Indexed OCR Text

Pages 1-20

مُمْوَ فَيَاوى
شيخ الإسلام أحمد بن تيميّة
((قَدَّسَ اللَّهَ رُوَحَهُ))
جَمْعْوَتَرَتِبُ
عَبَدِ الرَّمِن ◌ْمُحَمَّدَ بْقَاسْم (رَحَمَهُ الَه)
وَسَاعَدَهُ أَبْنُهُ مُحَمَّد ((وَفْقَهُ اللَّه))
المجلّد الثامن والعشرون
طُبعَ بِأمْر
خَادِ مِ الجَزَيْ الشَّرِفَيْ الملِكِ فَهُّدِبْ عَبْدُ العَزيز السُون
أَجْزَل اللَّه مَتُوُبتَه

طبعَت هذه الفتَاوى في
مُجَمِعْ المَلِ فَهَدِ لُطبَاعَةِ المُصَحِفِ الشّريف
في المدينة المنوّرة
تحت إشراف
وَزَارَة الشُّؤُوْنِ الإِسْلَامِيَّةِ وَالأَوْقَافِقِ وَاللَّجُومٌ وَالأَرْشَادِ
بالمملَكَةِ العَرَبَيَّةِ السُّعُوديّةِ
عام ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤م
٤ مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ١٤١٥ هـ.
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية
ابن تيميه ، أحمد بن عبد الحليم
فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميه .
٦٩٦ ص ؛ ١٧ × ٢٤ سم
ردمك ٦-٢٠-٧٧٠ -٩٩٦٠ ( مجموعة )
٦-٤٨ - ٧٧٠ -٩٩٦٠ ( ج ٢٨)
أ - العنوان
١ - الفتاوى الإسلامية ٢- الفقه الحنبلي
١٥/٢٠٠٩
دیوي ٢٥٨,٤
رقم الإيداع : ١٥/٢٠٠٩
ردمك : ٦-٢٠-٧٧٠ -٩٩٦٠ (مجموعة)
٦-٤٨- ٧٧٠ -٩٩٦٠ ( ج ٢٨ )

كتب
الفقرة للـ
الجهاد

بسـ
٦
سئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه
عن الحديث وهو: (( حرس ليلة على ساحل البحر أفضل من عمل
رجل في أهله ألف سنة))، وعن سكنى مكة وبيت المقدس والمدينة
المنورة على نية العبادة والانقطاع إلى الله تعالى؛ والسكنى بدمياط
وإسكندرية وطرابلس على نية الرباط : أيهم أفضل ؟
فأجاب: الحمد لله. بل المقام فى ثغور المسلمين كالثغور الشامية
والمصرية أفضل من المجاورة فى المساجد الثلاثة ، وما أعلم في هذا نزاعا
بين أهل العلم ، وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة ؛ وذلك لأن
الرباط من جنس الجهاد ، والمجاورة غايتها أن تكون من جنس الحج ؛
كما قال تعالى: (أَجَعَلْتُ سِقَائَةَ الْحَاجِ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْمَاءِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِالْأَخِرِ وَجَهَدَ فِى سَبِيلِ اللهِلَا يَسْتَوُنَ عِندَاللَّهِ).
وفي الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه سئل : أي
٥

الأعمال أفضل؟ قال: ((إيمان بالله ورسوله. قيل: ثم ماذا ؟ قال :
ثم جهاد فى سبيله . قيل: ثم ماذا؟ قال: ثم حج مبرور)). وقد
روي: (( غزوة في سبيل الله أفضل من سبعين حجة))، وقد روى
مسلم فى صحيحه عن سلمان الفارسي: أن النبى صلى الله عليه وسلم
قال: ((رباط يوم وليلة فى سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، ومن
مات مرابطا مات مجاهداً، وأجرى عليه رزقه من الجنة ، وأمن
الفتان )) . وفي السنن عن عثمان عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال :
((رباط يوم فى سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواء من المنازل))؛
وهذا قاله عثمان على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر
أنه قال لهم ذلك تبليغا للسنة .
وقال أبو هريرة : لأن أرابط ليلة فى سبيل الله أحب إلي من أن
أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود .
وفضائل الرباط والحرس فى سبيل الله كثيرة لا تسعها هذه
الورقة . والله أعلم .
٦

المسؤول من السادة العلماء
القادة الفضلاء ، أئمة الدين - رضي الله عنهم أجمعين - أن
يخبرونا بفضائل الرمي وتعليمه ؛ وما ورد فيمن تركه بعد تعلمه ؛ وأيما
أفضل الرمي بالقوس أو الطعن بالرمح؟ أو الضرب بالسيف ؟ وهل
لكل واحد منهم علم يختص به ومحل يليق به ؟ .
وإذا على رجل رجلا الرمي أو الطعن وغيرهما من آلات الحرب
والجهاد فى سبيل الله تعالى وجحد تعليمه، وانتقل إلى غيره وانتمى
إليه : هل يأثم بذلك أم لا ؟
وإذا قال قائل لهذا المنتقل : أنت مهدور ، أو تقتل : أثم بذلك
أم لا؟ وإن زاد فقال له : أنت لقيط ، أو ولد زنا : بعد قذفا ،
ويحد بذلك أم لا ؟.
وهل يحل للأستاذ الثانى أن يقبل هذا المنتقل ويعزره على جحده
لمعلمه؟ وإذا قال المنتقل: أنا أنتمى إلى فلان تعليما وتخريجاً ، وإلى
فلان إفادة وتفهيما : هل يسوغ له ذلك أم لا ؟ وهل للمبتدئ أن
٧

يقوم فى وسط جماعة من الاساتذة والمتعلمين ويقول: يا جماعة الخير!
أسأل الله تعالى وأسألكم أن تسألوا فلاناً أن يقبلنى أن أكون له أخا
أو رفيقاً، أو غلاماً، أو تلميذاً، أو ما أشبه ذلك: فيقوم أحد الجماعة
فيأخذ عليه العهد ، ويشترط عليه ما يريده ، ويشد وسطه بمنديل أو
غيره : فهل بسوغ هذا الفعل أم لا ؟ لما يترتب عليه من المحاماة
والعصبية لأستاذ : بحيث يصير لكل من الأساتذة إخوان ورفقاء
وأحزاب وتلامذة يقومون معه إذا قام بحق أو باطل ، ويعادون من
عاداه ويوالون من والاه .
وهل إذا اجتمعوا للرمي على رهن هل يحل أم لا ؟ وهل يقدح
فى عدالة الأستاذ إذا فعل التلامذة مالا يحل فى الدين ويقرم على ذلك ؟
وهل إذا شد المعلم للتلميذ ، وحصل بذلك هبة وكرامة - وجميع
ذلك في العرف يرجع إلى الأستاذ - يحل له تناوله أم لا ؟ وهل
للأستاذ أن يقبل أجرة أو هبة أو هدية ؟ فإن المعلم تلحقه كلفة من
آلات وغيرها .
أفتونا مأجورين وأرشدونا رضي الله عنكم أجمعين .
فأجاب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رضي الله عنه :
الحمد لله رب العالمين . الرمي فى سبيل الله، والطعن في سبيل
٨

الله. والضرب فى سبيل الله: كل ذلك مما أمر الله تعالى به ورسوله، وقد
ذكر الله تعالى الثلاثة، فقال تعالى: ( فَإِذَا لَقِيتُهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ الْرِقَابِ حَتَّىَ
إِذَا أَنْخَتُوهُمْ فَشُدُّ واْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءَ حَتَّى تَضَعَ الْحَرَّبُ أَوْزَارَهَا ) ،
وقال تعالى: ( فَأَضْرِبُواْفَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ)،
وقال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَىْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ )
وقال تعالى: (وَأَعِدُواْ لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِنْ رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَبِهِ،
عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ ) ،
وقد ثبت فى
صحيح مسلم وغيره عن النبى صلى الله عليه وسلم: أنه قرأ على المنبر
هذه الآية فقال: (( ألا إن القوة الرمي! ألا إن القوة الرمي ! ألا
إن القوة الرمي!)).
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم فى الصحيح أنه قال: ((ارموا
واركبوا! وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا ، ومن تعلم الرمي ثم
نسيه فليس منا))؛ وفي رواية: ((ومن تعلم الرمي ثم نسيه فهي
نعمة جحدها)). وفى السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((كل
لهو يلهو به الرجل فهو باطل ؛ إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته
امرأته: فإنهن من الحق)). وقال: ((ستفتح عليكم أرضون ويكفيكم
الله، فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه)).
وقال مكحول : كتب عمر بن الخطاب إلى الشام : أن علموا
٩

أولادكم الرمي والفروسية .
وفى صحيح البخاري عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ارموا
بنى إسماعيل ؛ فإن أباكم كان رامياً )) . ومر على نفر من أسلم ينتضلون
فقال صلى الله عليه وسلم؛ ((ارموا بنى إسماعيل؛ فإن أباكم كان
رامياً ، ارموا وأنا مع بنى فلان )) فأمسك أحد الفريقين بأيديهم
فقال : مالكم لا ترمون ؟ قالوا : كيف نرمي وأنت معهم ؟ فقال :
ارموا وأنا معكم كلكم )) .
وقال سعد بن أبى وقاص رضي الله عنه: مثل لي رسول الله صلى الله
عليه وسلم - يعني نفض كنانته يوم أحد - وقال: ((ارم فداك
أبي وأمي!)) وقال على بن أبى طالب: ما رأيت رسول الله صلى
الله عليه وسلم جمع أبويه لأحد إلا لسعد: قال له: ((ارم سعد!
فداك أبي وأمي )) .
وقال أنس بن مالك : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم:
(( لصوت أبي طلحة فى الجيش خير من مائة))، وكان إذا كان فى
الجيش جثا بين يديه ، ونثر كنانته ، فقال : نفسي لنفسك الفداء ،
ووجهي لوجهك الوقاء . وكان النبي صلى الله عليه وسلم له السيف
والقوس والرمح . وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :
١٠

(( من رمى بسهم فى سبيل الله - بلغ العدو أو لم يبلغه - كانت
له عدل رقبة )» .
وفى السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله يدخل
بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة : صانعه يحتسب فى صنعته الخير ؛ والرامي
به ، والممد به))؛ وهذا لأن هذه الأعمال هي أعمال الجهاد، والجهاد
أفضل ما تطوع به الإنسان ، وتطوعه أفضل من تطوع الحج وغيره ،
كما قال تعالى :
( أَجَعَلْتُمُ سِقَائَةَ الْحَجِ وَعَمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْخَرَامِ كَمَنْءَامَنَ بِلَهِ وَأَلْيَّوْمِالْآَخِ وَجَهَدَ فِى
ج
سَبِيلِ اللَّهِ لَ يَسْتَوَّنَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظََّلِينَ * الَّذِينَءَامَنُواْوَهَاجَرُواْوَجَهَدُواْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَاللهِوَأُوْلَكَ هُالْفَإِرُونَ * يُبَشِّرُ هُمْ رَبُّهُم
بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَنٍ وَجَنَّتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمُ * خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّاللَّهَ عِندَهُ:
أَجْرٌ عَظِيمٌ ) .
وفى الصحيح أن رجلا قال : لا أبالي ألا أعمل عملا بعد الإسلام
إلا أن أعمر المسجد الحرام ! فقال علي بن أبي طالب : الجهاد فى سبيل
اللّه أفضل من هذا كله . فقال عمر بن الخطاب لا ترفعوا أصواتكم عند
منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولكن إذا قضيت الصلاة
سألته عن ذلك . فسأله ؛ فأنزل الله هذه الآية ؛ فبين لهم أن الإيمان
والجهاد أفضل من عمارة المسجد الحرام والحج والعمرة والطواف ومن
١١

الإحسان إلى الحجاج بالسقابة ؛ ولهذا قال أبو هريرة - رضي الله
عنه -: لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلي من أن أقوم ليلة
القدر عند الحجر الأسود .
ولهذا كان الرباط فى الثغور أفضل من المجاورة بمكة والمدينة ،
والعمل بالرمح والقوس فى الثغور أفضل من صلاة التطوع . وأما فى
الأمصار البعيدة من العدو فهو نظير صلاة التطوع .
وفي الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إن
فى الجنة مائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض
أعدها الله المجاهدين فى سبيله)).
وهذه الأعمال كل منها له محل يليق به هو أفضل فيه من غيره،
فالسيف عند مواصلة العدو ، والطعن عند مقاربته ، والرمي عند بعده
أو عند الحائل كالنهر والحصن ونحو ذلك. فكلما كان أنكى فى العدو وأنفع
للمسلمين فهو أفضل . وهذا يختلف باختلاف أحوال العدو ، وباختلاف
حال المجاهدين فى العدو . ومنه ما يكون الرمي فيه أنفع ، ومنه ما
يكون الطعن فيه أنفع . وهذا مما يعلمه المقاتلون .
١٢

فصل
وتعلى هذه الصناعات هو من الأعمال الصالحة لمن يبتغى بذلك وجه
الله عز وجل ، فمن على غيره ذلك كان شريكه فى كل جهاد يجاهد به،
لا ينقص أحدهما من الأجر شيئا ، كالذي يقرأ القرآن ويعلم العلم . وعلى
المتعلم أن يحسن نيته في ذلك ويقصد به وجه الله تعالى ، وعلى المعلم
أن ينصح للمتعلم ويجتهد في تعليمه، وعلى المتعلم أن يعرف حرمة أستاذه
ويشكر إحسانه إليه ؛ فإنه من لا يشكر الناس لا يشكر الله، ولا يجحد
حقه ولا ينكر معروفه .
وعلى المعلمين أن يكونوا متعاونين على البر والتقوى كما أمر النبى
صلى الله عليه وسلم بقوله: ((المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه)).
وقوله: ((مثل المؤمنين فى توادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا
اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر )). وقوله صلى
الله عليه وسلم: (( والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه
من الخير ما يحبه لنفسه)). وقوله: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد
بعضه بعضاً وشبك بين أصابعه)) وقال صلى الله عليه وسلم: (( لا تحاسدوا
١٣

ولا تقاطعوا ، ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا)).
وهذا كله فى الصحيح .
وفى السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ألا أنبتكم بأفضل
من درجة الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟
قالوا : بلى يارسول الله! قال : صلاح ذات البين ؛ فإن فساد ذات
البين هي الحالقة؛ لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين)).
وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((تفتح أبواب
الجنة كل يوم اثنين وخميس ، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا ؛
إلا رجلا كان بينه وبين أخيه شحناء ؛ فيقال : أنظروا هذين حتى
يصطلحا)). وقال صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل لمسلم أن يهجر
أخاه فوق ثلاث ؛ يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا وغيرهما الذي
يبدأ بالسلام ».
وليس لأحد من المعلمين أن يعتدي على الآخر ، ولا يؤذيه بقول ولا
فعل بغير حق ؛ فإن الله تعالى يقول: (وَاُلَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ
بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ فَقَدِ احْتَمَلُواْبُهْتَنَّا وَإِثْمًا مُبِينًا). وليس لأحد أن يعاقب
أحداً على غير ظلم ولا تعدي حد ولا تضييع حق ؛ بل لأجل هواء ؛
فإن هذا من الظلم الذي حرم الله ورسوله ؛ فقد قال تعالى: فيما روى
١٤

عنه نبيه صلى الله عليه وسلم: (( يا عبادي! إني حرمت الظلم على
نفسى وجعلته بينكم محرما ؛ فلا تظالموا )).
وإذا جنى شخص فلا يجوز أن يعاقب بغير العقوبة الشرعية ، وليس
لأحد من المتعلمين والأساتذة أن يعاقبه بما يشاء، وليس لأحد أن
يعاونه ولا يوافقه على ذلك ، مثل أن يأمر بهجر شخص فيهجره بغير
ذنب شرعي ، أو يقول : أقعدنه أو أهدرته أو نحو ذلك ؛ فإن هذا
من جنس ما يفعله القساوسة والرهبان مع النصارى والحزابون مع اليهود،
ومن جنس ما يفعله أئمة الضلالة والغواية مع أنباعهم . وقد قال الصديق
الذي هو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أمته : أطيعونى ما
أطعت الله! فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم . وقد قال النبى صلى
الله عليه وسلم: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)). وقال: ((من
أمركم بمعصية الله فلا تطيعوه)).
فإذا كان المعلم أو الأستاذ قد أمر بهجر شخص ؛ أو بإصدار.
وإسقاطه وإبعاده ونحو ذلك : نظر فيه ، فإن كان قد فعل ذنبا شرعيا
عوقب بقدر ذنبه بلا زيادة ، وإن لم يكن أذنب ذنبا شرعيا لم يجز أن
يعاقب بشيء لأجل غرض المعلم أو غيره .
وليس للمعلمين أن يحزبوا الناس ويفعلوا ما يلقى بينهم العداوة
١٥

والبغضاء ، بل يكونون مثل الإخوة المتعاونين على البر والتقوى كما قال
تعالى: ( وَتَعَاوَ نُواْ عَلَى الْبِّ وَالنَّقْوَىُّ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَاُلْعُدْوَنِ ).
وليس لأحد منهم أن يأخذ على أحد عهدا بموافقته على كل ما يريده؛
وموالاة من يواليه ؛ ومعاداة من يعاديه ، بل من فعل هذا كان من
جنس جنكزخان وأمثاله الذين يجعلون من وافقهم صديقا مواليا ، ومن
خالفهم عدوا باغيا ؛ بل عليهم وعلى أتباعهم عهد الله ورسوله بأن يطيعوا
الله ورسوله ؛ ويفعلوا ما أمر الله به ورسوله ؛ ويحرموا ما حرم الله
ورسوله ؛ ويرعوا حقوق المعلمين كما أمر الله ورسوله. فإن كان أستاذ
أحد مظلوما نصره ، وإن كان ظالما لم يعاونه على الظلم بل يمنعه منه؛
كما ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((انصر
أخاك ظالما أو مظلوما)) قيل: يا رسول الله ! أنصره مظلوما فكيف أنصره
ظالما! قال: (( تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه)).
وإذا وقع بين معلم ومعلم أو تلميذ وتلميذ أو معلم وتلميذ خصومة
ومشاجرة لم يجز لأحد أن يعين أحدهما حتى يعلم الحق ، فلا يعاونه بجهل
ولا بهوى ، بل ينظر فى الأمر فإذا تبين له الحق أعان المحق منها على
المبطل ، سواء كان المحق من أصحابه أو أصحاب غيره ؛ وسواء كان المبطل
من أصحابه أو أصحاب غيره ، فيكون المقصود عبادة الله وحده وطاعة
رسوله؛ واتباع الحق والقيام بالقسط ، قال الله تعالى:
١٦

(يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْكُونُواْ قَوَِّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَلِدَيْنِ
وَاُلْأَقْرَ بِنَّ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَّا فَلَا تَتَّبِعُواْ الْهَوَىَ أَنْ تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُرأ
ج
أَوْتُعْرِضُواْ فَإِنَّاللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا )
يقال: لوى بلوي لسانه: فيخبر بالكذب . والإعراض: أن يكتم الحق :
فإن الساكت عن الحق شيطان أخرس .
ومن مال مع صاحبه - سواء كان الحق له أو عليه - فقد حكم
بحكم الجاهلية وخرج عن حكم الله ورسوله ، والواجب على جميعهم أن
يكونوا يدا واحدة مع المحق على المبطل ، فيكون المعظم عندم من عظمه
الله ورسوله ، والمقدم عندم من قدمه الله ورسوله ، والمحبوب عندهم من
أحبه الله ورسوله ، والمهان عندهم من أهانه الله ورسوله بحسب ما يرضى
الله ورسوله لا بحسب الأهواء ؛ فإنه من يطع الله ورسوله فقد رشد ؛
ومن بعص الله ورسوله فإنه لا يضر إلا نفسه .
فهذا هو الأصل الذي عليهم اعتماده. وحينئذ فلا حاجة إلى تفرقهم
( إِنَّالَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُوْ شِيَعًا
وتشيعهم ؛ فإن الله تعالى يقول :
لَّسْتَ مِنْهُمْ فِ شَىْءٍ ). وقال تعالى: (وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَأُخْتَلَفُواْ
وإذا كان الرجل قد علمه أستاذ عرف
مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ هُمُ الْبَيِّنَتُ)
قدر إحسانه إليه وشكره .
ولا يشد وسطه لا لمعلمه ولا لغير معلمه ؛ فإن شد الوسط لشخص
١٧

معين وانتسابه إليه - كما ذكر فى السؤال -: من بدع الجاهلية ؛
ومن جنس التحالف الذي كان المشركون يفعلونه؛ ومن جنس تفرق
قيس ويمن ، فإن كان المقصود بهذا الشد والانتماء التعاون على البر
والتقوى فهذا قد أمر الله به ورسوله له ولغيره بدون هذا الشد، وإن
كان المقصود به التعاون على الإثم والعدوان فهذا قد حرمه الله ورسوله.
فما قصد بهذا من خير ففى أمر الله ورسوله بكل معروف استغناء عن
أمر المعلمين ، وما قصد بهذا من شر فقد حرمه الله ورسوله .
فليس لمعلم أن يحالف تلامذته على هذا ، ولا لغير المعلم أن يأخذ
أحداً من تلامذته لينسبوا إليه على الوجه البدعي : لا ابتداء ولا إفادة.
وليس له أن يجحد حق الأول عليه ، وليس للأول أن يمنع أحدا من
إفادة التعلم من غيره ، وليس للثانى أن يقول: شد لي وانتسب لي
دون معلمك الأول ، بل إن تعلم من اثنين فإنه يراعي حق كل منها ،
ولا يتعصب لا للأول ولا للثانى ، وإذا كان تعليم الأول له أكثر كانت
رعايته لحقه أكثر .
وإذا اجتمعوا على طاعة الله ورسوله وتعاونوا على البر والتقوى لم
يكن أحد مع أحد فى كل شيء ؛ بل يكون كل شخص مع كل شخص فى
طاعة الله ورسوله ، ولا يكونون مع أحد في معصية الله ورسوله ، بل
يتعاونون على الصدق والعدل والإحسان ، والأمر بالمعروف والنهي عن
١٨

المنكر ، ونصر المظلوم وكل ما يحبه الله ورسوله ؛ ولا يتعاونون لا على
ظلم ولا عصبية جاهلية ، ولا اتباع الهوى بدون هدى من الله، ولا
تفرق ولا اختلاف ؛ ولا شد وسط لشخص ليتابعه في كل شيء ، ولا
يحالفه على غير ما أمر الله به ورسوله .
وحينئذ فلا ينتقل أحد عن أحد إلى أحد ؛ ولا ينتمي أحد :
لا لقيطا ، ولا ثقيلا ولا غير ذلك من أسماء الجاهلية ؛ فإن هذه
الأمور إنما ولدها كون الأستاذ يريد أن يوافقه تلميذه على ما يريد ،
فيوالي من يواليه ، ويعادي من يعاديه مطلقاً . وهذا حرام ؛ ليس لأحد
أن يأمر به أحداً؛ ولا يجيب عليه أحداً ؛ بل تجمعهم السنة وتفرقهم
البدعة ؛ يجمعهم فعل ما أمر الله به ورسوله وتفرق بينهم معصية الله
ورسوله ، حتى بصير الناس أهل طاعة الله أو أهل معصية الله ، فلا
تكون العبادة إلا لله عز وجل ولا الطاعة المطلقة إلا له سبحانه ولرسوله
صلى الله عليه وسلم .
ولا ريب أنهم إذا كانوا على عادتهم الجاهلية - أي من علمه
أستاذ كان محالفا له - كان المنتقل عن الأول إلى الثاني ظالما باغيا
ناقضاً لعهده غير موثوق بعقده ؛ وهذا أيضاً حرام وإنم ، هذا أعظم
من إثم من لم يفعل مثل فعله ؛ بل مثل هذا إذا انتقل إلى غير أستاذه
وحالفه كان قد فعل حراما ؛ فيكون مثل لحم الخنزير الميت ! فإنه لا
١٩

بعهد الله ورسوله أوفى، ولا بعهد الأول ؛ بل كان بمنزلة المتلاعب الذي
لا عهد له ، ولا دين له ولا وفاء . وقد كانوا فى الجاهلية يحالف الرجل
قبيلة فإذا وجد أقوى منها نقض معهد الأولى وحالف الثانية - وهو
شبيه بحال هؤلاء - فأنزل الله تعالى :
(وَلَ نَنْقُضُواْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَيَعْلَمُ
مَا تَفْعَلُونَ * وَلَا تَكُونُواْ كَلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَثًّا نَتَّخِذُونَ
أَيْمَتَكُرْدَ خَلََّ بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةُ هِىَ أَرْبَى مِنْ أُمَّ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُبِهِ، وَلَيََُّّنَّ
لَكُرْيَوْمَ الْقِيَمَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَلَوْشَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَلَكِنْ
يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءٌ وَلَتُعَلُنَّ عَمَّا كُنْتُوْنَعْمَلُونَ* وَلَا نَّخِذُوَأْأَيْمَنَّكُمْ دَخَلًا
بَيْنَكُمْ فَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْالسُّوْءَ بِمَاصَدَدْتُمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ
عَظِيمٌ )
وعليهم أن يأتمروا بالمعروف ويتناهوا عن المنكر ، ولا يدعوا
بينهم من يظهر ظلما أو فاحشة ، ولا يدعوا صبيا أمرد يتبرج أو يظهر
ما يفتن به الناس ، ولا أن يعاشر من يتهم بعشرته ، ولا يكرم
لغرض فاسد .
ومن حالف شخصا على أن يوالي من والاه ويعادي من عادا. كان
من جنس النتر المجاهدين فى سبيل الشيطان ، ومثل هذا ليس من
المجاهدين في سبيل الله تعالى ، ولا من جند المسلمين ، ولا يجوز أن
٢٠