Indexed OCR Text
Pages 421-440
إلا ما ثبت اختصاصه به . فإذا قصد عبادة فى مكان شرع لنا أن نقصد تلك العبادة فى ذلك المكان . فلما قصد السفر إلى مكة وقصد العبادة بالمسجد الحرام والصلاة فيه ، والطواف به ، وبين الصفا والمروة ، والصعود على الصفا والمروة ، والوقوف بعرفة وبالمشعر الحرام ، ورمي الجمار ، والوقوف للدعاء عند الجمرتين الأوليين دون الثالثة التى هي جمرة العقبة ، كان ذلك كله مشروعالنا ، إما واجبا وإما مستحبا . ولم يذهب بمكة إلى غير المسجد الحرام ، ولا سافر إلى الغار الذى مكث فيه لما سافر سفر الهجرة ، ولا صعد إلى غار حراء الذى كان يتحنث فيه قبل أن يأتيه الوحى ، وكان ذلك عبادة لأهل مكة ، قيل إنه سنها لهم عبد المطلب ، وصلى عقب الطواف ركعتين ، ولم يصل عقب الطواف بالصفا والمروة شيئا. وحين دخل المسجد الحرام طاف بالبيت ، وكان الطواف بحية المسجد ، لم يصل قبله محية ، كما تصلى فى سائر المساجد ، كما أنه افتتح برمي جمرة العقبة حين أتى منى ، وتلك هي العبادة ، وبعدها نحر هديه ، ثم حلق رأسه ، ثم طاف بالبيت . ولهذا صارت السنة أن أهل من يرمون ثم يذبحون ، والرمي لهم بمنزلة صلاة العيد لغيرهم ، وليس بمنى صلاة عيد ولا جمعة ، لا بها ولا بعرفة ، فإن النبى صلى الله عليه وسلم لم يصل بهما صلاة عيد، ولا صلى يوم عرفة جمعة ، ولا كان فى أسفاره يصلي جمعة ولا عيداً . ولهذا ٤٢١ كان عامة العلماء على أن الجمعة لا تصلى فى السفر ، وليس فى ذلك إلا نزاع شاذ. وجمهور العلماء على أن العيد أيضا لا يكون إلا حيث تكون الجمعة؛ فإن النبى صلى الله عليه وسلم لم يصل عيداً في السفر، ولا كان يصلى فى المدينة على عهده إلا عيداً واحداً. ولم يكن أحد يصلي العيد منفرداً . وهذا قول جمهور العلماء وفيه نزاع مشهور . ولهذا صار المسلمون بمنى يرمون ، ثم يذبحون النسك ، اتباعا لسنته صلى الله عليه وسلم . فما فعله على وجه التقرب كان عبادة تفعل على وجه التقرب ، وما أعرض عنه ولم يفعله مع قيام السبب المقتضى لم يكن عبادة ولا مستحباً. وما فعله على وجه الإباحة من غير قصد التعبد به كان مباحاً . ومن العلماء من يستحب مشابهته في هذا في الصورة كما كان ابن عمر يفعل ، وأكثرهم يقول : إنما تكون المتابعة إذا قصدنا ما قصد ، وأما المشابهة فى الصورة من غير مشاركة فى القصد والنية فلا تكون متابعة . فما فعله على غير العبادة فلا يستحب أن يفعل على وجه العبادة ، فإن ذلك ليس بمتابعة ؛ بل مخالفة . وقد ثبت فى الصحيح أنه كان يصلي حيث أدركته الصلاة. وثبت فى الصحيح أنه قال لأبى ذر حين سأله: أي مسجد وضع فى الأرض أول؟ فقال: ((المسجد الحرام، ثم المسجد الأقصى، ثم حيث ما أدركتك الصلاة فصل فإنه مسجد)). وروى فى ٤٢٢ الصحيح: ((فإن فيه الفضل)). فمن أدركته الصلاة هو وأصحابه بمكان فتركوا الصلاة فيه وذهبوا إلى مكان آخر لكونه فيه أثر لبعض الأنبياء فقد خالفوا السنة . وقد رأى عمر بن الخطاب رضى الله عنه قوماً ينتابون مكاناً صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا ؟ قالوا : هذا مكان صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال: ومكان صلى فيه رسول الله؟! أتربدون أن تتخذوا آثار أنبياتكم مساجد ؟ إنما هلك بنوا إسرائيل بمثل هذا ، فمن أدركته الصلاة فيه فليصل فيه ، وإلا فليذهب . فمسجده المفضل لما كان يفضل الصلاة فيه كان مستحبا ، فكيف وقد قال: ((صلاة فى مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)) وقال: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ، ومسجدي هذا)) وهذه الفضيلة ثابتة له قبل أن تدخل فيه الحجرة . بل كان حينئذ الذين يصلون فيه أفضل ممن صلى فيه إلى يوم القيامة . ولا يجوز أن يظن أنه بعد دخول الحجرة فيه صار أفضل مما كان في حياته وحياة خلفائه الراشدين . بل الفضيلة إن اختلفت الأزمنة والرجال فزمنه وزمن الخلفاء الراشدين أفضل ، ورجاله أفضل . فالمسجد حينئذ قبل دخول الحجرة فيه كان أفضل إن اختلفت الأمور ، وإن لم تختلف ٤٢٣ فلا فرق . وبكل حال فلا يجوز أن يظن أنه صار بدخول الحجرة فيه أفضل مما كان . وهم لم يقصدوا دخول الحجرة فيه وإنما قصدوا توسيعه بإدخال حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فدخلت فيه الحجرة ضرورة مع كراهة من كره ذلك من السلف . والمقصود أن مانى الله من المساجد فضيلتها بعبادة الله فيها وحده لا شريك له، وبمن عبد الله فيها من الأنبياء والصالحين وببنائها لذلك. كما قال تعالى: (لَّمَسْجِدُّ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَلِ يَوْمِ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِیهِفِیهِ ج رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَنَطَهَرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَهِرِينَ * أَفَمَنْ أَسَّسَ بُلْيَنَهُ, عَلَى تَقْوَى مِنَ اْللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمِ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَنَهُ عَلَى شَفَاجُرُفٍ هَارٍ فَأَنْهَارَبِهِ، فِي نَارِجَهَنَّمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى اُلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). والأعمال تفضل بنيات أصحابها ، وطاعتهم لله تعالى، وما فى قلوبهم من الإيمان بطاعتهم لله ، كما ثبت في الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم )). وبذلك يثابون ، وعلى ترك ما فرضه الله يعاقبون، وبذلك يندفع عنهم بلاء الدنيا والآخرة . وما أصابهم من المصائب (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُ فبذنوبهم . قال تعالى : (مَآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِوَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةِفَين فَلَهَا ) وقال تعالى : ٤٢٤ قال العلماء : أي ما أصابك من نصر ورزق وعافية نَّفْسِكَ ) فهو من نعم الله عليك، وما أصابك من المصائب فيذنوبك. كما قال تعالى: (وَمَا أَصَبَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ ) كما أنهم متفقون كلهم على أنه لا تكون العبادة إلا الله وحده، ولا يكون التوكل إلا عليه وحده ، ولا تكون الخشية والتقوى إلا لله وحده . والرسول صلى الله عليه وسلم له حق لا يشركه فيه أحد من الأمة ، مثل وجوب طاعته فى كل ما يوجب وبأمر. قال تعالى: ( مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اَللَّهَ ) وقال تعالى: ( وَمَآ أَزْسَلْنَا مِن ◌َّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ). ولهذا كانت مبايعته مبايعة لله. كما قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) فإنهم عاقدوه على أن يطيعوه فى الجهاد ولا يفروا وإن ماتوا . وهذه الطاعة له هي طاعة لله . وعلينا أن يكون الرسول أحب إلينا من أنفسنا وآبائنا وأبنائنا وأهلنا وأموالنا ، كما في الحديث الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( والذي نفسي بيده ، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)) رواه البخاري ومسلم ، وفي لفظ لمسلم: ((وأهله وماله)). وفى البخاري عن عبد الله بن هشام أنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب ٤٢٥ فقال له عمر : يا رسول اللّه لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك)). فقال له عمر: فإنك الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي. فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((الآن يا عمر)). وقد قال تعالى: (قُلْ إِن كَانَءَآبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَنُكُمْ وَأَزْوَجُكُمْوَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَلُّ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِى اُلله ◌ِأَمْرِ هُوَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ) وقد قال تعالى: ( النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ) وفى الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( أنا أولى بكل مؤمن من نفسه)). وذلك أنه لا نجاة لأحد من عذاب الله، ولا وصول له إلى رحمة الله، إلا بواسطة الرسول : بالإيمان به ومحبته وموالاته واتباعه . وهو الذي ينجيه الله به من عذاب الدنيا والآخرة. وهو الذي يوصله إلى خير الدنيا والآخرة . فأعظم النعم وأنفعها نعمة الإيمان ، ولا تحصل إلا به صلى الله عليه وسلم ، وهو أنصح وأنفع لكل أحد من نفسه وماله . فإنه الذى يخرج الله به من الظلمات إلى النور ، لا طريق له إلا هو . وأما نفسه وأهله فلا يغنون عنه من الله شيئا . وهو دعا الخلق إلى الله بإذن الله. كما قال تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَكَ ٤٢٦ والمخالف شَهِدًا وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًّا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ، وَسِرَاجًا مُنِيرًا) له يدعو إلى غير الله بغير إذن الله. ومن اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه إنما يدعو إلى الله ورسوله . وقوله تعالى: ( بِإِذْنِهِ ) أي بأمره وما أنزله من العلم، كما قال تعالى: (قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِي أَدْعُوْ اْإِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِى) فمن اتبع الرسول دعا إلى الله على بصيرة ، أي على بينة وعلى يدعو إليه بمنزل من اللّه ، بخلاف الذي يأمر بما لا يعلم، أو بما لم ينزل به وحياً. كما قال تعالى (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُغَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَمَالَيْسَ لَهُمْ بِهِ، عِلْمُوَمَا لِّلِنَ مِن نَّصِيرٍ). وكل ما أمر الله به أو ندب إليه من حقوقه صلى الله عليه وسلم فإنه لا يختص بحجرته لا من داخل ولا من خارج . بل يفعل فى جميع الأمكنة التى شرع فيها . فليس فعل شيء من حقوقه صلى الله عليه وسلم كالإيمان به ، ومحبته، وموالاته ، وتبليغ العلم عنه، والجهاد على ما جاء به ، وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه ، والصلاة والسلام عليه ، وكل ما يحبه الله ويتقرب إليه، ليس شيء من ذلك عند حجرته أفضل منه فيما بعد عن الحجرة ، لا الصلاة والسلام عليه ولا غير ذلك من حقوقه؛ بل قد نهى هو صلى الله عليه وسلم أن يجعل بيته عيداً. فهى أن يقصد بيته بتخصيص شيء من ذلك . فمن قصد أو اعتقد أن ٤٢٧ فعل ذلك عند الحجرة أفضل فهو مخالف له صلى الله عليه وسلم . وهذا مما كان مشروعا كالإيمان به. والشهادة له بأنه رسول الله والصلاة والسلام عليه . وأما ما لم يشرعه اللّه ولم ينزل به سلطاناً إليه ، بل نهى عنه صلى الله عليه وسلم، كدعاء غير الله وعبادتهم من جميع المخلوقات ، الملائكة والأنبياء وغيرهم ، والحج إلى المخلوقين وإلى قبورهم : فهذه إنما يأمر بها من ليس معهم بذلك على ولا وحي منزل من الله، فهم يضاهون الذين يعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم، أو هم نوع منهم . وقد ميز الله بين حقه وحق الرسول فى مثل قوله: (وَمَن يُطِيع فالطاعة الله والرسول ، والخشية لله اللَّهَوَرَسُولَهُ،وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ ) وحده، والتقوى للّه وحده ، لا يخشى مخلوق ولا يتقى مخلوق ، لا ملك ولا نبي ولا غيرهما . قال تعالى : (وَقَالَ اللَّهُ لَا نَتَّخِذُوَاْإِلَ هَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ فَإِنَّنَىَ فَرْهَبُونِ * وَلَهُمَا فِي السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ وَلَهُ اَلِيْنُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ نَثَّقُونَ) وقال تعالى: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَ الزَّكَوَةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّ اللَّهَ فَعَسَىّ أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ). وقال تعالى: (فَلَا تَخْشَواْ النَّاسَ وَأَخْشَوْنٍ وَلَا تَشْتَرُواْ بِعَايَتِ ثَمَنَّا قَلِيلًا ). وكذلك ميز بين النوعين فى قوله تعالى : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ ٤٢٨ مَآءَاتَهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَقَالُواْ حَسْبُنَا ◌ُللَّهُ سَيُؤْتِيْنَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ إِنَّآ إِلَى اللَّهِ رَغِبُونَ) ففي الإبتاء قال: (ءَاتَهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) لأن الرسول هو الواسطة بيننا وبين اللّه في تبليغ أمره ونهيه وتحليله ومحريمه ووعده ووعيده . فالخلال ما حلله الله ورسوله ، والحرام ما حرمه الله ورسوله ، والدين ما شرعه الله ورسوله . قال تعالى : فلهذا قال تعالى : (وَمَآءَانَنْكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَمَكُمْ عَنْهُ فَأَنْنَهُواْ ) ولم يقل (وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْ مَآءَاتَنهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ) هنا: (( ورسوله))؛ لأن الله وحده حسب جميع عباده المؤمنين، كما قال تعالى: (يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ اَللّهُ وَمَنْ أَتَبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) أي هو حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين . وقال تعالى : (إِنَّ وَلِقِىَ اللَّهُ الَّذِى نَزَّلَ الْكِتَبِّ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّلِينَ) ذكر هذا بعد قوله: (إِنَّالَّذِينَ تَّدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادُ أَمْثَالُكُمْ - إلى قوله - قُلِ أَدْعُواْ شُرَّكَآءَ كُمْ تُمَّكِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ * إِنَّ وَلِّقِىَ اللَّهُ الَّذِى نَزَّلَ اُلْكِتَبِّ وَهُوَ يَتَوَلَى الصَّلِحِينَ ). عن ابن عباس قال : هم الذين لا يعدلون باللّه فيتولام وينصرهم، ولا تضرم عداوة من عادام. كما قال تعالى: ( إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِالدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ ) . ثم قال تعالى مما يأمرهم : فأمرج أن ( سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَغِبُونَ) ٤٢٩ ( فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَنْصَبُ * يجعلوا الرغبة لله وحده كما قال تعالى : وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب ) وهذا لأن المخلوق لا يملك للمخلوق نفعاً ولا ضراً. وهذا عام فى أهل السموات وأهل الأرض، قال تعالى: (قُلِ أَدْعُواْالَّذِينَ زَعَمْتُمِّنِ دُونِ، فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّعَنَكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ, وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ، إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ). قال طائفة من السلف . ابن عباس وغيره : هذه الآية فى الذين عبدوا الملائكة والأنبياء كالمسيح وعزير . وقال عبد الله بن مسعود : كان قوم من الإنس يعبدون قوماً من الجن فأسلم الجن وبقي أولئك على عبادتهم . فالآية تتناول كل من دعا من دون الله من هو صالح عند الله من الملائكة والإنس والجن، قال تعالى : - هؤلاء الذين دعوتموم - (فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلاً * أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَبَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ) قال أبو محمد عبد الحق بن عطية فى تفسيره: أخبر الله تعالى أن هؤلاء المعبودين يطلبون التقرب إليه، والتزلف إليه، وأن هذه حقيقة حالهم. والضمير فى (رَيِّهِمُ) للمبتغين أو للجميع . و (اُلْوَسِيلَةَ ) هي القربة وسبب الوصول إلى البغية ، وتوسل الرجل إذا طلب الدنو والنيل لأمر ما، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ٤٣٠ ((من سأل الله لي الوسيلة)) الحديث . وهذا الذي ذكره ذكر سائر المفسرين [ نحوه إلا أنه ] برز به على غيره فقال: و (أَيُّهُمْ) ابتداء ، وخبره ( أَقْرَبُ) و (أُوْلَئِكَ ) يراد بهم المعبودون ، وهو ابتداء ، وخبره ( يَبْتَغُونَ) . والضمير فى ( يَدْعُونَ) للكفار وفى (يَبْتَغُونَ) للمعبودين. والتقدير نظرهم وذكرم (أَيُهُمْ أَقْرَبُ ). وهذا كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فى حديث الراية بخيير : فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم بعطاها. أي يتبارون فى طلب القرب . قال رحمه الله: وطفف الزجاج في هذا الموضع فتأمله. ولقد صدق فى ذلك ، فإن الزجاج ذكر في قوله: (أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ) وجهين كلاهما فى غاية الفساد . وقد ذكر ذلك عنه ابن الجوزي وغيره وتابعه المهدوي والبغوي وغيرهما . ولكن ابن عطية كان أقعد بالعربية والمعانى من هؤلاء ، وأخبر بمذهب سيبويه والبصريين ، فعرف تطفيف الزجاج مع علمه رحمه الله بالعربية وسبقه ومعرفته بما يعرفه من المعانى والبيان . وأولئك لهم براعة وفضيلة فى أمور يبرزون فيها على ابن عطية. لكن دلالة الألفاظ من جهة العربية هو بها أخبر ، وإن كانوا هم أخبر بشيء آخر من المنقولات أو غيرها . وقد بين سبحانه وتعالى أن المسيح وإن كان رسولا كريماً فإنه عبد الله، فمن عبده فقد عبد ما لا ينفعه ولا يضره قال تعالى: (لَقَدْ ٤٣١ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْإِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ أَبْنُ مَرْيَمٌ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَبَنِى إِسْرَءِ يلَ أُعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِى وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكِ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَاللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنَّهُ النَّارُوَمَا لِلّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوَاْإِنَّ اللَّهَ ثَالِتُ ثَلَاثَةٍ وَمَامِنْ إِلَهِ إِلَّ إِلَهٌ وَحِدٌ وَإِن ◌َّمْ يَنْتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ ج أَلِيمُ * أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * مَّا الْمَسِيحُ أَبْثُ مَرْيَمَ إِلََّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامُ أَنْظُرُ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَتِ ثُمَّ أَنْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * قُلْ أَتَعَّبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ). وقد أمر تعالى أفضل الخلق أن يقول إنه لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، ولا يملك لغيره ضراً ولا رشداً، فقال تعالى: ( قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًاوَلَا ضَرَّا إِلَّ مَاشَآءَ اللَّهُ) وقال: ( قُلْ إِنِّي لَآ أَمْلِكُ لَكُضَرًا وَلَ رَشَدًا * قُلْ إِنِّ لَنْ يُحِيَرَبِ مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَحِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا * إِلََّبَغَا يقول : لن يجيرني من الله مِّنَ اللَّهِ وَرِسَلَتِهِ) أحد إن عصيته كما قال تعالى: (قُلْ إِّ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِ عَذَابَ يَوْمٍ (وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا): أي ملجأ ألجأ إليه. (إِلَّابَغَا عَظِيمٍ ) مِّنَ اللَّهِ وَرِسَلَتِهِ ) : أي لا يجيرفي منه أحد إلا طاعته أن أبلغ ما أرسلت به إليكم ، فبذلك تحصل الإجارة والأمن . وقيل أيضا : ٤٣٢ (لَا أَمْلِكُ لَكُرْضَرًّا وَلَ رَشَدًا): لا أملك إلا تبليغ ما أرسلت به منه. ومثل هذا في القرآن كثير . فتبين أن الأمن من عذاب الله وحصول السعادة إنما هو بطاعته تعالى لقوله: (مَا يَفْعَلُ اَللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ) وقال تعالى : (قُلْ مَا يَعْبَؤُ اْبِكُمْرَبِّ ◌َوْلَادُعَاؤُكُمْ) أي لو لم تدعوه كما أمر فتطيعوه فتعبدوه وتطيعوا رسله فإنه لا يعبأ بكم شيئا . وهذه الوسيلة التى أمر الله أن تبتغى إليه فقال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَأَبْتَغُوَاْإِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) قال عامة المفسرين كابن عباس ومجاهد وعطاء والفراء : الوسيلة القربة . قال قتادة : تقربوا إلى الله بما يرضيه. قال أبو عبيدة: توسلت إليه أي تقربت. وقال عبد الرحمن بن زيد: تحببوا إلى الله. والتحيب والتقرب إليه إنما هو بطاعة رسوله . فإلإيمان بالرسول وطاعته هو وسيلة الخلق إلى الله، ليس لهم وسيلة يتوسلون بها ألبتة إلا الإيمان برسوله وطاعته . وليس لأحد من الخلق وسيلة إلى الله تبارك وتعالى إلا بوسيلة الإيمان بهذا الرسول الكريم وطاعته . وهذه يؤمر بها الإنسان حيث كان من الأمكنة ، وفى كل وقت . وما خص من العبادات بمكان كالحج، أو زمان كالصوم والجمعة ، فكل فى مكانه وزمانه. وليس لنفس الحجرة من داخل - فضلا عن جدارها من خارج - اختصاص بشيء فى شرع ٤٣٣ العبادات ولا فعل شيء منها . فالقرب من الله أفضل منه بالبعد منه باتفاق المسلمين . والمسجد خص بالفضيلة فى حياته صلى الله عليه وسلم قبل وجود القبر ، فلم تكن فضيلة مسجده لذلك ، ولا استحب هو صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه ولا علماء أمته أن يجاور أحد عند قبر ، ولا يعكف عليه، لا قبره المكرم ولا قبر غيره ولا أن يقصد السكنى قريباً من قبر، أي قبر كان . وسكنى المدينة النبوية هو أفضل فى حق من تتكرر طاعته لله ورسوله فيها أكثر. كما كان الأمر لما كان الناس مأمورين بالهجرة إليها . فكانت الهجرة إليها والمقام بها أفضل من جميع البقاع، مكة وغيرها . بل كان ذلك واجباً من أعظم الواجبات. فلما فتحت مكة قال النبى صلى الله عليه وسلم: (((لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية))، وكان من أتى من أهل مكة وغيرهم ليهاجر ويسكن المدينة يأمره أن يرجع إلى مدينته، ولا يأمره بسكناها. كما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأمر الناس عقب الحج أن يذهبوا إلى بلادهم لئلا يضيقوا على أهل مكة . وكان يأمر كثيراً من أصحابه وقت الهجرة أن يخرجوا إلى أماكن أخر لولاية مكان وغيره ، وكانت طاعة الرسول بالسفر إلى غير المدينة أفضل من المقام عنده بالمدينة حين كانت دار الهجرة ، فكيف بها بعد ذلك ؟ ٤٣٤ إذ كان الذي ينفع الناس طاعة الله ورسوله. وأما ما سوى ذلك فإنه لا ينفعهم لا قرابة ولا مجاورة ولا غير ذلك كما ثبت عنه فى الحديث الصحيح أنه قال: (( يا فاطمة بنت محمد، لا أغنى عنك من الله شيئاً. يا صفية عمة رسول الله، لا أغنى عنك من الله شيئاً، يا عباس عم رسول الله لا أغنى عنك من الله شيئاً)). قال صلى الله عليه وسلم: ((إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، إنما ولي الله وصالح المؤمنين)). وقال: (( إن أوليائي المتقون حيث كانوا ومن كانوا)). (إِنَّ اللّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ) فهو تبارك وقد قال تعالی : وتعالى يدافع عن المؤمنين حيث كانوا . فالله هو الدافع ، والسبب هو الإيمان. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته: ((من يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ، ولن (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ يضر الله شيئاً)) قال تعالى : مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُؤْلَئِكَ رَفِيقًا ) . وأما ما يظنه بعض الناس من أن البلاء يندفع عن أهل بلد أو إقليم بمن هو مدفون عندهم من الأنبياء والصالحين ، كما يظن بعض الناس أنه يندفع عن أهل بغداد البلاء لقبور ثلاثة: أحمد بن حنبل ، وبشر الحافى ، ومنصور بن عمار ، ويظن بعضهم أنه يندفع البلاء عن ٤٣٥ أهل الشام بمن عندهم من قبور الأنبياء الخليل وغيره عليهم السلام . وبعضهم يظن أنه يندفع البلاء عن أهل مصر بنفيسة أو غيرها . أو يندفع عن أهل الحجاز بقبر النبي صلى الله عليه وسلم وأهل البقيع أو غيرهم . فكل هذا غلو مخالف لدين الإسلام ، مخالف للكتاب والسنة والإجماع . فالبيت المقدس كان عنده من قبور الأنبياء والصالحين ما شاء اللّه، فلما عصوا الأنبياء وخالفوا ما أمر الله به ورسله سلط عليهم من انتقم منهم . والرسل الموتى ما عليهم إلا البلاغ المبين ، وقد بلغوا رسالة ربهم . وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى في حقه: (إِنْ عَلَيَّكَ إِلَّا الْبَلَغُ)، وقال تعالى: ( وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّ الْبَلَغُ الْمُبِينُ). وقد ضمن اللّه لكل من أطاع الرسول أن يهديه وينصره . فمن خالف أمر الرسول استحق العذاب ولم يغن عنه أحد من الله شيئا . كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ياعباس! عم رسول الله، لا أغنى عنك من الله شيئا. يا صفية عمة رسول الله، لا أغنى عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت رسول الله، لا أغنى عنك من الله شيئا)). وقال صلى الله عليه وسلم لمن ولاه من أصحابه: ((لا ألفين أحدكم يأتى يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول : يا رسول اللّه أغثنى . فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغتك)» وكان أهل المدينة فى خلافة ٤٣٦ أبى بكر وعمر وصدر من خلافة عثمان على أفضل أمور الدنيا والآخرة، لتمسكهم بطاعة الرسول . ثم تغيروا بعض التغير بقتل عثمان رضي الله عنه ، وخرجت الخلافة النبوية من عندهم ، وصاروا رعية لغيرهم . ثم تغيروا بعض التغير فجرى عليهم عام الحرة من القتل والنهب وغير ذلك من المصائب ما لم يجر عليهم قبل ذلك . والذى فعل بهم ذلك وإن كان ظالماً معتدياً فليس هو أظلم ممن فعل بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما فعل، وقد قال الله تعالى: (أَوَلَمَّا أَصَبَتَّكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْأَ صَبْتُمُ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَّ هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ) وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم والسابقون الأولون مدفونين بالمدينة . وكذلك الشام كانوا فى أول الإسلام فى سعادة الدنيا والدين ، ثم جرت فتن وخرج الملك من أيديهم ، ثم سلط عليهم المنافقون الملاحدة والنصارى بذنوبهم ، واستولوا على بيت المقدس وقبر الخليل وفتحوا البناء الذى كان عليه وجعلوه كنيسة. ثم صلح دينهم فأعزم الله ونصرهم على عدوم لما أطاعوا الله ورسوله واتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم. فطاعة الله ورسوله قطب السعادة وعليها تدور ( وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَِّحِينَ وَحَسُنَ وكان النبى صلى الله عليه وسلم يقول فى أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ) خطبته: (( من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فلا يضر إلا ٤٣٧ نفسه، ولا يضر الله شيئا)). ومكة نفسها لا يدفع البلاء عن أهلها ويجلب لهم الرزق إلا بطاعتهم اللّه ورسوله. كما قال الخليل عليه السلام: (زَبَّنَآ إِّ أَسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْنِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ وَأَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ). وكانوا فى الجاهلية يعظمون حرمة الحرم ، ويحجون ويطوفون بالبيت ، وكانوا خيراً من غيرهم من المشركين. والله لا يظلم مثقال ذرة . وكانوا يكرمون ما لا يكرم غيرهم ، ويؤتون ما لا يؤتاه غيرهم ، لتكونهم كانوا متمسكين بدين إبراهيم بأعظم مما تمسك به غيرم . وم فى الإسلام إن كانوا أفضل من غيرهم كان جزاؤهم بحسب فضلهم ، وإن كانوا أسوأ عملا من غيرهم كان جزاؤهم بحسب سيئاتهم . فالمساجد والمشاعر إنما ينفع فضلها لمن عمل فيها بطاعة الله عز وجل. وإلا فمجرد البقاع لا يحصل بها ثواب ولا عقاب ، وإنما الثواب والعقاب على الأعمال المأمور بها والمنهى عنها . وكان النبى صلى الله عليه وسلم قد آخى بين سلمان الفارسى وأبي الدرداء ، وكان أبو الدرداء بدمشق وسلمان الفارسى بالعراق ، فكتب أبو الدرداء إلى سلمان : هلم إلى الأرض المقدسة . فكتب إليه سلمان : إن الأرض لا تقدس أحدا وإنما يقدس الرجل عمله. والمقام بالثغور للجهاد أفضل من سكنى الحرمين باتفاق العلماء . ٤٣٨ ولهذا كان سكنى الصحابة بالمدينة أفضل للهجرة والجهاد. واللّه تعالى: هو الذى خلق الخلق . وهو الذى يهديهم ويرزقهم وينصرهم . وكل من سواه لا يملك شيئا من ذلك كما قال تعالى: ( قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِلَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِى اُلْأَرْضِ وَمَالَهُمْ فِيهِمَا مِن ◌ِشِرَاءٍ وَ مَا لَهُمِنْهُم مِّنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلََّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ) وقد فسروها بأنه يؤذن للشافع والمشفوع له جميعا ، فإن سيد الشفعاء يوم القيامة محمد صلى الله عليه وسلم إذا أراد الشفاعة قال: (( فإذا رأيت ربى خررت له ساجداً وأحمده بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن، فيقال لي : ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع. قال فيحد لى حداً فأدخلهم الجنة)). وكذلك ذكر فى المرة الثانية والثالثة . ولهذا قال تعالى: (وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ الشَّفَعَةَ إِلَّ مَن فأخبر أنه لا يملكها أحد دون الله . شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) وقوله: (إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) استثناء منقطع أى من شهد بالحق وهم يعلمون هم أصحاب الشفاعة منهم الشافع ومنهم المشفوع له . وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأله أبو هريرة فقال: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ فقال: ((يا أبا هريرة لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك ، ٤٣٩ لما رأيت من حرصك على الحديث . أسعد الناس بشفاعتى يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه)) . رواه البخارى فجعل أسعد الناس بشفاعته أكملهم إخلاصا. وقال في الحديث الصحيح: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول . ثم صلوا علي فإنه من صلى علي مرة صلى اللّه عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لى الوسيلة فإنها درجة فى الجنة لا تنبغى إلا لعبد من عباد الله ، وأرجو أن أكون ذلك العبد ، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة)). فالجزاء من جنس العمل، فقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنه ((من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا . ومن سأل الله له الوسيلة حلت عليه شفاعته يوم القيامة)). ولم يقل كان أسعد الناس بشفاعتي بل قال: ((أسعد الناس بشفاعتى يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه)). فعلم أن ما يحصل للعبد بالتوحيد والإخلاص من شفاعة الرسول، وغيرها لا يحصل بغيره من الأعمال ، وإن كان صالحا كسؤاله الوسيلة للرسول فكيف بما لم يأمر به من الأعمال، بل نهى عنه؟ فذاك لا ينال به خيراً لا فى الدنيا ولا فى الآخرة ، مثل غلو النصارى في المسيح عليه السلام فإنه يضرم ولا ينفعهم . ونظير هذا ما فى الصحيحين عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (( إن لكل نى دعوة مستجابة، وإنى اختبأت دعوتى شفاعة لأمتى يوم القيامة فهى نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك ٤٤٠