Indexed OCR Text
Pages 381-400
معين كما يجتمع المسلمون في عرفة ومنى. وأما ((الزيارة الشرعية)) فهي مستحبة عند الأكثرين . وقيل : مباحة . وقيل : كلها منهى عنها كما تقدم . والذي تدل عليه الأدلة الشرعية أن نحمل المطلق من كلام العلماء على المقيد ، ونفصل الزيارة إلى ثلاثة أنواع : منهى عنه ، ومباح، ومستحب وهو الصواب . قال مالك وغيره : لا نأتى إلا هذه الآثار: مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ومسجد قباء ، وأهل البقيع، وأحد. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقصد إلا هذين المسجدين وهانين المقبرتين ، كان يصلي يوم الجمعة فى مسجده، ويوم السبت يذهب إلى قباء ، كما فى الصحيحين عن ابن عمر - رضى الله عنهما - أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يأتى قباء كل سبت راكباً وماشيا فيصلي فيه ركعتين . وأما أحاديث النهي فكثيرة مشهورة فى الصحيحين وغيرهما ، كقوله صلى الله عليه وسلم: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)). قالت عائشة رضى الله عنها: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن خشي أن يتخذ مسجداً . رواه البخاري ومسلم. وفى محيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يموت بخمس: ((إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ، فإني أنها كم عن ذلك)). وفى الصحيحين عن عائشة وابن عباس ٣٨١ رضي الله عنهم قالوا : لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه ، فإذا اغتم كشفها فقال وهو كذلك : ((لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))، يحذر ما صنعوا . وفى الصحيحين عن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((قائل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)). وفى لفظ: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)). وفى الصحيحين عن عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بأرض الحبشة فيها تصاوير ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك التصاوير ، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة)). وعائشة رضي الله عنها أم المؤمنين صاحبة الحجرة النبوية قد روت أحاديث هذا الباب مع مشاركة غيرها من الصحابة كابن عباس وأبي هريرة وجندب وابن مسعود وغيرهم . وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن مسعود: (( إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء ، والذين يتخذون القبور مساجد)). رواه أبو حاتم في صحيحه والإمام أحمد فى مسنده. وفي سنن أبى داود عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تتخذوا قبري عيداً، وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني ». وفى موطأ مالك عن النبى صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: ((اللهم لا تجعل قبري وتنا يعبد، اشتد ٣٨٢ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)). وفي سنن سعيد ابن منصور أن عبد الله بن حسن بن حسين بن علي بن أبي طالب - أحد الأشراف الحسنيين بل أجلهم قدراً فى عصر تابعي التابعين في خلافة المنصور وغيره - رأى رجلا يكثر الاختلاف إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا هذا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تتخذوا قبري عيداً، وصلوا علي حيث ما كنتم فإن صلاتكم تبلغني ». فما أنت ورجل بالأندلس إلا سواء . فلما أراد الأئمة اتباع سنته فى زيارة قبره المكرم والسلام عليه طلبوا ما يعتمدون عليه من سنته . فاعتمد الإمام أحمد على الحديث الذي في السنن عن أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام )). وعن أحمد أخذ ذلك أبو داود فلم يذكر فى زيارة قبره المكرم غير هذا الحديث، وترجم عليه ((باب زيارة القبر)). مع أن دلالة الحديث على المقصود فيها نزاع وتفصيل ، فإنه لا يدل على كل ما تسميه الناس ((زيارة)) باتفاق المسلمين . ويبقى الكلام المذكور فيه: هل هو السلام عند القبر كما كان من دخل على عائشة رضي الله عنها يسلم عليه ؟ أو يتناول هذا والسلام عليه من خارج الحجرة . فالذين استدلوا به جعلوه متناولا لهذا وهذا ، ٣٨٣ وهو غاية ما كان عندم فى هذا الباب عنه صلى الله عليه وسلم. وهو صلى الله عليه وسلم يسمح السلام من القريب ، وتبلغه الملائكة الصلاة والسلام عليه من البعيد، كما فى النسائى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن لله ملائكة سياحين يبلغونى عن أمتى السلام)). وفى السنن عن أوس بن أوس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي . قالوا: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت ؟ فقال : إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء)). صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما. وذكر مالك فى موطئه أن عبد الله بن عمر كان يأتى فيقول : السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت ، ثم ينصرف. وفى رواية : كان إذا قدم من سفر . رواه معمر عن نافع عنه . وعلى هذا اعتمد مالك رحمه الله فيما يفعل عند الحجرة؛ إذ لم يكن عنده إلا أثر ابن عمر رضي الله عنهما. وأما ما زاد على ذلك مثل الوقوف للدعاء للنبى صلى الله عليه وسلم مع كثرة الصلاة والسلام عليه فقد كرهه مالك ، وقال : هو بدعة لم يفعلها السلف. ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. وأما السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين فهذا لم يكن موجوداً فى الإسلام فى زمن مالك ، وإنما حدث هذا بعد القرون الثلاثة . قرن ٣٨٤ الصحابة والتابعين وتابعيهم . فأما هذه القرون التى أثنى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن هذا ظاهراً فيها ، ولكن بعدها ظهر الإفك والشرك. ولهذا لما سأل سائل لمالك عن رجل نذر أن يأتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: إن كان أراد المسجد فليأته وليصل فيه ، وإن كان أراد القبر فلا يفعل ، للحديث الذي جاء (( لا تعمل المطى إلا إلى ثلاثة مساجد)). وكذلك من يزور قبور الأنبياء والصالحين ليدعوم ، أو يطلب منهم الدعاء ، أو يقصد الدعاء عندم لكونه أقرب إجابة فى ظنه ، فهذا لم يكن يعرف على عهد مالك، لا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيره. وإذا كان مالك رحمه الله يكره أن يطيل الرجل الوقوف عنده صلى الله عليه وسلم للدعاء فكيف بمن لا يقصد لا السلام عليه ولا الدعاء له، وإنما يقصد دعاءه وطلب حوائجه منه ، ويرفع صوته عنده فيؤذي الرسول، ويشرك بالله، ويظلم نفسه؟! ولم يعتمد الأئمة؛ لا الأربعة ولا غير الأربعة على شيء من الأحاديث التى يرويها بعض الناس في ذلك . مثل ما يروون أنه قال: (( من زارنى فى مماتى فكأنما زارنى فى حياتى)) ومن قوله: (( من زاربي وزار أبى في عام واحد ضمنت له على الله الجنة )) ونحو ذلك. فإن هذا لم يروه أحد من أئمة المسلمين ، ولم يعتمد عليها . ولم يروها لا أهل الصحاح ولا أهل السنن التى يعتمد ٣٨٥ عليها كأبى داود والنسائى . لأنها ضعيفة ، بل موضوعة ، كما قد بين العلماء الكلام عليها . ومن زاره فى حياته صلى الله عليه وسلم كان من المهاجرين إليه ، والواحد بعدم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه . وهو إذا أتى بالفرائض لا يكون مثل الصحابة فكيف يكون مثلهم بالنوافل ، أو بما ليس بقربة ، أو بما هو منهي عنه. وكره مالك رضى الله عنه أن يقول القائل : زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم. كره هذا اللفظ . لأن السنة لم تأت به فى قبره . وقد ذكروا في تعليل ذلك وجوهاً . ورخص غيره فى هذا اللفظ للأحاديث العامة فى زيارة القبور . ومالك يستحب ما يستحبه سائر العلماء من السفر إلى المدينة والصلاة فى مسجده ، وكذلك السلام عليه وعلى صاحبيه عند قبورهم اتباعا لابن عمر . ومالك من أعلم الناس بهذا لأنه قد رأى التابعين الذين رأوا الصحابة بالمدينة. ولهذا كان يستحب اتباع السلف فى ذلك . ويكره أن يبتدع أحد هناك بدعة. فكره أن يطيل الرجل القيام والدعاء عند قبر النى صلى الله عليه وسلم لأن الصحابة رضوان الله عليهم ما كانوا يفعلون ذلك وكره مالك لأهل المدينة كلما دخل إنسان المسجد أن يأتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم لأن السلف لم يكونوا يفعلون ذلك. قال مالك رحمة الله عليه: ولن ٣٨٦ يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها . بل كانوا يأتون إلى مسجده فيصلون فيه خلف أبى بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين، فإن هؤلاء الأربعة صلوا أئمة فى مسجده والمسلمون يصلون خلفهم كما كانوا بصلون خلفه ، وهم يقولون فى الصلاة : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركانه. كما كانوا يقولون ذلك في حياته. ثم إذا قضوا الصلاة قعدوا أو خرجوا. ولم يكونوا يأتون القبر للسلام، لعلمهم بأن الصلاة والسلام عليه فى الصلاة أكمل وأفضل وهي المشروعة . وأما دخولهم عند قبره للصلاة والسلام عليه هناك أو الصلاة والدعاء فإنه لم يشرعه لهم ، بل نهاهم، وقال: ((لا تتخذوا قبري عيداً وصلوا علي حيث ماكنتم؛ فإن صلاتكم تبلغنى)» فبين أن الصلاة تصل إليه من البعيد، وكذلك السلام. ومن صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشراً. ومن سلم عليه مرة سلم الله عليه عشراً. كما قد جاء فى بعض الأحاديث . وتخصيص الحجرة بالصلاة والسلام جعل لها عيداً ، وهو قد نهام عن ذلك ، ونهام أن يتخذوا قبره أو قبر غيره مسجداً . ولعن من فعل ذلك ليحذروا أن يصيبهم مثل ما أصاب غيرهم من اللعنة . وكان أصحابه خير القرون، وثم أعلم الأمة بسنته، وأطوع الأمة لأمره . وكانوا إذا دخلوا إلى مسجده لا يذهب أحد منهم إلى قبره ٣٨٧ لا من داخل الحجرة ولا من خارجها. وكانت الحجرة في زمانهم بدخل إليها من الباب إذ كانت عائشة رضي الله عنها فيها ، وبعد ذلك ، إلى أن بنى الحائط الآخر . وثم مع ذلك التمكن من الوصول إلى قبره لا يدخلون إليه ؛ لالسلام ، ولا لصلاة عليه ، ولا لدعاء لأنفسهم، ولا لسؤال عن حديث أو على ، ولا كان الشيطان يطمع فيهم حتى يسمعهم كلاما أو سلاما فيظنون أنه هو كلمهم وأفتام وبين لهم الأحاديث، أو أنه قد رد عليهم السلام بصوت يسمع من خارج ، كما طمع الشيطان في غيرم ، فأضلهم عند قبره ، وقبر غيره : حتى ظنوا أن صاحب القبر يحدثهم ويفتيهم ويأمرهم وينهام في الظاهر ، وأنه يخرج من القبر ويرونه خارجا من القبر ، ويظنون أن نفس أبدان الموتى خرجت من القبر تكلمهم ، وأن روح الميت تجسدت لهم فرأوها ، كما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج يقظة لا مناما. فإن الصحابة رضوان الله عليهم خير قرون هذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس . وهم تلقوا الدين عن النبى صلى الله عليه وسلم بلا واسطة. ففهموا من مقاصده صلى الله عليه وسلم وعاينوا من أفعاله وسمعوا منه شفاها ما لم يحصل لمن بعدهم. وكذلك كان يستفيد بعضهم من بعض ما لم يحصل لمن بعدهم، وم قد فارقوا جميع أهل الأرض وعادوم، وهجروا جميع الطوائف وأديانهم ، وجاهدوهم بأنفسهم ٣٨٨ وأموالهم ، قال صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: ((لا تسبوا أصحابى ، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)). وهذا قاله لخالد بن الوليد لما تشاجر هو وعبد الرحمن بن عوف ، لأن عبد الرحمن بن عوف كان من السابقين الأولين ، وهم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، وهو فتح الحديبية وخالد هو وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة أسلموا فى مدة الهدنة بعد الحديبية وقبل فتح مكة، فكانوا من المهاجرين التابعين، لا من المهاجرين الأولين . وأما الذين أسلموا عام فتح مكة فليسوا بمهاجرين فإنه لا هجرة بعد الفتح ، بل كان الذين أسلموا من أهل مكة يقال لهم الطلقاء لأن النبي صلى الله عليه وسلم أطلقهم بعد الاستيلاء عليهم عنوة كما يطلق الأسير . والذين بايعوه محت الشجرة هم ومن كان من مهاجرة الحبشة هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ، وفى الصحيح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: «أنتم خير أهل الأرض)) . وكنا ألفا وأربعمائة . ولهذا لم يطمع الشيطان أن ينال منهم من الإضلال والإغواء ما ناله ممن بعدهم ، فلم يكن فيهم من يتعمد الكذب على النبى صلى الله عليه وسلم ، وإن كان له أعمال غير ذلك قد تنكر عليه. ولم يكن فيهم أحد من ٣٨٩ أهل البدع المشهورة : كالخوارج ، والروافض ، والقدرية ، والمرجئة والجهمية . بل كل هؤلاء إنما حدثوا فيمن بعدهم . ولم يكن فيهم من طمع الشيطان أن يتراءى له في صورة بشر ، ويقول : أنا الخضر ، أو أنا إبراهيم ، أو موسى ، أو عيسى، أو المسيح ، أو أن يكلمه عند قبر حتى يظن أن صاحب القبر كلمه ؛ بل هذا إنما ناله فيمن بعدهم ، وناله أيضا من النصارى حيث أتاهم بعد الصلب وقال: أنا هو المسيح، وهذه مواضع المسامير - ولا يقول: أنا شيطان ، فإن الشيطان لا يكون جسداً - أو كما قال. وهذا هو الذى اعتمد عليه النصارى في أنه صلب؛ لا فى مشاهدته؛ فإن أحداً منهم لم يشاهد الصلب ، وإنما حضره بعض اليهود وعلقوا المصلوب وهم يعتقدون أنه المسيح. ولهذا جعله الله من ذنوبهم وإن لم يكونوا صلبوه. لكنهم قصدوا هذا الفعل وفرحوا به ، قال تعالى: (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَّا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَئَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُّهَ لَهُمْ وَإِنَّالَّذِينَ آخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِىِ شَكٍ مِنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّ انِبَاعَ الظَّنَّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلِ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ). وبسط هذا له موضع آخر . والمقصود أن الصحابة رضوان الله عليهم، لم يطمع الشيطان أن يضلهم كما أضل غيرهم من أهل البدع الذين تأولوا القرآن على غير تأويله، أو جهلوا السنة، أو رأوا وسمعوا أموراً من الخوارق فظنوها من جنس آيات ٣٩٠ الأنبياء والصالحين وكانت من أفعال الشياطين . كما أضل النصارى وأهل البدع بمثل ذلك . فهم يتبعون المتشابه ويدعون المحكم . وكذلك يتمسكون بالمتشابه من الحجج العقلية والحسية فيسمع ويرى أموراً فيظن أنه رحمانى وإنما هو شيطانى ، ويدعون البين الحق الذى لا إجمال فيه . وكذلك لم يطمع الشيطان أن يتمثل فى صورته ويغيث من استغاث به . أو أن يحمل إليهم صوتا يشبه صوته . لأن الذين رأوه علموا أن هذا شرك لا يحل . ولهذا أيضا لم يطمع فيهم أن يقول أحد منهم لأصحابه : إذا كانت لكم حاجة فتعالوا إلى قبرى، واستغيثوا بي ، لا فى محياه ولا فى مماته ، كما جرى مثل هذا لكثير من المتأخرين ، ولا طمع الشيطان أن يأتى أحدهم ويقول : أنا من رجال الغيب ، أو من الأوتاد الأربعة ، أو السبعة، أو الأربعين . أو يقول له : أنت منهم . إذا كان هذا عندهم من الباطل الذى لا حقيقة له . ولا طمع الشيطان أن يأتى أحدهم فيقول : أنا رسول اللّه، أو يخاطبه عند القبر، كما وقع لكثير ممن بعدهم عند قبره وقبر غيره وعند غير القبور . كما يقع كثير من ذلك المشركين وأهل الكتاب ، يرون بعد الموت من يعظمونه من شيوخهم . فأهل الهند يرون من يعظمونه من شيوخهم الكفار وغيرهم . والنصارى يرون من يعظمونه، من الأنبياء والحواربين وغيرهم . والضلال من أهل القبلة برون من بعظمونه : إما النبى صلى الله عليه وسلم ٣٩١ وإما غيره من الأنبياء يقظة ، ويخاطبهم ويخاطبونه . وقد يستفتونه ويسألونه عن أحاديث فيجيبهم . ومنهم من يخيل إليه أن الحجرة قد انشقت وخرج منها النبى صلى الله عليه وسلم وعانقه هو وصاحباه . ومنهم من يخيل إليه أنه رفع صوته بالسلام حتى وصل مسيرة أيام وإلى مكان بعيد . وهذا وأمثاله أعرف ممن وقع له هذا وأشباهه عدداً كثيراً . وقد حدثنى بما وقع له فى ذلك ، وبما أخبر به غيره من الصادقين من بطول هذا الموضع بذكرهم . وهذا موجود عند خلق كثير كما هو موجود عند النصارى والمشركين، لكن كثير من الناس يكذب بهذا، وكثير منهم إذا صدق به يظن أنه من الآيات الإلهية، وأن الذى رآى ذلك رآء لصلاحه ودينه . ولم يعلم أنه من الشيطان، وأنه بحسب قلة على الرجل يضله الشيطان . ومن كان أقل علما قال له ما يعلم أنه مخالف للشريعة خلافا ظاهراً . ومن عنده علم منها لا يقول له ما يعلم أنه مخالف للشريعة ولا مفيداً فائدة فى دينه؛ بل يضله عن بعض ما كان يعرفه ، فإن هذا فعل الشياطين ، وهو وإن ظن أنه قد استفاد شيئا فالذى خسره من دينه أكثر . ولهذا لم يقل قط أحد من الصحابة : إن الخضر أناه ، ولا موسى ولا عيسى، ولا أنه سمع رد النبى صلى الله عليه وسلم عليه. وابن عمر كان يسلم إذا قدم من سفر ولم يقل قط إنه يسمع الرد . وكذلك التابعون وتابعوم . وإنما حدث هذا من بعض المتأخرين . ٣٩٢ وكذلك لم يكن أحد من الصحابة - رضوان الله عليهم - بأتيه فيسأله عند القبر عن بعض ما تنازعوا فيه وأشكل عليهم من العلم ، لا خلفاؤه الأربعة ولا غيرهم . مع أنهم أخص الناس به صلى الله عليه وسلم، حتى ابنته فاطمة - رضي الله عنها - لم يطمع الشيطان أن يقول لها: اذهبي إلى قبره فسليه هل يورث أم لا يورث . كما أنهم أيضا لم يطمع الشيطان فيهم فيقول لهم : اطلبوا منه أن يدعو لكم بالمطر لما أجدبوا . ولا قال : اطلبوا منه أن يستنصر لكم . ولا أن يستغفر كما كانوا فى حياته يطلبون منه أن يستسقى لهم وأن يستنصر لهم، فلم يطمع الشيطان فيهم بعد موته صلى الله عليه وسلم أن يطلبوا منه ذلك . ولا طمع بذلك فى القرون الثلاثة . وإنما ظهرت هذه الضلالات ممن قل علمه بالتوحيد والسنة ، فأضله الشيطان كما أضل النصارى فى أمور لقلة علمهم بما جاء به المسيح ومن قبله من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم . وكذلك لم يطمع الشيطان أن يطير بأحدم فى الهواء ، ولا أن يقطع به الأرض البعيدة فى مدة قريبة . كما يقع مثل هذا لكثير من المتأخرين ؛ لأن الأسفار التى كانوا يسافرونها كانت طاعات كسفر الحج والعمرة والجهاد ، وهذه يثابون على كل خطوة يخطونها فيه، وكلما بعدت المسافة كان الأجر أعظم : كالذى يخرج من بيته إلى المسجد فخطواته إحداها ٣٩٣ ترفع درجة والأخرى تحط خطيئة . فلم يمكن الشيطان أن يفوتهم ذلك الأجر بأن يحملهم فى الهواء أو يؤزم فى الأرض أزاً حتى يقطعوا المسافة البعيدة بسرعة . وقد علموا أن النبى صلى الله عليه وسلم إنما أسرى به الله عز وجل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ليريه من آياته الكبرى . وكان هذا من خصائصه . فليس لمن بعده مثل هذا المعراج ، ولكن الشيطان يخيل إليه معاريج شيطانية كما خيلها لجماعة من المتأخرين . وأما قطع النهر الكبير بالسير على الماء فهذا قد يحتاج إليه المؤمنون أحيانا مثل أن لا يمكنهم العبور إلى العدو وتكميل الجهاد إلا بذلك . فلهذا كان الله يكرم من احتاج إلى ذلك من الصحابة والتابعين بمثل ذلك، كما أكرم به العلاء بن الحضرمي وأصحابه ، وأنا مسلم الخولاني وأصحابه، وبسط هذا له موضع آخر غير هذا الكتاب . لكن المقصود أن يعرف أن الصحابة خير القرون وأفضل الخلق بعد الأنبياء . فما ظهر فيمن بعدهم مما يظن أنها فضيلة للمتأخرين ولم تكن فيهم فإنها من الشيطان، وهي نقيصة لا فضيلة ، سواء كانت من جنس العلوم ، أو من جنس العبادات ، أو من جنس الخوارق والآيات ، أو من جنس السياسة والملك. بل خير الناس بعدهم أتبعهم لهم . قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: من كان منكم مستنا ٣٩٤ فليستن بمن قد مات ، فإن الحى لا تؤمن عليه الفتنة ، أولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوباً ، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا . قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه ، فاعرفوا لهم حقهم ، وتمسكوا بهديهم ، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم . وبسط هذا له موضع آخر . والمقصود هنا أن الصحابة رضوان الله عليهم تركوا البدع المتعلقة بالقبور كقبره المكرم وقبر غيره ، لنهيه صلى الله عليه وسلم لهم عن ذلك ، ولئلا يتشبهوا بأهل الكتاب الذين اتخذوا قبور الأنبياء أوثانا. وإن كان بعضهم يأتى من خارج فيسلم عليه إذا قدم من سفر كما كان ابن عمر يفعل . بل كانوا فى حياته يسلمون عليه ثم يخرجون من المسجد لا يأتون إليه عند كل صلاة. وإذا جاء أحدهم يسلم عليه رد عليه النبى صلى الله عليه وسلم السلام. وكذلك من يسلم عليه عند قبره رد عليه السلام وكانوا يدخلون على عائشة فكانوا يسلمون عليه كما كانوا يسلمون عليه فى حياته، ويقول أحدم: السلام على النبى ورحمة الله وبركاته. وقد جاء هذا عاماً فى جميع قبور المؤمنين ، فما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه فى الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله روحه عليه حتى يرد عليه السلام. فإذا كان رد السلام موجوداً فى عموم المؤمنين فهو فى أفضل الخلق أولى. وإذا سلم المسلم عليه في صلاته فإنه وإن لم يرد عليه لكن الله يسلم عليه عشراً. كما جاء فى الحديث ((من سلم علي مرة سلم اللّه عليه ٣٩٥ عشراً )) . فالله يجزيه على هذا السلام أفضل مما يحصل بالرد ، كما أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشراً . وكان ابن عمر يسلم عليه ثم ينصرف. لا يقف لا لدعاء له ولا لنفسه. ولهذاكره مالك ما زاد على فعل ابن عمر من وقوف له أو لنفسه ، لأن ذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة فكان بدعة محضة . قال مالك : لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها . مع أن فعل ابن عمر إذا لم يفعل مثله سائر الصحابة إنما يصلح للتسويغ ، كأمثال ذلك فيما فعله بعض الصحابة رضوان الله عليهم . وأما القول بأن هذا الفعل مستحب أو منهي عنه أو مباح فلا يثبت إلا بدليل شرعي ، فالوجوب والندب والإباحة والاستحباب والكراهة والتحريم لا يثبت شيء منها إلا بالأدلة الشرعية، والأدلة الشرعية مرجعها كلها إليه صلوات الله وسلامه عليه. فالقرآن هو الذى بلغه . والسنة هو الذى علمها . والإجماع بقوله عرف أنه معصوم . والقياس إنما يكون حجة إذا علمنا أن الفرع مثل الأصل، وأن علة الأصل فى الفرع . وقد علمنا أنه صلى الله عليه وسلم لا يتناقض، فلا يحكم في المتماثلين بحكمين متناقضين، ولا يحكم بالحسكم لعلة نارة ويمنعه أخرى مع وجود العلمة إلا لاختصاص إحدى الصورتين بما يوجب التخصيص . فشرعه هو ما شرعه هو صلى الله عليه وسلم، وسنته ما سنها هو، لا يضاف إليه قول غيره ٣٩٦ وفعله - وإن كان من أفضل الناس - إذا وردت سنته . بل ولا يضاف إليه إلا بدليل بدل على الإضافة. ولهذا كان الصحابة كأبى بكر وعمر وابن مسعود يقولون باجتهادم ويكونون مصيبين موافقين لسنته ، لكن يقول أحدهم: أقول في هذا برأبي فإن يكن صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فنى ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه . فإن كل ما خالف سنته فهو شرع منسوخ أو مبدل ، لكن المجتهدون وإن قالوا بآرائهم وأخطأوا فلهم أجر ، وخطؤم مغفور لهم . وكان الصحابة إذا أراد أحدهم أن يدعو لنفسه استقبل القبلة ودعا فى مسجده، كما كانوا يفعلون فى حياته . لا يقصدون الدعاء عند الحجرة ولا يدخل أحدهم إلى القبر. والسلام عليه قد شرع للمسلمين في كل صلاة ، وشرع للمسلمين إذا دخل أحدهم المسجد أي مسجد كان . فالنوع الأول كل صلاة يقول المصلى : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ثم يقول : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. قال النبي صلى الله عليه وسلم (( فإذا قلتم ذلك أصابت كل عبد صالح لله فى السماء والأرض)). وقد شرع للمسلمين فى كل صلاة أن يسلموا على النبى صلى الله عليه وسلم خصوصا وعلى عباد الله الصالحين من الملائكة والإنس والجن عموماً. وفي الصحيحين عن ابن مسعود أنه قال : كنا نقول خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة: السلام على فلان وفلان . فقال النبى صلى الله عليه وسلم: إن الله هو ٣٩٧ السلام ، فإذا قعد أحدكم فى الصلاة فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)) وقد روى عنه التشهد بألفاظ أخر، كما رواه مسلم من حديث ابن عباس، وكما كان ابن عمر يعلم الناس التشهد . ورواه مسلم من حديث أبى موسى لكن هو تشهد ابن مسعود. ولكن لم يخرج البخاري إلا تشهد ابن مسعود ، وكل ذلك جائز ، فإن القرآن أنزل على سبعة أحرف ، فالتشهد أولى . والمقصود أنه صلى الله عليه وسلم ذكر أن المصلي إذا قال : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أصابت كل عبد صالح لله فى السماء والأرض . وهذا يتناول الملائكة وصالحى الإنس والجن ، كما قال تعالى عنهم: ( وَأَنَّاِنَالصَّلِحُونَ وَمِنَّادُونَ ذَلِكَ كُنَّاطَرَبِقَ قِدَدًا ) . والنوع الثانى: السلام عليه عند دخول المسجد، كما في المسند والسنن عن فاطمة بنت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ورضى الله عنها أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا دخل أحدكم المسجد فليقل : بسم الله، والسلام على رسول الله. اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك . وإذا خرج قال: بسم الله، والسلام على رسول الله. ٣٩٨ اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك)». وقد روى مسلم فى صحيحه الدعاء عند دخول المسجد بأن يفتح له أبواب رحمته ، وعند خروجه يسأل الله من فضله. وهذا الدعاء مؤكد في دخول مسجد النبى صلى الله عليه وسلم، ولهذا ذكره العلماء فيما صنفوه من المناسك لمن أتى إلى مسجده صلى اللّه عليه وسلم أن يقول ذلك. فكان السلام عليه مشروعا عند دخول المسجد والخروج منه ، وفى نفس كل صلاة . وهذا أفضل وأنفع من السلام عليه عند قبره وأدوم . وهذا مصلحة محضة لا مفسدة فيها نخشى ، فبها يرضى الله ويوصل نفع ذلك إلى رسوله وإلى المؤمنين . وهذا مشروع فى كل صلاة وعند دخول المسجد والخروج منه ؛ بخلاف السلام عند القبر . مع أن قبره من حين دفن لم يمكن أحد من الدخول إليه لا لزيارة ولا لصلاة ولا لدعاء ولا غير ذلك . ولكن كانت عائشة فيه لأنه بيتها . وكانت ناحية عن القبور ؛ لأن القبور في مقدم الحجرة ، وكانت هي فى مؤخر الحجرة . ولم يكن الصحابة يدخلون إلى هناك . وكانت الحجرة على عهد الصحابة خارجة عن المسجد متصلة به ، وإنما أدخلت فيه فى خلافة الوليد بن عبد الملك بن مروان بعد موت العبادلة : ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وابن عمرو ، بل بعد موت جميع الصحابة الذين كانوا بالمدينة ، فإن آخر من مات بها جابر بن عبد الله فى بضع ٣٩٩ وسبعين سنة . ووسع المسجد فى بضع وثمانين سنة . ولم يكن الصحابة يدخلون إلى عند القبر ولا يقفون عنده خارجا، مع أنهم يدخلون إلى مسجده ليلا ونهاراً. وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((صلاة فى مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام)). وقال صلى الله عليه وسلم: (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى)). وكانوا يقدمون من الأسفار للاجتماع بالخلفاء الراشدين وغير ذلك فيصلون فى مسجده ، ويسلمون عليه في الصلاة ، وعند دخول المسجد والخروج منه . ولا يأتون القبر ، إذ كان هذا عندهم مما لم يأمرهم به، ولم يسنه لهم. وإنما أمرم وسن لهم الصلاة والسلام عليه فى الصلاة ، وعند دخولهم المساجد ، وغير ذلك . ولكن ابن عمر كان يأتيه فيسلم عليه وعلى صاحبيه عند قدومه من السفر . وقد يكون فعله غير ابن عمر أيضا . فلهذا رأى من رأى من العلماء هذا جائزا اقتداء بالصحابة رضوان الله عليهم . وابن عمر كان يسلم ثم ينصرف ، ولا يقف، يقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر ، السلام عليك يا أبت ، ثم ينصرف . ولم يكن جمهور الصحابة يفعلون كما فعل ابن عمر بل كان الخلفاء وغيرهم يسافرون للحج وغيره ويرجعون ولا يفعلون ذلك ، إذ لم يكن هذا ٤٠٠