعة يموتون ويموت ذكرهم. وذلك أن أهل البدعة شنأوا بعض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فأبترهم بقدر ذلك ، والذين أعلنوا ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فصار لهم نصيب من قوله تعالى: ( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) ؛ فإن ما أكرم الله به نبيه من سعادة الدنيا والآخرة فللمؤمنين المتابعين نصيب بقدر إيمانهم . فما كان من خصائص النبوة والرسالة فلم يشارك فيه أحد من أمته ، وما كان من ثواب الإِيمان والأعمال الصالحة فلكل مؤمن نصيب بقدرذلك . والله تعالى يقول: (هُوَالَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ. عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، : بالحجة والبيان ؛ وباليد واللسان ؛ وهذا إلى ( يوم القيامة ؛ لكن الجهاد المكي بالعلم والبيان؛ والجهاد المدني مع المكي باليد والحديد ، قال تعالى: (فَلاَتُطِعِ الْكَفِرِينَ وَجَهِدْهُم بِهِ، جِهَادًا كَبِيرًا) و((سورة الفرقان)) مكية، وإنما جاهدهم باللسان والبيان؛ ولكن يكف عن الباطل ، وإنما قد بين فى المكية. (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَّى ٣٨ نَعْلَمَ الْمُجَهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَِّبِينَ وَنَبْلُوَالَخْبَارَكُمْ ) وقال تعالى: ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْ خُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْحَتَّ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, مَنتَى نَصْرُ اللّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ). وقال تعالى: (الّمَ * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَّكُواْ أَنْ يَقُولُوَأْءَامَنَاوَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) إلى قوله: (سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ) . فبين سبحانه وتعالى : أنه أرسل رسله. والناس رجلان : رجل يقول : أنا مؤمن به مطيعه ؛ فهذا لا بد أن يمتحن حتى يعلم صدقه من كذبه . ورجل مقيم على المعصية؛ فهذا قد عمل السيئات فلا يظن أن يسبقونا بل لابد أن نأخذهم . وما لأحد من خروج عن هذين القسمين . قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اللَّهِبِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ قَرِيدٍ) إلى قوله: ( لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَبِلْسَ الْعَشِيرُ ). فبين سبحانه حال من يجادل في الدين بلا علم ؛ والعلم هو ما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو السلطان كما قال تعالى: (إِنَّالَّذِينَ يُحَدِلُونَ فِىّءَايَتِ اللَّهِبِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَنُهُمْ)؛ فمن تكلم فى الدين بغير ما بعث الله به رسوله - صلى الله عليه وسلم - كان منكلما بغير علم ، ومن تولاه الشيطان فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير، ومن انقاد لدين الله فقد عبد الله باليقين، بل إن أصابه ما يهواه استمر، ٣٩ وإن أصابه ما يخالف هواه رجع، وقد عبد الله على حرف، و((الحرف)) هو : الجانب ، كرف الرغيف وحرف الجبل ليس مستقراً بثبات ، (فَإِ أَصَابَهُ خَيُِّ) فى الدنيا ( الْمَنَِّمُوَإِنْ أَصَنَّهُ فِئْنَةُ ) أي : ( أُنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ، خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ ذَلِكَ هُوَ محنة امتحن بها اْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) ، وحرف الجبل ليس مستقراً بالثبات ، معناه : خسر الدنيا بما امتحن به وخسر الآخرة برجوعه عن الدين ( يَدْعُواْمِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُُّ ) الآية. أي: يدعو المخلوقين؛ يخافهم، ويرجوهم، وم لا يملكون له ضراً ولا نفعاً، بل ضرم أقرب من نفعهم؛ وإن كان سبب نزولها فى شخص معين أسلم وكان مشركا فحكمها عام في كل من تناوله لفظها ومعناها إلى يوم القيامة . فكل من دعا غير الله فهو مشرك ، والعيان بصدق هذا ؛ فإن المخلوقين إذا اشتكى إليهم الإنسان فضررهم أقرب من نفعهم، والخالق - جل جلاله وتقدست أسماؤه ولا إله غيره - إذا اشتكى إليه المخلوق وأنزل حاجته به واستغفره من ذنوبه : أيده وقواه وهداه ، وسد فاقته وأغناه وقربه وأقناء، وحبه واصطفاء، والمخلوق إذا أنزل العبد به حاجته استرذله وازدراه ثم أعرض عنه ، خسر الدنيا والآخرة ، وإن قضى له ببعض مطلبه ؛ لأن عنده من بعض رعاياه يستعبده بما يهواه ، قال الخليل عليه أفضل الصلاة والسلام: ( فَبْتَغُواْ عِندَاللَّهِ الْرِزْفَ وَأَعْبُدُوهُ ٤٠